|
محمد نذير محمد نبيل عزت الطنبولى
الحبر الذى لا يزول.. نذير طنبولى يوشح أسطورته
- فى قاعة جاليرى ياسين بالزمالك، تتسع الجدران لأنفاس الحبر، وتتهيأ لتلقى `وشوم بصرية` لا تمحى، يدخل الزائر فى صمت يليق بالمقدس، فيجد نفسه أمام لوحات الفنان التشكيلى `نذير طنبولى ــــ 1971` وكأنها جلود حية محفور عليها أثر خالد، هنا لا يعود الحبر مجرد مادة للرسم، بل يتحول إلى وشم أبدى، إلى `أثر غائر` فى الذاكرة والبصيرة، يترك بصمة مضيئة على الروح.
- الحبر فى تاريخ الإنسانية كان دائماً أسود ينقذ الأفكار من الفناء، والوشم كان العلامة التى تثبت الهوية على الجسد، أما فى `INK`، فيندمج المعنيان ليصبح اللوح `جلداً كونيا`، والحبر أثرا أزليا، والفنان ساحرا يعيد صياغة العلاقة بين `الخط والوجود`، الفنان لا يكتفى بأن يرسم مشهداً أو يقترح صورة، بل يكتب أسطورته على الجدار كمن يوشم قدره على جلد الزمن.
- كل خط هنا يلمع كوشم بدائى يذكرنا `بجدران الكهوف الأولى`، وكل فراغ يتردد فيه صدى `الأساطير القديمة`، الحبر يتنفس، يمتد، يتشعب، كأنما يعلن أن الفن ليس لحظة عابرة، بل أثر خالد `يرفض الزوال`، فى هذا المعرض، تتحول اللوحة إلى جسد والجسد إلى أسطورة، والأسطورة إلى وشم أبدى لا يمحى.
- والحبر كـ `دم الفكر ووشم الوعى` فى أعماله نزير يذهب أبعد من ذلك، الحبر لا يرى كخطوط على الورق فقط، بل كأنه `دم يتدفق` فى شرايين الفكر، هو السائل الأسود الذى يمنح الأفكار جسداً مرئياً، الحبر هنا ليس زينة ولا أداة، بل `مادة أولى` تشبه الدم فى ضرورته للحياة، إذ من دونه لا وجود للصورة ولا بقاء للأثر، وبهذا يضعنا أمام تجربة نادرة، علامة على أن الفن الحقيقى ليس ما يرى على الجدار فقط بل ما ينقش فى داخلنا كإشارة أبدية لا تزول.
- طنبولى ليس مجرد رسام يحترف أدواته، بل هو `راو` يترك حياته تمتزج فى لوحاته، ولد فى الإسكندرية، مدينة البحر والذاكرة، ثم غادر إلى عوالم أخرى ليكتشف ذاته فى الاغتراب، قبل أن يعود إلى القاهرة حاملاً معه طبقات من التجربة والدهشة، كأن مساره الشخصى نفسه غيرته يد القدر ليصبح أسطورة حديثة، تروى بالحبر والخطوط والصمت فى أعماله، لا نرى انعكاسا لواقع مباشر، بل نلمح حكايات مشفرة تستدعى المخيلة، وجوه غامضة، كائنات عائمة، رموز تتكرر كما تتكرر الأساطير القديمة عبر الأجيال لا يروى حكاية مكتملة، بل يترك `فجوات` مساحات للصمت تدعو المشاهد ليشارك فى صياغة الأسطورة، ليصبح هو نفسه جزءاً منها.
- فى قلب معرض `INK` يضع نزير الجسد الإنسانى `تحت مجهر الحبر`، لا كصورة جامدة، بل كفضاء مشبع ب `الأسئلة والانفعالات`، فى اللوحة الأولى، الملصق الذى يحمل عنوان المعرض، فنحن أمام مشهد حوارى صامت، رجل وامرأة فى مواجهة، أجسادهما تنبض بالعلامات السوداء، بينما قلب المرأة مرسوم بخطوط بيضاء لامعة، فى إشارة إلى `الداخل الذى يظل حاضراً` وسط الصخب الخارجى، هنا يترك الجسد مفتوحاً على المعنى المحتمل.. هل هو لقاء حب؟ مواجهة؟ أم مجرد لحظة عابرة تسكنها ثنائية الألفة والتباعد؟ إن الحبر بظلاله الكثيفة وتدرجاته الشفافة، يجعل من كل تفصيلة حركة بين الانكشاف والاختفاء.
- وفى عمل آخر يلتف الجسدان فى `عناق كثيف`، متداخلين إلى حد الذوبان، الحبر هنا لا يكتفى برسم حدود، بل يتجاوزها ليخلق `طيفا من الحضور المتراكب`، حيث يصير الجسد الواحد أكثر من جسد، والعناق `أكثر من لحظة`، الأشكال السوداء والخطوط البيضاء المتناثرة تشبه `خدوشا ضوئية`، كأنها آثار حياة كاملة منقوشة على اللحم، لتصبح اللوحة بمثابة `وشم روحى` على الذاكرة الإنسانية.
- ويمكننا قراءة عمل آخر كاستكشاف لعدة مواضيع `الثنائية والوحدة` الأشكال بالأبيض والأسود، الصلبة والمنمقة، والشخصيتان المتميزتان والمتشابكتان بقوة. ومفهوم للثنائية كـ `العقل.. الجسد، الذات.. الآخر`، والرغبة الإنسانية فى الوحدة أو التركيب، كيف تتحد كيانان متميزان لتشكيل `كل واحد`، وما الفردية التى تبقى فى هذه العملية؟ `الاحتضان` بحد ذاته هو رمز قوى للاتصال الإنسانى، والضعف، والثقة، يتجنب طنبولى فى تقديمه الإثارة الصريحة، ويركز بدلا من ذلك على التقارب العاطفى والجسدى، هذا يسمح بـ `تأمل أعمق` لما يشكل العلاقة الحقيقية، هل هى جسدية بحتة، أم أن هناك اندماجاً للذوات؟ الأنماط المميزة على كل شخصية، حتى أثناء تشابكهما، تثير تساؤلات حول `الهوية`، كم من أنفسنا نحتفظ به عندما نصبح مرتبطين بعمق بشخص آخر؟ كيف يشكل `الآخر` أو يعكس إحساسنا بالذات؟ الخطوط والأشكال الجريئة، والتى تشبه فن `التراث المصرى والفن الإفريقى` أحيانا تسهم فى إضفاء شعور بالبقاء، الأشكال ليست مجرد وصفية ولكنها مشبعة بـ `الوزن الرمزى`، بمعنى أوسع، قد يعلق العمل الفنى على الحاجة الإنسانية للاتصال فى فراغ وجودى (يمثله الخلفية البيضاء القاتمة). تتكئ الشخصيتان على بعضهما البعض، خالقتين `عالمهما الخاص` من المعنى والدعم وسط واقع خارجى أقل تحديدا، يضيف استخدام الفنان للحبر أو مادة مشابهة، مما يسمح بوجود `أنسجة ودرجات عتامة` متنوعة داخل المناطق السوداء، طبقة أخرى من العمق، بعض الأقسام سوداء بالكامل، وتنقل القوة أو اليقين، بينما تظهر أقسام أخرى جودة أخف وأكثر شفافية، تلمح إلى الضعف أو `مناطق الغموض`، الخطوط البيضاء، بدلا من مجرد التحديد، غالباً ما تقطع أو تحدد مساحات داخلية، مما يشير إلى `المناظر الطبيعية الداخلية` المعقدة للشخصيتين، نسيجا غنيا، منسوجا ببراعة من خلال الأشكال القوية والتباينات الصارخة، إنه يدعو المشاهدين إلى التامل فى تعقيدات العلاقة الإنسانية، والهوية، والرقصة الخالدة بين الفردية والوحدة، كل ذلك ضمن عالم بصرى آسر ومترابط بعمق أحادى اللون.
- كما يمكن رؤية الحصان كرمز للقوة والحرية والانطلاق، حاملا العاشقين فى رحلة عبر الحياة محاطين بالطبيعة التى تظهر بتفاصيل دقيقة مثل الزهور والطيور، مما يعزز من الشعور بالانسجام والوحدة مع الكون، وعند استخدام درجات اللون الرمادى فى الأعمال للإشارة إلى البعد الزمنى أو الطابع الحلمى للعمل، أو التركيز على التكوينات الهندسية الحسية المبطنة التى تشكل الأجساد والأشكال، التفاعل بين `العناصر الأرضية والسماوية` الموجودة فى الأعمال بشكل عام، تعكس رؤية فنية عميقة وثرية، تدعو المشاهد للتأمل فى جمال العلاقات والاندماج مع الطبيعة بلغة بصرية معبرة ومفعمة بالأحاسيس، وتتجلى المركزية بالتكوينات التى تضع `الشخصيات النسائية` فى بؤرة الأعمال، مما يعزز من إيحاء القوة والحضور.
- فى `INK` لا يقدم الحبر كوسيط مطمئن أو شكل مألوف، بل كقوة تحدث دهشة بين ما نعرفه وما لا نعرفه، هنا يتجلى مفهوم الغرابة الذى أشار إليه فرويد، ذلك الإحساس المزدوج الذى يجمع بين `الألفة والغرابة`، بين ما هو قريب وما يبدو غريباً فى الوقت نفسه، فلوحات نذير طنبولى توقظ فى المتلقى مناطق من اللاوعى، حيث تتحرك الظلال والخطوط كبقايا صور منسية أو أحلام نصف مكتملة.
- هذه المفارقة بين المألوف واللامألوف يجعل التجربة أكثر من مجرد تأمل جمالى، إنها مواجهة مع الذات فى لحظة انكشاف، فالخطوط السوداء ليست أشكالا محددة، لكنها تلمح إلى وجوه غائبة، أو حكايات لم ترو، أو كوابيس تتسلل من مساحات الصمت البيضاء، وهنا يكمن سر تأثيرها.. اللوحة لا تكتفى بان ترى، بل تجبر العين على رؤية ما لا تريد أن تراه.
- الغرابة إذا هى قوة المعرض، لأنها حول الحبر من مادة للرسم إلى مرآة للاوعى، حيث يواجه المتلقى رهافته ومخاوفه فى صورة جمالية مبهرة، ومن هذه المفارقة يولد سحر`INK`، عمل مألوف وغريب فى آن، يترك أثراً يتجاوز حدود الرؤية إلى أعماق النفس.
- ما يقدمه فى `INK` ليس مجرد تجربة بصرية، بل زمن داخلى جديد، الحبر عنده لا يكتفى بأن يكون خطا على سطح، بل يتحول إلى إيقاع يعلمنا الإصغاء إلى ما وراء الشكل، همس العاطفة، ارتجاف الجسد، ارتباك الروح أمام المرآة، فى كل عمل، يتركنا الفنان أمام سؤال جوهرى.. ماذا يبقى من الإنسان حين يتعرى من تفاصيله العابرة؟
- ربما تكون الإجابة فى تلك العلامات السوداء التى تضئ أكثر مما تعتم، فى المساحات البيضاء التى تفتح فراغاً يسكنه الحلم،`INK` ليس معرضا نراه ثم نغادره، بل تجربة تنغرس فى وعينا كأنها توقيع داخلى لا يمحى، تذكير بأن الفن العظيم لا يستهلك، بل يعيش فينا كزمن ثان مواز للحياة.
بقلم : إيستر فادى
جريدة: القاهرة 7-10-2025
دلالة الإستحضار الزمني لساعات `اليد` و`الحائط` فى أربع من لوحات الطنبولى
- عن معرض نذير الطنبولى فى جاليرى ياسين :
- أقام الفنان `نذير الطنبولى` عرضاً بعنوان `طائر على السلك` فى جاليرى ياسين..بدت فيه كثير من لوحات ثنائياته للمرأة والرجل كأداء بيرفورمانسى صامت وأفكار آمنه مستسلمه وبدت شخوصه ممتنه بشده للحظتهما المُعاشه.. أما نحن كمشاهدين لم نتوقع هذا الإستسلام الآمن لتوتر `طائر يقف على سلك` كما ألقى به الفنان فى عقلنا ونحن ندخل إلى عرضه المسمى بهذا العنوان المُنبئ عن حاله توتر مترقبه.. لنفاجأ بهذه السكينه لتواصل أجساد فى سكون آمن بينما مسار الفعل الأدائى لشخوصه يقود اللوحة ليقف عند حافة لا نتوقع ما ورائها.. هذه الحافه من الترقب التى توقفنا عند حواف لوحاته تُعد أقوى ما فى أداءات الطنبولى الجسديه..أما البُعد المهيمن داخل الشخوص وفضاء اللوحة فهو الزمن الذى يتشكل ويُشكل اللوحة كعنصر هام ولا يقف عند حوافها.
- زمنى ساعتى الحائط واليد
- إستوقفنى فى المعرض أبعاد فكريه مهمه لأربع من لوحات الطنبولى لعامي (2025-2026) ولا أعتقد أن ظهور الساعات داخل لوحاته جاء بالمصادفه أو كديكور بما يشكلون نقله فكريه ومفاهيميه لفعل اللوحه تحت وطأة الزمن من خلال حضور آلات إحصاءه من ساعات حائط وساعات يد حيث الساعة تدل وتشير إلى زمن زائف فى التجربة الأنسانية.. وقد أحكم الفنان قبضة الزمن على أربع من لوحات المعرض وشكل أبعادها.. وهى اللوحات المُسماه :`غرفه على البحر 1` .. `غرفه على البحر 2`.. `إقتران`.. و`إستراحه`.. وأرى لو أن هذه اللوحات الأربع عُرضت معاً فى صاله واحده لشكلت بوصله فكريه هامه فى مسار الطنبولى.
- أعتقد أن القيمه ذات الدلاله المهمة والتى تحكمت فى كونسبت اللوحات هو إعتماد الفنان على زمنين.. أولهما: زمن عام مفروض علينا وجوديا والمتمثل فى ساعتى الحائط الثابته فى المكان كمصير مشترك جماعى يجعلنا جميعاً نحن كمشاهدين مع شخوص لوحتي `ساعتى الحائط` واقعين تحت سلطة الزمن ووطأته بل وحبيسى هذه اللحظه داخل دائره زمنيه ستبقى مرئيه حتى بعد إنتهاء زمن وجودهم وستتكرر مع كل رؤيه للأعمال.. أما ثانيهما: أى الزمن الثانى وهو زمن خاص شخصى ونسبى خاضعه له شخوص لوحتيه اللاتى تضم `ساعتي يد` فقد خضعت شخوصه لسطوة الزمن الشخصى بإلتصاق ساعة اليد بالأجساد وأدائها.
- فنرى لوحتى `غرفه على البحر 1`.. و`إقتران` علقت فوق جدرانهما ساعتى حائط.. ولوحتى`غرفه على البحر 2`.. و`إستراحة ` احتوتا على ساعتى يد.
- اللوحات الزمنيه الأربع
- إن وجود الساعات فى اللوحات وهى آلات الإشاره للزمن وإحصاءه أعطى عمق وبعُد رابع للمشهد بقوه وبرغبة معايشة شخوصه لزمنهم الخاص وبالسعى لتحقيق ديمومية حضورهم والذى أدته بصرياً إتجاهات حركات الأجساد والأطراف الشبه دائريه ربما متمردين على ترصد الزمن بهم.. حتى بدت لي حركة الشخوص نفسها كساعه بصريه وأداه لقياس زمنها النفسى.. وكأن الفنان لم يصور أجساد تتحرك بل كان يصور بأجسادهم الحركه فى الزمن.. لذلك بدت لى لوحاته الأربع تصف فعل الزمن كبُعد رابع شارك شخوصه وأثرعلى إدراكنا كمشاهدين وكان سيختلف مفهوم اللوحات كاملاً فى عدم وجود الساعات وما أضفته من حضور زمنى لشخوصه.
- وعن `ساعاته الحائطية` نرى فى لوحة `غرفه على البحر1` ساعة حائط ضخمه فوق الجدار تعلو رأسى المرأة والرجل ترصد حركتهم مع دقاتها.. وربما تجرح فى رمزيه للإزدواجية الموجودة داخل كل منا بين حدي الحريه والمراقبه ليكون هذا التناقض المشحون جانب آخر من بيان أساسي في لوحات الطنبولى.. وفى لوحة `إقتران` ترصد ساعة الحائط حضورشخصي المرأة والرجل اعلى يمين اللوحة وقد وجعل الفنان حركة الجسدين فى إنسجام توافقي لمسار الزمن شبه الدائري وإنحناءاته كأن الساعه والشخوص يسريان معاً داخل منحنى الزمن وبما يتفق ورؤية أينشتين لسير الزمن فى خطوط منحنيه.
- أما عن `ساعتي اليد` فنرى فى لوحة `غرفه على البحر 2` ساعة تطوق بإحكام معصم المرأة المستلقاه أرضاً بثقل جسدها المادى المنجذب لزمنها الخاص اللامرئى والملتصق بمعصمها ليذكرها بإنقضاء الزمن.. ونرى إستحضار حركه لجسدها داخل زمن نفسى بطئ بوضعية الإسترخاء تأملاً لسير زمن وجودها.. وفى هذه اللوحه الهامة ساد إحساس بثقل وطأة الزمن لنرى المرأة داخل نطاق زمنها الخاص وقد ألقت بوجهها لأسفل فاقدة التعبير.. والرجل فى تواصله بلمس ركبتها وكأن سرى داخله زمنها الخاص ليسرى داخلهما معا إحساس مشترك فى ظل الزمن قادهما إلى فراغ النظره لكلاهما.. ذلك الفراغ الذى يأتى بانعدام الزمن أو الزمن الذى لا يأتى فى الفراغ.. بينما فى لوحة `إستراحه` خلع الفنان عن نفسه ساعة يده ليتحرر من إلتصاق الزمن وتهديده الدائم له بفكرة الفقد مع دقات سير عقربي الساعة ولينال إستراحة مستبدله بجهاز `ووكمان` فوق أذنيه ملتجأ لزمن الموسيقى الأكثر إمتداداً فى الزمن المفتوح بما يوحى بتحقيق زمن دورى حرالحركة لثنائياته الممددة أفقياً فى شبه دوار أبدى من تواصل انحناءات الجسدين بإيقاعات زمن التدفق الموسيقى.
- أخيراً.. أرى أيضاً ربما ينتاب شخوصه حاله من رغبة الإنعتاق الجزئى من الزمن بتمدد الاذرع والسيقان الطويله فى لوحاته الأربع والملتفه ليُشكلا سعياً للتواصل البشرى كديمومه حيه متصله خارج الزمن ولا يبغون الإنعتاق من بعضهما فى مقابل الزمن المرصود الموحى بالفقد مع كل من دقاته المتقطعه.. وأرى أن الساعات بلوحات `الطنبولى` الأربع رسم بهم بصوره مرئيه إحساسنا بالزمن الغيرمرئى ولكنه الفاعل علينا بثقله وإلحاحه.. وبساعات لوحاته الهامة قدم مقابله بين الزمن `العام` بساعتى الحائط والزمن `الخاص` بساعتى اليد.. أيضاً وبمفهوم حركة إحصاء الزمن نجح الفنان فى خلق زمن للحركه داخل دماغ المشاهد.. وإرتباطاً بالجسد والساعه هو لم ينقل حركة الجسد بل صنع امكانية الحركة فى الزمن.. لينجح بأن يلهمنا أمام لوحاته كمشاهدين بالزمن الحى لنكمل بأذهاننا الحركه الحقيقيه التى حدثت داخلنا نحن المشاهدين.. هذا رغم ما يذكرنا به الزمن بأننا نحن كائنات داخله وعلينا ألا ننسى هذا.. وبما اننا نعرف انفسنا أيضا بأننا كائنات زمنية مؤقتة لذا ندرك بأن لنا حدا.. وهذا ما ينذراننا به عقربى الساعة بصورة ملحه متواصلة.. وهذا شغل كثير من الفنانين أذكر منهم من تعامل مع زمن اللوحات بدلالات سيرياليه وميتافيزيقيه وفلسفيه ثلاثة أعمال هى: لوحة `إصرار الذاكره` لسلفادور دالى الذى برؤيه سيرياليه أذاب ساعته ليكسر فكرة الزمن الصارم.. ولوحة `الزمن المسائى` لأحمد مرسى الذى برؤيه ميتافيزيقيه قادته للدلالة على زمن زائف فى التجربه الإنسانيه.. ولوحة `الدقة الرابعه` لجاذبيه سرى التى جعلت الساعة تنقل رمز زمنى داخل مجال فلسفى لا ينتهى بتحويلها عقربى الساعة من ماديتهما الى رؤية لمفهوم `زرادشت` حول الدقة الرابعة` إعرف نفسك`..
- لغة الجسد والعقل
- دائماً تأخذ لغة الجسد دورًا مهمًا فى لوحات الطنبولى كشكل من أشكال التواصل.. فالجسد يتشكل مكوناً سيرتة الذاتية التى وراءها العقل ولا يكذب الجسد أبداً.. ومن خلال لغة الجسد مع وجوه شخوص لم تواجهنا كمشاهدين يمكننا فهم العلاقة بين الجسم والعقل كنص صامت يعكس بوضعياته ما يجول بالعقل وكأن هناك سلك كهربائى موصول ما بين العقل والجسد.. والمثير فى ثلاث من لوحات الفنان الثنائية لجسدى المرأة والرجل كانت الأرضيه إلى أسفل اللوحات مرسومه وملونه كقاعدة لرقعة شطرنج كأن الرجل والمرأة عنصرين لتقابل ذهنى فوق رقعة شطرنج يحكمها العقل بينهما وليسا فقط مجرد جسدين.. وهذا قد يسهل للمشاهد قراءة ذهنى شخصيتى لوحاته من خلال أداءاتهما الجسديه التى تكررت فى مواضع مختلفه من اللوحات كأنها دفتر يوميات لحركه يحكمها ذكاء جسدى كأداه قويه مع الإستغناءعن نظرات العيون ليكون فكروفعل الجسد هما واجهة التعامل وشخوصه.. وهذه الرؤيه تتقابل وأعمال`إيف كلاين` و`جوزيف بويز` فى تمكينهما للجسد بأن ينقل أفكارًا معقدة ومجردة.
- ومن جانب آخر تبدو بصرياً مسرحة الطنبولى لأجساده في المكان والزمان تتفاعل وفضاء اللوحة وتسكنه حتى تبدو ثنائياته أقرب للطبيعة الصامته داخل بعض فضائياتها المفتوحه إلى حد قد تبدو كمنظر طبيعي يفكر في نفسه ذهنياً بالصمت تجاه الآخر وربما فى مراوغه رغم أن كلاهما يعكس بعضهما البعض ويشكلا معًا منحوتة وجودية أوكماده نفسيه معماريه.. وتكون أنت شاهدا على وجودهما كجسدين طموحين.. وهذا الطموح الوجودى دفع الفنان للتمدد بأجساده إلى أقصى الحدود الجسديه بما يمكن التعبير عنه بـ `الأنا جسدى` كما فى لوحته `إقتران`.. وربما يدفع هذا للتساؤل العكسى تماماً: `هل هناك مساحه من فقدان الذات فى الآخر أو لأجل الآخر يحدث فى لوحات الطنبولى؟ وأن كان يحدث فهل هذا الفقدان حقيقى رغم التمازج المادى..؟ أعتقد أن الطنبولى ربما يبحث بحركة أجساده وحضورهم عن الجسر الوسيله لتكثيف الإحساس بحضور `الذات` و`ذات الآخر`؟.
بقلم : فاطمة على
جريدة: القاهرة 12-5- 2026
|