`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
إبراهيم محمد مصطفى العطار
إبراهيم العطار.. شاعرية الضوء وانطباع المكان
- تنتمى المدرسة الانطباعية إلى واحدة من أكثر التحولات تأثيرًا في تاريخ الفن الحديث، إذ نقلت اهتمام الفنان من تسجيل الواقع كما هو إلى التقاط الانطباع البصرى واللحظة الحسية التى يتركها المشهد فى العين.. وقد اهتم الانطباعيون بالضوء وتغيراته، وبالعلاقات اللونية التى تتبدل وفق الزمن والجو، مع التحرر من التفاصيل الدقيقة والاعتماد على ضربات فرشاة حرة ومتجاورة تمنح السطح حيوية وحركة، كما نرى فى أعمال الفنانين كلود مونيه، وأوغست رينوار، وكاميل بيسارو، ومن هنا لم تعد الطبيعة مجرد موضوع ننقله على مسطح اللوحة، وإنما أصبحت فضاءً للضوء واللون والهواء، تتشكل صورته من خلال الإحساس قبل الوصف.
- وفى هذه اللوحة للفنان إبراهيم العطار، التى عُرضت فى معرضه الأخير `معنى كلمة لوحة`، الذى أُقيم بجاليرى ضى بالزمالك، ويعود تاريخ تخرجه فى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة إلى عام 1985.. يبدو المنظور الانطباعي حاضرًا بوضوح، ليس باعتباره نقلًا حرفيًا لتجربة الانطباعيين، وإنما من خلال طريقته فى التعامل مع الضوء واللون والمشهد الطبيعي.. تقدم اللوحة مشهدًا تتعانق فيه الطبيعة مع العمارة، ويحتل المنزل العائم `العوّامة` مركز التكوين، ليصبح نقطة الارتكاز البصرية التي تتجمع حولها مفردات المشهد.
- يمنح العطار هذا الشكل المعمارى حضورًا قويًا من خلال وضعه فى صدارة اللوحة، وكذلك استخدام مساحات لونية دافئة من الأصفر والبرتقالى والبنى، تتخللها درجات زرقاء وخضراء أكثر برودة، ويخلق هذا التباين بين الألوان الدافئة والباردة إيقاعًا بصريًا واضحًا، كما يمنح البيت العائم إحساسًا بالدفء والحضور الإنسانى فى مواجهة الطبيعة المحيطة به.
- ويأتى الضوء بوصفه أحد أهم أبطال العمل، فهو لا يسقط على العناصر بصورة متساوية، وإنما يتوزع بينها فى ومضات وإضاءات متفاوتة، فنرى انعكاساته على الماء، وعلى الأسطح الخشبية، وعلى أوراق الأشجار، بينما تتراجع بعض المناطق إلى الظلال العميقة.. هذا التفاوت بين الظل والنور يمنح اللوحة عمقًا وحيوية و حركة مستمرة.
- وتتسم معالجة العطار السطحية بثراء واضح، فالفرشاة تبدو حرة فى مناطق عديدة، خصوصًا فى الأشجار والماء والسماء، حيث تتجاور اللمسات اللونية وتتراكب دون أن تفقد الشكل العام تماسكه، وفى بعض المواضع تتكاثف الضربات لتكوين ملمس بصرى كثيف، بينما تصبح أكثر ليونة وانسيابًا في السماء والماء. ومن خلال هذا التنوع، ينجح الفنان فى منح كل عنصر طبيعته الخاصة كما يتضح فى حركة الماء، وكثافة الأشجار، وصلابة البناء الخشبى.
- ويعتمد التكوين على توازن ذكى بين الكتلة المعمارية فى المقدمة والامتداد الأفقى للماء فى الوسط، بينما تقود النباتات والأشجار الموجودة على الجانبين عين المتلقى نحو العمق.. ويسهم الممر المائى فى فتح فضاء بصرى يمتد إلى الأفق، حيث تظهر كتل عمرانية بعيدة تذوب تدريجيًا فى الضوء والجو، وهنا تتأكد قيمة المنظور.. إذ تقل وتتلاشى حدة التفاصيل كلما ابتعدت العناصر، لتصبح المسافة ذاتها جزءًا من البناء التشكيلى.
- أما الأشجار والنباتات فتقوم بوظيفة تتجاوز كونها خلفية طبيعية.. فهى تمنح المشهد كثافة وحيوية، كما أن تنوع درجات الأخضر المتداخلة مع الأصفر والأزرق والبنى يمنع المساحات النباتية من السكون. ويأتى الماء فى الجهة المقابلة بوصفه سطحًا عاكسًا يستقبل الضوء واللون، فتتشكل عليه انعكاسات غير مستقرة تضيف إحساسًا بالحركة.
- واللافت أن العطار يعيد صياغة المشهد من خلال حساسية لونية واضحة.. فهناك قدر من الاختزال فى التفاصيل مقابل الاهتمام بالجو العام، وبالعلاقة بين الضوء والكتلة واللون، ويبدو البيت العائم `العوّامة` فى مركز العمل وكأنها تحمل ذاكرة المكان وحياة الإنسان، بينما تحيط بها الطبيعة في حالة من التداخل العضوى.. فلا يصبح هناك فصل حاد بين المبنى والماء والشجر والسماء، وتمنح السماء مساحة مهمة فى بناء الحالة الشعورية للعمل، بما تحمله من تدرجات زرقاء ورمادية ولمسات ضوئية متكسرة.
- وبذلك يقدم إبراهيم العطار مشهدًا يتجاوز حدود التسجيل البصرى للمكان، ليصبح احتفاءً بالضوء واللون والذاكرة المكانية.. فالانطباعية فى هذه التجربة تظهر فى حيوية وغنى اللون، والملامس، وتغير الضوء، والاهتمام باللحظة البصرية، بينما يحتفظ الفنان فى الوقت نفسه ببناء تشكيلى واضح وبحضور قوى للعناصر المعمارية والطبيعية، إنها لوحة تستمد جمالها من ذلك التوتر الخلاق بين ثبات المكان وحركة الضوء، وبين صلابة الخشب وانسيابية الماء، وبين التفاصيل الواقعية والرؤية الانطباعية التى تجعل المشهد يبدو وكأن العين تراه للمرة الأولى.
بقلم : د./ طارق عبد العزيز
جريدة : الأخبار 21-9-2026
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث