رحلة في أعماق التراث والذكريات
- معرض (إنجي عمارة، همت رايان) - جاليري أكسيس القاهرة
- خلال المعرضٍ الإستثنائي المقام حالياً وحتي يوم 7 يوليو 2025 بجاليري أكسيس بالقاهرة، تجتمع موهبتان متميزتان وهن الخزافة الشابة `إنجي عمارة والفنانة المصورة `همت رايان`، فى حوارٍ تشكيليٍّ يخترق سطح المادة ليغوص في طبقات الذاكرة والتراث، هذا التلاقي ليس مجرد عرضٍ لأعمال فنية بل هو تعبيراً صادقاً عن قدرة المرأة على صياغة أحساسها وذكرياتها وهويتها فى هيئة ملموسة يمكن للجمهور رؤيتها والغوص في تفاصيلها وإدراك معانيها، فتجاوز المعرض كونه حواراً بين فردين إلى كونه غوصاً في اللاوعي المشترك، هذه البيئة التشاركية أفرزت لغة بصريةً تجمع بين الغريزي والمنظم، بين الفطري والمُصاغ - وهي روحٌ تتجلى في ثنائية إنجي عمارة وهمت رايان، فالفنانة المصرية الشابة `إنجي عمارة` (مواليد الإسكندرية، 1993) تمثل نموذجاً فريداً لفنانة معاصرة تستلهم أعمق جذور التراث المصري القديم، وتعيد صياغته عبر لغة بصرية حديثة، تخصصت إنجي في فن النحت الخزفي، مستخدمةً طين الفيوم بوصفه مادةً جمالية وحاملةً لرواية ثقافية، ومستلهمةً بشكل خاص `الأواني الكانوبية` من المصري القديم - تلك الأوعية المقدسة التي حفظت أحشاء الموتى كرمز للخلود والحياة الأخرى، تجربتها الفنية تشكل حواراً ثرياً بين الماضي السحيق والحاضر المعاصر، بين المقدس والتجريدي، وبين الهوية المحلية والخطاب الإنساني العالمي، تخرجت إنجي عمارة في قسم النحت بكلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية عام 2017، حيث تشكلت أساساتها التقنية والفكرية، ولم تكتفِ بالمنهج الأكاديمي التقليدي بل كانت شغوفة بإكتشاف منابع الفن الأولية، خاصة الفن البدائي وفنون الحضارات القديمة، مع تركيز خاص على التراث المصري القديم الذي رأت فيه أحد أهم الروافد التراثية الثقافية، وتأثرت خلال هذه المرحلة التأسيسية بأساتذتها لاسيما الفنان الدكتور `أحمد عبد الوهاب` الذي كان له دور مركزي في صقل رؤيتها الفنية ومنهجيتها البحثية، سعت إنجي مبكراً لتجاوز الحدود الأكاديمية فإنخرطت في العديد من البرامج الفنية ومن أهماها إقامتها الفنية في مركز الفيوم للفنون في قرية تونس بمحافظة الفيوم حيث شكلت منعطفاً محورياً في مسيرتها، فالفيوم ببيئتها الطبيعية الفريدة وتراثها الحرفي العريق كانت بمثابة `بيئة مناسبة` وجدت فيها ضالتها الفنية والروحية، حيث إنبهرت إنجي بـأشكال الفخار وتقنيات الخزف المتنوعة التي تشتهر بها المنطقة، وكان العمل مباشرة مع `طين الفيوم` وهو موضوع دراستها الحالي لنيل درجة الماجستير - بخصائصه الملمسية واللونية المميزة - تجربة تحولية رأت في هذا الطين ليس مجرد مادة خام بل حاملًا للتاريخ والجغرافيا والذاكرة الجمعية لمجتمع عاش في هذه المنطقة العريقة لآلاف السنين، هذا اللقاء المباشر مع المادة والأرض والتراث الحرفي الحي هو ما قادها بشكل طبيعي نحو إستكشاف أحد أرقى تجليات الفن المصري القديم والإستلهام منه، وفي تجربتها الحالية تحت عنوان (ذاكرة الأرض) سعت إلى إستعادة روح الأواني الكانوبية وجوهرها الرمزي وإعادة صياغتها عبر منظور معاصر فنرى في أعمالها الإحتفاظ بالشكل التقليدي للأنية أو الشكل الوعائي المميز لكنها تحررت من الدقة والتماثل فقامت بإضافة لمسات يديها الخاصة والواضحة والتي تبرز جماليات الحجم والكتلة والفراغ و تؤكد البعد الإنساني والحرفي، كما أن إستخدامها لطين الفيوم ذي اللون الترابي الطبيعي أضفي إحساساً بالأصالة والإرتباط بالأرض، تعاملها مع السطح غالباً ما يحتفظ ببعض الخشونة أو الآثار الناتجة عن عملية التشكيل والحرق، معززاً فكرة القِدَم والصدق المادي، بعيداً عن المثالية المفرطة أما في الحيز الخاص بعرض أعمال الفنانة المصورة `همت رايان` تتماهى الأشكال والصور والتفاصيل المرسومة مع لون الورق، فتبدو للمشاهد في البداية كمساحات لونية تجريدية، لكنها تظهر تفاصيلها وطبقاتها كلما أطال المتلقي النظر، والفنانة `همت رايان` والتي تخرجت في كلية الفنون الجميلة الأسكندرية عام 1990، حيث تشبعت بتقنيات التصوير الزيتي التقليدية، لكنها تمردت على المألوف وقدمت نموذجاً إستثنائياً لتحديث التصوير الزيتي الكلاسيكي فرفضت التقيّد بالقماش التقليدي (الكنفاس)، وإتجهت للبحث عن خامات تعكس الهوية المصرية اليومية، مثل كرتون الصناديق وصحف التغليف وعبر دمج خامات مبتكرة مثل قطع الأخشاب والخيوط وبقايا الخيش معها، والتي لم تكن مجرد تحولات تقنية، بل كانت فلسفة فنية تعكس رؤية نقدية للإستهلاك وإعادة التدوير، مع الحفاظ على جماليات المدرسة التعبيرية، وذلك من خلال تراكيب متعمدة بإستخدام تلك الخاماتٍ المهملةً لخلق طبقاتٍ من الرموز و الدلالات، والعمل الفني عند `همت` يتغير جذرياً بتغير موقف المشاهد، وكأنها تستدعي فكرة `الطبقات` - المستخرَجة من اللاوعي - التي لا تكتمل إلا بالنظر من زاويةٍ أخرى، فالأشكال في أعمالها ليست كاملةً أو مثالية، بل مشتتةٌ تختفي وتظهر بين الخطوط والألوان، هذه التقنية لا تخلق جمالياتٍ شكلية ولونية فحسب بل تحوّل اللوحة إلى حقل تنقيبٍ عن آثار الذات المتخفية بين الطبقات والخامات، وفي عرضها الحالي تحت عنوان `بعث` قامت الفنانة بتقديم تجربة فريدة عبرت فيها عن ذكرياتها من طفولتها حيث إستخدمت في بعض أعمالها صوراً عائلية لأسرتها وبعض الكتابات والوصايا من جدودها، والتي قامت بمزجها مع أسطح لوحاتها لتعبر عن حنينها للماضي والدفئ الأسري التي حظت به في طفولتها، مستغلة أسطح الكرتون كخامر رئيسية في معظم الأعمال المعروضة مع الدمج بينه وبين الخامات الأخري كالأخشاب والخيوط والألوان المتنوعة، ليحظي المشاهد في النهاية علي تجربة تعبيرية فريدة من نوعها يشعر بطاقتها كل من يري أعمالها، وبذلك نجد أن هذا المعرض ليس مجرد جمْعٍ بين فنانتين، بل هو نسجٌ لخطابٍ بصريٍّ قائم علي التباين فبينما تعيد همت بناء الذات من الشظايا اليومية المهملة، تعيد إنجي تشكيلها من كتلة التراث الطينية، كلتاهما تبحثان عن `الذات` تلك المساحة المخفية في اللاوعي الجمعي للمرأة، ف `همت` تلتقط شظايا الذكريات بأنامل مصورة، بينما تحاور `إنجي` الأرض بيدَيْ خزّافة .
بقلم : أ.د/ منى غريب
جريدة: القاهرة 24-6-2025