الطفولة فى منحوتات عفاف عبد الدايم
- عندما نتحدث عن الطفولة.. نجد أن معناها يتعدى كونها الفترة الواقعية بين الولادة وسن البلوغ إلى معنى أعم وأشمل، فهى تعبر عن نوعية الحياة التى يعيشها الطفل فى تلك الفترة.
- إنها المرحلة التى يتمتع فيها الأطفال باللعب والتعليم، ويتم خلالها مساعدتهم على النمو الصحى جسمانياً ونفسياً بالحب والتشجيع والتوجيه من قبل العائلة والمجتمع. وتعتبر فترة الطفولة غاية فى الأهمية، حيث يتمتع فيها الطفل بمجموعة من الحقوق تشتمل على الأمن. والحماية من الاستغلال والإيذاء. والحماية من العنف بأشكاله، وكذلك حقه فى التعليم والرعاية الصحية.
- وعندما يريد الفنان أن يعبر عن معانى البراءة والعفوية الصادقة واللهو البرىء وحب الإنطلاق دون هموم وضغوطات الحياة: فهو أحيانا يلجأ إلى عالم الأطفال الساحر ليستوحي منه كل هذه المعانى وغيرها مما نجده فى عالم الطفولة الساحر والمبهر، فينتج أعمال تدعو للبهجة والراحة النفسية لمن يتأملها، فالإنسان مهما أنجز فى حياته فهو يتوق دائماً لفترة الطفولة التى عاشها بعقل وقلب صافى قبل أن يحمل الأعباء والمسئوليات وصراعات ومشاغل الحياة.
- ومن الفنانين الذين اتخذوا من عالم الأطفال منهل لإستلهام إبداعاتهم كانت الفنانة `عفاف عبد الدايم` ..
- فالفنانة `عفاف مصطفى عبد الدايم` بنت محافظة الدقهلية والتى ولدت عام 1941، وانتقلت إلى جوار ربها عام 2012 م.. اختارت لنفسها طريقاً خاصاً فى مجال النحت تأثرت فيه بالأرض المصرية بخصائصها وطبيعة أهلها البسطاء ومثلت الأمومة وعالم الطفولة ببراءته وحيوته وطرافة موضوعاته، كما أنها تأثرت بالبيئة المصرية فى اختيار التشكيل فى معظم أعمالها بخامة الطين الأسوانى وتلوينه وحرقة كالفخار فأنتجت أعمال توافقت فيها الفكرة مع الخامة كنتاج من أعماق البيئة المصرية، وقد أستطاعت أن تتخذ أسلوب خاص يجمع بين الواقعية والمبالغة لتأكيد تعبيراتها الرمزية.
- ومن إنتاجها فى مجال النحت التى تميزت به تلك التى عبرت فيها عن عالم الطفولة والبراءة فى موضوعات متنوعة كاللهو والأمومة وغيرها. ومن هذه الأعمال النحتية:
ـــ تمثال `عبور النهر`، من الطين المحروق الملون، انتجته الفنانة عام 1992م.
- والعمل يتكون من كتلة ضخمة مستقرة على الأرض تعبر عن النصف العلوى لحيوان مستأنس وهو `الحمار`، وهو بدون أرجله والمقطع السفلى من البطن، وفوق ظهر الحيوان يجلس مجموعة من أربعة أطفال فى أوضاع مختلفة وبحجم صغيرة جداً بالنسبة لحجم الحيوان.
- والعمل الفنى يتناول موضوع مألوف فى الريف المصرى حيث الخروج للعمل، وتكون وسيلة المواصلات الشائعة هو ركوب الحيوان `الحمار` ولكن الفنانة قد صاغته بأسلوب غير مألوف فقد بالغت بشدة فى حجم الحيوان بالنسبة لحجم الأطفال، ليكون أقرب إلى شكل القارب الذى يمر فوق سطح الماء، ويظهر الحيوان وكأن الجزء السفلى من جسمه قد أختفى فى ماء النهر الساكن، والذى يستدل على سكونه من الخط الأفقى المستقر فى قاعدة العمل، ويظهر فوق ظهر الحيوان الذى استطال ليستوعب مجموعة الأطفال فى حركات مختلفة ومتنوعة هذا بالأضافة إلى الاتجاه المختلف لإحدى الأطفال وهى الطفلة الثالثة فتأخذ اتجاه جانبى وهو اتجاه مخالف لبقية الأطفال الذين يأخذون اتجاهاً أمامياً مع اتجاه حركة الحيوان. هذا التنوع من شأنه تأكيد للتعبير عن الحركة الدائبة والمستمرة والإمتلاء بالحيوية المتمثلة فى الطفولة.
- وقد عبرت الفنانة عن العلاقة بين البراءة المتمثلة فى الأطفال وبين الحيوان المسالم، وعلاقة الألفة الشديدة بين الإنسان وهذا الحيوان، ويتمثل ذلك فى جلوس الأطفال على ظهر الحمار فى سكينة وطمأنينة وهدوء بدون خوف من الحيوان، وكأنه يحملهم ويقودهم ويرعاهم فى نفس الوقت. كما يلاحظ من ملامح وجه الحيوان وحركة أذنيه إلى الخلف سكينته ورضائه بوظيفته التى تتكرر كل يوم فهو يعرف طريقة من المنزل إلى الحقل والعكس صحيح.
ـــــ فى الفصل، عمل فنى آخر للفنانة عفاف عبد الدايم، وأيضاً من الطين المحروق الملون.
- وهو عبارة كتلة متماسكة لثلاثة أطفال صغار يجلسون متجاورين ومتلاصقين فى مقعد الدراسة (الديسك أو التخته) كما كان يطلق عليه، والذى من السهل التعرف عليه من شكل التمثال، يظهر من التكوين إختفاء الجزء السفلى للأطفال داخل المقعد وقد عبرت عنهم الفنانة فى أوضاع مختلفة تؤكد الحركة والحيوية فى العمل الفنى رغم أن الكتلة السفلية للتمثال مغلقة وساكنة. النصف السفلى للعمل الفنى عبارة عن كتلة مستطيلة قوية راسخة تحافظ على اتزان التمثال وترابطه وتمثل المكان الذى يحتوى التلاميذ دائماً وقاعدة للعلم الذى يؤهلهم للحياة والمعرفة.
- ثم يتحول النصف العلوى للتمثال ليمثل حيوية الحياة المتمثلة فى الأطفال الصغار الذين يجلسون ليتعلموا ولكن فى حركات متنوعة تصنع إيقاع متناغم بديع يمثل واقعية تصرفات الأطفال داخل الفصل الدراسى، فالطفل فى اليمين يظهر وهو يضع يديه على الكتاب وينظر أمامه فى تركيز وأهتمام وكأنه يتابع شرح المعلم أو المعلمة، أما الطفل فى اليسار فيميل برأسة للأمام ناظراً فى الكتاب بتركيز وكأنه يتابع ما يسمعه، أما الطفل الأوسط عبرت به الفنانة عن لهو الأطفال فيظهر وكأنه غير مكترث بالدرس فيتحرك بعفوية بجسمه ورأسه لأحد الجانبين يتابع شىء ما غير الدرس، وقد نجحت الفنانة فى تمثيل حركات الأطفال داخل الفصل الدراسى بواقعية شديدة مع نقل للمشاهد إحساس بحيوية الحياة والمرح من خلال طرافة الموضوع.
ــــ تمثال إنطلاق من خامة النحاس وقد أنتجته الفنانة عفاف عبد الدايم عام 1995م.
- يتكون هذا العمل الفنى من سلم ضخم مكون من أربع درجات ومتعامد على سطح الأرض، وعليه طفلان وقد ظهرا بحجم صغير جداً بالنسبة لحجم السلم، والطفلان منفذان بأسلوب تجريدى دون تفاصيل ليعبرا عن الشكل العام للإنسان فى هذه المرحلة العمرية.
- وفكرة التمثال معبرة وتعطينا الإحساس بالحركة والحيوية والإنطلاق، التى نحسها من تحرك العناصر من السكون إلى الحركة، وقد إعتمدت الفنانة للتعبير عن الفكرة بترتيب العناصر. فهناك طفل جالس على أول درجات السلم ساكن الحركة، والطفل الآخر يجلس على ركبتيه فى أعلى درجات السلم ورافعاً يديه لأعلى فى تعبير صارخ كأنه يهلل فرحاً لوصوله للقمة. ولتأكيد الفكرة استغلت الفنانة موضوع النسب والتناسب، فنجدها بالغت فى حجم السلم بالنسبة لحجم الأطفال، وهذه المبالغة جاءت فى صالح الناحية التعبيرية للتمثال، حيث إن وجود الطفلين بهذا الحجم الضئيل وصعود أحدهما فوق قمة هذا السلم العملاق، يمثل إنجازاً وإنتصار لهذا الطفل، فيرفع يديه لأعلى معبراً عن وصوله إلى القمة والإحساس بالانطلاق.
- وقد حققت الفنانة وحدة فنية فى التمثال ناتجة عن تعبير الشكل عن المضمون يراها المشاهد ويحسها، حيث أن وجود هذين الطفلين الضئيلين أحدهما جالس فى هدوء وإستسلام أسفل السلم، والآخر أعلى قمة السلم رافعاً يديه لأعلى فى قوة، فهذا التكوين يؤكد فكرة التمثال الذى يعبر عن الاحساس بالفرحة والإنطلاقة القوية.
- .. وأخيراً لقد عايشت الفنانة عفاف عبد الدايم عالم الطفولة وجسدته فى أعمال نحتية عديدة، بديعة فى التكوين والمعنى، مبهجة نحس فيها بمرح الأطفال وبراءتهم فى موضوعات تتنوع بين اللهو وكذلك فى موضوعات الأمومة وحياتهم ذات الطابع الفريد فى البيئة المصرية.
بقلم : د/ أحمد عبد الله محمد
مجلة : أدب ونقد ـــ أبريل 2021