`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
زينب عبد الحميد الزرقانى

- قبل منتصف القرن العشرين كانت الفنانة زينب عبد الحميد قد بدأت تضع أقدامها على مشارف الشخصية المستقلة كفنانة تجمع بين التلقائية ومنظور عين الطائر، وقد كان راغب عياد هو بحق أول من وضع التلقائية كوسيلة للتعبير على طريق الإبداع المصرى غير أن التلقائية عند قد ارتبطت بإلقاء حرية التعبير عن أحوال البشر فى الأسواق وفى الحقول فقد ألقى بفرشاته إلى الإنسان البسيط مقتربا من التراث الفرعونى والقبطى بألوان تقترب من ألوان الأيقونات . - ومن عباءته خرج كثير من الفنانين وتشير أعمال زينب عبد الحميد إلى التلقائية والبساطة التى تميز بها فن راغب عياد غير أنها شخصية مستقلة فتناولت عناصر الطبيعة دون التركيز على الإنسان أو الحيوان .
- تنفرد الفنانة زينب عبد الحميد بشخصيتها الفنية المتفردة فقد اختلفت تماماً عن كافة رسامى المناظر الطبيعية فى مصر لسببين : الأول زاوية الرؤية التى اختارتها بمنظور الطائر فهى ترى الأشياء من أعلى وكأنها طائر محلق مدقق متأمل والسبب الثانى هو التناول الموازييكى الذى تتحول فيه جميع الأشكال المرسومة إلى تفاصيل هندسية الطابع مرصوصة بكل الدقة وملونة بألوان جميلة التكوين ومحددة بخطوط سوداء واضحة القسمات مما يجعلنا نطلق عليها لفظ موازييك وكأنها قطع من الزجاج الملون المشع بالضوء واللون، فاللوحة عندها تركيبة شرقية النغمات عصرية التناول متفردة الرؤية جعلت من المناطق الشعبية ببولاق ومراكب وعوامات النيل لوحات رائعة الحسن جميلة التفاصيل ممتلئة بالإشراقات اللونية من خلال منظور فريد مما جعل أعمالها تقترب من الفسيفساء فى العصر الإسلامى بألوانه وإيحاءاته .
- ولدت الفنانة زينب عبد الحميد عام 1919 وهو نفس العام الذى ولد فيه الفنان عز الدين حموده الذى تزوجها عام 1946 وأيضا شاركها فى سنه الميلاد عدد كبير من مشاهير الفنانين مثل منير كنعان ( ميشيل داود كنعان ) ولطفى الطنبولى ومحمد حامد عويس، وفؤاد كامل والفنانة تحية حليم ويحيى على أبو حمده وإيزاك فانوس والمعمارى يحيى الزينى ـ وهى أسماء أيضا جديرة بالتقدير.
- حصلت الفنانة على دبلوم معلمات الفنون سنة 1945 ثم سافرت مع زوجها محمد عز الدين حموده فى منحة دراسية إلى أسبانيا سنه 1949 وعادا معا بدرجة الأستاذية فى الرسم سنة 1952 وعملت بعد عودتها كمدرسة بمعهد معلمات الفنون الجميلة الذى تحول الى كلية التربية الفنية 1976 .
- ساهمت هى وزوجها فى تأسيس جماعة الفن الحديث واشتركت فى معارضها بالقاهرة والإسكندرية طوال عشر سنوات.. تميزت الفنانة باستخدام الألوان المائية والأقلام الملونة كخير معين فى رسم المنظر الطبيعى وان كانت تناولت بعد ذلك عددا لا بأس به من الأعمال الزيتية ذات الأحجام الكبيرة مثل لوحة عوامات فى النيل سنة 1992 ( 260 × 110 سم ) والموجودة كجدارية بجريدة الأهرام وغيرها من الأعمال ذات الأبعاد الصغيرة أو المتوسطة، عرضت الفنانة لأول مرة فى مصر سنة 1947 بمتحف الفن الحديث بالقاهرة ثم الإسكندرية عام 1948 وبالقصر الصغير بباريس سنة 1949 ثم بينالى فينيسيا ( 25 ) سنة 1950 ومدريد وساوباولو بالبرازيل وبينالى الإسكندرية .
- واظبت الفنانة على المشاركة فى المعارض العامة ومثلت مصر فى عدد من المعارض الخارجية والمعارض الخاصة بالمرأة المصرية حيث لاقت أ عمالها كل النجاح وأصبح لها جمهورها الكبير الذى يقدر فنها فانتشرت أعمالها فى مختلف المتاحف فى مصر وفى الدول الأوروبية وأمريكا وأصبح إسمها علما على فنها ذو الخصوصية الإبداعية فهى تشغل سطح اللوحة بكل الاحترام والدقة لكل سنتيمتر .
- يرتكز فن زينب عبد الحميد على عنصرى التحديد وتقسيم المساحات..فالمساحات الكبيرة تتناقص كلما تعمقنا إلى داخل المنظر ممثله الترام القريب أكبر حجما من القاطرة التى تتبعه وبالتالى فسطوحه الملونة أكبر وأكثر ظهورا. وترى الفنانة أن الخطوط هى أساس التكوين وأنه بعد اكتمال الخطوط تصبح اللوحة جاهزة للمرحلة التالية وهى التلوين والتلوين هنا مجال لوضع الإحساس بمادة الشىء خشب أم حديد غير ذلك من خامات مثل القماش والهواء والماء و النبات.. وتقول الفنانة، أن إدراك المنظر ككل يحتاج إلى التركيز فى اختيار زاوية الرؤية .
- سألت الفنانة الكبيرة عما تريد أن توصله للأجيال القادمة قالت: لقد تتلمذ على يدى الكثير من الفنانات والفنانين كما أنه أيضا تتلمذ الكثير على يد الفنان عز الدين حموده وأنت أحد تلامذته وكلانا كان يحب العمل المتواصل فأنا لذلك أنصح الشباب بالعمل المتواصل اليومى وبذل الجهد سوف يجعل منهم فنانين كبار مع الموهبة التى هى الأساس .
- لقد أثرت الفنانة الحياة التشكيلية بفنها العظيم وبأصالتها وتفردها وظلت تعمل فى صمت وتفاجئنا بلوحاتها فى العروض الفنية كواحدة من أهم فنانات مصر المحدثين .
الناقد / مكرم حنين
جريدة الأهرام

- تحرص الفنانة على استخدام الألوان المائية والاقلام الملونة فى رسم لوحاتها . وتختار المناظر والمشاهد من الريف والمدينة لتكون موضوعا لعملها. وتتميز لوحاتها بالخطوط القوية المتحركة والمملوءة بالحيوية والعنف.
- وهى غالبا تختار زاوية `عين الطائر ` تطل منها على المشاهد التى ترسمها، وهذه الزاوية من الرؤية تذكرنا بطريقة الفن الإسلامى فى رسم المناظر الطبيعية والخرائط . انها تشدنا لتأملها ومتابعة مواطن الجمال والحيوية فى رسمها .
- تنفرد الفنانة الكبيرة زينب عبد الحميد الزرقانى بشخصيتها الفريدة فى تصوير المنظر الطبيعى. أما أهم هذه السمات فهى التعامل مع جميع الأشكال المرسومة بالخطوط الرأسية والأفقية بزاوية تقترب من تسعين درجة. ولكن اللون أيضا يخضع لمعاملة من نوع خاص فنجد الألوان القوية الصريحة فى المقدمة بينما الألوان الهادئة والمتنحية تملأ المساحات الصغيرة بين الخطوط الرأسية والأفقية هذا التناغم المنظورى الطابع هو أهم سمات شخصية الفنانة زينب عبد الحميد التى تختار دائما زوايا جديدة على رؤية المنظر الطبيعى فأحيانا تنظر الفنانة الى المنظر الطبيعى من عين طائر أى من مكان أعلى من مستوى النظر بكثير وفى أحيان أخرى تنظر الى المنظر الطبيعى من زاوية موازية لسطوح المنازل لتكشف لنا عن الأفق البعيد رغم وسائلها الفنية المعاصرة إلا أن هناك كثيراً من القيم الأصيلة لفن تصوير المنظر الطبيعى موجودة بالفعل مثل الإحساس بالفراغات بين الاشكال والمسافات والتنوع .
- وفى معرضها بخان المغربى تعرض الفنانة إبداعاتها الفنية على مرور الزمن تناولت فيها الأحياء الشعبية والأسواق وكل موضوعاتها فى المنظر الطبيعى تلتقى برؤية حديثة للغاية مع بيوت البشر المتكاثرة المتساندة والمتداعبة - القائمة والمتهالكة فى تعاطف فنى إنسانى مع عالم الإنسان البسيط فى ابوالعلا وامبابة وغيرهما حيث تتحول كآبة الحوائط والدكاكين الى علاقات تجريدية هندسية وتراكيب مكعبية بالاضافة الى حرارة الألوان وتدرج اللون وتظل الخطوط الأفقية والرأسية فى صراعها مع الوجود التعبيرى للشكل هى العلاقة البارزة فى أعمال هذه الفنانة الكبيرة .

نغمة مشبعة بالبهجة والطزاجة
- يأخذنا أسلوب زينب عبد الحميد إلى خصوصية ما،فطريقة ترتيبها للتفاصيل فى مقاطع تذكرنا بالزخارف العربية على الخزف وأيضا بتذكارات التطريز الفارسى.
- إن هذه المائيات تولد نغمة مشبعة بالبهجة والطزاجة فالدرجات اللامعة من الألوان مثل الأحمر الزاهى أو الأصفر الليمونى تؤكد وجودها بما تشعه من ضوء. ولكن طابع زينب عبد الحميد الخاص يوجد أساساً فى المشهد الذى تقدمه لنا من منظور عصفور محلق، وهنا يغلب على اختياراتها المشاهد الضخمة الواسعة التى توازنها بمعينات محددة بقوة تدعمها مشاهد يتحرك فيها بشر فى زخم خطوط تتكاثر.. والواقع أن هذا الملمح الأخير جعل الفنانة تحد مبكراً جداً من رسم الوجوه، وربما لا يكون هذا الإختصار دائما ضرورة يفرضها التشكيل فى العمل.
- فى مجموعة ` بورتريهات ` المدن، ضمن أعمال أخرى، تلعب زينب بطلاقة بالاعتناء بالتفاصيل فى إطار ما يمليه الشكل الكلى للوحة. وهذه البراعة التى تتميز بها تساعدها على توليف نغمات لونية متباعدة بإضفاء مسحة مخملية عليها، تذكرنا بماتيس .
- أعمال زينب عبد الحميد تكشف لنا أساساً عن سحر الرسم الذى يعيد إلى الذهن الجماليات عند دوفى، خاصة فى جانبها التصويرى، الذى نجده محدودا عند زينب.
- إن هذه المائيات تتخطى دائماً، بما تصبو إليه، الإطار البسيط لتصوير مشهد من سوق أو `بورتريه ` لمدينة. لكن الحدود الجديدة التى تقترحها الفنانة لأعمالها نراها مدفوعة فى تطورها بالأساليب التقنية .
يمكننا مثلاً أن نرى هذه الملامح فى تكرار بعض التقاربات وبعض الخطوط الرئيسية التى تحيط بها الفنانة عادة تكويناتها. نرى كذلك هذه الملامح فى الموازنة الجيدة التى تحدثها الفنانة بين الهيكل القوى فى اللوحة والأسلوب الذى تطوى به بنية الخطوط التى تنسج التفريعات فى كل جزء من اللوحة.
- أخيراً نلحظها فى هذا الجهد الواضح للتوفيق بين ما قد ` أنجز فعلاً ` وبين الكشف الخاص بكل محاولة جديدة .
- يصبح علينا إذاً أن نعترف بالمهارة التى تقود زينب عبد الحميد فى تجارب كهذه أيضاً، لابد أن نعتبر الطريقة التى تنأى بها هذه الفنانة عن الرتابة والتصنع والتكرار. تبقى هنا وفوق كل شئ، سعادة غامرة تجدها زينب فى ` لعبتها `.. سعادة تكسب تجاربها الأكثر نجاحاً، أصالة خاصة.
بقلم : إيميه آزار

حالة شرقية من الصخب التعبيرى
- استطاعت الفنانة برؤيتها المتميزة أن تنفرد من بين فنانى مصر جميعاً، برؤية شرقية، شديدة الارتباط بإيقاعات الزخارف `العربسكية` فى السجاجيد والأنسجة ورسوم الكتب وزخرفات هوامشها. استحضرت روح التركيب المتنافى، الذى لا ينقطع أو ينتهى فى الفنون العربية الإسلامية، من دون أن تتقيد بعناصرها التراثية المباشرة، وإنما أخذت الإيقاع والحس فحسب، لتؤلف من خلال رؤية واقعية معاصرة للشوارع والحوارى والأزقة والمقاهى والأسواق الشعبية، لا يمكن إزاءها أن نتوقف أمام جزء محدد من اللوحة، أو نتبين عنصراً رئيسياً محورياً للتكوين، وإنما تواجهنا حالة من التعبير الساخن الصاخب، يتساوى فيها أن تجئ تصويراً لبيوت وأزقة، أو مقاهى وأشخاص وموائد، فالعناصر هنا وسائط متساوية الأهمية والقيمة، مهما تعددت أو تباينت، تستخدمها، أيا كانت، فى تأليف `عوالم` صاخبة الإيقاع، ساخنة التعبير.
- والواقع أن الفنانة `زينب عبد الحميد `عبر تجربتها الفنية الطويلة، التى امتدت عبر ما يزيد عن خمسة وأربعين عاماً، استطاعت أن تبلور لنفسها أسلوباً فنياً شديد التميز، جمعت فيه بين الوعى العالى بقوانين بناء العمل الفنى، ومفهوم الصياغة التجريدى للأشكال، والروح الشرقية التراثية فى تناولها، وطلاقة الفطرة، حين تتاح للأشكال أن تتزاحم وتتكدس أو تنفرط وتتناثر، كيفما شاء لها ذلك، وللخطوط أن تتقاطع وتتشابك وتنهمر فى تدفق على السطح، وللألوان أن تتوزع منتشرة بتعددها لتغطى العناصر والأشكال جميعاً، فطرة متحررة من صرامة القصد وبرودة الضبط الهندسى، وحدة الحساب الرياضى المحكم، فطرة هى المعادل للحرية وللصدق معاً، برغم أن الأمر لديها ليس متروكاً للمصادفة، وإنما تخضع الأشكال والعناصر لقوانين الاتساق والتناسق والتوازن، من دون أن تحاول قسراً أن تجعل الأشكال تبدو فطرية كرسوم الأطفال، كما فعل `ديبوفيه ` مثلا، أو `بيكاسو ` فى بعض تناولاته للأشكال، وإنما تركت الفنانة لأدواتها من دون تقييد، فى فرح بالعناصر المتعددة التى تتساوى فيها الشخوص بالأبنية والعربات والموائد والأبواب والنوافذ، فرح يتحول إلى تدفق تعبيرى، حينما تنتظم العناصر فى صياغات غير مجهزة سلفاً، تبدأ فيها من نقطة على السطح، وتتحرك منها فى كل الاتجاهات حتى تملأه بالتفاصيل الدقيقة، التى تؤلف فى مجموعها رؤيتها الخاصة ذات القانون البنائى الخاص، الذى لا يخضع لقوانين بصرية متعارف عليها، فهى تصنع مثلاً إيهام بالبعد المنظورى، ولكنه ليس ذلك الايهام البصرى الأكاديمى، الذى يحكم الأحجام والمسافات ودرجات نصاعة اللون أو خبوه، وإنما تبدو الإيهامات بالبعد المنظورى تارة من أعلى، وهو ما يسمى بمنظور عين الطائر، أو من أسفل وهو ما يسمى بمنظور عين النملة، أو من الأمام وهو المنظور التقليدى الشائع، أو تجمع ما بين الثلاثة معاً، كاسرة بذلك منطقة تسجيل المناظر التقليدية .
- لقد خلقت ` زينب عبد الحميد ` منطقاً خاصاً بها، يجعل الأشكال جميعاً متساوية فى القيمة على السطح، ومؤثرة بالقدر نفسه فى البناء العام للوحة، وقد أفاد ذلك من التحرر من سر القوانين البصرية الصارمة فى جعل الأشكال جميعاً، فى حالة توتر شديد، كأنها مبنية فوق زلزال مستمر، توشك أن تتحرك، أو مرتجة فى عنف، لا يستقيم فيها خط رأسى على الأفق، وإنما تتمايل الخطوط فتكاد أن تهتز معاً، وذلك بالطبع لا يجئ عفواً، وإنما يصنعه قصد متقمص لحس أقرب إلى الفطرة أو استحضار العفوية لإعلاء التعبير، وهو أمر فى الفن شديد الصعوبة والخطورة معاً، لأنه إن لم يجئ نتاجاً للوعى وامتلاك الأدوات، بدا عبثاً وادعاء، وهو ما تجاوزته الفنانة بكثير .
فاروق بسيونى


- تخرجت فى معهد الفنون الجميلة عام 1945 ثم فى أكاديمية سان فرناندو بمدريد أسبانيا- عام1952 وأقامت العديد من المعارض الفردية فى مصر وأوروبا وأمريكا كما شاركت بنشاط ملموس فى تمثيل الفن المصرى فى معارض وبيناليات دولية هامة وأعمالها ضمن مقتنيات متحفية وخاصة فى مصر، أوروبا وأمريكا. وظلت تعرض أعمالها حتى توفيت فى القاهرة عام 2002 .
- تمكنت الفنانه زينب عبد الحميد من بلورة أسلوبها المتميز بين أقرانها من الفنانين المصريين وهو أسلوب يتمتع باستقلالية كبيرة عنهم وعن زوجها الفنان الكبير عز الدين حمودة، وذلك يدل على قوة وعمق شخصيتها الثقافية والفنية، ومنهجها الجمالى ذى النزعة التأملية الشاعرية فى تغليف الواقع المكتظ بالعناصر المتباينة بحالة من التوافق الإيقاعى ، إذا تترجم الزحام والفوضى إلى نظام متألف شرقى السمات ، كالسجادة أو النقوش الأرابيسكية التى تعتمد على تكاثر مفردات بسيطة فى بناء هارمونية بالغة التعقيد والإيحاء الحركى وهى فى ذلك مثل هذا الصنف من المخرجين السينمائيين العباقرة الذين يعتمدون على قدرتهم فى تحريك الممثلين مع كل المرئيات المحيطة بهم إلى مشاهد ملحمية، لا تعمد على تمثيل الأبطال ولا على مميزاتهم الشكلية التى ألفها الجمهور، ولكن على طبيعة التركيب والحركة والإيقاع البصرى، فهى تصور الجالسين على كورنيش النيل بالقاهرة والمارين فى الأسولق الشعبية والحوارى والشوارع المزدحمة بالمركبات، بمثل ما تصور المراكب الشراعية على صفحة النيل.
- تفكك العناصر بنوعياتها المختلفة وتحليلها إلى شظايا أولية ثم تعاود وصلها بصورة تقريبية ليصبح لكل خط ولكل لمسة لونية أهميتها فى البناء الكلى للوحة، فى تجاوب مع توزيعها المسيطر على المجموعات اللونية المتداخلة التى غالباً ما تترك محيطات بيضاء حولها، فإن أغمضنا أعيننا الى حد ما حين النظر لأعمالها، تتبدى لنا حالة تأثيرية من اللون والضوء، وعندما تتفتح حدقة العين نراها تبعد بمسافات شاسعة عن فنانى هذا الاتجاه الخصوصية الأخرى المميزة لأعمال هذه الفنانة هى اختيارها لزاوية المنظور فى كل عمل، فمنها ما تصوره من منظور عين الطائر العلوى أو المنظور المستوى أو الايزوميترى المائل بشدة
.... كما يلعب الخط دوراً مهيمناً إلى جانب اللون فى تحديد عناصرها المتشرذمة وتجميعها وتوحيدها.
بقلم : د. مصطفى الرزاز
من كتاب الفن المصرى الحديث
زينب عبد الحميد ومنظور عين الطائر
- الرسامة زينب عبد الحميد نموذج فريد بين الفنانات المصريات لم تسع قط إلى الشهرة التى يقتتل عليها غيرها ممن لا يمتلكن موهبتها وثقافتها . وظلت ملتزمة بالعمل الدءوب الصامت لسنوات طوال . لكن يبدو أن زحام أنصاف الموهوبين الذين استطاعوا فى غياب حركة نقديه مستنيرة أن ينهبوا من مساحات الضوء ما هو حق لغيرهم قد أجبرها - مؤخرا - على أن تدافع عن موهبتها فأصدرت كتابا فاخر الطباعه عن دار المستقبل العربى . يضم لوحات تشهد بتميزها بين الأخريات . وضم الكتاب تعليقات لبعض الفنانين والنقاد المحترمين من مصريين وأجانب ، أمثال : إيمى آزار وعلى كامل الديب و كارلوس أريان ، وأشرف على إخراج الكتاب الفنان أحمد اللباد .
- موضوعها المفضل
- اختارت للوحاتها `جميعا ` موضوعا واحدا هو موضوع المنظر البيئى . وتجولت من أجله بريشتها فى بلدان ومواقع فى الشرق والغرب . وتألقت بصورة خاصة ، فى اللوحات التى استلهمتها من البيئه الشعبيه المصريه وبالتحديد أحياء منطقه الحسين وأسواق الخضار والفواكه واستطاعت - بدقتها وحساسيتها المرهفه - أن تخلق من زحام الواقع العشوائى ما يشبه النسجيات الشرقيه وما يشبه الأسطح الفسيفسائية العربيه وما يذكر بمشاهد الزجاج المعشق ، وهى لاتندمج فى وصف المشهد الواقعى اندماج الرسامين المستشرقين . بل تحرص على أن تطل على المشهد الذى تنوى استلهامه . من علٍ - أو ما يسمى اصطلاحيا بمنظور عين الطائر.
- وهو منظور يسمح باتساع المجال المرئى كما يسمح بالتأمل الهادئ للجزئيات وتفاعلاتها المتنامية . فى لوحه مائيه بعنوان (من نافذتى فى مدينة مدريد ) تشعر وكأنها استضافت كل مشاهد المدينه المعماريه على مسطح اللوحة ، عبر شرفتها ذات الموقع الكاشف والمميز .
- وهى لاتلتزم التزاما حرفيا بمنظور الطائر لأنها لا تحرص على ` نقل ` الواقع بل هى تعيد صياغته وتبثه ما سكن فى نفسها من آثار عشق للموروث الفنى الاسلامى ، والشرقى عموما . وهى لا تحتفظ من المشهد البيئى الا بصفه واحدة هى صفه الزحام ، لكن شتان بين زحام الواقع وصخبه المنفر وزحام فسيفسائها المشرقه.
- ملامح خاصة
- فى أسلوب كل فنان ما يدل على شخصيته بقدر ما يدل على مثيراته الجماليه التى تأثر بها . ولأن الفن الحديث قد أعطى شرعية للزهد فى نقل الواقع لهذا ترجح - فى كثير من الأحوال- الصفات النفسية للفنان التى تتجلى فى شكل الخطوط والألوان و الدرجات الضوئية والظلية وما ينتج عنها من نسيج جمالى معبر . نلاحظ غلبة المنحنيات الخطية - الرخوة و العصبيه - عند أغلب رساماتنا بينما تفردت زينب عبد الحميد بخطوطها المستقيمة النشطة التى تظنها ، للوهلة الأولى ، قد رسمت بالمسطرة وما أن تتفرسها حتى تكتشف عفويتها وتلقائيتها وبراعة صاحبتها فى آن واحد . وهى تشكل تلك الاستقامات الخطية نسيجا دقيقا ، ل يبخل بفراغات بينية تسمح بتلقف لمسات موجزة ومحكمة تشير إلى مثيرها الجمالى الواقعى ،( كما فى اللوحة التى سبق ذكرها) فبلمسات قصار أوحت بهيئة جبل يطل على المدينة من بعد دون أن تفرط فى الوحدة الجمالية المجردة للنسيج اللونى . إن ألوانها تتسم بالوسطية التى تلطف من صراخ الاألوان وصراحتها ،. لهذا تشرق أسطح لوحاتها بالنشاط واللطافة والمسرة المهذبة ودفء العجالات وحيويتها . وقد نجحت -كما سبق الإشارة - فى تنقية دمامة الواقع فى لوحات تألقت بنسيج لونى رائق ورائع .إن لوحاتها تبدو حتى لمن لا يعرف سيرتها الذاتية منحازة إلى ميراث الشرق المسلم قدر انحيازها إلى البيئة المصرية .
بقلم : محمود بقشيش
مجلة الهلال سبتمبر 1998
الفنانة زينب عبد الحميد .. وروح المكان !
- إذا كان الفن تحريراً للروح من ربقة الواقع الخشن ، فالفنانة المصرية كانت رائدة في عملية تحرير نفسها وجنسها ، بغير حاجة لممارسة العمل السياسي ( بإستثناء إنجي أفلاطون ) ، وبغير حاجة كذلك - في أغلب الأحيان - للتعبير عن الحرية وللدعوة إليها بعرض مباشر لموضوعات القهر والإضطهاد والتمييز التي تعانيها فى المجتمع ، حيث كان الإفصاح عن مشاعرها الفطرية ورؤاها الذاتية وانطباعاتها الحرة بين الحياة والطبيعة والإنسان بلغة الخطوط والأشكال والألوان ، أكثر تعبيراً عن معني الحرية ، لأنه يرتبط بنقاء الفطرة وشجاعة المغامرة ، وأكثر تأثيراً في النفوس ، لأن هذا التعبير يلامس جوهر الحرية في الوجدان ، ولأنه يكسو العمل الفني بسحر خاص مغلف برقة الأنثى وعذوبتها ، وبعمق علاقتها بالخصوبة والتجدد وبهجة الحياة .
- إن الفنانة المصرية زينب عبد الحميد نموذج بالغ الدلالة على ذلك ، ولنا أن نتخيل صعوبة المناخ الذي ظهرت فيه إذا علمنا أنه لم يكن مسموحاً للفتيات بالألتحاق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة حتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ، لأسباب تتعلق بالتقاليد الإجتماعية ، بالرغم من أن الجامعة المصرية كان قد مضي على إنشائها أكثر من أربعين عاماً وهي تضم الطلبة من الجنسين معاً ، هو إذن أمر يرتبط بنظرة المجتمع للفن آنذاك ، إذكان الفن يشكل منطقة حرجة غير مستحبة بالنسبة لممارسة المرأة له ، لكن التقاليد سمحت لها بالإلتحاق بالمعهد العالي للتربية الفنية للمعلمات ، وهو الذى تخرجت فيه زينب عام 1945 ، ونظراً لأن الحركة الفنية كانت تنفجر بتيارات فكرية وفنية مواكبة للحراك الثوري العام أواخر الأربعينيات ، ولأن هذه التيارات تبلورت في عدة جماعات فنية ، وجد المبدعون الشباب من خلالها متنفساً للتعبير عن رؤاهم الثورية في مواجهة الأفكار والفنون المحافظة والمدرسية ، فقد أنضمت زينب إلى أحداها عام 1948 وهي جماعة الفن الحديث ، وكان أبرز أعضائها حامد عويس ، جمال السجيني ، داود عزيز ، عز الدين حمودة ، يوسف سيده ، نبيه عثمان ، إلى جوار بعض الفنانين غير الأكاديميين منهم صلاح يسري . وبرغم أن الجماعة لم تضم من الفنانات غير اثنين هما : زينب عبد الحميد وجاذبية سري ، فقد كان تأثيرهما قوياً في إثراء معارض الجماعة وتحويل فكرها إلى واقع ، بتعبير الفن عن بسطاء الناس وحياة الأسر الفقيرة وتصوير ملامح البيئات الشعبية بأساليب محتررة وجريئة تستوعب اتجاهات الحداثة في الفن العالمي ، ما أشعل روح المنافسة الإبداعية بين الجنسين ، وكان ذلك يتواكب مع انطلاق فنانات أخريات بأعمال فنية مميزة من خارج الجماعة شدت إليهن انتباه النقاد والأوساط الفنية ، أمثال : عفت ناجي ( 1905 - 1994 ) ومرجريت نخلة ( 1900 - 1979 ) وتحية حليم ( 1919 - 2003 ) وإنجي أفلاطون ( 1925 - 1989 ) .
- لكن في الوقت الذي انضوت هؤلاء في مراحلهن الأولى تحت تأثير مدارس أوروبية مثل الانطباعية بالنسبة لعفت ، والسريالية بالنسبة لإنجي ، والتعبيرية بالنسبة لجاذبية ، والواقعية بالنسبة لمرجريت وتحية .. وفق المفاهيم الأوروبية لهذه الإتجاهات ، فإن زينب عبرت عن ملامح البيئة الشعبية بروح شرقية جياشة ، لا تبالي بقواعد المنظور الهندسي أو بالتجسيم الأسطواني بالظل والنور أو المحاكاة لمظاهر الطبيعة كما تراها العين ، بل تقترب من حس المنمنمات العربية والفارسية في زخارف القيشاني والفسيفساء والنسيج والرقش على المخطوطات والجلود .. وفي الوقت الذي تغيرت مع الزمن أساليب زميلاتها المذكورات نحو اتجاهات عدة ورؤى حداثية متفاعلة مع متغيرات الواقع والتطورات الجذرية للحياة السياسية والإجتماعية بعد قيام ثورة يوليو 1952 ، وهي رؤى اختلفت تماماً عن رؤاهن السابقة قبل الثورة ، فإن زينب احتفظت بخصائصها الأولى وحسها الشرقي الذي يوحى بتأثيرات خيوط النسيج وقطع الفسيفساء ، وبعالم ملئ بالزحام الخطي الذي لا يعرف الفراغ ، شأن جميع الفنون الشرقية .
- وكان حرياً بها أن تكون أول من ينقلب على هذا الأسلوب من بين قريناتها ، فقد كانت أول فنانة مصرية تستكمل دراستها الأكاديمية العليا في إسبانيا عندما صاحبت زوجها الفنان عز الدين حمودة في بعثه الدراسية بأكاديمية سان فرناندو بمدريد عام 1951 ، وحصلت على منحة خاصة بذلك من الحكومة المصرية ، ثم تنقلت معه في فترات تولية مناصبه الدبلوماسية بدءاً من أوائل السبعينيات ، بين إسبانيا والمكسيك وأمريكا ، في وقت كانت تجتاح العالم تيارات الفن الحديث بعد الحرب العالمية الثانية بكل تمردها وانقلاباتها ، التي جعلت من أوروبا وأمريكا قطبين للفن ينجذب إليهما ويدور في فلكيهما الفنانون من دول العالم الثالث ، ما يجعل من التمسك بالحس الشرقي سيرا في الأتجاه المعاكس .
- بيد أن عبقريتها تكمن في أنها استطاعت اختزال المسافة تماماً بين بنائية اللوحة الشرقية واللوحة الغربية ، ذلك أن في لوحتها تأثيراً من المدرسة الإنطباعية ، يتمثل في تلك الرعشة الخطية واللونية المحيرة ، وفي اتخاذ اللمسات المنفصلة - المتصلة منهجاً لملء الفراغ ، تاركة بينها فراغات دقيقة بيضاء من الأرضية الخام للوحة ، كومضات الضوء المرتعشة ( متقاربة في ذلك مع أسلوب إنجي أفلاطون ) .. كما أن فيها تأثيراً من المدرسة التعبيرية ، التي تجعل من اللوحة حالة انفعالية نابعة من حس ذاتي مفارق للواقع ، حتى ولو لم تشتمل لوحة زينب على أشخاص في حالات اكتئاب أو صراع نفسي كلوحات التعبيرين ، وأن فيها تأثيراً التجريدية ، التي تجعل من الخطوط والمساحات والألوان مجرد علاقات بنائية متقابلة أو متشابكة تمثل اختزالاً تجريدياً لملامح الواقع ، يصعد بحس المشاهد نحو فضاءات روحانية ، بل إن هناك من قارن بينها وبين فان جوخ ودوبوفيه ، لما في أسلوبها من تواشج معهما .. بالرغم من أنها لم تقصد أياً من تلك التأثيرات ، فإنها تمثل ثراء جمالياً لا يتوفر إلا لإصحاب التجليات والإشراقات الروحية ، وهي سمة صاحبتها منذ بداياتها الأولى قبل أن تلتقي بأعمال تلك المدارس الغربية .
- وربما نجد تعبيراً عن هذا المعنى فيما كتبه الإسباني كارلوس آريان في مجلة أستافتنا في أول أكتوبر 1972 لدي إقامة معرضها بمدريد :
- (( إن زينب عبد الحميد تطرح لنا من أعماقها مثالاً مدهشاً عجيباً لما يمكن أن يكون عليه التطور المعاصر للفن الإسلامي ، وفضلاً عن أن لوحاتها تتوفر بها القيم التشكيلية والإنسانية ، إلا أنها تشكل في بعضها تجربة للاستمرارية التاريخية التى تتحول إلى رموز للثقافة في اللحظة الحاسمة التي يصل فيها تطور الشعب إلى صحوة وبعث حضاري )).
- لم تشغل زينب نفسها إذن بموقعها من الفن العالمي ، ولم تحاول أن تنظر لإتجاهها الفني أو الفكري ، والحقيقة أنها كانت آخر من يهتم بالقضايا النظرية أو الذهنية ، كانت أقرب إلى الفنانة الفطرية في بساطتها وتلقائيتها وروحها الشعبية حتى وهي تمارس عملها كأستاذ بكلية التربية الفنية بالقاهرة ، كانت تجلس بأدوات الرسم أمام المشهد الذي تختاره في حي شعبي أو ريفي أو تاريخي ، ساعية إلى أن تطل عليه من موقع يتيح لها النظر إليه بمنظور عين الطائر ، لتصبح هي نفسها ذلك الطائر الذي يغرد وهو يحتوي الأفق الممتد ، فيحتويه بعيينه ، أما أغنيتها فتترجمها إلى خطوط دقيقة وألوان قليلة على الورق تحيل المكان إلى وحدة كلية ، فإذا به يحتويها بداخله حتى تصبح جزءاً منه ، وكأنه هو الذي يرسمها وليس العكس ، إنها تترك نفسها له ، ليفضي - فوق سطح اللوحة - بمكنونه الروحي أو التاريخي أو الإنساني ، عبر خطوط مبانيه وشوارعه وأبوابه ونوافذه وزحام البشر فيه ، أو أثناء خلوه منهم .. إن الأنطباعيين كانوا في مناظرهم يترصدون اللحظات المتغيرة لحركة ضوء الشمس على أسطح المباني والأشكال ويعكسونها فوق لوحاتهم حالة بعد حالة ، أما هي فإن جميع حالات النهار منذ الشروق حتى الغروب ، بل وما بعد الغروب ، تجتمع في لوحة واحدة ، لأنها لا ترسم بعيني الإبصار بقدر ما ترسم بعينين أخريتين : إحدهما عين الشعور ، والآخرى عين المعرفة الكامنة في وعيها كما يرسم الطفل .. إنها ترسم روح المكان وليس المكان بماديته الظاهرية .. إن فنان المناظر التقليدي يختار من الطبيعة قطاعاً محدداً يجعل منه تلخيصاً لما يحيط به . أما هي فتجعل من حدود اللوحة كوناً كاملاً يشعر المرء ألا أول له ولا آخر ، وهو ما يفسر لنا لماذا تفضل دائماً النظر إلى مناظرها من منظور عين الطائر ، ومع ذلك فإنها لا تجعل من هذا المنظور ذريعة لإختصار التفاصيل الواقعية في المشهد الذي ترسمه ، بل بالعكس ، أنها ترسم وهي عند قمة عالية ما لا تراه إلا عين التلسكوب ، وكأنها تستخدم عدسة ( زوم ) تقرب بها أدق التفاصيل ، غير مكتفية بمظاهرها الخارجية ، بل تريد أن تدخل من الشوارع إلى الأبوابحتى ترى ما وراء النوافذ المغلقة !.
- والرؤية الفنية للفنان تختار أدواتها وليس العكس ، لذا نجد أدوات زينب في الرسم هي الألوان المائية وسنون الحبر الأسود وفرش الألوان بالغة الدقة ، وربما استخدمت كذلك أقلام الفلوماستر الملونة ، فتلك جميعاً أسرع الأدوات لإقتناص (الحالة) التي تلهث وراءها ، وللإمساك بأدق التفاصيل ، لكن هذه التفاصيل - لفرط دقتها ورهافتها - بعيدة عن محاكاة أصولها الطبيعية ، إنها فقط تذكرنا بها ، لكن هذا التذكر لا يتم قبل أن تتشرب عيوننا ونفوسنا روح المكان ، وقبل أن يغرقنا بحس الهمس والدندنة الكونية بترجيعاتها الغامضة ، فتتذبذب هذه الترجيعات في المكان المترامي الأطراف الذي بات غريباً وأسطورياً ، وسرعان ما تطمئن إليه نفوسنا وتزول عنا وحشته وغرائبيته ، إذ نجد أنه مغزول ومطرز بيدي امرأة عاشقة ، بخطوط أشبه بخيوط الدنتلا أو وشي زخارف السجاد المملوكي .. إن هذه الحالات تمثل طبقات الؤية المتصاعدة للصوفي قبل أن نصل نحن كمشاهدين إلى عمق المشهد ونغوص في تلافيفه وتعاريجه وأبوابه، وشرفاته .
- وقد تأخذنا زينب إلى أماكن نائية بعيدة عن مصر.. فى اليونان أو إيطاليا أو أسبانيا أو المكسيك، وقد تبتعد عن الشوارع والعمائر والحواري والأزقة لتطل على شاطئ البحر وترسم أسراب السفن والقوارب، بحركة الأشرعة والحبال المتقاطعة وشرائح الألوان الناصعة على جوانب القوارب المصفوفة، أو قد نرى بيوتاً بأسقف قرميدية حمراء مائلة كأهرام صغيرة متداخلة تذكرنا باللوحات التكعيبية، ومع ذلك كله لا نشعر تجاهها بأدنى غربة، أو بإختلاف أثرها النفسي فينا عن لوحاتها التى تصور حى القلعة وحوارى الجمالية ومقاهى حى الحسين وشارع وشارع خان الخليلى، أو حتى حين ترسم واجهة الجامع الأزهر بزخارفه الكثيفة، ذلك أن المكان عندها يعيش فى داخلها وليس فى خارجها، ربما كانت تفكر فى القاهرة التاريخية فيما هى ترسم مشهداً فى مدريد أو ملقة ، هذا التوحد الكونى وليد اختمار حضاري يختزل الزمان والمكان فى وجدان الفنان.
-عاشت زينب عبد الحميد زوجة مخلصة وأماً لا حدود لأمومتها ، سواء فى حياة زوجها أو بعد وفاته ، وسواء خلال مصاحبتها له فى أماكن عمله البعيدة عبر الدول أو وهى فى انتظاره ترعى الأبناء ، وكذلك في علاقتها بتلاميذها بكلية التربية الفنية ، لكنها بنفس القدر كانت ترعي مئات الأبناء الصغار ، أعني لوحاتها التي جعلت منها إحدى رواد حركة الفن الحديث في مصر ، رفعت اسم بلدها وشرفته في كثير من المحافل الدولية لدى تمثيلها له بمعارض خاصة أو جماعية ، حتى رحلت عن عالمنا .
بقلم الناقد: عز الدين نجيب
من كتاب( الفنان المصرى وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية)
الرؤية من أعلى
- واحدة من ثمانية : خمس من الإناث وثلاثة من الذكور، وأب واع متفتح، وأم رضوى، عطوف، حنون. ولدت فى مدينة `بنها` بمحافظة `القليوبية`.
- وقد بدأت محبة الفن لدى `زينب عبد الحميد` منذ الطفولة وللفن ــ أمام الفنان ــ أبواب مفتوحة تقذفه إليها ريح القدر فيلج فى بعض منها ــــــ ويروح ويغدو ويعاود ـــــ وقد ينفذ من واحد ويستقر ـــــ وقد تقوده خطاه إلى أحد الفنون فيزاول فناً أخر ـــــ ومن ذلك تتجسد كلمة `وحدة الفنون`.
- والفن وحدة ذات شعبتين، إحداهما تنفذ من بابها إلى فنون الشكل والتشكيل: فإذا بالعمارة والنحت والتصوير والفنون الزخرفية، والأخرى يتمثل خلف بابها فنون التعبير الزمنية: فإذا بالشعر والمسرح والرقص والموسيقى.
- اختارت `زينب` من الفن أحد أبوابه، وإلتحقت بقسم الفنون الجميلة بالمعهد العالى لمعلمات الفنون.
- تنهى `زينب` عامها الدراسى الأخير وهى من المتفوقات اللائى شاركن فى مقابلة الملك بالأسكندرية بمناسبة `عيد العلم` عام 1945.
- تخرجت `زينب` وعملت بمدرسة الثقافة النسوية بالزيتون، وكان المكان قريباً من بيت خالها. وكان بيته مفتوحاً للقاءات رجال الفكر والصحافة والأدب وأساتذة الجامعة ولم يكن ذلك غريباً على منشىء قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة الأستاذ الدكتور ابراهيم عبده. فى هذا الصالون الفكرى عاشت `زينب` سنة الخطوبة واستقبلت فى هذا المحيط خطيبها `عز الدين حمودة` وأصدقائها، وكان `حمودة` قد عُيّن معيدا بمدرسة الفنون الجميلة العليا، ورشح لبعثة إلى أسبانيا. وفى 6 يونيو 1946 تتزوج `زينب` وكان مهرها رمزياً 25 قرشا إستجابة للروح التى كانت تسود المجتمع الثقافى فى ذلك الوقت.
- فى عام1948، تتكون جماعة الفن الحديث، وتقيم أول معرض لها فى نفس العام ويفتتحه السنهورى باشا ـــــ وزير المعارف ـــــ وتبرز فيه أسماء تفرض مكانتها، وتتميز فى تناول العمل الفنى وتنفيذه بأساليبها الخاصة، وهم : `زينب عبد الحميد، عز الدين حمودة، جمال السجينى، محمد حامد عويس، صلاح يسرى، نبيه عثمان، يوسف سيده`.
- وفى نفس العام، تختار بعض أعمالها للمشاركة فى معرض `مصر فرنسا` الذى أقامته جمعية محبى الفنون الجميلة باسم مصر ينظم فى `بافيليون دى مارسان` Pavillon de Marsan بباريس.
- وفى عام 1949، تقيم جماعة الفن الحديث معرضها الثانى فتشارك فيه بأعمالها ومن بينها لوحة `أبو قير` وفيها تلمح بوضوح رؤياها للألوان التى تتبعها فيما بعد، وبفرشاة الطفولة الحرة، ترى كيف ركزت على مجموعة الشاليهات فى المقدمة، وطرحت باللون الأخريات بعد خط الطريق، وقد نستطيع أن نسميها `أنشودة أبو قير` لجمال ألوانها وصحوها، والتى تبدو مثل حديقة من الزهور.
- وفى عام 1950 تقيم جماعة الفن الحديث معرضها الثالث بقاعة العرض بمتحف الفن الحديث ــــــ بقصر زينب ـــــ بشارع قصر النيل.
- ويوافق عام 1950، تاريخ العرض فى بينالى فينيسيا وتشارك فيه بجانب المثال محمود مختار والمصور محمود سعيد ــــــ وتنشر فى كتالوج المعرض لوحتها `سكة غمرة`.
- وفى يوليو سنة 1950، تسافر `زينب عبد الحميد` مع زوجها المبعوث إلى المدرسة العليا المركزية سان فرناندو للفنون الجميلة بمدريد، وكانت تحمل على كتفها طفلتها `راوية`.
- وتزامل زوجها فى دراسة اللغة الأسبانية، ثم تلتحق معه بالمدرسة العليا المركزية للفنون الجميلة سان فرناندو، وبذلك تكون الفنانة المصرية الأولى مع أول فريق من الفنانين المبعوثين من مصر إلى أسبانيا ـــــ ويلحق بهم أعضاء المعهد المصرى للدراسات الإسلامية بمدريد ـــــ بعناية من الدكتور طه حسين وزير المعارف ــــــ الذى يحضر بنفسه لافتتاح المعهد فى نفس العام. وتبدأ بذلك حركة ذات طبيعة خاصة فى العلاقات الثقافية بين مصر وأسبانيا. تعيد الرباط الذى يجمع بين ذكريات الأندلس القديمة ــــــ وأسبانيا الحديثة ـــــــ ولعل الذين يذهبون إلى أسبانيا الآن سوف يجدون كيف أن الأسبان مازالوا يحتفظون بالمعزة والتكريم لآثار الأندلس الباقية.
- ومع أن `زينب` كانت تتبع زوجها المبعوث كزوجة إلا أنها بعد أن إطمأنت على البيت وحاجاته، أخذت تتابع معه برنامج الدراسة التى نظمت للمبعوثين المصريين، وترافقه فى رحلاته لتصوير الطبيعة الأسبانية، وكان يغالبها شعور خفى عجيب، كأنما كانت تجمعها بهذه الأرض علاقات قديمة وصلات، وأنها تحيا بين مفاتن أسبانيا، وجمال الطبيعة فى الأندلس حياة كاملة: غرناطة، أشبيلية، طليطلة، ثم ملقا فى الشتاء، وفى الصيف: سان سابستيان، وسانتاندير فى الشمال.
- وإذا هى فى تلك الحالة من الاقبال على الدراسة والعمل تتلقى موافقة الدكتور طه حسين وزير المعارف على صرف مرتب كمنحة خاصة بعد أن تعرف على أعمالها التى عرضت عند افتتاحه مقر المعهد المصرى، كما تتلقى بالبريد ما سجله عنها الكونت `أرسكوت` فى كتيب نشر باللغة الفرنسية فى بروكسيل عام 1951 عن الفن المصرى المعاصر:
- `زينب عبد الحميد تصمم لوحاتها بما يتلاقى مع أسلوب `دوفى` Dufy الذى يفرض فيه تفرده، ولكن زينب تصنعه بشكل أوضح`.
- وكان هذين الحدثين رغم بساطتهما إلا أن عمق مدلولهما قد زاداها إصراراً، فتنغمس فى الدراسة والانتاج الفنى بمزيد من الشغف والحب.
- وفى يونيو 1952، يقيم الزوجان معرضا لنهاية البعثة، التى كان مفترضاً أن تمتد عاماً آخر بعد إتمام الدراسة، ولكن إعلان ثورة 23 يوليو 1952 يعجل بعودتهما. وقد لاقى هذا المعرض نجاحاً كبيراً وحفلت به الأوساط الفنية، ووسائل الإعلام، ونقاد الفن. ويكتب عنها الناقد الكبير `رامون فرالدو` الحائز على جائزة النقد الدولية للأمريكتين فى صحيفة `يا` اليومية فى 29 يونيو 1952، فيقول: `إن لوحات زينب عبد الحميد المائية تحافظ على الرقة الشرقية والتلوين المبهر، وتصور زينب لوحاتها بنوع من الطفولية المتعمدة إلا أن تسطيح تصميماتها، وصدق تصويرها بألوان التطريز الفارسى لا يقف عن رؤية `راؤول دوفى` أو `هنرى روسو` إذ أنها تضيف بألوانها المائية فتنة من الحساسية الحية المرهفة`.
- ومن مقال للكاتب الأسبانى `كامون أثنار` عضو المجتمع الأسبانى للخالدين نشر فى صحيفة` A.B.C` اليومية فى 2 يوليو 1952 قوله:
`فى لوحات زينب عبد الحميد تصميم لونى قياسى، ويبدو التشكيل كأن له خصائص التذوق الجمالى لفن القيشانى بدرجات الألوان المخملية للفنان `ماتيس`. ولوحاتها أحيانا بخلفية زخرفية راقدة تشبه النسجيات متعددة الألوان، وفى تعارض المستويات بين الأشخاص وأراضياتها ـــــ الناشىء عن منظور عين الطائر ــــــ ما ينجم عنه خلق عملية تحديث كبرى`.
- واثر عودة الفنانة إلى أرض الوطن أقامت معرضاً عاماً بجمعية محبى الفنون الجميلة، بأرض المعارض بالجزيرة فى مارس 1953. وكان معرضاً لا ينسى، أقتنيت فيه معظم أعمالها.
- وفى نفس العام 1953 تشترك فى تمثيل مصر فى بينالى `ساو باولو` بالبرازيل كما تقدم لصالون القاهرة الثلاثين سبع لوحات.
- وفى عام 1954 كانت جريدة `البورص اجيبسيان` الناطقة بالفرنسية، قد نظمت ثلاثة معارض كبيرة لرسامين فرنسيين فى دارها بشارع جلال، فرأت أن تستكمل هذا العمل الذى يرمى إلى خدمة الفن وتشجيعه، بمعرض للفن المصرى الحديث تقيمه بباريس، بالتعاون مع زميلتها جريدة الجمهورية، واختارتا تسعة من الفنانين الشباب بين جماعة الفن المعاصر، وجماعة الفن الحديث، وكانت `زينب عبد الحميد` من بينهم.
- وفى ذات العام، وفى صالون القاهرة الحادى والثلاثين يعلق النقاد على أعمالها فيقول `كلود دوريف` فى `الجورنال ديجيبت`: `ومن السعادة أن نلمح لوحات السيدة زينب عبد الحميد، التى تحب التصوير من أعلى، وفرشاتها القادرة، الدقيقة تعطى للحياة صوراً شهية.
- وفى دراسة صدرت فى كتاب للناقد `إيميه آزار` عن خمس من فنانى جماعة الفن الحديث. صدر فى عام 1954 تشبيه لأعمال `زينب عبد الحميد` بالنسيج الإيرانى، وإشادة بالأحمر الصحو، والأصفر الليمونى، وعين الطائر التى بها الأشياء، وبأنها تصوير المدينة كأنها ترسم صورة شخصية تعنى بالتفاصيل، واستقراء المشاهد، واجتلاء المحاسن بفرحة وطيب خاطر، وأن فى عملها ما يضفى السحر، ويزامل فى الرحابة `دوفى` Dufy ثم يضيف `إننا فى النهاية لن نكون عادلين إذا لم نوفها حقها بما تنأى به عن التشابه أو التكرار`.
- وفى عام 1955 تذهب إلى الإسكندرية ـــــ وتشترك فى معرض فنانى القاهرة بمتحف الفنون الجميلة بشارع منشى بمحرم بك. ثم تعود للقاهرة لتقدم أعمالها فى`كايرو آرت جاليرى` وهى قاعة جديدة للفن أعدها `شارل موصيرى` بشارع عبد الخالق ثروت.
- وفى `جورنال ديجيبت` بتاريخ13 فبراير 1955 يكتب `كلود دو ريف` ليبارك القاعة، والجرأة على افتتاحها، ثم يقول عن الفنانة `زينب عبد الحميد`: `إنها متعددة البهجات، حركاتها الفكرية، والعينية تستولى على الأماكن والأشخاص والسجاد والبلكونات فتلونها، وتطرحها، وتعطيك حياة أكثر مجوناً، وأعمق سحراً، هى المصورة رائعة المزاج، ولكننا فى نفس الوقت نحتاج أن نرى لها وجها آخر، فلننتظر إذاً أن لا تغدو قدراتها سجينه لنوع أو طراز`.
- وكان من بين معروضاتها لوحة `فتح الكوبرى` رسمتها الفنانة بعد عودتها الى القاهرة، فتنفتح أمامها رؤية النهر العريض، وتكاد ترى له أفقاً أوسع، وفوقه السابحات، منظر لم تكن تراه فى أسبانيا ـــــ هو منظر لقاءها مع النيل ـــــ وبقعة الماء الواسعة، ونعمته على الأحياء.
- وفى عيد العلم فى ذات السنة تحصل على جائزة الإنتاج الفنى فى التصوير على لوحة `القاهرة الحديثة`.
- كان الغرض من تكوين جماعة الفن الحديث سنة 1948 أن تخطو لتتلاقى مع الحركة الفنية المعاصرة، وتستقر الفكرة، ويغدو الوقت كافيا لنضج الثمار، لكن `صلاح يسرى` أحد أفراد الجماعة يعود من الأقصر `بعثة المرسم` بفرعونية جديدة، وسرعان ما تتلاقى الأفكار عن الخطوة التالية: إنه يجب ألا نترك للحداثة أن تقلع الجذور.
- ويصبح عام 1956 محاولة للجمع بين الحداثة والأصالة، ويؤدى ذلك إلى أن تغير الجماعة اسمها من `جماعة الفن الحديث` إلى `جماعة الواقعية المصرية الجديدة`، وتصدر بذلك بيانها الذى اتخذت فيه الحداثة مقصداً، والأصالة مذهباً، والذى تبلورت فيه هدافة السعى والغرض، من: جمال السجينى، حامد عويس، زينب عبد الحميد، صلاح يسرى، عز الدين حمودة، ويقيمون معرض الجماعة التالى بمتحف الفنون الجميلة والمركز الثقافى بالأسكندرية.
- وقدمت `زينب` فى هذا المعرض إثنى عشر لوحة، شرقية الإيقاع فى متابعة واعية لدورها فى الحركة الفنية المصرية، وريادتها لنوعية ثقافية جديدة.
- وفى نفس العام، وفى معرض الربيع، تعرض `زينب` قرية أبو قير عائمة فى الألوان، كما يقول `كلود دو ريف` الناقد الفنى لجريدة `الجورنال ديجيبت`.
- وفى ديسمبر 1957، تدعى `زينب عبد الحميد `للسفر الى `بولنده` ضمن وفد من سبعة فنانين مصريين، كانت `زينب` بينهم السيدة الوحيدة.
- وامتدت الرحلة ثلاثة أسابيع، شاركت خلالها فى معرضين:
- الأول: فى وارسو والثانى: فى كراكوف.
- وفى بينالى فينسيا الدولى عام 1958، تشترك `زينب` بأعمالها مع سبعة من ألمع فنانى مصر. وفى الكتالوج المصرى تنشر صور من أعمالها مع أعمال باقى العارضين، غير أنه فى الكتالوج العام الذى تتولاه ادارة البينالى تختار لوحتين من القسم المصرى واحدة لفن النحت، والأخرى للتصوير، وهى ` حى شعبى` للفنانة زينب عبد الحميد، وتقتنى من هذا البينالى لوحاتها `إزدحام`.
- فى كلا العملين كما هو الحال فى كثير من لوحات الفنانة تستطيع أن تجوس خلال الكائنات التى يتكون منها ترتيب أوضاعهم `نمر بهم` ونتلفت يميناً ويساراً، ونسعى وكأننا بعد لحظات، نريد أن ننظر الى الخلف، فقد تجاوزنا بعداً وراء بعد، وأمسينا فى وسط اللوحة، بل عمقها، تحيط بنا الأطراف من يمين وشمال.
- وفى عام 1959، تفوز لوحتها `كورنيش بولاق` بجائزة مسابقة المناظر الطبيعية واقتناها فيما بعد بنك تشيس الأهلى ( مصر).
- وفى معرض الربيع الثامن عام 1960، اشتركت بثلاث لوحات، إقتنى منها متحف الفن الحديث لوحة `السوق`.
- وفى عام 1961، تعطينا فى خطوط جديدة ـــــ وأسلوب تنفيذ كأنه من النسيج ـــــ تسجيلاً للفنون الشعبية التى تراها فى أزقة القاهرة القديمة `قهوة التوكل` بها عطر المكان وتسابيحه، ويتحول الفقر فى يدها إلى صوفية، وفى حركة للخروج والإنفتاح الثقافى على الخارج، واحتفاء بشخصية الفنان المصرى، تخرج الأعمال المصرية فى معارض فنية: مصر/ بودابست، قسم مصر / فيينا. وتعرض فيها `زينب` ثلاث لوحات إحداها `بائع العرقسوس`، ونرى فيها كيف يعب الشارع مخلوقاته، وينثرها ويوزعها توزيع المسيطر المهيمن على الحياة، كل الألوان هناك، ولكن ليس لواحد منها سيادة، سيمفونية تتوزع وتؤدى دورها حتى النهاية، وهى من مقتنيات متحف الفن الحديث بالقاهرة.
- وفى عام 1964، تسافر `زينب` لتلحق بزوجها المصور `عز الدين حمودة`، المُعَين مستشاراً ثقافياً بسفارة مصر بالمكسيك.
- وكان منزلهما هناك ملتقى للفكر والثقافة والحديث عن قفزة الصورة فى المكسيك من اللوحة إلى حوائط المبانى، ودور العمارة فى تشكيل وجدان الشعب، والتقوا هناك بإبنة الفنان `ديجو رييفيرا`، وشاهدوا رسوم `أوروسكو`، وكيف أن ثورة المكسيك خلقت حضارة تضاف إلى التراث العالمى، وتوفرت لزينب الفرصة أن تعيش عشرة أشهر بين تلك الروائع، أهراماتنا مدافن، وأهراماتهم معابد، الطقس بديع وربيع دائم، ليس هناك صيف بل موسم أمطار منعش، وما أن تبدأ فتستقيم الأمور، وتأخذ الحياة مجراها، وتبدأ الفنانة تدخل فى حالة الإبداع الفنى حتى يصدر المجلس التنفيذى بالقاهرة قراراً بإغلاق المكاتب الفنية الملحقة باغلب سفارتنا بالخارج، وتعود `زينب` مع زوجها الى القاهرة.
- تعود الى معهدها وإلى حى الحسين وما يحيط به. تستمع إلى الإنشاد المنبعث من قهاوى الحى ـــــ وعينيها تتابع تفاصيل المنظر أمامها ــــــ وفرشاتها فى يدها تخطط وتلون، فى هذه الفترة تقع عين زينب عبد الحميد على `الفيلا` الخالية بشارع اسماعيل محمد رقم 12، فتسترعى إليها نظر العميدة الأستاذة زينب عبده التى تبذل جهدها مع الوزارة، حتى يحصل المعهد على هذا المبنى مقراً له، ويتم فيه لأول مرة توحيد معهدى البنين والبنات، لتكوين كلية التربية الفنية.
- وفى عام 1968 إختارتها وزارة التعليم العالى لشغل وظيفة أستاذ التصوير بالمعهد.
- وفى مايو 1969، كان المعرض الذى أقيم بمناسبة ألفية القاهرة من المعارض المتميزة الجامعة، وعرضت فيه زينب ثلاث لوحات منها `باخرة نيلية` وهى أحدى اللوحات التى تحلل رؤية الفنان الخاصة، لا تخضع للواقعية الوضعية، ولكنها تتخللها بنظام للتكوين والتوزيع ذو خصوصية تأليفية.
- وفى عام 1970، فضلت `زينب` أن تجنح إلى التفرغ للعمل الفنى ووافقت اللجنة المتخصصة بوزارة الثقافة على ذلك ــــــ على أن يصرف لها مرتبها ــــــ كمنحة تفرغ ــــــ وتسافر إلى أسبانيا مع زوجها المعين فى ذلك الوقت مستشاراً ثقافياً بالسفارة المصرية، ومديراً للمعهد المصرى للدراسات الإسلامية، فتعود إلى أسبانيا ذلك البلد الذى عاشت فيه سنوات دراستها العالية، فتواصل العمل لاتشغلها فيه متاعب البيت. كانت أصغر أطفالها `عُلا` فى العام الثانى عشر وصحبتها معها، وتركت الأخرتين بالقاهرة `راوية` بكلية الهندسة جامعة القاهرة قسم العمارة و`خالدة` بقسم الكهرباء بنفس الكلية. وتتجدد لها فرصة التفرغ مرة أخرى عام 1971، وتنهى `زينب` إقامتها بأسبانيا بتقييم من الناقد الفنى `كارلوس آريان` رئيس العلاقات الثقافية بوزارة الخارجية، فى مجلة `أستافتنا` الأدبية بتاريخ أول أكتوبر 1972 يقول فيه: `إن زينب عبد الحميد تطرح لنا من أعماقها مثالاً مدهشاً عجيباً، لما يمكن أن يكون عليه التطور المعاصر لفن الإسلام، وفضلاً عن أن لوحاتها تتوفر لها القيم التشكيلية والإنسانية، إلا أنها تشكل فى بعضها تجربة للإستمرارية التاريخية التى تتحول إلى رموز للثقافة فى اللحظة الحاسمة التى يصل فيها تطور الشعب إلى صحوة، وبعث حضارى`.
- وتعود `زينب` إلى القاهرة فى سبتمبر 1972 محملة بإنتاجها فى فترتى التفرغ، مارة بروما فى زيارة للمعالم الثقافة.
- وفى القاهرة داومت على الإشتراك فى معارض صالون القاهرة الذى تقيمه جمعية محبى الفنون الجميلة، ومعرض الربيع، والمعارض الأخرى الجامعة.
- وكان أهم نشاطها مساهمتها فى إقامة معرض عام المرأة الدولى مع زميلتيها: إنجى أفلاطون، وتحية حليم ــــــ بتكليف من أمانة المرأة ـــــ وضم المعرض عشرة من رائدات الفن التشكيلى فى مصر، وكان هذا المعرض هو الأول الذى يثير فى المجتمع مكانة المرأة المصرية فى الفن وشمل على 99 لوحة، والعارضات هن: مرجريت نخلة، عفت ناجى، خديجة رياض، تحية حليم، زينب عبد الحميد، إنجى أفلاطون، جاذبية سرى، مريم عبد العليم، آمال معتوق، ليلى عزت.
- وتلقت الصحافة هذا المعرض بكثير من الترحاب فكتبت عنه جميع الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، كما علقت عليه جريدة `لوموند` الباريسية فى 13 مارس 1975، مشيرة إلى أن مكانتهن قد تكون أكثر تفردا عن زملائهن الفنانين من الرجال.
- ويختم الناقد `بدر الدين أبو غازى` ــــــ وزير الثقافة الأسبق ــــــ تقديمه لهذا المعرض بقوله عن الفنانة زينب:
- `إن قدرة زينب عبد الحميد على تصوير حياة الأحياء الشعبية والمتجمعات فى الموالد، تشهد ببراعتها كمصورة سجلت ملامح مصر، لكنها ترتفع بتسجيلها إلى قيم الفن`.
- ونذكر من لوحاتها: ` قهوة الحسين`، أغنية كورس، ترددها فى اللوحة أفواه وأبواق حيث ترى فيها أن التفاصيل ليست هى التى تهم ولكن الأهم هو مجموعة الأداء. لكل من وحدات الموضوع أثرها فى الوحدات المجاورة، الجزء يكمل المجموعة. وقد عرضت هذه اللوحة بعد ذلك بالمقر الرئيسى للأكاديمية القومية الأمريكية للعلوم بواشنطن عام 1976. ولوحة ` موقف عربات حنطور` ولا تعليق عليها إلا أن نقرر بانه لم تمتلىء بالرؤى الشعبية المصرية عينا فنان مصرى كما إمتلأت بها عينا زينب عبد الحميد.
- ولم تترك `زينب` المشاركة فى المعرض الذى أقامته وزارة الثقافة بعد ذلك لنفس المناسبة العام الدولى للمرأة ــــ فعرضت لوحتين أحداهما `سوق إمبابة` ـــــ وهى بالألوان المائية ولكن تبدو فيها قسوة فرشاة الزيت، سيمفونية ذات رؤوس وأصابع تصدح بأنغامها مع تنقلات البصر من نقطة إلى نقطة، ومشهد وآخر، تربطها بأشكالها علاقة أساسية وذاتية، لا ظلال فى اللوحة، الفراغات التى تتركها بين المساحة والأخرى تقوم مقام الظلال وتلعب دورها.
- وتسافر `زينب` إلى واشنطن، مشتركة فى معرض أخذ يتجول بالولايات المتحدة الامريكية لمدة سنتين. بدأت الفكرة بزيارة قام بها `جون جنتر` ـــــ رئيس عمليات الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولى ـــــ لمرسم الفنانة وزوجها، ثم أظهر تحمسه بدعوتهما لإقامة معرض لنخبة صغيرة من الفنانين المصريين، ووافق نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم العالى، وتكون المعرض من خمسة كانت `زينب` واحدة منهم، وخطا المعرض أولى خطواته بقاعة العرض التابعة للمركز الرئيسى لصندوق النقد الدولى بواشنطن`I.M.F.`، وافتتح بحضور السيد الدكتور أشرف غربال سفير مصر فى 6 أبريل 1976 واستمر لمدة شهر، ثم مضى إلى ميتشجان ومنها إلى شيكاغو، ثم نيو أورليانز، ولوس أنجلوس، ثم ديموان، وكانت الفكرة أن يصحب الفن الحديث فن مصر القديم الممثل فى معرض `توت عنخ آمون` الذى تلقته أمريكا بحماس بالغ.
- ويقول الناقد `جوزيف آشى كاوا` `Joseph Ishikawa` أستاذ الفن بجامعة ميتشجان فى دورية المركز الثقافى للجامعة الصادر فى يونيو سنة 1976. `إن لوحات زينب عبد الحميد سواء كانت مائية أو زيتية فهى أساساً رسوم خطية فوق خلفية من الألوان الدافئة.
- ولها موضوعات كثيرة بمنظور عين الطائر لمناظر مدن. ولديها البراعة للتعبير عن منتهى الإزدحام والنشاط حتى فى حالة خلو تكويناتها من الأشخاص`.
- ويعود الفنانون العارضون إلى مصر ما عدا الفنانة `زينب`؛ فتبقى مع زوجها الفنان عز الدين حمودة الذى أشرف على المعرض وصاحبه منذ بدء جولته وتابعه حتى نهايتها فى شيكاغو، ونيو أورليانز، ولوس انجيليس، وديموان وتبلغها بعد شهور وفاة والدتها ثم أخوها؛ فتعود الأسرة فى يونيو عام 1978، وزينب` فى حالة حزن عميق من تعاقب المصابين فى الغربة.
- ولم يكن أمامها لكى تأسى وتنسى، سوى الإنهماك فى العمل من ناحية والإستمرار بالاشتراك فى المعارض: ففى صالون القاهرة الواحد والخمسين تقدم لوحتين، `تكوين فى الحى القديم` الوان مائية و `شارع فى الغورية` ألوان زيتية، حيث تترك للنور فيها أن يعلو ويسيطر فى تبسيط وتحليل، وعلاقات فريدة بين الواقع والتجريد.
- ويكتب الناقد `د. عبد العظيم الفرجانى`، فى مجلة `الشباب العربى` (بتاريخ الإثنين 21 أبريل 1980) عن أعمالها الجديدة قائلا:
- `إن الأوساط الفنية العالمية حينما أشادت بأعمال زينب عبد الحميد أعطتها حقها كفنانة بلغت العالمية لكونها شديدة المصرية. فالعالم الغربى ليس فى حاجة أن يرى إنعكاسات المذاهب الغربية على لوحات فنانى الشرق، وإنما فى حاجة إلى رحلة الكشف التى بدأتها زينب عبد الحميد محملة برؤية إنسانية متدفقة`.
- وفى عام 1981، تختار`زينب عبد الحميد` ضمن المشتركين باسم مصر فى `صالون باريس` الذى تقيمه الجمعية القومية للفنون الجميلة بالسراى الكبرى بباريس، ثم فى نفس العام تختار أعمالها ضمن المجموعة التى مثلت مصر فى الصين الشعبية وعرضت بقاعة الشعب ببكين.
- وفى عام1983، تقيم الثقافة الجماهيرية معرضاً بعنوان `رائدات الفن التشكيلى` بمناسبة اليوم العالمى للمرأة وتتابعه نقابة الصحفيين بإحتفال ومعرض خاص تنظمه فى مارس 1984، وتشترك `زينب` فيهما وتكتب داخل غلاف دليل المعرض بقلمها ما نصه:
- `إن الله جل جلاله قد أودع سره الاعظم فى عملية الخلق، والمرأة آيه من إعجاز الخالق، والخلق فى المجال الإنسانى تفاعل حى بين المتناقضت المؤثرة فيه، لذا فإنه من الطبيعى أن تقوم رسالة المرأة على إرساء القيم الجمالية والفنية المبتكرة، التى تؤهل للحب والخير بين البشر`.
- وتشارك فى العام 1985 فى المعرض العام الذى افتتحه السيد رئيس الجمهورية فى قاعة النيل بأرض الجزيرة واقتنت منه الدولة ـــــ لمتحف الفن الحديث ــــــ لوحة `من حى الحسين` حيث تتزاحم الرؤى، وخطوط المساكن، والمبانى، والأبواب، والمشربيات، كأنها شواهد منصوبة هى شحنة الأيام، وتوالى الأجيال.
- فى اللقاء مع فن الدكتورة `زينب عبد الحميد` مسرة من نوع صاف خاص، لا تلقى مثلها تجاه فن آخر أو لوحات اخرى، إنها تستقبل الناظر إلى ملكوتها بذراعين مفتوحين، فتراه كأنك قد رأيته من قبل، وعبرت إليه المسالك والطرقات. حروف الاسم ذات أبجدية توقيعية لها فى `البرواز` رسم وشكل.
- إذا وقفت أمام واحد منها، وتخليت عن التزمت والتكلف، وأطلت النظر، عشت فى داخله. وأن تأنيت فى النظر الى خطوط الرسم، كأنك تبحث فى اللوحة عن طريق تسلكه أو عنوان تقصده، كأنها خريطة تنساب عينك خلالها، من شارع إلى طريق، إلى حارة إلى زقاق، فإن خطوط الفنانة سوف تشجيك، وتغريك بالمتابعة، حتى لتكاد تلمح نفسك قد خضت زحام الرسم، وتمسحت أذناك بأصوات الضجيج والصفير والدك، فى عالم تجذبك إلى داخله سيمفونية الحياة والحركة.
- ها هى، `زينب عبد الحميد`. بدأت، واستمرت، وتستمر من جديد إلى جديد، ليس لديها إفتعال.
- كانت لوحات الأطفال أمامها، إماماً، كانت تعيش فى لوحاتهم، تتأملها تبحث عن الأسباب التى تجعل من ألوانهم شيئاً محبوباً. تقف تجاهها، تفترش الأرض أمامها. كانت تود أن تؤلف عنهم كتاباً، من مجموعة ما عاشت معها خطوطهم، وأحلامهم، ورؤاهم، حسناتهم، وهفواتهم، ولكنها لم تفعل، وبقيت لديها من كل ذلك، ما يرافقها، ويصاحبها، ويعيش معها، ينام ويحلم ويشرق مع كل صباح مفجراً فى ذاتها ينابيع زاخرة بالحرية، واسعة الأفق ممتدة.
- إنها تنسى مقاييس الأشياء هناك، أمامها فقط يبقى التشكيل فتلونه بالألوان المائية كثيراً، وبالألوان الزيتية أحياناً، وتتبادل منها وعنها فرشاة الألوان وهى ترسم الكائنات كأنها تضعها وترصها على مائدة هى الأرض، ويصير المجموع فريق متعاون على إخراج المشهد فوق مسرح اللوحة.
- كيف يصب الشارع كائناته، وينثرها، ويوزعها توزيع المسيطر المهيمن. كل ألوان موجودة سيمفونية تؤدى أدوارها حتى النهاية، لها فى الشكل رؤوس وأصابع تصدح بحركاتها، مع تنقلات البصر، من نقطة إلى نقطة، ومشهد إلى آخر.
- ليست التفاصيل هى التى تهم، المهم هو مجموعة الأداء.
- لكل من وحدات الموضوع علاقة مؤثرة مع الوحدة المجاورة.
-الجزء يكمل المجموع.
- الكل فى واحد.
- والرؤية من أعلى.
على كامل الديب
من كتاب زينب عبد الحميد - دار الشروق
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث