|
نازلى مدكور
الوجوه الصحراوية لنساء .. نازلى مدكور ..
- لبطل رواية ساحر الصحراء للبرتغالى باولو كويلهو مقولة قال فيها : يكفى أن تتأمل ذرة واحدة من الرمل وستكتشف فيها كل عجائب الخلق .. فتلك الذرة الرملية هى لحظة من الخلق قضى الكون ملايين من السنين لصنعها .. هذا الحس الكونى الذى أراه يقترب من التوحد فى فكرة عمل الكون آراه يقترب إلى درجة ما من حس الرؤية لدى الفنانة نازلى مدكور حين وقوفها بلوحاتها امام المشهد الصحراوى ككون مصغر تنهل منه لتقدم فى وجوه بورتريهات نساء صحراوات لوحاتها الأخيرة حالة خاصة للوجه البشرى .. ونازلى مدكور تقدم منذ سنوات طويلة الوجه البشرى خاصة لنساء الصحراء والبادية كمشهد مكثف للوجود الانسانى لتكتشف بوجوه نساء وفتيات لوحاتها عن طبولوجيا المكان كدراسة بشرية وليست فقط مكانية أو وصفية سريدة .. ارتبطت الفنانة برسم وجوه نساء الواحات الصحراوية ولتكشف بوجوههن عن آثار لغة تعامل الرياح ورمال الصحراء وملمس وتجاعيد الوجه البشرى وأيضا ملامح الأرض الرطبة والوجه فى تلك العلاقة الندية بين الانسان ومحيطه .. حيث يتجلى فى وجوه نسائها أثر الطبيعة وتحولاتها .. وكأن جينات نساء لوحاتها هى جينات صحراوية التواجد والحس وقد تنامى فيهن التواصل والمكان كفعل جينى طبيعى الى داخل النفس لتكشف وجوه لوحاتها عن الجزء المرئى من التوحد الكونى والانسان وليس مجرد الوصفى كأنه جوهر مادة الوجود . - مادة من لون طمى وملمس أرض خشنة نشترك وعناصر تكوين معدنها الارضى وبنسب مختلفة .. ولتكشف وجوهها عن تلك الترسبات أسفل المظهر الخارجى كأن حركة فرشاة الفنانة هى رياح تزيح الزائل لتبقى على الجوهر ناقيا .. وهذا مافعلته ايضا ألوانها بالوجه الانسانى ليبدو فى مقاطع كوجه خضع لكشط سكينى فكشف عن تضاريس اسفل الوجه الحقيقية الممتزجة بملامس الطبيعة ليكشف بعمق عن مادة الكائن إلى ذات الأصل المتحد وطبيعة الأرض وليصبح الأنسان المادة هو الاكثر حضورا من الانسان المحدد الهوية أو المسمى ونساء نازلى مدكور حدث لهن تفاعل والزمن فمن صعب فصل نسائها عن دورة فصول الزمن فيبدون كأنهن مقطع زمنى كنساء لهن ديمومة الوجوه أو هن وجوديات الحس والادراك حتى يصعب على المشاهد للوحاتها أن يلتقط الى أين تتجه نظرات نسائها كأنهن ينظرون الى الداخل وليس الخارج فى عمق لا يمكن ادراك مداه .. ونجد فى اعمال سابقة كانت تعتمد الفنانة على مصدر ضوء خارجى وليصبح الان مصدر الضوء نفسيا داخليا وهذا اثرى كثيرا تداعيات عدة للضوء ليس كرمز وكمصدر فقط الاضاءة ولكن كمدلول وقبلا بدا انسان لوحاتها متوحد مع الطبيعة خارجيا بينما نراه الان صورة من مادية الطبيعة ممتزجا بوجهة نظر الفنانة تجاه الانسان والوجود لتجعله ملتحما به حاملا جنياته الارضية متواصلة عبر الوجوه كأنها كلمات تتواصل معا فى جملة تفسيرية للطبيعة .. رغم هذا تبدو نساؤها الأرضيات المجلس والتكوين وحيدات ضائعات فى عالمنا هذا رغم كونهن جزءا عضويا تمثل دورة التكامل فى الوجوه بكل تراكمات الزمان والمكان واثار معاناة التواجد والذى جعل كثيرا من ألوان الوجوه وسماتها حتى ولو كن لفتيات صغيرات تبدو متآكلة فى طبقاتها كأنها طبقات أرضية اخذة فى التأكل والنحر الذتى .. حتى قد تبدو الوجه كمشهد لجيولوجيا أرضية يحمل فى طياته على قدر قدرة معاناة الحياة .. وهذا تحديدا ما أراه تفعله عيون ووجوه نساء نازلى صحراويات المزاج والتكوين فى مواجهة رياح الحياة والزمن .
بقلم : فاطمة على
جريدة الأخبار - 2010
نازلى مدكور التى لا تشبه أحداً
نازلى مدكور فنانة متفردة .. لها مبادئها التى تحترمها كفنانة مبدعة جعلت لنفسها مكانا متميزا لتصبح من أهم فنانى مصر والمنطقة العربية .. بدأت أعمالها بالاهتمام بتلوين الأماكن وحتى آخر معارضها بقاعة الزمالك ، ابتعدت عن المكان لتبدع خارجة كآلة الاستكشاف التى تتأمل إمكانية جديدة داخل مساحات مغلقة هاجسها اللون ومساحات من ضربات فرشاة سريعة مغلقة بالغنائية والتوتر وبالفوضى المنظمة التى تفتح بها خصوصية جديدة دون أن تجعل من نفسها حاملة لمعنيين غير ذاتها التعبيرية حتى ولو ألصقت بمعرضها عنوان .. نازلى مدكور أعطت لمعرضها عنوان ` عشتار ` ورسمت زهورها كفنانة أصبح من اليسير عليها ودون افتعال أن تدرك أن زهور لوحاتها ` العشتارية ` هى تجربتها تقنيا وفنيا وأن الاسطورة تبدو كأسطورة الفنانة الذاتية التى لن نفهمها إلا من خلال نازلى التجربة .. ولم استشعر تماما فكرة عنوان معرضها ` عشتار ` بل استولت على تقنية وتعبيرية نازلى وليس موضوعها .. وأعتقد أنة لايوجد هنا فصام وجدانى .. أو الحاق معنى مزدوج لشيئين يعبر أحدهما عن الأخر .
فنازلى بإقتدار جعلت التعبير عن كل شئ ممكن دون لى ذراعه . فزهور معرضها وورودها على السطح ليست سوى تعبير عن طاقة اللون .. وقدرة جعل السطح متوترا للإفراج عن طاقة اللوحة ومعطياتها .. لتمس لوحاتها القلب بشئ أعمق بكثير من وحى زهور ` عشتار ` فما يميز معرضها هذا هو شكل اللون وتشكيله .. ومثلما هناك لدى ` التجريدية التعبيرية ` التعامل وحقول اللون أرى نازلى وقد ألقت زهورها فى حقول الفراغ ربما تستهدف تصوير قهر الفراغ وإذابة ما فى ذلك الفراغ من أشياء .. وقد أوحت الفنانة فى بعض اللوحات بالمدى البعيد فى لوحاتها وهو فى الوقت ذاته شعور بتاريخ الاسطورة فى الفراغ ـ الزمنى ـ ليصبح داخل المدى البعيد زمانا .. ورغم أن الزهور عادة هى زهور ربيعية فى الزمان إلا أننى وسط زهورها شهرت اننى داخل حديقة فصل متأخر .. حديقة النهاية الوشيكة .. حديقة تتصارع فيها أوراق الورد .. فرأيت فى بعض تلك اللوحات الاشياء بصورة عضوية الواحد فيها فوق الأخر أو جنبا الى جنب أو أحدهما وراء الأخر دون محاولة تأكيد المرئى بأن ما نراه زهرة .. لذلك لوحاتها لاتشبة الزهور لكنها عن الزهور الاسطورية وعشتار فهى واقعية وآسطورية معا وهى تشبهها ولا تشبهها وهى فارغة وممتلئة معا وهذا أروع ما لدى نازلى فى كثير من أعمالها فإن بدت مباشرة إلا أنها لا تفصح صراحة عن نفسها حتى ولو أعطت لمشاهد لوحاتها عنوانا ومفاتيح لكنها تظل ذات عقل يحجب نفسة خلف العمل حتى يدركة المشاهد بنفسة ليرى مالم يبصره لأول مرة فيفصح له عن غير المتوقع .. لذلك فى نازلى التى لا تشبة احدا .
كما تفاجئنا فى ` عشتار ` الأسطورية بزهور تفجرها من الداخل تخلق بها نسقا جديدا لا يشبة شيئا .. ففى أعمال تحول نظامها إلى فوضى وفى أعمال أخرى تحول فوضاها إلى نظام كأن هناك تداعى أفكار فى مجمل أعمالها بين شكل اللون ومواقعة وتربطها بأخرى مثل الانسان الذى فى حركتة يعدل الاشكال التى تحيط به فأقل حركة تعيد تشكيل التكوين بكامله .. وفى معرضها أيضا نراها تميل إلى أن تمحى وتفقد التفاصيل فى سيولة .. وفى لوحات أخرى أرى أنه لاشئ هناك إلا وكأنه ضائع .. وفى أخرى بدت لى زهورها كدوائر ليست أمام أعيننا مباشرة ولا هى مخيفة بدت متحولة كأنها مصنوعة من ماء وهواء .. وفى أخرى بدت زهورها كأنها النار .. وفى معرضها أيضا ندرك زهورها دون ان نراها بوضوح لكننا نراها كفكرة وندرك بهجة وتفتح الزهور كما ندركها داخل رءوسنا .
ومن لوحة لاخرى تتعاقب زهورها كتعاقب الأفكار فى أذهاننا.. فهى مرة أخرى كنازلى مدكور لا تشبه أحدا .. وفى لوحات بجدارة كانت ألوانها الغامضة أو المعتمة تطمس معالم تفاصيل .. ويتوالى بذلك التصوير لأشياء متجانسة من منهل أسطورى واحد لتصبح زهورها كأسطورتها أشكالا لا يلمسها أحد ولايمكن ملاحقتها بسهولة .
زهور معرضها هذا ` متوحشة ` ترتبط كثيرا بمرحلتها الصحراوية ولا أستطيع أن تحقق من انعدام وجه الشبة فى الجوهر بين المحلتين وان المركب العضوى واحد .. رغم أن لوحاتها تولد مرة واحدة وليس مرتين .. وفى ميلادها الزهرى هذا ـ وفى برهة قصيرة بين حركتين ـ تأتى زهورها عاصفة محملة بقوة الطبيعة إنها كعصف بسطح اللوحة ذاته .. لذا هى معدومة الديمومة والاتجاه وغير مرتبطة بالمستقبل والماضى اللحظى سواء بسواء .. ورغم عدم ارتباطها بالماضى اللحظى والمستقبلى تظل زهور نازلى مدكور البرية فوق أسطح لوحاتها اعترافا تاريخيا بقوة الوجود فى ذاته لحيوية التوحش النباتى ودفق الحياة عبر اللوحات .
وقد عصرت الفنانة عناصرها لتصل الى الجوهر المندفع بالجمال الوحشى .. أيضا هى تدرك جوهر اللون حتى حين تنتهى من لوحاتها يبدو كأنه مجرد نفاث تزفر فوق السطح .. ألوانها أكثر الأزرق وهو لون مرئى ودائم الارتباط بالقائم واللاواقعى وهو لا ينضغط داخلا علينا بل يجرنا خارجا إلى البعيد لذلك كثير من أعمال نازلى تخرج من الفراغ وأحيانا إلية .. بينما الأزرق والأخضر فى العمل الواحد يوحيان بالتوحد والهم وهما لونان مرتبطان إلى ماضى ومستقبل فهما لونا مصير ولهما قوة مذيبة للقريب ولم يعنيا فى بعض لوحاتها سوى تحد سيطرة مقدمة اللوحة .. كذلك أخضر لوحاتها الغبش لون مصير .
المعرض بكاملة مستوحى من أسطورة ` عشتار ` لكن داخل المعرض بالفعل لم أفكر فى عشتار ولا الاسطورة فقد اكتفيت بصبغة لوحاتها الوحشية عنيفة الحضور كزهور برية صحراوية ربما كانت ` نبت أولى ` فى لوحات الفنانة من عدةسنوات لذا لم أرها تختلف عن روح أعمالها الصحراوية ولا صلة لها بعشتار فزهورها تتمدد فى فضاءات أرض صحراوية على اتساعها .. لتقدم نازلى زهورا غير مقروءة الجينات فتلك الوريقات الصغير البريئة غير مفهوم نطاق حياتها .. هكذا هى زهور نازلى العشتارية .. لتبدو لى الأسطورة بسيطة للغاية على اتساع مجهول زهور نازلى .. ربما لأنها منحت زهورها الاسم لكن عقلها كان يعالج مأزق ظاهريا آخر بطريقة ضربت به الاحساس ضربا .
هناك رؤية حيرتنى فى زهور ` عشتار ` فنازلى مدكور كانت تكسى ـ تقريبا ـ ورودها بضربات اللون كى تبرز مفهوم الجسدى وفى لوحات أخرى حاولت إخفاء هذا المفهوم فبدا أكثر موسيقية ككريشندو نهائى لمرحلة قصيرة من الحياة .. كأن زهورها استهلكت نفسها فى اتمام اللحظة بين مفهومى الإفصاح والأخفاء او التجسد والتبخر .. وبوفرة تلك الوريقات المتحشرجة التى تدخل أو تخرج من وإلى الحياة بدت مهارة الفنانة فى محاولة التحكم على ضوء تلك البرهة الحرجة أعتقد من متابعتى عبر مراحل عدة للفنانة الجادة أنها مراقبة ممتازة على نفسها .. تراقب وتحرص على خبرتها وكيف تتغير ومنها تتعلم .. حتى اانى أشعر أنها تتواضع أمام خبرتها لدرجة أنها تتحاشى فى لوحاتها أن يعتقد أحد أنها تدرك مالم تدركة .. لذلك هى فى عمل دائم لتفاجئنا بما أدركته من نفسها .
د.فاطمة على
جريدة القاهرة 2014
فى معرضها فى قاعة بيكاسو بالزمالك : زهور ونساء (( نازلى مدكور )) محملة بملمس لحاء الصبار
- معرض الفنانة نازلى مدكور المقام حاليا بجاليرى بيكاسو بالزمالك هو امتداد لمعرضها بعنوان `عشتار` الذى أقامه منذ عامين .. امتداد فى تناولها للزهور كمبحث بصرى فى امتزاجها انطباعيا بمادة اللون .. وجعل معالجات السطح تدعيم لمبحثها من تهشيرات اللون والخط وتسيلات وتنقيطية فرشاة اللون فى بعض اللوحات .. فما زالت فى معرضها هذا تستكشف قدرة زهورها على تحمل مادتها الانطباعية التى نراها منتفضة تحت تأثير إلحاح اللون وسحقة لوريقاتها أو بتلاتها .. فهى كالفنانين الحديثيين تحاول بإلحاح اكتشاف حدود المادة وما يمكن أن تؤديه فوق سطح .. كما ركزت فى عرضها على جعل المشهد دائم التحول والاحتمالات فوق السطح المرن الهش وأحيانا الصلب فى دينامية متواصلة تحركها تجريديتها الانطباعية الحرة معتمدة على تقطير الحالة وليس فقط تجريدها ألوانا وتشهير مادتها حتى لو جرحت زهورها لتخرج ما بداخلها الزهرة والتوال معا.
هذا الإلحاح يكشف عن فنانة شديد الذاتية تريد الكشف عن صور لا محدودة تشكل الحقيقة الداخلية لعناصر الطبيعة بعد تجريدها من زينها الوقتية البراقة الزائلة .. لتقدم رؤيتها الذاتية الخاصة فى رغبة تحرير الأشياء كحرية صحراوات لوحاتها الأولى ممتزجة بالخط كتعبير يبدو كخطو فى رمال صحراوية محرك لمجال اللوحة ووجودها التهشيرى الحر .. وهذا البحث زادها افتتانا بالسط ونسيجه والمادة اللونية المهيمنة بجرأة .. أعتقد أن دفق حرية الفنانة وهى تلون بمعاجينها سرعان ماتتحول من فكرة لأخرى كرمال صحراتها القديمة المتحولة بذاتها من شكل لأخر بلا توقف وفى حلول غير متوقعة .. فنازلى فنانة حهورية ليس لألوانها ضجيج الصوت المرتفع الرنان لكن لها قدر على نبش السطح واستصراخ خرفشاته من أزير الخدش وتوتراته لأنها تعمد أن تقيم عمارتها الداخلية على مجموعة من الذبذبات والخدوش والانفعالات الكامنة .
تحطيم الصورة الذهنية للزهور
لوحات نازلى مدكور أراها منذ عرضها السابق كمفردات من النشاط الذهنى الوجدانى أكثر من كونها تنتهى إلى تقديم زهور لوحات كوجود مستقل فى ذاته .. فربما تحاول تحطيم الصورة الذهنية للزهور كجزء من عالمنا له ذاكرته الخاصة الجمالية المخملية لتتوحش به داخل العمل كأنها زهور صبارية عطشى تنبثق فجأة ومن أى مكان فى اللوحة .. تبثق كفوضى تتحول إلى فورة وجدانية حسية .. لذلك أراها أحيانا تعتمد على عجينة التعبيرية على حساب التجريد وأحيانا زهورها هى حالة ذهنية تنهض من داخل القماشة كالنبض الذهنى الموجع غير المستقر لتستحضر بألوانها صورة ذهنيه مستقاه من عالم الزهور إلى عالم من الإتساع والرحابة الذهنية بين إنسان وزهرة مستكشفه لرحيقها وقوة وجوده .
وفى هذا العرض الفنانة نازلى تحاول تحقيق حقل واسع من الرؤية رغم تجزئ معطياتها بتلاقى وتداخل العديد من الإيماءات البصرية والذهنية التى تتواجد عن طريق الانتقال المتصاعد للوجدانية التلقائية .. إلى درجة أن تتحول زهورها إلى جزء من فعل الفنانة بالإيماء عن وجودية الزهرة دون أن تكون صورة لزهورها بل تصورا عن إمكانات الزهرة الحيوية الايمائية .. لترسم تصورها عبر شاشة مموهة كجزء من مفردات الوجود فإيماءات وجود زهورها لا ندركه فى اللون أو التقنية وتتاليات عمل الفرشاة بل يتضامن مغزى وجودها وتاريخ الفنانة بأعمالها الأولى بنبتها وإنسانها الصحراوى ..
ولأن صحراواتها الأولى مفتوحة الجوانب لذلك يمكن رؤية لوحات زهورها من آى جهة للإطار فكأنها تدور داخل جهات وجود الأطر الأربعة دون تحديد حافاتها أو وضعية الرؤية من أى زاوية .. لذلك ظل مكانها غامضا هائما لتحوم فى تمازج داخل فضاء ضحل يحمل قدرا مضغوطا من نبضات السطح وهو نفسه فيما أعتقد ينتشر كبؤر استقطاب عين المشاهد .. ومن داخل لوحاتها حيث ضيق أو انعدام الحيز الفضائى نرى الفنانة استعاضت عنه بالإيقاعية الداخلية ونبضات القماشة ذاتها التى تعيد ترتيب إيقاعها من جانب لآخر كى تنتظم لكنها لا تنتظم وتزداد نبضا وتتسارع فى حيوية وإيمائية شديدة مبتعدة بنفسها عن محدوديات المكان الضيق داخل نطاق مادة وعجينة اللون والفرشاة المهشرة بلا حدود .. مع ملاحظة أن لوحات صحراواتها الأولى كان فضاؤها رحبا مفتوحا واللوحة تتسعه لكنه ضاق الآن داخل اللوحة فقد أرادت لوحة تحت سيطرة حركة عناصرها الداخلية وليس تحت سيطرة الفضائى .. ليبدو منهجها الانطباعى إلى درجة مايتمثل بين التراكمى الكمى والتلقائى المتدفق فى لامكانية .
زهورها وجينات نساء صحراواتها
زهور لوحاتها اليوم هى تصور عن زهر الصحراء قدمتها الفنانة بصرامة صحراوية لتصبح نساؤها وزهورها مُحملات بملمس لحاء الصبار وطعمه .. وهنا رغم الفارق .. هناك توازن رقيق يغمرها يتقدم ويعلو ويتراجع أحيانا لذلك لا نحس مطلقا أن التشبيه مفروض علينا بل يجيئنا بسحر نسائها والزهور بصورة لها طبيعية خاصة بسبب تلاعب شكل ضد شكل ومنطقة لونية ضد أخرى .. فزهورها اقتفت تطورا شكليا موازيا ومعدلا بتجاربها المختلفة لنساء لوحاتها الصحراويات خشنات المظهر متحديات الوجود وقسوته وعطشه النفسى كتخريجات نفسية يدركها المشاهد من خشونة الملمس ومن إشارات كونية شاردة .. لنرى بذلك منهجها ما بين رحلتى النساء والزهور يتطلع للأمام والخلف وفى كلاهما مُحمل برائحة صحراواتها القديمة بنسائها وفى حرصها على وجودهن فى هذا العرض ولو بأحجام صغيرة .
مادة جسد اللوحة
عملت الفنانة على المادة وإعادة طرحها فى فترات زمنية مختلفة .. مع تنشيط هيئة اللون ومجاله وملمسه فى تداخل وضربات اللون المادى بين أوراق وبتلات زهورها .. فتقنيتها لها مزاج حيوى يتجاوز كل اعتبارات الأسلوب داخل علاقة متناقضة بين طبيعة وشكل الزهرة وطريقة معالجتها حتى أن اللون لا يلون ورقة الزهر بل يتخللها تماما ويمتزج بعصارتها لتقدم الفنانة فيما يبدو رؤية لخاصية الامتزاج مادتين مختلفتين فوق سطح ذاته .. ومُحاولة تقديم سلسلة لوحات من جسد الزهرة كمدخل للون والملمس والفرشاة الخشنة والمعجون لتعجل تعزيز رؤية إحدى لوحاتها يتم بوجود الأخرى وهكذا هو العرض بكامله ..
مادية انطباعية نازلى أراها اعتمدت على تأثير عصارة أوراق الزهور على اللون وسحقه .. واعتقد انها لا تجرب تقنيات بل هى تحلل هذه اللغة المستخدمة داخل محدودية سطح اللوحة ليصبح المكان المادى والتقديرى كبيئة زهرية ومادية للعمل فى الوقت نفسه .. ولتصبح لوحاتها فعل ديناميكى إلى درجة كبيرة متزنة بين ما هو مادى وما هو نفسى .. وما هو كمى وما هو كيفى بمعالجتها أشكال قائمة لديها قبلا من خلال سحق اللون فوق أوراق الزهور لتنشق الزهرة عن جلدها الخارجى كانفجارات صغيرة كأن سطح التوال بكاملة ينشق عما بداخلة ليكشف عن أحراش وطرق وعرة ورمال وخيوط تنساب من بطن المشهد وتتداخل فى ديناميكية جعلت مواد الرسم تتداخل وسطح اللوحة فى حركة غير متوقفة تجذب معها الخطوط او تخلفها وراءها كآثار المرور .. فنازلى توظف الطبيعة كعالم عضوى فى عمليات تشكيلها الفنى معتمدة على مفهوم المكان فى لوحاتها الصحراوية الأولى النابعة من المنظر الطبيعى الممتد للافق الصحراوى .. وباستخدامها هنا لإحدى مفردات الطبيعة جملها تعمل داخليا بتوتر وطاقة نموذجيان للحالة الطبيعية .
نازلى مدكور تعمل بإصرار على تفكيك التراكيب البصرية حتى تصل لأن تمنح نفسها هيئة مجردة فى هيكلها البدائى المفهوم .. ويمكننا الاستدلال على حدود عمل نازلى الإبداعى من قدر وعيها الذاتى وجعل عملها يحمل تأويلا ودلالة كامنة لا تعبر عن الزهور بل بالتأويل خارج منطقة الزهر كسمة ووجود متصل داخل عالم أخضعته لجبروت الطبيعة وتوحش حب البقاء داخل اللون وعجينته فلا يمكن إنكار توحش جمال زهورها الصحراوية .. هذا التوحش هو ما أصبغ على لوحاتها هالة وحالة من التوهج والطاقة تتعدى محيط مادة اللون والسطح ..
فاطمة على
القاهرة : 2017/4/4
الربيع والطبيعة بريشة نازلى مدكور
- تعرض الفنانة التشكيلية نازلى مدكور 35 لوحة من أحدث أعمالها بقاعة بيكاسو بالقاهرة حتى 14 أبريل 2017، وتقع أعمال الفنانة بين التشخيص والتجريد وفيها تغوص فى عالم يستلهم الطبيعة والمرأة المصرية ، وهى دائمة البحث عما تحويه الخامات من قدرات وامكانيات تسهم فى توليد المعانى وتجلياتها من خلال تنوع وثراء الخط واللون والملمس.
وتعتبر ` نازلى مدكور ` واحدة من أصحاب التجارب المميزة فى حركة الفن التشكيلى المصرى ، وفى هذا المعرض تواصل توغلها فى عالم داخلى مستوحى من المناظر الطبيعية والزهور ، والنباتات والبورتريهات أيضا ، وتبدو لوحاتها ذات ملامس مختلفة معتمدة على لغة الألوان البصرية وعلاقاتها ببعضها لتصنع منها علاقات جمالية ، ونستطيع القول إن الطبيعة تتحول فى لوحاتها إلى أحاسيس ومشاعر وموسيقى وخصوصا فى اللوحات التى استخدمت فيها الألوان المبهجة التى تعبر عن الربيع وترمز إلية بعناية ودراية.
وقد بدا نضج ووعى الفنانة ــ التى تمارس الفن بإخلاص ودأب منذ أكثر من ثلاثين عاما ــ فى هذا المعرض خاصة بعد أن تركت فكرة تحضير الاسكتشات المسبقة للوحة والرسم مباشرة إلى سطح اللوحة ، وهى تعترف أن خبرتها تتبلور مع كل لوحة جديدة تقبل عليها.
وأكدت نازلى مدكور أنها فى كل معرض تحاول تقديم شئ جديد مختلف عما قدمته من قبل موضحة أن الأشياء الجديدة التى تصيفها ليس للمتلقى فقط بل لشخصها من أجل الاستمتاع بما تقدمه.
وأضافت أنها اقتحمت ألوانا وملامس مختلفة وجديدة لم تقدمها من قبل ، برغم أنها مازالت تعتمد على المرأة والطبيعة فى لوحاتها.
هدفها مختلف
ويرى الناقد العراقى فاروق يوسف أن نازلى مدكور فنانة تحررت من الوصفات الجمالية الجاهزة ويمكنها أن تستمر فى رسم الربيع إلى ما لا نهاية ، من غير أن يتكرر المشهد الذى ترسمه ، فما من ورقة وما زهرة وما من شجرة ترسمها إلا وتظهر مرة واحدة من لوحة إلى أخرى ولا شئ يتكرر ، وإن كان الموضوع واحدا .
ويضيف أن نازلى تكمل الطريق الذى بدأه أسلافها الانطباعيون غير أنها تنحرف بالانطباع إلى هدف مختلف وهو ما يؤهلها أن تكون الفنانة العربية الوحيدة التى تنتمى إلى تيار الانطباعية الجديدة . وهو تيار حداثى يكسر الحدود بين التشخيص والتجريد ، ذاهبا إلى ما هو أبعد من المشهد الطبيعى من غير أن يجرده تماما لذلك تستلهم نازلى مدكور حريتها من علاقة يقيمها الرسم بالطبيعة هى مزيج من الشغف المجنون بالجمال الطبيعى والرغبة فى أن يتحرر ذلك الجمال من صورته الجاهزة ، ليخلص إلى جوهره.
زين إبراهيم
صباح الخير : 2017/4/4
نازلى مدكور والتزام جديد
- النداء البعيد
- يضع الفنان المبدع والناقد القدير حسين بيكار الفنانة نازلى مدكور ` فى صفوف الصفوة من كار الفنانين المبدعين فى الحركة الفنية المعاصرة ` ( ألوان وظلال - الأخبار - 15 / 3 / 1990 ) . ويجدر أن يوضع هذا القول موضع التقدير والاعتبار عند الإقدام على دراسة العطاء التشكيلى لهذه الفنانة التى لم تكتف بممارسة التصوير بل عنيت أيضاً بدراسة موضوع ` المرأة المصرية والإبداع الفنى ` فأصدرت عام 1989 كتاباً بهذا العنوان ( عن جمعية تضامن المرأة العربية بالقاهرة - ثم عن هيئة الاستعلامات المصرية عام 1993 ) وعلى صفحات كتابها هذا رصدت نازلى مدكور دور الفنانة التشكيلية فى مصر منذ فجر التاريخ حتى اليوم - ويقوم هذا الرصد على منظور سوسيولوجى وتاريخى لواقع المرأة الاقتصادى والسياسى وعلاقته بالعملية الإبداعية عبر مراحل التاريخ ( عزالدين نجيب - مقال بعنوان ` من حياكة الثياب والزينة إلى اللوحة المعاصرة الحديثة ` بصحيفة ` الحياة `- 1989) . - ترك الحياة السهلة والتفرغ التام للفن :
- والفنانة نازلى مدكور ولدت بالقاهرة عام 1949 ودرست الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ، ثم حصلت على دبلوم فى الإدارة وماجستير فى الاقتصاد السياسى من الجامعة الأمريكية بالقاهرة وعملت ببرنامج الأمم المتحدة بالقاهرة ثم خبيرة اقتصادية بجامعة الدول العربية بالقاهرة إلى أن استقالت عام 1981 لتتفرغ للفن وتابعت دراسات حرة فى الفن فى مصر وفى فلورنسا بإيطاليا .
- أهمية الدور الذى يؤديه الفنان الملتزم : وتقول نازلى مدكور ( فى كتابها المشار إليه - ص56 ) إنها حين أقدمت على دراسة وممارسة الفن لم يكن هدفها سوى الإلمام بقواعد الرسم والتصوير وعندما اتسعت مداركها بتاريخ الفن وفلسفة الجمال إلى جانب ممارسة العملية الفنية بشكل أعمق أيقنت أهمية الدور الذى يؤديه الفنان الملتزم تجاه مجتمعه من خلال إسهامه فى التراكم الجمالى البشرى .
- وقد واصلت نازلى مدكور - على حد قول حسين بيكار - بثقة واقتدار تجديد أسلوبها الذى حصلت عليه بعرق الجبين وبمجهودها الخاص وعبر استمرارية إنتاجها وتدفقه ازدادت شخصيتها تبلوراً يوماً بعد يوم فهى تعود بعد كل معرض لتأمل عطائها - على حد قول كمال الجويلى ما إذا كانت قد حققت ما يجيش فى أعماقها من طاقات التعبير أم مازال الكامن يتململ راغباً فى الانطلاق ومن ثم استطاعت بإصرارها الدؤوب أن ترتفع بقامتها لتطاول زملاء لها حاصلين فى الفن على أعلى الشهادات .
- وقد طرأت على أعمالها منذ أوائل التسعينيات ` تحولات ` كان من مؤداها أن بدأ المنظر الطبيعى الذى كانت تعرضه من قبل فى لوحاتها خالصاً من أية إسقاطات - بدأ يحمَّل برموز ومعان ودلالات لم تكن واردة فى الأعمال السابقة . كما تحولت التكوينات من الهندسة الواضحة إلى منظومة أكثر غموضاً وتركيبية . وتقول نازلى مدكور عند ذلك ( فى كتالوج معرضها ` التحولات ` فى مارس 1994 ) ` لقد كان للهجمة المتخلفة التى تتعرض لها المرأة والثقافة والبلاد ردود فعل قوية فى نفسى غير مكترثة صاحبتها تأملات أدت إلى هيمنة الرموز والمضامين الاجتماعية على عدد كبير من هذه الأعمال `.
- اللامبالاة غير واردة :
- ويبين ماتقدم أن نازلى مدكور ليست فنانة غير مكترثة تمارس الفن لمجرد الاستمتاع وشغل الفراغ . فمن تاريخها نعرف أنها تركت عملاً مضموناً ووظائف مرموقة كى تتفرغ وعلى مسئوليتها للفن تماماً وبعبارة أخرى فإنها قد تتفرغ وعلى مسئوليتها للفن تماماً وبعبارة أخرى فإنها قد أخذت الفن على مأخذ الجد وربطت به نفسها وحياتها وكل وقتها وليس أوقات فراغها فحسب . ولهذا فقد توالت منذ عام 1981 معارضها الخاصة ومشاركاتها فى المعارض الجماعية.
- ما الجمال إذن عند نازلى مدكور ؟ وما الحقيقة ؟ وما دور الفن ووظيفته ؟ هل تعتقد أن للأنهار والمحيطات والأشجار للطبيعة بصفة عامة بقاء ؟ هل تعتقد أن للإنسان مستقبل ؟ هذه أسئلة سوف نحاول أن نبحث لها عن إجابات من تحاورنا مع العطاء التشكيلى للفنانة نازلى مدكور .
- الحداثه
- الزمان والمكان :
- تمثلت ` الحداثة ` عند نازلى مدكور على الأخص فى مفهومها للزمان والمكان ؛ فالزمان فى الوحة ليس زماناً واحداً بل هو عدة أزمان تتداخل وتتقاطع وتتلاقى . الماضى يندلق فى الحاضر والحاضر يستوعب إرهاصات المستقبل وعلى ذلك ففى اللوحة الواحدة تمتزج ذكريات الماضى بحضور الواقع المعاش وبلهفات ومخاوف المستقبل الذى مازال فىطى المجهول وبلا حدود أو ضوابط يضحى الزمن مساحة يشغلها أكثر من زمن .
- وكذلك بالنسبة للمكان فحيز اللوحة عند نازلى مدكور ليس عادة مكاناً واحداً محدداً ومعيناً بل هو حيز يشغله أكثر من مكان ولاتجتمع هذه الأماكن فى الواقع بقدر ماتجتمع وتتلاقى وتتداخل فى ` اللاوعى ` وقد أضحت الفنانة تعتمد على ` العقل الباطن ` فى استحضار الأماكن إلى لوحاتها ومثلما فى ` الرواية الحديثة ` تترى الأماكن فى لوحاتها عبر تيار شعورى ذاتى حاد .
- أما الحدث - بل والحدث الاجتماعى أيضاً - فقد زالت عنه صفته الواقعية القديمة التى كانت تجعل ` وحدة الحدث ` من متطلبات العمل الفنى مسرحاً كان ذلك العمل أو رواية أو تشكيلاً . فالأحداث فى لوحات نازلى مدكور أضحت ` شذرات أحداث ` تتلاقى مع شذرات أحداث أخرى وهكذا مما يجعل لوحاتها تستأهل بحق صفة ` الحداثة التجريبية `.
- ومن صفات الحداثة عند نازلى مدكور أيضاً ` أن اللغة ` أو ` الخطاب التشكيلى ` ليس خطاباً مكشوفاً مباشراً - بل هو يتسلل إلى عقل المتفرج وقلبه من خلال عدة تفاصيل ممزقة ومتناثرة بدورها وذلك عبر تقنية تتفق مع المتطلبات الذاتية لهذا الخطاب .
- فالزمان ليس زماناً والمكان ليس مكاناً بمفاهيم الواقعية فى الفن ومن نحا نحوها والحدث ماعاد يعرض من منطلق بداية ووسط ونهاية وما عاد للعمل شخصية محورية ولاعاد للبطل اسم . وربما كان هذا الذى أتت به ` الرواية الجديدة ` فى فرنسا (ناتالى ساروت وآلان روب - جرييه ) هو الذى نراه تشكيلياً لدى نازلى مدكور ؛ فالزمان والمكان المطروحان فى أعمالها منطمسا الحدود . الزمن القديم جزء من الحالى والأماكن تتداخل وهى ليست على مانعرفها فى الحياة الواقعية . هى أماكن وجدانية وكذلك الزمن أكثر من أن يكونا زماناً ومكاناً واقعيين .
- من ` المحدود ` إلى ` اللامحدود ` :
- وفى عدد كبير من لوحات نازلى مدكور تمتد عناصر اللوحة إلى خارج الإطار . وتقول الفنانة إنها كانت تتصور فى البداية أن السبب فى ذلك اختيار جمالى ولكن مع زيادة تعمقها فى تفهم أعمالها أصبحت ترجع ذلك إلى أسباب تبدو لها نفسية فى المقام الأول . إن الخروج من الحيز المتاح أو المقرر مسبقاً ينبىء عن توق إلى حرية أكبر، وسعى إلى مساحات غير مفروضة مسبقاً، ولامطروقة ، وبعبارات أخرى الانطلاق من` المحدود` إلى ` اللامحدود ` وهذا فى حد ذاته مطلب إنسانى عميق الجذور مما يذكرنا فى هذا المقام ` بأسطورة بروميثوس`الإغريقية ونجد هذا السعى من جانب نازلى مدكور حتى فى أعمالها التى لايظهر فيها بوضوح خروج الصورة عن الإطار.
- ونلتقى فى معرض أبريل عام 1988 بنماذج كثيرة تؤكد استمرار الفنانة فى هذا الاتجاه الذى ماعاد توقاً فردياً أو سيكولوجياً بل مسعى من مساعى الحداثة فى الفن تشكيلاً كان أو أدباً أو موسيقى أو مسرحاً أو سينما ويؤازر كل ذلك تقدم الكشوف العلمية والتكنولوجية وتطور الفلسفة وارتيادها لآفاق رحيبة لم تكن معروفة أو مسموح بها من قبل .
- إن اتجاه الحركة فى لوحات نازلى مدكور عادة لاينتهى مع انتهاء حدود اللوحة وإنما ينطلق إلى خارجها وهذا الذى نلمسه فى لوحات معرض أبريل 1998 هو تأكيد ومواصلةلما سبق أن رأيناه فى أعمال معارض سابقة لها وبالأخص معرض مارس 1996 حيث تعكس جملة من أعمالها الصحراء والنخيل والبيوت الطينية وكأنها تبدو منفلتة من الإطار ومتعدية للخلفية كلها التى تبدو سجناً لها دون أن يشكل ذلك نشازاً على أى حال بل تكتيكاً متكاملاً وموفقاً.
- `التجريدية ` والتشخيصية ` :
- ويثور التساؤل أمام الكثير من لوحات نازلى مدكور عما إذا كانت قد تبنت ` التجريدية ` وانحازت إلى ` تجريدية واسيلى كاند ينسكى ` (1866 - 1944 )على الأخص .
- وفى هذا المقام يجوز أن ننبه إلى أن الفنانة لاتنظر إلى `التجريد ` و`التشخيص` على أنهما ` طرفا نقيض` ولايلتقيان ؛ بل هى لاتعتبر أن أيهما فى حقيقة الأمر يلفظ الآخر من اللوحة . فكل منهما صياغة تشكيلية تصلح لشىء أفضل مما تصلح له الأخرى . ولذلك سوف نجد الفنانة تستخدمهما معاً فى اللوحة الواحدة لأن كلا منهما يخدم اللوحة : ` التجريدية ` فى جزئية منها و` التشخيصية ` فى جزئية أخرى ومن ثم هما معاً يثريان خطاب اللوحة ذاته.
- ولذلك فإن نازلى مدكور لاتحب أن تدرج نفسها تحت مسمى ` فنانة تشخيصية` أو مسمى ` فنانة تجريدية ` إنما هى فى حقيقة الأمر `فنانة مستثمرة لمزايا كل صياغة منهما ` وهذا الذى تأخذ به نازلى مدكور هو من مستتبعات `مابعد الحداثة ` ومن الصلاحيات التى ماعادت تأباها ` الحداثة` ذاتها.
- إن عديداً من أعمال نازلى مدكور مثل ` البداية ` و`أغوار المكان ` وزمن آخر ` وهناك ` وهى من أعمال معرض ابريل 1998 ومثل ` الزوبعة ` و ` الفردوس المفقود ` و` رسالات ` من أعمال معرض 1996 تبدو `أعمالاً تجريدية ` إذا نُظر إليها عن بعد فإذا ماازداد المتذوق اقتراباً منها وعنى بالتدقيق فى تفاصيلها فسوف يتبين له شيء فشىء ملامح من مفردات الواقع، مثل هلال أو باب أو مصباح مدلى من سقف لا وجود له فى اللوحة أوشراع قارب أو كيانات إنسانبلاخيمت عليها عزلة تذكرنا بشخوص مسرحيات صمويل بيكت الكاتب الايرلندى المعاصر التى تلزم صمتاً لاتقطعه إلا كلمات قليلة بل نادرة .
- وفى النهاية تضحى لوحات نازلى مدكور - على حد قول الصحفية زهرة زيراوى التى أجرت حديثاً معها نشر بمجلة `المغربية عام 1977 - `العلم` المغربية عام 1977 - ` لحمة من تشخيص وتجريد امتزجا ليمارسا هذه اللعبة الثنائية بتقنيات متمكنة جداً`
- وفى هذا تقول نازلى مدكور ` إن العلاقة بين التجريد والتشخيص فى أعمالى علاقة حساسة جداً ومرتبطة بمضمون اللوحة وهذه العلاقة ترتكز على قناعة بأن التجريد والتشخيص لا ينفصلان، ويصبح التجريد هاماً وضرورياً لنقل الأحاسيس والمشاعر والحالة العامة للوحة أما التشخيص فهو يساعد على إعطاء علامات ورموز أكثر تحديدا،ً بل وتساعد المتلقى على التعرف على مرجعيات اللوحة، وتشركه فى استدعاء التصورات والمفاهيم المرتبطة بالمنطلقات التجريدية وبالتالى فإن العلاقة بين التجريد والتشخيص من المحاور الرئيسية التى تشكل اتزان لوحاتى` .
- وإذا كان لنا أن نضيف شيئاً فى هذا المقام فهو أن صفة ` الثنائية ` - التى أضفتها الكاتبة زهرة زيراوى - على لوحات نازلى مدكور - صفة غير دقيقة ولاتتفق تماماً مع عطاء الفنانة فإن هذا العطاء أقرب إلى ` التوحد ` الذى هو الصفة الأكثر صدقاً بالنسبة للوحات نازلى مدكور وبخاصة على ماتطورت إليه فى معرض أبريل 1998 . وقد أضحى تاريخ ` الفن الحديث ` يعرف إلى جانب كل من مذهبى ` التجريد ` و ` التشخيص ` مذهباً ثالثاً هو مذهب ` اللاتجريد واللاتشخيص معاً`.
- كما أن لنا تحفظاً على وصف ` اللعبة ` الذى تضفيه زهرة زيراوى على فن نازلى مدكور فالفن ليس لعبة على الإطلاق بل هو نتاج معاناة وجهد وجهاد من أجل التوصل إلى ماهو متفرد من ناحية واجتماعى من ناحية أخرى إلا إذا وضعنا موضع الاعتبار قول بيكاسو من أن الفن لعبة يجازف فيها الفنان براحته بل وبحياته كلها .
- وعلى هدى من ذلك ومن منطلق النزعة الاستقلالية التى اتصفت بها نازلى مدكور منذ بداياتها أضحت الآن - وعلى مابدا فى أعمال معرض أبريل 1998 بالأخص - تنثر على سطح اللوحة مفردات متنوعة من لغتها التشكيلية رموزاً وأشكالاً وخطوطاً وخربشات .
- الصدفة أو التلقائية :
- و`للصدفة ` أهمية كبيرة فيما تنثره الفنانة على أسطح لوحاتها وعلى الأخص فى السنوات الأخيرة حيث تبدأ - على ماتقول - اللوحة بدون خطة أو هدف مسبق وأثناء تعاملها مع حيز اللوحة تفاجئها صور وتضاريس تبقى عليها وتؤكدها لارتباطها برؤاها الذاتية ومزاجها الفنى وتبرز لها أحياناً صور وتضاريس أخرى تمحوها وذلك لأنها تكون قد وفدت إليها من عوالم سبق لغيرها أن طرقها أو مما اختزنه عقلها الباطن من إبداعات الآخرين قدامى أو معاصرين .
- إن ` الصدفة ` أم الاختراع فى العلم وأم الإبداع فى الفن وتكمن أهمية الصدفة فى القدرة على التقاطها ثم على استثمارها فيما يفيد التوجه الفنى لدى الفنان. وتضيف نازلى مدكور فى هذا المقام ` إن الصدفة لاتأتى صدفة وإنما يتم استدعاؤها ` وهكذا يمكننا أن نقول إن الصدفة التى تعنيها الفنانة هى ` الصدفة الموضوعية ` على الأخص التى كثيراً ماحدثنا عنها السرياليون ولعل أبرز تلك المصادفات الموضوعية
التى احتفى بها هؤلاء واتخذوها شعاراً لما يبدعون ` لقاء بين مظلة وماكينة خياطة على منضدة تشريح `.
- ودون أن تكون نازلى مدكور فنانة سريالية لزاماً، فقد عفا الزمن على مثل هذا الاتجاه رغم ترك بصمته القوية على وجدان الفنان الحديث إلا أن لوحاتها حافلة بلقاءات بين مفردات لاتجمعها إلا الصدفة وهذه المصادفات لها منطقها الذاتى الخاص بها تماماً وهو منطق اللاوعى الذى تنبثق منه ففى لوحتها ` أغوار المكان ` يتلاقى على سطح اللوحة على محو متناثر باب يفتح على لامكان وهلال يتصدر فى استحياء قلب اللوحة وفى جانبها الأيسر يرقد شخص على ظهره نلمحه من الخلف يرنو ببصره إلى بعيد تومض هناك ومضات برتقالية وحمراء وأحياناً بيضاء لايلبث أن تبتلعها رمادية اللوحة ويتدلى من سقف لاوجود له مصباح يضخ بعض الضوء على غرفة لاحوائط لها بل وتتفتح على طبيعة شبحية تمضى مبتعدة عبر ارتفاعها ووهادها إلى فراغ أقرب إلى أن يكون أبيض اللون بمسحة من زرقة شبحية وقد تناثرت من حوله بعض العيدان لكأنها جذوع شجر يبست أو تحجرت من جراء جفاف لايدرك كنهه وإن كانت تؤمىء إليه كياناتها الضامرة التى استحالت إلى مالم تكن عليه من قبل وماأشبه ذلك أيضاًباندثار الحضارات القديمة الذى لايعرف على وجه التحديد حتى الآن سببه.
- من هذه الغرفة أى من هذا الواقع تنقلنا الفنانة من ` الوعى` إلى ` اللاوعى ` حيث تختلط الرؤى منبهة الرموز والإشارات وهى تلحظ عدم الاتزان والتوتر والاضطراب وتحاول بالفن أن تعيد إلى الوجود نظاماً أو على الأقل تبقى على مايمكن الحفاظ عليه فى أنساق جد مختلفة عن الأنساق المتعارف عليها .
- من ` الماكروكوزم ` إلى ` الميكروكوزم `، من الخارج إلى الداخل من الصخب اليومى إلى عزلة نبيلة هى أجمل نغمة شجن يدخرها الفنان لمتلقيه ولكن لامفر للفنان فى النهاية من أن يحمل معه إلى عزلته `الآخر ` ويضحى ` الميكروكوزم ` لزاماً محتوياً ` الماكروكوزم ` فيعود ` الآخر ` بكل مشاكله ومعاناته وتاريخه إلى إبداعات الفنان المغترب الذى شاء فى غرفته العزلة .
- ومن أجل أن نتبين ماالذى تعنيه ` الصدفة ` فى الإبداع الفنى الحديث يجدر أن نفرق بادىء ذى بدء بين ` الصدفة ` و`الاعتباطية ` فالاعتباطية أو ` العشوائية ` لاتقيم فناً جديراً بالاحترام . ذلك أن ` الفوضى ` بذاتها ولذاتها ليست من الفن فى شىء بل يمن أن نقول إن الفن ضد لفوضى وهو يحاربها ليقيم محلها منظومة من قيم الخط واللون والشكل وبمجرد أن نعرف أن الفن ` إبداع ` تتلاشى من مفاهيمه ` الفوضى ` و` العشوائية ` و` الاعتباطية ` بل و` الهوجائية ` أيضاً . أما ` الصدفة ` فهى مباركة على الأخص بالنسبة ` للحداثة ` فى الإبداع الفنى الذى اتجه إلى كسر الجمود وتبديد الروتين وأعلى محلهما ` الطلاوة ` و` الجدة ` .
- العقلانية ليست مقصية :
- على أن ` الصدفة ` التى يقيم لها الفن الحديث وزناً هى ` الصدفة الموضوعية ` التى ارتبطت ` بالتلقائية أو ` الأوتوماتية ` سواء فى الكتابة الأدبية أو الإبداع التشكيلى وهذه ` الاوتوماتية ` أو ` التلقائية ` - المرتبطة ` باللاوعى ` أو ` تيار الشعور ` - هى التى تعمد إليها نازلى مدكور عندما تبدأ اللوحة بدون خطة مسبقة فتبدر أو تنثر أو ترش على حيزها التشكيلى مفردات لم تعمل لها حساباً من قبل . وبعد أن تتعامل الفنانة معها سواء بالسلب أو الإيجاب بالحذف أو الإبقاء يكتمل الخطاب الجمالى أو التشكيلى الذى تريد أن توصله إلى المتلقى ولهذا فقد حرصت نازلى مدكور عندما تكلمت عن ` الصدفة ` فى إنتاجها التشكيلى أن تقول ` أريد أن أضيف هنا أن الصدفة لاتأتى صدفة وإنما يتم استدعاؤها ` وهو مايعنى أن ` العقلانية ` ليست مقصية تماماً من العملية الإبداعية عند الفنانة .
- ونود أن نؤكد من جديد على قول لنازلى مدكور بالغ الدلالة فى هذا المقام حيث تقول فى كلمتها بكتالوج معرض أبريل 1998 إن ` هذا المعرض يصبو إلى تحقيق توازن خاص بين النظام والفوضى ` فالصدفة التى تستهدفها الفنانة ليست فوضى بل توازن خاص بل شديد الخصوصية بين السائد المستتب وبين الانطلاق والحرية . فهى توقن إذن بأن الفوضى فى ذاتها لاتقيم فناً مهما توهم البعض ذلك والتجأوا فى فنهم إلى الفوضى فلم يحصدوا سوى الحصرم وسرعان ما أعرض عنهم المتلقى الذى يفرق بين المزيف والأصيل مهما تحايل المزيف على تجميل بضاعته .
- المنظر الطبيعى :
- الطبيعة المصرية والتعامل معها :
- منذ البدايات الأولى اعتبرت الطبيعة المصرية المصدر المياشر لإلهامات نازلى مدكور والموضوع الأساسى لمعظم لوحاتها وكان فى مقدمة مقومات المنظر الطبيعى المصرى لديها الصحارى والواحات والنخيل والبيوت الطينية وإن كانت قد قصدت الفنانة ألا تكون علاقتها بهذه الطبيعة علاقة نقل ومحاكاة وإنما علاقة تفاعل وحوار فالتسجيل البحت - فى نظرها - يلأتى بالضرورة فاقداً لديناميكية الحياة وفعاليته ولابتكاريتة الإبداع . أما الحوار مع الطبيعة فهو طرح جديد لمعاملات فنية موازية لحيوية الحياة كما أنه سعى لديالكتيكية من نوع خاص تحمل فى طياتها بذور نموها . ومن هنا تعد أعمال نازلى مدكور الباكرة محاولات لاستنباط علاقات جمالية أصيلة ومتفردة تعتمد على توثيق العلاقة المباشرة بين الفنانة والطبيعة وتستثمر مضامين ومفاهيم الفن المصرى على اختلاف روافده من حيث تعدد المناظير وتعدد بؤر الرؤية وتركيبية العلاقة بين الهندسيات والعضويات بعيداً عن قيود الفكر الأكاديمى الغربى فقد كانت نازلى مدكور حريصة منذ البداية على ألا يكون حوارها مع الطبيعة من خلال تقنيات ` سابقة التجهيز ` تؤدى إلى إهدار الفكرة فى سبيل الصنعة وجاء تركيزها حول خصوصية أسلوب المحاورة الفنية حتى تنمو فى ظلها التقنية الملائمة فتأتى الصنعة من خلال الفكرة ويحدث تلاحم أعظم بين الشكل والمضمون ولذلك فقد أدخلت نازلى مدكور أيضاً بعض الخامات الطبيعية مثل ورق البردى والرمال والحبال ومزق من القماش كعنصر من عناصر اللوحة تحمل طاقات إيحائية مباشرة .
- وتطرح أعمال نازلى مدكور صيغة مختلفة لتناول المنظر الطبيعى المصرى حيث يخلق هذا المنظر بين الحلم والواقع منبثقاً من المزاوجة بين بساطة العناصر المستخدمة وتركيبية المعالجات وتأتى الفراغات المحيطة بالعناصر لنقل إيحاءات ميتافيزيقية من شأنها أن تبعث نوعاً خاصاً من السكونية المشرقة التى ميزت الطبيعة المصرية عبر العصور ( نازلى مدكور - المرأة المصرية والإبداع الفنى - دار تضامن المرأة العربية - القاهرة - طبعة 1989 - ص56 وكذلك كتالوج المعرض الذى أقيم بقاعة إيورت بالجامعة الأمريكية فى الفترة من 7 إلى 25 مارس 1990 تحت عنوان ` فنانات مصريات `) .
- المنظر الطبيعى والتطورات التى طرأت على معالجته :
- فى المرحلة الأولى التى امتدت لأكثر من عشر سنوات غلبت الصفة التأملية على لوحات نازلى مدكور التى تركزت حول إعادة تشييد المنظر الطبيعى وكان هدفها هو التعرف على الطبيعة المصرية والتعلم من خلال محاولة الكشف عن القيم الجمالية الدفينة فيها ثم طرح تراكيب من الألوان والملامس والتكوينات التى تحقق التواصل مع المزاج المصرى وقد تميزت أعمال تلك الحقبة بالسكينة والغنائية ( نازلى مدور - كتالوج ` نداء الأرض ` مارس 1996 - برعاية سيتى بنك - قاعة الهناجر ) .
- المنظر الطبيعى يفسح المجال للمرأة والإنسان :
- ثم تلت هذه المرحلة فترة انتقالية قصيرة بدت فى معرض نازلى مدكور الذى أسمته ` تحولات ` وتعد هذه الفترةنوعاً من رد الفعل إزاء الاتجاه الفلسفى الذى استشعرت الفنانةأنه يهدد وضع المرأة والثقافة والهوية القومية ذاتها . ومن هنا اتسمت هذه الفترة بمسحة تعبيرية وبغلبة المضمون الاجتماعى وبدأت المناظر الطبيعية تفسح المجال للإنسان وخاصة المرأة وظهرت فى هذه الأعمال مجموعة من السمات الجديدة مثل التلقائية والروائية والرموز والإشارات والألوان الرمادية المعبرة عن القلق .( نازلى مدكور - كتالوج معرض مارس 1996 - برعاية سيتى بانك - قاعة الهناجر ) .
*نبض الإنسان وخلجاته تلتحم بتضاريس وقوى باطن الأرض وأعماقها :
- أما معرض ` نداء الأرض ` الذى تلا معرض ` التحولات ` فيمثل مرحلة جديدة للفنانة نازلى مدكور تجمع بين حساسية محلية وجماليات عصرية فى إعادة صياغة الشكل والمساحة والزمان . وهناك سعىٌ حثيث من جانب الفنانة للبحث عن منظومات جمالية بل وانشغال معرفى بالتراكيب التى يقوم فيها الشكل بتوليد المعنى . وتخلط أعمال هذه المرحلة بين القوى والتضاريس الخاصة بباطن الأرض وبين نبض الإنسان وخلجاته . ومن ناحية أخرى هناك أيضاً استمرارية للسمات الخاصة بأعمال نازلى مدكور السابقة والتى تتمثل فى: (أ) دمج العناصر (ب) انشطار مركز اللوحة (ج) تفكيك المنظر (د) تطوير إمكانيات الخامات المستخدمة لتحقيق توحد والتحام بين الخامة ومدلول اللوحة (هـ) ذلك إلى جانب الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الضوء الآتية من داخل اللوحة . (نازلى مدكور - كتالوج معرض مارس 1996 - برعاية سيتى بانك - قاعة الهناجر ) .
- تأمل الطبيعة واستشعارها عن بعد :
- كانت نازلى مدكور تستوحى أول الأمر المنظر من الواحات وصعيد مصر وترسمه من قلب المكان ذاته أما فيما بعد فقد مضت الفنانة تستشعر الأماكن التى تزورها بالريف والصحارى وتتفاعل معها بحسها لترسم على السطح ` ماتسترجعه الذاكرة ` بإشارات من عقلها الباطن وشعورها المتدفق ليتولد المنظر على لوحتها من مرسمها الذى تخلو إليه . ( محمد الناصر - مقالة فى مجلة ` نصف الدنيا ` العدد عام 1994 بعنوان ` نازلى فنانة متجددة جذبها بحر الفن `.
- الطبيعة المصرية : الواقع والحلم :
- وفى هذا يقول حسين بيكار ` ... إن الفنانة نازلى مدكور واحدة من اللاتى ارتبطن ارتباطاً وثيقاً بالقرية المصرية التى كانت ولاتزال ملاذها التشكيلى الأول وواقعاً أشبه بالحلم تلجأ إليه هرباً من صخب المدينة . وهى كفنانة قاهرية تنظر إلى القرية من مسافة بعيدة، ومن منظور غلالى، تلمسها بخيالها برفق وتقترب منها دون أن تلتصق بها حتى نشأ عن هذا الاقتراب الحذر نوع من الشوق العشقى للجذور الريفية يذيب الواقع المادى ويحيله إلى كيان أشبه بالأثير المعطر فهى كمصرية تنتمى انتماء عميقاً إلى هذه البيئة ولكنها من حيث الواقع بعيدة عنها بعد الحلم عن الواقع، ولهذا اتخذت لوحاتها هذه السمة الطيفية التى توحى بالشىء دون الإلحاح فى توضيح معالمه فكانت تبسط قراها وأكواخها وحقولها ونخيلها فوق لوحتها الممتدة كالكثبان ارملية فى نسق متواضع رقيق وذكاء فطرى أنيق وكأنها أطياف تسبح فى عالم مجهول ثم تنثر نساءها القرويات بأزيائهن السوداء فوق لوحاتها الصحراوية المناخ كأنها صرخات مكتومة فى هذا الفراغ الأسطورى البريق . هكذا كانت البداية اقتراب حذر من عالم أسطورى حالم .(حسين بيكار - الواقع والحلم - فى ` ألوان وظلال ` - الأخبار 15 / 3 / 1990 ).
- رؤية مستقبلية أولية :
- أكاد أزعم أن هناك ` رؤية مستقبلية أفولية ` فى مناظر الطبيعة لدى نازلى مدكور منذ لوحات` نداء الأرض ` ويمضى يستبد بى إزاء تلك الرؤية السؤال المض ` هل للفن مستقبل ؟` وأخال الفنانة تجيبنى عبر لوحاتها قائلة ` أجل إذا نجح الإنسان فى التغلب على قوى الخراب وبقى له على هذه الأرض أو فى هذا الكون وجود . أما إذا تغلب الخراب وتفسخ الكون أو سار إلى دماره - وربما حدث ذلك فى غمضة عين - فلاإنسان ولا فن `.
- ومصداقاً لما نقول ماعاد ثمة ` غنائيات ` بالطبيعة فى لوحات نازلى مدكور على مدى تطورها الفنى منذ ` نداء الأرض ` هناك على العكس ` مراثى ` للطبيعة . ليست لوحات نازلى مدكور إذن بالنسبة للطبيعة من ` قصائد الغزل ` بل من ` قصائد الرثاء` . وعلى أى حال فأيما كان هذا الرثاء فهو ينطلق من حب عميق ورصين للطبيعة - الأم الرؤوم - التى توحشت وانحدر بها الحال إلى درك سفلى من التلوث والامتهان والشيخوخة لا فصول لا ربيع على الأخص، ولا زمن بل هناك حالة من الجدب والخواء والرعب ذاكرة تنثر فى حيزها الإنسانى مجرد شذرات فى أغلب الأحيان متطايرة بفعل تفجيرات مبهمة .
- استحالة العودة إلى الانطباعية :
- ماعاد للأخضر بصفة عامة وجود فى العالم اللونى لنازلى مدكور وذلك لأن الخضرة قد انحسرت من على وجه الأرض . ماعادت الحقول تزهو بزرعها وأشجارها ورياحينها . صارت الأرض خراباً بلقعاً . سرى الجفاف فى كل الأرجاء ومع الجفاف يستبد الجوع والعطش . يموت ليس الإنسان فحسب بل وكل رفاقه الذين صعدوا من قبل سفينة نوح معه .
- فى لوحتها ` القرية الخضرء ` ( من معرض التحولات ) يتراقص الأخضر مشرقاً متفائلاً فى تكوين بهيج ومرح . أين هذا الخضار وهذه البهجة فى لوحاتها بعد ذلك، سواء فى معرض ` خلف داكن السطور ` أبريل 1998 ومن قبله معرض ` نداء الأرض ` مارس 1996
- تعبيرية بلا ضفاف :
- ولهذا كانت إبداعات نازلى مدكور فى تطورها منذ معرض ` نداء الأرض ` ملحمة متنامية من أجل الدفاع عن الحياة وذلك من خلال ` صوت صارخ فى البرية ` يحذر الإنسان من مغبة ` التلاعب بالطبيعة ` والسير بها إلى حتفها، الذى يعتبر حتفه هو بدوره . هذه هى رسالة نازلى مدكور الفنانة الواعية بدور الفن الإنسانى والاجتماعى وقد أوضحت الرسالة اليوم صرخة أشد هولاً وأبعد عمقاً من صرخة الفنان النرويجى إدفار مونش ( 1863 - 1944 ) ومن ثم لو تساءلنا عن مقام نازلى مدكور فى مسارات الفن الحديث لأمكننا أن نقول بحق إنها ` فنانة تعبيرية ` بمفهوم أكثر شمولاً وصرختها أشد ضراوة وتمزيقاً وشجناً من ` صرخة التعبيريين الأول ` فى العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين على الأخص وهى سنوات لم تكن الإنسانية على أى حال تواجه فيها الأخطار المصيرية التى أضحت تواجهها فى السنوات التى يختتم بها القرن العشرين : أخطار الدمار الشامل والويلات البيئية والكوارث الكونية وأغلبها كوارث وويلات سيجلبها على الإنسانية الاستخفاف والتلاعب بقوانين طبيعية تتأبى على مثل هذا الاستخفاف والتلاعب وذلك من أجل إشباع شهوات وأطماع ورؤى يمكن أن نصفها بأنها ` شيطانية ` ( راجع كتابى ` التعبيرية فى الفن التشكيلى ` - دار المعارف - عدد 65 من سلسلة `كتابك` 1978 ) .
- هذا هو الخطاب الإنسانى لفن نازلى مدكور وهو فن منفتح فى تطوره وامتداده على مصائر البشرية . ولئن كان من غير المحبذ أن يرتبط الفنان بسياسات من خارج فنه إلا أن هذا لايصدق على مثل هذا الارتباط المصيرى بين الفن والبشرية فإما أن يكون هناك فن أو لايكون . وأى فن هذا الذى يتصور بعد دمار الكون وفناء البشرية . لمن إذن سوف تدق الأجراس ؟
- وإنه لمما تستأهل نازلى مدكور عنه كل احترام أن تترك ` الغنائيات ` الناعمة من أجل أن يجأر فنها بصيحة الاحتجاج الخشنة فى وجه دعاة الخراب والتحذير من مغبة الممارسات اللاإنسانية المفضية إلى الكوارث والويلات الجماعية . إننا بفن نازلى مدكور إزاء ` جيرنيكا جديدة ` أبعد مدى وأوغل أثراً ,وهذا هو الدور الاجتماعى للفن .
- لقد تدهورت البنية الأساسية للكون فى بقاع كثيرة من بقاع العالم ومن ثم تخثرت أوضاع الإنسان البيئية ولقد أضحت هذه من قضايا الإنسان المعاصر شديدة الإلحاح على مستقبله ومصيره ولهذا كان ربط نازلى مدكور ذات التوجهات الجتماعية فنها باحتجاج الإنسان ممثلاً على الأخص فى أنصار البيئة المنتشرين فى أنحاء العالم كله قضية يشرف الفنان أن يربط فنه بالدفاع عنها والوقوف فى صفها . إن صيحة الأديب الفرنسى الكبير إميل زولا (1840 - 1902) فى القرن التاسع عشر ` إنى أتهم ` لازالت مستمرة مع تغير فى المواضيع والصيغ .
- وقد بدأت معالم هذا الانشغال الكونى لدى نازلى مدكور يتضح من معرضها ` نداء الأرض ` بقاعة الهناجر بأرض الأوبرا عام 1996 ولئن كانت نزعة ` الاحتجاج ` لديها عارمة من قبل فى معرضها ` التحولات ` أيضاً .
- التقنيات والوسائط :
- اهتمام بالخامات :
- من الواجب أن تشير إلى اهتمام الفنانة نازلى مدكور بالخامات التى تبنى أو تطعم بها لوحاتها . فهى فنانة لاتشغلها المعانى والمضامين الطليعية فحسب بل وأيضاً تشغلها أدواتها وخاماتها التى تعبرعن تلك المعانى والمضامين وهى فى هذه المقام دؤوب للتعرف على ماتستطيع أن توفره لها تلك الأدوات والخامات من قدرات تعبيرية وماتحققه من طموحات تشكيلية فلكل فن أدواته وخاماته ويجدر بالفنان أن يكون على دراية بالصلاحيات التى تتيحها له أدوات وخامات شتى وأن تكون لديه الجرأة على استخدامها .
- وفى مقال له بعنوان ` الواقع والحلم ` بتاريخ 15 / 3 / 1990 يقول حسين بيكار عن حرص نازلى مدكور على ابتداع وسائط جديدة لفنها :`لم يكن الوسيط التعبيرى الذى استعانت به فى البداية من الفصاحة بحيث يقنع الفنانة إقناعاً يقينياً ويشبع رغبتها فى الإحساس بالملمس إلى جانب الشكل فعمدت إلى ابتداع وسائط جديدة مثل عجائن الورق وألياف البردى ولحاء النخيل لكى تكون أكثر مباشرة وصدقاً فى تجسيد رؤاها وأحاسيسها إزاء الجدران الطينية التى تتخلق مثل تخلق الأعضاء فى الجسم البشرى بحيث يشع منها دفء إنسانى كالشهيق والزفير يغنيها عن تواجد الإنسان بشخصه كما تنبعث منها همهمات داخلية كأنها نبضات هذه الحوائط التى تشارك الإنسان فى عجينته التى خلق منها `. ويختتم حسين بيكار كلامه بأن نازلى مدكور ` عثرت أخيراً على البديل التشكيلى للطين الذى تبنى به أكواخ القرية فكانت واقعية أكثر من الواقع ` وفى هذه الخلاصة يضع حسين بيكار يده على حقيقة بالغة العمق ويحتاج إليها المتذوق لفن نازلى مدكور . وهذه الحقيقة مؤداها أن
` الواقعية فى الفن ` تختلف عن ` الواقع ` . فلو لم يكن الفن ` واقعيا ` بالمعنى الفنى للواقعية لما استطاع أن يقوم حوار بين العمل الفنى والمتلقى أو على الأقل يكون قيام هذا الحوار صعباً للغاية ولكن المهم هو كيف يعبر الفنان عن هذا الواقع . وعندئذ قد يرقى العمل الفنى إلى ` واقعية فنية ` أعلى من ` الواقع الواقعى ` المتحدث عنه .
- التجسيم
سعت نازلى مدكور إلى ابتداع وسائط جديدة لفنها تحقق مطلبها فى أن تأتى اللوحة مثل الواقع ليس تسطيحاً بل فيها مافى الواقع من وهاد ومرتفعات من ` تجسيم ` و` نحتية ` فلجأت فى ذلك إلى ورق البردى وعجائن الورق ولحاء النخيل وبعض الأصباغ أيضاً .
- ورق البردى:
- ارتبط ورق البردى تاريخياً بفراعنة مصر منذ مطلع الأسرة الأولى وارتبطت ألوانه بدرجات رمال صحرائنا وتراب أرضنا وجذوع أشجارنا واتسمت أسطحه بهذا المزج الدقيق والتناغم الفريد بين الخشونة والنعومة ولهذا فهو يكتنز طاقات إيحائية مكانية وزمانية ترتبط بنا كشعب وتعيش داخل أعماقنا . وعندما تحمل خامة كل هذا القدر من الإيحاءات فهى تفرض فى نفس الوقت شروطاً للتعامل معها . ومن ثم يصبح توظيفها تحدياً يحث الفنان على استحداث معالجات خاصة لتطويعها لخدمة مضمون العمل الفنى . ( نازلى مدكور - كتالوج معرض فبراير ثم ديسمبر1990 - مجمع الفنون - قاعة إخناتون - بالزمالك ).
- عجائن الورق :
- أما عجائن الورق فقد لجأت إليها نازلى مدكور لإضفاء قدر من التجسيم والنحتية تسمح بتداعى صور وأشكال البيوت الريفية .فإذا كان ورق البردى يوفر جانب التسطيح فإن عجائن الورق توفر التجسيم ، ويأتى التكامل بينهما لإثراء سطح اللوحة.وقد تضيف الفنانة إليهما فى بعض الأحيان جزئيات من لحاء النخيل أو الحبال أو القماش لتمهد الطريق إلى استخدام خامات التلوين الأخرى كالألوان الزيتية والأكريليك والباستيل والألوان المائية بأنواعها المختلفة ، وكذلك للاستفادة من السمات المميزة لكل خامة فى تأكيد قيم تشكيلية خاصة بكل لوحة ( نازلى مدكور - كتالوج معرض فبراير ثم ديسمبر1990 - مجمع الفنون - قاعة إخناتون - بالزمالك ).
- الأصباغ :
- ثم يأتى دور الأصباغ لتضفى نازلى مدكور على لوحاتها - على حد قول حسين بيكار فى مقاله ` الواقع والحلم`
الأخبار 15 / 3 / 1990 - ذلك العبق الشاعرى الأنثوى فى احتشام رقيق غير مسرف ومتواضع نبيل غير صارخ فتنثر الفنانة رذاذها الأثيرى مثلما تنثر الحسناء العطر على جسدها بعد خروجها من حمام دافىء .
- الهدف من كل تقنية :
- وتؤكد نازلى مدكور فى النهاية أن هدفها لم يكن استعراضاً للخامات التقليدية وغير التقليدية وإنما الهدف هو إضافة الجديد من المفردات والتراكيب التشكيلية الخاصة بها حتى تتسع لاستيعاب مشاعر تصويرية تكمن بداخلها وتثير خيالها إلا أن الوسائط التقليدية تقف حائلاً دون خروجها والتعبير الصادق عنها .(نازلى مدكور - كتالوج معرض فبراير ثم ديسمبر 1990 - مجمع الفنون - قاعة إخناتون - بالزمالك ).
- وترى الفنانة أن أعمالها بذلك :
1- تطرح أنساقاً من العلاقات مع العالم ومع التراث ومع الطاقات المختلفة المحيطة بنا .
2-وتتحاور هذه الأعمال بذلك مع التاريخ بوصفه كنزاً ثرياً من الأشكال والخامات والإجراءات ومنبعاً هائلاً للنشاط الإبداعى .
3-وهى تدعو إلى تجاوز سطح اللوحة وتخطى وجودها المادى للتوغل فى عالم من الرموز :
(أ ) يزخر بقلق زماننا . (ب) وآماله.
4-كما تطرح أنساقاً من العلاقات مع المكان والزمان ومع الطاقات المختلفة المحيطة بنا.
- ماذا خلف داكن السطور
- مازلنا نعتقد بأن جوهر لوحات نازلى مدكور لايمكن فى السطوح أو فى ` داكن السطور ` بل فيما وراء تلك السطوح وليس ذلك بمستغرب على فنانة أخذت فنها مأخذ الجد وأرادت على الدوام فيما تكتب أوترسم أن تعبر عن قضية أو رسالة أو انتماء . بل إن فن نازلى مدكور على مدى مسيرته يستدعى ذلك وينادى به فالمضامين بالنسبة لها لاتقل - إن لم تزد - أهمية عن المعالجات التقنية . فهى تكتب فى مقدمة كتالوج معرض أبريل 1998 ` إن التدقيق فى خفايا السطح يذكرنا بقطعة الرق أو البردى القديمة التى يتم مسح ماكان مدونا ً عليها كى تستخدم مرة أخرى فتظهر لنا إلى جانب الكتابة الجديدة آثار للكتابة القديمة أيضاً ` ثم تستطرد الفنانة قائلة :`والأعمال ` المكونة لهذا المعرض صممت ونفذت بهذا المنطق وهى تقوم بطرح أنساق من العلاقات مع العالم ومع التاريخ ومع الطاقات المختلفة المحيطة بنا بهدف بلورة مفهوم خاص للزمان والمكان . وتعد هذه اللوحات (نصوصاً ) محملة بالإحالات وتتيح عدة مستويات لإدركها . قد تكون غامضة أحياناً متناقضة أحياناً أخرى فالعمل الفنى يحيا فى لانهائية تفسيراته `. وفى دفتر زيارات معرض أبريل 1998 يكتب الفنان عصمت دواستاشى ` رحلة بالخط واللون سمتها الكشف عما وراء الأشياء ` ماذا إذن وراء داكن السطور ؟
- ونبدأ بالالتفات إلى وصف نازلى مدكور لسطورها بأنها ` داكنة ` وهى داكنة - فى تصورى - لما نرزح تحته من ` هموم نبيلة ` وماتنوء بحمله من أعباء الجزع على الإنسان مثل أم تحمل فى حضنها طفلها تذود عنه الشر والعدوان ( اقرأ قصة يوسف الشارونى ` الأم والوحش ` )
( انظر كتابى ` يوسف الشارونى وعالمه القصصى ` غدد 14 من كتاب الثقافة الجديدة ` الهيئة العامة لقصور الثقافة - يونيه 1994 )
- إلى أين تقودنا رحلة الألوان والخطوط عند نازلى مدكور ؟ نعود إلى ماكتب فى دفتر زيارات معرض أبريل 1998 متلمسين طريقنا إلى إجابة على السؤال الذى طرحناه .
- تنثر نازلى مدكور على سطح اللوحة مفرداتها - على نحو ماتوضح - وتكتب بها جملاً تشكيلية بعضها واضح
وبعضها يكتنفه الغموض . وعلى المتلقى أن يجتاز فى تذوقه للوحة عدة درجات من الإدراك لماهية العمل ولمعانيه المضمرة . وتعرف الفنانة بطبيعة الحال أنه ليس كل متلق بقادر أن يتوغل فى فهم اللوحة فهى واعية باختلاف طبقات المتلقين تبعاً لمدى استعدادهم الثقافى والمعلوماتى . ولهذا فإن الفنانة تهتم أيضاً فى لوحاتها بمستوى أول يحاول أن يلمس حتى المتلقى الذى قد لايصله من خطاب اللوحة سوى ما حواه سطحها من خط أو تكوين أو لون . ولهذا فقد وجد من المتلقين من يكتب فى دفتر زيارات معرض أبريل 1998 معبراً عن إعجابه ` بالخيال الجامح فى التعامل مع الألوان والأشكال ` أو ` بهارمونيات الألوان التى تبعث مباشرة من القلب إلى القلب ...` أو ` بالتونات القوية والتكوينات الرائعة التى تتملك أحاسيس كل عاشق ومتذوقة للفن`.
- كما أنه فى التحاور مع لوحات نازلى مدكور هناك مرجعيات لكل لوحة منها بكل تأكيد ماهو ` مرجعية خاصة ` تنتمى إلى حياتها هى ومنها ماهو ` مرجعية محلية ` تتعلق بتاريخ وأحوال بلدها ومنها أيضاً ماهو ` مرجعية عالمية` ترتبط بما حصلته من ثقافات متنوعة . وفى بعض جزئيات لوحاتها إحساس أسطورى بالأشياء وكثيراً ماتتلاقى مفردات من هذه المرجعيات المختلفة فى لوحاتها وتلتحم بحيث تكون اللوحة بكل نسيجها معبرة عن الشخصية الفنية لنازلى مدكور ذاتها .
- وهى بهذا لايمكنها - ولاتريد - أن تتخلص من ` المحلية ` . وهناك نكهة محلية تزداد وضوحاً فى أعمالها الباكرة لأنها كانت تتعامل مع الأشكال من الخارج . وتكشف الفنانة منذ معرضها الأول - على حد قول الفنان الناقد محمود بقشيش فى مقال له عام 1986 ` بالمجلة ` العربية - عن توجٌه إلى تجسيد ملامح قوية فى لوحاتها ... أما الموضوع المحور فكان يدور حول العمارة الفطرية فى القرية المصرية . وبيوتها المرسومة تنصرف نهائياً عن جهامة وخشونة البيت الواقعى ...`.
- وتقول نازلى مدكور فى مقدمة كتالوج معرضها الثامن ` يأتى هذا المعرض متواصلاً مع ماشرعت فيه منذ معرضى الأول وهو محاولة استنباط علاقات جمالية عصرية ذات خصوصية قومية تعتمد أساساً وفى المقام الأول على استلهام عناصر الطبيعة المصرية وماتحويه من بصمات الإنسان ` .
- وعندما تلاحظ زهرة زيراوى أن كثيراً من أعمال ` التشكيلية المصرية نازلى مدكور ` تحفل باللون البنى باختلاف درجاته وتسألها فى حوارها معها ` لماذا بالذات هذا اللون يأتى فارضاً حضوره على اللوحة ؟ ` تجيب الفنانة ` إن اللون البنى بدرجاته التى تصل إلى الصفر ( الاوكر ) من جهة ثم إلى الرماديات من جهة أخرى يمثل مجموعة من الدرجات اللونية على الطبيعة المصرية . وإن كانت طبيعتنا لم تمنحنا وهج وتزاحم الألوان فإنها منحتنا تدرج اللون الواحد أو الألوان المحدودة . ويبقى هذا شاغلى من معالجاتى اللونية ` .
- وكم يذكرنا اللون البنى لدى نازلى مدكور ببنيات الفنان الراحل الكبير رمسيس يونان ( 1913 - 1966 ) وعلى الأخص فى مرحلته التجريدية التى امتدت على مدى السبع سنوات الأخيرة من حياته وكانت بدورها ` رحلة إلى داخل الأرض وإلى داخل الأرض وإلى داخل الإنسان معاً`. وقد أسفرت حواراته مع الطبيعة عما يطلق عليه حسين بيكار - ( الأخبار - 26مايو 1978 ) ` التجريدية لاتنتمى إلى ماألفته العين المتطلعة إلى ظواهر الأشياء بل كانت صعوداً إلى مراتب أعلى من الرقى مثلما فعل الفراعنة ورهبان الأقباط ومتصوفو المسلمين فاكتسبوا بذلك احترام الدنيا .
- وفى معرض أبريل 1998 تقول نازلى مدكور : ` لاأستطيع بطبيعة الحال أن أتنكر لمحيطى المحلى فكل حياتى عشتها فى مصر وكل أحاسيسى وذكرياتى وخبراتى كونتها هنا فأنا معجونة بالخميرة المصرية ودقيقى من قمح مصر .وإذا كنت قد حصلت على ثقافات متنوعة فلايعنى ذلك أننى لست فنانة مصرية فأنا محصلة ثقافات محلية وخارجية معاً إلا أن أعمالى لاتندرج على أى حال تحت مايسمى ( الفنون
الشعبية ) وذلك لأننى أستخدم أساليب ومفاهيم علمية وإن كانت محمَّلة بمحليتى على أى حال `.
- إن الفنان - والحق يقال - يهمه وهو على مشارف القرن الحادى والعشرين أن تكون اللغة التشكيلية التى يتكلمه باستطاعة أناس متنوعين من بلدان مختلفة أن يفهموها وبخاصة إذا كان الفنان يطرح مفاهيم عالمية تهم البشرية بشكل عام مثل المواضيع التى طرحتها نازلى مدكور خاصة بالمرأة أو بالأرض أو بعلاقة الإنسان بالكون . وفى تصورنا أن هذه مواضيع يمكن أن يهتم بها أناس فى نواح شتى من الأرض وإنه لمما يسعد الفنان أن يلمسهم وأن يصل إليهم حديثه من خلال لوحاته .
- وتقول الفنانة نازلى مدكور فى معرض أبريل 1998 ` إن الذى أنتظره من المتلقى أن يتحد معى عند استقباله لأعمالى ويشعر بمشاعرى فأنقل إليه عبر لوحاتى أحاسيسى وأفكارى ورؤاى . وأشبه ذلك بجهاز الراديو الذى يستطيع المتلقى أن يستقبل عبره الموجة التى أذيع عليها . فإذا لم يكن بقادر أن يستقبلها فكيف ألمسه وأصل إليه ؟ كل ماأطلبه من المتلقى أن يضع نفسه فى حالة استقبال وبعد ذلك فمن حقه أن يرفض أو يكره كل أو بعض أعمالى . لأننا بالطبع لسنا جميعاً متماثلين والفن ليس بلازم أن يلمس كل الناس . وهناك فنانون آخرون يستطيعون أن يتوجهوا إلى الآخرين الذين لم يحسنوا استقبال أعمالى `.
- وعن الحوار الذى يدور بين الفنانة والمتلقى نقرأ فى دفتر الزوار لمعرض أبريل 1998 من يقول موجهاً خطابه إلى نازلى مدكور ` إن فنك يتميز بقيمة إبداعية روحية باهرة يمثل تقدماً رائعاً . فى إبداعك نرى ونلامس أفكارنا وهمومنا وجمالياتنا ` وهذا مثال طيب على التلاقى بين الفنانة وجمهورها . ويكتب آخر قائلاً ` حركة توجهية واستنباطية تولد حالة من التفكير والتأمل `. وفى حقيقة الأمر فإن الفنانة تهدف إلى توليد مثل هذه الحالة من التفكير والتأمل فى جمهورها .
- وتجىء كلمات متلق آخر هو الأستاذ سعد أردش أكثر تحديداً فيقول ` أحسنت ... بثراء الحوار مع حركة الكون ` ومن ثم تكون هذه الكلمات قد لمست محوراً من محاور التفسير للوحات نازلى مدكور وهو المحور البيئى والكونى وهو من أجدر محاور التفسير بالاعتبار فقد ارتقى عطاء نازلى مدكورإلى مصاف ` الدعوة إلى حماية البيئة بل والكون كله من الأخطار التى تهددهما` ومخلفاً وراءه ` غنائيات ` المرحلة الأولى متجهاً إلى أن يصبح ` صرخة تحذير واحتجاج ` بكل ماتحويه هذه ` الصرخة ` من خشونة ومضاء .ومصداقاً لذلك يقول أحد الزوار فى دفتر معرض
أبريل 1998 ` رأيت فى أغلب لوحاتك لواعج غضب يجتاحك من الداخل ... وقد عوامل قلقك مدعاة لحاجتك أن تدققى النظر وراء السطور
وحين أقدمت نازلى مدكور على دراسة وممارسة الفن لم يكن هدفها سوى الإلمام بقواعد الرسم والتصوير وعندما تسعت مداركها بتاريخ الفن وفلسفة الجمال إلى جانب ممارسة العملية الفنية بشكل أعمق أيقنت أهمية الدور الذى يؤديه الفنان الملتزم تجاه مجتمعه من خلال إسهامه فى التراكم الجمالى البشرى . ومن هنا تحولت نظرتها إلى الفن من نظرة ذاتية إلى وجهة نظر اجتماعية أكثر عمقاً وشمولاً (نازلى مدكور - المرأة المصرية والإبداع الفنى - دار تضامن المرأة العربية - القاهرة - طبعة 1989 - ص 56).
- ولذا أيضاً تزايد إقدام الفنانة - منذ معرض مارس 1996 ومن بعده معرض أبريل 1998 - على ولوج موضوعات صعبة إن لم تكن مستعصية على فرشاة الفنان على سبيل المثال موضوع الزمن . ( راجع فى تفاصيل صعوبة هذا الموضوع على معالجة فن التصوير له كتابى ` المكان فى التصوير المصرى الحديث ` فى سلسلة دراسات فى نقد الفنون الجميلة - عن الهيئة العامة للكتاب بإشراف الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلى - عام 1993 ) وأحسب أن كلمات مثل تلك التى كتبها أحد زوار معرض أبريل 1998 فى فى دفتر المعرض حيث يقول فيها ` أجد فى أعمالك الجنون الذى ينتشل لمتلقى من دائرة الوعى إلى اللاشعور المفقود ` لهى ترديد غير مباشر لأصداء تلك الصعوبة التى تورث الجنون إزاء استحالتها وياللزمان - مثلما فى لوحتى ` مساحة الزمن ` و`زمن آخر ` - من كينونة صعب على عين الفنان الإمساك بها والاستحواذ عليها بذاتها !
- وقد مضت نازلى مدكور من ` استقبال الطبيعة ` كما فى مرحلتها الأولى إلى ` تأمل الطبيعة ` بل وإلى ` تأمل مابعدها ` بعد ذلك . ومن هنا جاءت صعوبة المعالجات التشكيلية لبعض الموضوعات التى تصدت لها نازلى مدكور بأدواتها وذلك مثلما فى لوحتها ` هناك ` ويتساءل المتلقى هنا ` أين هذا الهناك ؟ وهل نحن نسير إليه وحثيثاً أم هو قادم إلينا بكل الخواء الذى يدخره لنا ؟ وفى لوحة `تساؤلات ` يمضى المتلقى يتساءل حائراً ` أى تساؤلات هى ؟ ` أما فى لوحة ` أقدار ` فتسود مقاطع الحوار فترات صمت ممتد طويل . و`فى مهب الريح ` ماالذى فى مهب الريح ؟ شىء ؟ لاشىء ؟ وفى لوحة ` أحلام ` يطالعنا السواد وانفراجة لاتدل على شىء نقطة لاتكاد تبين فى مساحة موحشة . إنها إن شئنا ` لالوحة` على حد تعبير بعض المحدثين الذين يفخرون بمثل هذا النوع من الأعمال .
- على أنه يمكن للمتلقى فى لوحة ` الغراب ` كلما عاش اللوحة أن يكون لنفسه منها قصة . وإليك إحدى القصص التى نسجها لنفيه أحد لأصدقاء وأسرَّ بها إلى : الفتاة التى تشيح بوجهها عن الغراب الأسود الذى يسيطر على الحيز كله قد لايريده قلبها ومازالت ذاكرتها متعلقة بشبابها الذى هو فى اللوحة الطائر الأبيض الصغير الذى اندلق عليه صناج الغراب فكاد أن يتوارى عن العيان .
ليس البحث عن مثل هذه القصص فى اللوحات لازماًلتذوقها بل قد لاتكون هذه هى القصة وراء لوحة ` الغراب `كما استخلصها أحد الأصدقاء من زوار معرض أبريل 1998.
- اختلاف التفسيرات والرؤية:
- وفى هذا تقول نازلى مدكور إن لوحاتها لاتتأبى على القراءات المتعددة ثم تمضى قائلة ` لوحاتى قابلة لأكثر من تفسير والدخول فى أكثر من حوار وليس بلازم أن يجمع الكل على فهم واحد لعمل من أعمالى بل إن فى تعدد التفسيرات وتنوعها ثراء للعمل الفنى ` وتضيف الفنانة موضحة ` محاور التفسير يمكن أن تكون اجتماعية وقد تكون سيكولوجية أو فلسفية ميتافيزيقية أو تأملية تاريخية كما قد تكون بيئية كونية `. وعلى ذلك فمهما كان مانتوصل إلى الإمساك به من معانٍ ومرامٍ خلف داكن السطور فهو - على ماتسلم به الفنانة - جدلى ويقبل التفسير المعارض أيضاً.
- وعلى ضوء من ذلك أمام عدد من لوحات نازلى مدكور على مدار معرضى مارس 1996 وأبريل 1998 أحسست بأنها تتحدث عن وجود لاهواء فيه وضياء . لانسمة تهب على الأبدان فتنعشها لابهجة ومن أين تأتى البهجة فى ` عالم أفولى ` تفحمت فيه الكائنات ؟ بل وربما أيضاً العواطف وخيمت تساؤلات الرعب فى العيون ويالها من تساؤلات . وهل يمكن لعاطفة أو بادرة أمل أن تطل من أرجاء وجود وطأته كارثة بيئية أو كونية ؟ ولاتستبعد ذلك فنحن فى زمن تنتظر الأرض فيه نهايتها .
- وفى مقدمة الأسباب التى قد تسبب النهاية فعل الإنسان نفسه ضغطة على زرار خاطىء وتتفحم الكائنات وتسود بشرة مابقى منها حتى فى القرى التى تتمايل من حولها الأشجار .
- ويكتب سمير عبد الباقى فى دفتر أبريل 1998 ` أشرعة سود وطيور بلاأجنحة وبشر بلاملامح . كل هذا الرعب ؟ كل هذه التنبؤات ؟ أيمكن أن يحتمل قلب بشرى كل هذا الرعب ؟ وكأنما من البدايات نعيش ذلك الزمان الآخر القادم حتماً ليدفع تلك السلحفاة وذلك الغراب نحو مصير لافكاك منه؟! لكن هل يحتمل قلب كل هذا الشعر ؟`
- تقول نازلى مدكور ` كنت أقرأ ديواناً لنازك الملائكة فى أحد أبياتها وردت عبارة ... خلف داكنات السطور . فوجدت أن هذا التعبير يناسب مدلول قطعة الرق أو البردى التى يتم مسح ماكان مدوناً عليها كى تستخدم مرة أخرى فتظهر عليها إلى جانب الكتابة الجديدة آثار الكتابة القديمة ؛ ومن ثم يعنى التعبير المذكور التقصى عن المعانى والأفكار الخافية وراء الخطوط والإشارات التى ترد على السطح وبعبارة أوجز البحث عما وراء الظواهر ` وتضيف الفنانة : ` إن ما استقرأته خلف داكن السطور أى وراء الظواهر البادية للعيان هو علاقة خاصة بينى وبين الكون بينى وبين مايحيطنى من فراغ أو زحام وعلاقة خاصة مابين مايحيطنى من فراغ أو زحام وعلاقة خاصة مابين الفوضى والنظام `.
كم تختلف الرؤى والتفسيرات للعمل الفنى الزاخردخل المعرض صديقى الفنان الكبير الدكتور محمد طه حسين وبعد أن شاهد اللوحات قال :` تعود نازلى مدكور فى هذا المعرض إلى طفولة مدهشة لوحاتها حافلة بالهواء ` وملأ الفنان رئتيه بالهواء وغمرت وجهه ابتسامة بهجة وتفاؤل .
وأحسست أن تفسيراتى للأعمال قد بدأت تنهار . التفحم الرؤية الأفولية . الشيخوخة واللون السناجى المنسدل على الأزمان والأماكن مومئاً إلى التلوث القادم والمتنامى فى كوكبنا العتيد.
- ويسود الصمت
- ضحكت الفنانة وقالت :` حقاً إن ثراء العمل الفنى يتأتى من قدرته على طرح تفسيرات متعددة `.
- ومضى الدكتور طه حسين فى الإدلاء بانطباعاته عن لوحات نازلى مدكور ` لديها تصالح فى المساحات وتتعامل معها بحرية تتيح لها أن تبسط عليها ألوانها وأن تنثر فى أرجائها ماتشاء من جزئيات ورموز وشذرات وهى تدخل بنا فى مساحاتها إلى الأعماق `.
- ويشير إلى لوحة ` الأحلام ` قائلاً :` حتى الأسود لديها يتيح البهجة لأن الأسود ليس بالضرورة لون الحزن وقد كانت لوحات المصور الفرنسى بيير سولاج السوداء على سبيل المثال بومضات الضوء المتناثر فى أرجائها مبعثاً للبهجة `.
- وهناك دلائل على مصداقية مايقوله الدكتور محمد طه حسين عن الرحابة والحرية فى لوحات نازلى مدكور . ومرد ذلك بالأخص إلى نزوع الفنانة فى لوحاتها إلى:
أ-سيطرة مساحات كبيرة تشوبها ألوان ترابية تتخللها ومضات من ألوان مشرقة .
ب-السعى من خلال تقصى مصادر الضوء الداخلية إلى الحصول على تضاد أكبر ولايعتمد بالضرورة على العلاقات التقليدية بين الظلمة والنور.
ج-وجود بؤرة تنتفض منها الأشكال فى فضاء اللوحة .
- ولكنى ظللت أقول لنفسى :` الرحابة لاتعنى لزاماً وجود الهواء ` وكان لايزال يطبق على صدرى ماقرأته بصحيفة الصباح ` أربعون مليون طفلاً يموتون سنوياً بسبب التهابات فى الجهاز التنفسى ناجمة عن تلوث الهواء الذى تسببه مداخن المصانع أو احتراق الوقود ومن بين كل خمسة أطفال يموت طفل قبل سن الخامسة فى المناطق الفقيرة من العالم بسبب أمراض ناجمة عن تلوث الهواء والماء إلى جانب أسباب أخرى مثل مرض الملاريا والإسهال المرتبطين بتدهور البيئة فى الدول النامية الفقيرة`.
- نصوص محملة بإحالات :
- إن لوحات نازلى مدكور - على حد قولها فى مقدمة كتالوج معرض أبريل 1998 - `نصوص ` محملة بالإحالات وقابلة لقراءات متعددة تتيحها مستويات التعبير فى اللوحة بل وتمضى الفنانة فى كلمتها آنفة الذكر إلى التنبيه بأن هذه القراءات قد تكون غامضة أحياناً أو متناقضة أحياناً أخرى مادام أن العمل الفنى يحيا فى لانهائية تفسيراته .
- ويجىء ذلك متمشياً مع ماأوردته الفنانة كلمتها المذكورة أيضاً من أن ` اللوحة من ناحية ( نص) من العلامات والرموز يقيم علاقات حوارية توافقية أو صراعية مع أنماط وأساليب ومرجعيات جمالية تنتمى إلى ( الحداثة ) على أن الفنان يكتب الفن وهو يمحوه ويظهره حين يطمسه `.
- وأمام لوحة ` امرأة من القرية ` قلت هذه اللوحة تؤكد تفسيرى لأعمالك بأنها تجىء استشعاراً بكارثة بيئية واسترشدت فى ذلك بذلك الصناج الذى يلوث بشرة القروية بل وأيضاً حزمة الحطب المسود التى تنوء رأسها بحملها ولكنها بقايا حريق نشب أو ربما تحذر الفنانة من مغبة نشوبه . على أن نازلى مدكور عقبت على تفسيرى هذا قائلة: ` ولماذا لايكون كل هذا الصناج والوسخ وحزمة الحطب المحترقة رمزاً لتردى الأوضاع الاجتماعية للمرأة ؟ `
- وأعدت النظر إلى اللوحة وقلت هذا تفسير ذكى ومعقول ويتفق مع صرخة الاحتجاج ضد وضع المرأة فى الريف حيث تتحمل فى حياتها الغرولاتعرف من لحظات السعادة شيئاً . ويجىء ذلك تأكيداً جديداً ومتفقاً مع دور الفنانة نازلى مدكور فى الدفاع عن المرأةوتذاكرنا مرحلة ` التحولات ` كما تذاكرنا كتابها البديع عن `الفنانات المصريات` وتذكرت أيضاً اختلاف التفسير بينى وبين الدكتور محمد طه حسين حول الهواء واللاهواء فى أعمال معرض أبريل 1998.
- وعدت أجول بعينى فى لوحات القاعة ذاتها التى بها لوحة ` امرأة من القرية ` لأجد لوحة نازلى مدكور عن ذلك الطائر الوديع الذى يحوم فى الفضاء باحثاً عن غصن يحط عليه فلايجد فى هذا الوجود الأرضى على ماسيكون عليه بعد أن تعمل فيه معاول الخراب والتدمير والإبادة . عدت أسمع صرخة الاحتجاج التى تطلقها نازلى مدكور الآن ومنذ معرض مارس 1996 من ` منطلق كونى ` بعد أن كان صرخة احتجاجها فى ` مرحلة التحولات ` السابقة ` صرخة اجتماعية ` ضد الظلم الذى ترزح تحته المرأة وهكذا فقد صعدت نازلى مدكور فنها ليضحى ` احتجاجية كونية `أكثر إلحاحاً عما كانت عليه من قبل وذلك إزاء اتساع رقعة التلوث والخراب البيئى ؛ ومن ثم تضع الفنانة يدها فى يد ` أنصار الدفاع عن البيئة ` وتمضى بفنها الملتزم مناضلة من أجل مطلب حيوى من مطالب الإنسان سواء كان فى مصر أو فى أى بقعة من هذا العالم الذى أضحى قرية واحدة كبيرة.
- زرقاء اليمامة :
- وهكذا تابعنا فى مقالنا هذا مسيرة الفنانة نازلى مدكور منذ مرحلتها الأولى التى كانت مرحلة استقبال للطبيعة وابتهاج بها دون استعباد لها على أى حال ثم مضيها إلى تخطى المظهر لتحقيق توازن بين النظام والفوضى بين العقل والشعور بين الحقيقة والخيال ولكن ذلك كله فى رصانة واستقلالية دون أن تتردى فى التملق الرخيص للمتلقى واستجداء استحسانه وحتى إن جاءت بعض أعمالها مشوبة بالغموض وصعوبة الفهم فهى تعترف للمتلقى بحقه فى أن يختلف معها .
- وبعد أن كانت قضيتها هى الطبيعة كما تجلت فى مناظر الواحات والقرى المصرية وكانت أدواتها هى البردى وعجائن الورق ولحاء النخيل مضت لاتلوى على شىء إلا الدفاع بفنها عن القضايا الاجتماعية فى مرحلة ` التحولات ` على الأوضاع المتردية للمرأة سواء فى الريف أو الحضر .وهاهى تمضى منذ مارس 1996 إلى الارتباط بقضية أعم وأعقد وأكثر ارتباطاً بمصير الإنسان وهى القضية التى هب ` أنصار البيئة ` فى كل مكان من هذا الكوكب للدفاع عنها .وفى اعتقادنا أن ارتباط الفن التشكيلى بقضايا البيئة والتحذير من الكوارث الكونية ليس ` دفاعاً ضد الدمامة ` فحسب بل هو ارتباط ` بقضية مصيرية `.
- وقد تجلت ` طليعية ` نازلى مدكور ` و`أصالتها ` فى أنها أول فنانة مصرية تبادر إلى تكريس فنها للدفاع عن هذه القضية رغم مشاقها وماتمليه على الفنان من تضحيات جمالية ليست بالهينة . إنها فى النهاية قضية حياة أو موت : إنسان أو لاإنسان ومن ثم فن أو لا فن. هذا هو السؤال وهذه هى الإجابة وقد أثبتت نازلى مدكور بذلك أيضاً أنها فنانة ` مستقبلية `لاترهب الصعاب من أجل البلوغ بخطابها التشكيلى إلى مصاف المنارات التى ترشد السفن إلى طريقها فى أغوار البحر وظلماته .
بقلم : نعيم عطية
من كتاب عطر الألوان
|