|
رانيا محمود أبو العزم دياب
رانيا ابو العزم.. فى `نبض خفى` باقة زهور.. على الشجرة
-عالم الزهور دنيا لاتنتهى من البهجة.. فيها الجمال والحيوية.. وفيها التوهج والانطفاء والتفتح والذبول.. كما تعكس الحياة التى تقترب من احاسيس البشر تجسد التنوع.. وثراء الالوان ورقة الاشكال ورمزية الطبيعة فى اوج تالقها.
- وإذا كانت الزهورقد تالقت بطول تاريخ الابداع.. واصبحت علامة واشارة تعكس مع البهجة شتى المشاعر.. من الفرح والحزن والصفاء والتفاؤل.. كما فى زهور فنانى العالم ومصر.
- فقد جاء معرض الفنانة الشابة رانيا ابو العزم `نبض خفى`.. بجاليرى `مصر` ما يمثل فضاء تصويريا جديدا.. فى هذا العالم حوارية غنائية من تلك السطوح الهندسية والزهور والورود.. ووحدة واحدة من التداخل والامتزاج والانسجام.. بين الهمس و`النبض` الذى يشدو بفرح الطبيعة.
- زهور الفن
- مع كثرة لوحات الزهور التي رسمها أشهر فناني العالم.. كانت هناك العديد من الاعمال التى خلدها التاريخ.. تعد من بينها لوحة 1 `زهرة عباد الشمس` لفان جوخ انفجارا مشعا من الاصفر والبرتقالى.. تنبض بالدفء والحيوية.. كما مثلت الصداقة والامل عند فان العبقرى التعيس.. تظهر شغفه بجمال الطبيعة وجوهرها الزائل.
- تشتهر هذه اللوحة باستخدام فان جوخ الجريء للألوان.. مما يضفي على زهور عباد الشمس حيويةً آسرة. تمنح ضربات فرشاته الزهور ملمسا عميقا محولةً إياها من مجرد زهور عادية إلى شيء روحاني.. تُظهر شغف الفنان بجمال الطبيعة وجوهرها الزائل فى اقاليم النهار.
كما تبدو لوحته `زهرة السوسن` مشهدا نابضا بالحياة بدرجات الازرق والاخضر العميقة تتخللها زهرة بيضاء وحيدة.. قد تمثل فان جوخ نفسه واقفا وحيدا محاطا بجمال الطبيعة.
- اما سلسلة زنابق الماء لمونيه فتنقلنا الى بركة او نبع هادىء تزينها زنابق رقيقة تتلالا انعكاساتها على سطح الماء.. ببراعة فى استخدام اللون مع التغيرات التى تطرا على الضوء من لحظة لاخرى رمزا للسكينة والجمال والتامل.
- وهناك `زهرة الخشخاش` لجورجيا أوكيف.. تصوير جريىء ومقرب لزهرتي خشخاش حمراوين متوهجتين.. تنبضان بالألوان والحياة.. من خلال التركيز على شكل الزهرة.. حولتها إلى لوحة زهور شبه تجريدية.. مفعمة بالحيوية.. يرمز اختيار اوكيف لتكبير الازهار الى رغبتها فى تجسيد طاقة الحياة وجمالها وغموضها الكامن.
- وتظل `حاملة زهور الكالا` فى رداء ازرق 1942.. من اشهر لوحات دييجو ريفيرا.. وقد رسم العديد من اللوحات من تلك الزهور طوال حياته.
- احتفى بها كثيرا.. زهرة آسرة وذات شكل فني بديع..علامة على روح المكسيك .
- وتعامل لوسيان فرويد مع الزهور والنباتات كلوحات حية.. اشتهر بتركيزه على السمات الفريدة للأعشاب المهملة.. والأزهار الذابلة.. ونباتات الزينة المنزلية المتفرعة.. حتى انه لم يضف طابعا مثاليا على مواضيعه النباتية. بل درس بدقة زواياها غير المألوفة وذبولها.. وقضى سنوات في مراقبة النمو البطيء والحركة.. وموت أنواع محددة من النباتات.
- هذا مع زهور الكثير من فنانينا بدئا من الرائد احمد صبرى وصبرى راغب وزكريا الزينى.. والى مائيات جلال الحسينى وحتى احدث الاجيال.. ومن هنا تبدا حكايتنا مع زهور `نبض خفى`.
- كراكيب `تحت السلم`
- فى عام 2006 تخرجت رانيا ابو العزم من الفنون الجميلة بالقاهرة قسم تصوير.. كان مشرع التخرج بعنوان `تحت السلم` ضم مجموعة اعمال عن الكراكيب.. من تلك النفايات التى تعبر عن شخصية اصحابها وتمثل جزءا اصيلا من روحهم ومزاجهم فى اقتناء الاشياء.. التى تتحول فيما بعد الى مهملات زائدة عن الحاجة.. من تلك الاوانى والاوعية والملابس ومختلف العناصر المستخدمة فى الحياة اليومية.. داخل اماكن خافتة بين الضوء الشحيح والاظلام جسدت هذا الركام.. كما لم تغفل الدرج المؤدى الى هذا العالم وتراكم الكراكيب حول حوض الغسيل مع السلم الخشبى فى زاوية اخرى.. فى الوان كابية يغلب عليها البنيات والازرق تعكس لزمن مضى.. لم يبق فيه سوى بقايا روح وذكريات.. ما حقق لرانيا التفوق والحصول على المرتبة الاولى.
- وبعد انضمامها لهيئة التدريس بقسم تصوير.. ظل وقتها موزعا بين البحث والدراسة وبين الابداع الذى دابت عليه ما جعل لها مساحة مهمة ومتميزة.. بين ابناء جيلها وفى الفن المصرى المعاصر ايضا.
- وانتقلت من عالمها فترة الدراسة وخاصة مشروع التخرج بمكنوناته وتعبيره الدرامى الكابى.. إلى عالم آخر تحررت فيه لمستها.. اكدت من البداية على تلك الصيغة الحوارية بين الهندسيات مع الاشكال والعناصر.. التى تنبض بقوة الحياة من عناصر الطبيعة ورمزية الانسان وحضوره.
- نبض خفى
- فكانت معارضها التى انطلقت متمسكة بهذا الايقاع.. وتلك الحوارية كما فى معرضها `باركود` من خلال هذا التمثيل من الشرائط الطولية والعرضية التى ربما تمثل اشارات وعلامات مع ثورة الميديا الحديثة.. مع العناصر العضوية. .كما نرى فى الشرائط الطولية والعرضية الافقية والراسية.. التى يتخللها قدمين عاريين فى مساحة واحذية اطفال فى مساحة اخرى..حوار يعكس للهوية الانسانية بين الصمت والسكون.. اما اعمالها التى حملت عنوان `جذور حرة` فكان بمثابة البدايات الاولى.. لاحدث اعمالهاالتى بلغت فيها ذروة من الاداء فى التشكيل والتعبير.. حين نطالع اصص الزهور وموجات من الاعشاب والنباتات على خلفية من الهندسيات.
- تقول الفنانة الشابة: `بين الحياة والموت.. الأرض والسماء.. الفوضى والنظام الجمال والقبح.. بين القلق والسكون الفراغ والوجود.. بين الرجاء واليأس.. النور والظلام… نسبح جميعًا في ملكوته.. تحمل تلك المشاهد الصامتة روح حياة مضت أو رحم يحمل ميلاد اجديد افنحن نعيش دورة كامله فنحاول التأقلم حتى لا نفقد رغبتنا في الحياة.. ونحمل دائما الرغبة في الامان والسلام`.
- وكانها تشير الى مانحن فيه من تصدع وتناقض وتضارب.. وما نعيشه من التسلط والارهاب وعبث الحرب.. وكان زهورها بمثابة مرفاء يدعو للتفاؤل ويهفو الى التغيير من اجل البشر.. ومن اجل عالم يسوده السلام.
- اختارت الفنانة الزهور والورود مع التاكيد على تلك الحوارية.. من الايقاع الهندسى من التجريد الخالص.. بين التكرار والتباين والخفوت والسطوع بهذا المزيج من الاشكال: الشرائط والخطوط والالوان لخلق الاحساس بالحركة مع الانسجام الموسيقى الذى يبعث على استحضار المشاعر.. متناغما مع هذا العالم من الاشكال العضوية متمثلة فى بهجة الزهور المفعمة بالمشاعر.
- زهور فى باقات واخرى تنطلق واقفة على المسطح التصويرى.. اشجار وشجيرات.. متوقدة بالنور والظلال.. غصن وحيد فريد مثقل بالزهور يمتد بشكل راسى واخر يستلقى افقيا.. اوراق خضراء تتناثر عشوائيا فى انسجام يتخللها وريقات من الزهور والورود.
- جاءت تلك الباقة بين الواقع والخيال والحلم.. حافلة بالزهوروحيدة معلقة على جانب من شجرة.. فى باقة من الاحمر الفوشيا.. تحتضنها مجموعة من الاغصان الخضراء المتدلية.. صورة وكانها تردد الاغنية الشعبية `يا طالع الشجرة` التى اصبحت عنوانا لمسرحية توفيق الحكيم من ادب اللامعقول.. تعكس بصريا الحلم المستحيل .
- وتمتد لوحة اخرى صرحية فى ملحمة ملونة من الاوراق النباتية تسمو فى تصاعد الى اعلى الفضاء التصويرى.. مع هذا الشريط الاصفر من اسفل فى شرائط راسية صغيرة.. على خلفية من فضاء هندسى بصفاء الازرق يعلوه حوارا اخر بشكل عرضى مقابل افقية التشكيل من اسفل.
- رؤى بصرية حول الحياة والجمال ومرور الزمن.. تدعونا كل ضربة فرشاة وكل لمسة إلى التوقف والتأمل في هبات الطبيعة.. وما بعد الطبيعة من اخيلة.
- زهور وورود وخطوط متقاطعة ومساحات تحمل دلالات روحية بلمسة من اناقة الاداء.
- وفى جانب اخر ياخذنا العجب والتساؤل.. كيف يبدو هذا التوحد بين الزهور والاوراق والفروع وكانها معلقة اومستلقية يضمها بوكيه شفاف.. فى توحد اخر مع تلك السطوح الهندسية الغنية بالتقاطعات.. ما يعكس لحوارية غنية باللون مشرقة بالشكل سابحة فى الزمن.
- والوان رانيا ابو العزم متناغمة فى انسجام.. صداحة بالاحمرمع الاخضر الحيوى والازرق الصافى.. فى موسيقى تتردد مع اصداء الهندسيات.. بين التصاعد والهدوء.. الخفوت والسطوع.
رانيا ابو العزم حاصلة على الدكتوراه وجائزة صالون الشباب فى التصوير 2016.. وجائزة الدولة التشجيعية 2022.
- تحية الى فنانة شابة دائمة التحفز فى الابداع.
بقلم : صلاح بيصار
جريدة: القاهرة 2-6-2026
نبض خفى... تفكيك الاكتمال فى التكوين المعاصر
- ليست هذه الأعمال احتفاءً بلحظة الاكتمال، بل انحيازٌ واضح لما يليها، لتلك المنطقة التي تبدأ فيها الأشياء بالتحرّر من يقينها البصري، وتدخل في طورٍ أكثر التباساً وصدقاً، هنا، في `نبض خفي` للفنانة التشكيلية رانيا أبو العزم ` Rania Abu Elazm- 1984` بجاليري مصر لا تُقاس قيمة اللوحة بمدى اكتمالها الشكلي، بل بقدرتها على حمل ما يتبقى بعد الاكتمال، الأثر، الذبذبة، ما لا يُرى لكنه يظل حاضراً، كأنها تزيح مركز الثقل من `الظهور إلى البقاء`، من اللحظة إلى ما يتسرب منها.
- هنا لا يعود التكوين ترتيبًا للعناصر داخل مساحة، بل يتحول إلى زمن محسوس، السطح ليس مجالًا مسطّحاً تُوزع عليه الأشكال، بل طبقة كثيفة من مرور الزمن ذاته، الإيقاعات المتكررة، العلامات الدقيقة، التحولات اللونية، كلّها لا تعمل كتشكيلات بصرية، بل كآثار لحركة حدثت وما تزال تحدث، لا شيء هنا ثابت بالمعنى الحرفي، حتى في أقصى درجات السكون، ثمة نبض خفي يسري داخل الكتلة، داخل اللون، الفرشاة لا تضيف فقط، بل تمسح. لكن المسح هنا ليس إلغاءً، بل ترسيباً، شيء يتراجع، كظل، كذاكرة، كهمس خلف جدار، هذا الإجراء يكشف عن وعي عالٍ بوظيفة `الغياب` في الرسم، إنه يذكرنا بأعمال `روث كووك`، لكن بدون برودة المفهومية الغربية، هناك دفء شرقي يعيد تأهيل المحو كفعل حب وليس كفعل حذف، كقول محب... `لست أحذفك، بل أتركك تتراجع قليلاً لتعود بشكل آخر`، وعن العلاقات بين العناصر ما هو يتكون، شيء يبهت، وآخر يشتد، ليس لأن اللوحة غير مكتملة، بل لأنها ترفض أن تُختزل في لحظة واحدة.
- العناصر النباتية هنا لا تؤدي وظيفة تمثيلية، لا يمكن لأي نبات حقيقي أن يكون بهذه الهيئة، لكنها أيضًا ليست تجريداً محضاً، إنها حالة ثالثة `تمثيل متحول`، الكتلة تتكون وهي تتفكك، تنمو وهي تموت، هذا الشد بين التشكل والتفكك هو جوهر العمل.
- في أعمال رانيا، اللون ليس عنصراً جمالياً فحسب، بل سجل زمني، الأحمر ليس احمراراً، بل بقايا دفء تراجع، الأزرق ليس برودة، بل ترسيب صمت ممتد، الأبيض ليس فراغًا، بل أثر خدوش وطبقات سابقة، تخبرك اللوحة لم أُخلق دفعة واحدة، بل تراكمت عبر الزمن، المساحات الفاتحة ليست راحة بصرية، بل ساحات أثرت فيها اليد ثم انسحبت، هكذا يصبح اللون نيوماتيكياً روح تصاعد من تحت المادة، لا صفة فوقها.
- في هذه الأعمال، الهشاشة ليست ضعفاً، بل بنية، بل شرط وجودي للشكل، لأنها ما يسمح للشكل بأن يتحول دون أن ينهار، وأن يحمل داخله أثر ما فقده دون أن يتلاشى، انظر إلى الغصن ليس مستقيماً، ليس متفرعاً وفق منطق نباتي صارم، لكنه لا ينكسر، ينحني فقط، انظر إلى الورقة، لا تحددها حدود صلبة، لكنها لا تذوب، دائم، هذا هو سر هذه الأعمال، أنها تستخدم الهشاشة كلِحمة تحمل البناء، وكأنها تقول لنا `الأشياء لا تثبت إلا حين تقبل أنها ستنكسر`.
- الناقد الفرنسي نيكولا بوريو (Nicolas Bourriaud) تحدث في كتابه `راديكان` (The Radicant, 2009) عن أشكال فنية تجعل الهشاشة والجذور المتحركة مادة للبناء، هذه الأعمال تنتمي إلى تلك العائلة، لكنها تضيف إليها عنصراً شرقياً أصيلاً، الترحيب بالنقص، وليس هوساً بالكمال المكسور على الطريقة الرومانسية (شعراء الحدائق الخراب)، بل قبول هادئ ومبهج للعطب كجزء من الجمال، هشاشة الغصن ليست ضعفاً، بل هي لياقته، لأنه فقط ما يهتز يستطيع ألا ينكسر، انحناءة الورقة ليست تعبًا، بل رقصتها اليومية.
- هذا يظهر بوضوح في تقنية `الخط المتردد`، الخطوط تحمل ارتعاشات يدوية خفيفة، توقفات، بدايات مزيفة، وكأن اليد تتردد قبل أن تلمس السطح، بل خطوط استفهام، هنا الفنانة لا تخفي ترددها، بل تصنع منه مادة وهذا نادر في الرسم المعاصر، حيث يطغى الأسلوب الواثق أو العفوي المصطنع هنا، التردد يُقدَّم كنوع من الصدق، كاعتراف بأن اليقين البصري وهم، وأن اللوحة الحية هي التى لا تزال تتساءل عن نفسها.
- ما وجدناه تحليلياً، أن الأعمال لا تنحاز إلى قطب واحد على حساب الآخر، لا تعلن الحرب على الفوضى، ولا تذوب في النظام، لا تقدس الحياة وتنكر الموت، ولا العكس، تقيم في المسافة الفاصلة، حيث يتحول الاضطراب إلى طاقة بناء، ويصبح التعارض إمكاناً للتشكل، وهذا هو بالضبط `ملكوتها` مساحة لا حدود فيها بين الأضداد، بل تمازج مستمر.
- في هذا المستوى، لا يعود تفكيك الاكتمال مجرد إجراء نقدي أو تقنية شكلية، بل يتحول إلى رؤية كونية، إلى فلسفة بصرية، تفكيك لفكرة الاكتمال نفسها، بوصفها وهماً بصرياً وثقافياً، اللوحة لا تنتهي عند حدودها، ولا تستقر في شكلها، بل تظل مفتوحة على ما يتجاوزها، وما يبقى منها ليس صورتها النهائية، بل أثر تكونها المستمر.
- وهنا، يتقاطع هذا التفكيك مع تجربة الإنسان ذاتها، نحن لا نحتفظ بلحظاتنا كما حدثت، بل بما تبقى منها بعد أن مرت، نعيش داخل آثارها، لا داخل اكتمالها، نتحرك بين حالات متقابلة دون أن نغادرها تماماً، ونحاول، وسط هذا التقلب، أن نحتفظ بشيء من الاتزان، أو على الأقل بإمكانية الاستمرار، وبالمثل، لا تقدم هذه الأعمال لحظتها النهائية، بل ما نجا منها، ما ظل قادراً على البقاء رغم تحوله.
- المدهش أن هذا التفكيك لا يولد الكآبة، لا يولد الأسى، يولد، بدلاً من ذلك، فرحة خفيفة تنتاب من يكتشف أنه ليس مضطراً ليكون كاملاً، لأنه أخيراً سقط عن كاهله ثقل الكمال، اللوحة تهمس له `أنا ما ينقصني فأضيء، وأنت ما يهتز فيك فيثبت`.
- لماذا هذه الأعمال مختلفة؟ ... لأنها تستخدم الفجوة كمواد، الفجوة بين اللون واللون، بين الخط والخط، بين الشكل وشبهه، بين الضربة وتراجعها، لأن رانيا لا تخاف من النقص، بل تحتضنه.
- والمتلقي اخيراً لا يخرج محطماً، بل يخرج أخف، لأن من رأى جمال النقص يستطيع أن يصالح نقصه هو، لا يبكي، بل يبتسم ابتسامة المتآمر... `آه، أنت أيضًا لست كاملاً`، هذا هو سر هذه الأعمال الأعمق، أنها لا تطلب منك أن تكون مثاليًا كي تفهمها تطلب منك فقط أن تعترف، ولو للحظة، أنك لست كذلك، وهذا الاعتراف ليس إذلالاً، بل تحرير.
- لو كانت هذه الأعمال بشرًا، لكانوا أصدقاء لا يملّون، ليسوا مثاليين، لكنهم حاضرون، ليسوا جذابين بشكل مفرط، لكنك تريد البقاء معهم لأنهم لا يتظاهرون، لا يرتدون أقنعة الكمال الثقيلة، لا يخافون من أن يظهروا لك شقوقهم الصغيرة، ولهذا، تثق بهم، تعرف أنهم لن يحكموا عليك بحدة، لأنهم مشغولون بالرقص على حواف نقصهم هم.
- أليس هذا هو العيش؟ أليس هذا هو بالضبط ما نفعله كل يوم... نبدأ أشياء لا نكملها، نحب أشياء لا نتقنها، نحلم أحلامًا تتصدع ثم نعيد بناءها بشكل مختلف، وفي كل مرة نعتقد أن هذه هي المرة الأخيرة، لكننا نعود؟
- في النهاية، النبض الخفي ليس سرًا مظلماً، ليس همساً حزيناً، هو رنين خفيف تحت الجلد، اللوحة والعين واللحظة، فرحة لا تعلن عن نفسها، لكنها تبقى بعد أن تغادر القاعة، كطعم فاكهة لم تعرف اسمها من قبل.
- لا تبحث عن معنى، فقط دعه يمر من خلالك كنسيم لا يحتاج إلى تفسير، وستجد أنك، دون أن تدري، قد ابتسمت، وهذا، وحده، هو الاكتمال الحقيقي.
بقلم : إستر فادى
جريدة : القاهرة 12-5-2026
|