|
سعيد حافظ محمود حدايه
- من طبيعة الفنان `سعيد حداية` أنه يتناول الموضوعات التى يميل إليها ، فكل عمل فنى طباعى يقوم بتنفيذه له قصة ومضمون خاص به لذلك جاءت موضوعاته شديدة الخصوصية ومعبرة بصدق عن واقع عاشه الفنان وارتبط به ويرى الفنان أن كل عمل فنى طباعى قام بتنفيذه له جوانبه الابتكارية الخاصة به ولكن بشكل عام يحاول الاعتماد على الألوان فى غالبية أعماله الفنية الطباعية حتى تلك الأعمال التى أعدها باستخدام أسلوب الطباعة الغائرة ، وذلك لإحساسه بأن الألوان لها دور وأثر كبير فى العمل الفنى وحتى فى الأعمال الفنية الطباعية ( الأبيض والأسود ) فالفنان ` سعيد حداية ` يحاول دائماً إعطاءه إحساساً باللون بشكل ما فهو يرى أن استخدام اللون والتعبير به يرضيه الى حد كبير فاللون عنده فى الحقيقة قوة تعبيرية تضاف الى أبجديات التشكيل والتعبير فى أعماله فهو تارة ينتقى ابسط الألوان بنقائها ومدلولها دون أى إضافة أو مزج ، فنجد فى بعض أعماله الألوان الأساسية كالأصفر والأحمر تلعب دوراً مهماً فى إضفاء الشحنة التعبيرية للموضوع بينما نجد فى أحياناً أخرى كثيراً ما يخلط أللوانه الشفافة لتعطى فى النهاية تجانساً غربياً ومزيجاً حسياً نابضاً خاصاً به .
أ.د /حامد عويس
مجلة صباح الخير
حكاية ولون.. سعيد حداية فنان احتضنته الموسوعات العالمية
- `يا عروسة البحر يا حتة من السما`، طالما كانت الإسكندرية الجميلة منشأ الجمال في العالم القديم والحديث، فمنذ أن بناها الإسكندر، وهى تحتضن الثقافات المتعددة، فهي `كوزموبوليتان`، وفي حواريها انتشرت الخرافة، والتي انعكست من الحكاية الشفاهية على الفن التشكيلي في أعمال عبد الهادي الجزار، وامتدادًا لمشوار الجزار ورفاقه فناني الإسكندرية، بزغ نجم سعيد حداية الفنان الذي رحل عن عالمنا أمس عن عمر ناهز 80 عامًا، الذي كرمه قطاع الفنون التشكيلية على هامش الدورة 39 للمعرض العام لهذه السنة، ضمن أربعة فنانين من رموز الحركة التشكيلية المصرية.
- الحارة المصرية هي من أوصلت نجيب محفوظ للعالمية، تمامًا مثلما فعلت مع `سعيد حداية` الفنان الذي يكرم على هامش الدورة 39 للمعرض العام، ضمن أربعة فنانين من رموز الحركة التشكيلية المصرية، منهم الفنان الدكتور سعيد حداية ، وفى هذا الصدد تستعرض `البوابة` مسيرته:
- ولد سعيد حافظ محمود حداية، الشهير بسعيد حداية، بالإسكندرية عام 1937، وانطلق منها ليحصل على القاهرة ليحصل على بكالوريوس الفنون الجميلة، وتكون انطلاقته إلى إيطاليا حيث يحصل على الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة أورينو الإيطالية عام 1978.
- ترى فى لوحات سعيد حداية الحس الشعبي يطغى بروحه على جميع المشاهد، ألوانه وتركيباته ربما تخترق مجال البرواز لتنشع على حائط العرض، ربما يراها الرائي هكذا من فرط التركيز الذي لابد أن يصاب به من يرى اللوحة، تجمع لوحات سعيد حداية ذكريات مشتركة لعموم المصريين، ذكريات من الطفولة والشباب والزمن الماضي، أسلوبه الغرائبي في الطرح والتنفيذ والبعيد عن التقريرية في الفن، يفتح براحات واسعة للرؤية، ربما يمتد نسل لوحاته لمدرسة عبد الهادي الجزار فيلسوف الخرافة الشعبية، ألوانه المطفأة غير المبهجة - ربما الواقعية- بإمكانها التحكم في الحالة المزاجية كما شاءت، فاللوحة الواحدة عند سعيد حداية بمثابة مشروع متكامل.
بقلم : وسام زين الدين
جريدة البوابة : 20-9-2017
سعيد حداية .. التشكيلى صانع الفطرة البريئة
- نجح فى استثمار مهارته التقنية فى ` الطبعة الفنية`، التى أتقنها فترة بعثته الإيطالية، لصنع عالم من الفطرة البريئة والحكايات الشعبية المصرية، وطابعها الأسطورى ورموزها الفلكورية، فتلاقى مع عالم الطفولة والسحر لدى الشعوب صاحبة العمق الميثولوجى، وصنع بسلاسة وحس تلقائى لوحة بسيطة التكوين ظاهريًا، لكنها مركبة البناء بغير استعلاء أو استعراض بلا ضرورة فنية، ما أهله لاحتلال مكانة فى موسوعات دولية للفن، إنه الفنان السكندري الدكتور سعيد حداية، أحد كبار فناني الجرافيك، الذي كُرِمَ مساء أمس فى افتتاح المعرض العام للفن التشكيلى لما حققه من إنجازات فى الساحة التشكيلية.
يعد `حداية ` أحد التشكيليين الذين حلوا إشكالية المواءمة بين الهوية المصرية والحداثة الأوربية، ونجح في تحقيق تلك المعادلة الصعبة، بغير تنازل عن قيم الشكل الحداثي المعاصر هناك، لتأثره بتجارب وإبداعات رواد الفن المصري الذين عبروا عن هذا الموروث قبله بعقود، فترى في لوحاته الحس الشعبي يطغى بروحه على المشاهد، وألوانه وتركيباته ربما تخترق مجال البرواز لتنشع على حائط العرض، وربما يراها الجمهور هكذا من فرط التركيز الذى لابد أن يصاب به من يرى اللوحة.
وتجمع لوحات `حداية` ` ذكريات مشتركة لعموم المصريين، من الطفولة والشباب والزمن الماضى، ويفتح أسلوبه الغرائبى فى الطرح والتنفيذ والبعيد عن التقريرية فى الفن، براحات واسعة للرؤية.
جريدة الدستور: 21-9-2017
- ولد بالإسكندرية، التحق بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1958 وهو العام الثانى لإنشائها، وقد درس فى الكلية على يد عدد من الفنانين الكبار أمثال سيف وأدهم وانلى وعبدالله جوهر وجمال السجينى وحامد عويس وماهر رائف ومريم عبد العليم وغيرهم، وقد كان لتوجيهاتهم وخبراتهم عظيم الأثر فى التركيب الفكرى والوجدانى للفنان.
- وكان من المعروف عن الفنان سعيد حداية تميزه- أثناء سنوات الدراسة - بتدفق التعبير الملئ بالمشاعر والأحاسيس الفنية، ومن الفنانين الذين تأثر بهم فيما يختص بتلك النواحى التعبيرية حامد ندا وماهر رائف خاصة فى موضوعاتهما الأولى عندما كانا ضمن جماعة الفن المصرى المعاصر، والتى كان معظمها مستوحى من العادات والتقاليد الشعبية.
- بدأ الفنان سعيد حداية تعامله مع الطباعة الفنية بأسلوب تعبيرى متميز ارتبط فيه بواقع مجتمعه خاصة الجانب الشعبى منه، حيث حاول من خلال أعماله الفنية الطباعية الوصول لأعماق المجتمع المصرى. وفى هذا النطاق اختار الفنان لمشروع تخرجه موضوعات مستقاة من الممارسات الشعبية والعادات والتقاليد وأسماها `تقاليد وعادات شعبية`. وقد تناول فى هذا المشروع موضوعات متنوعة: كالسبوع وإعداد الكعك للعيد وتقاليد الزواج والوفاة وبعض الممارسات المرتبطة بالمناطق الشعبية فى الإسكندرية مثل شرب دماء الترسة وما إلى ذلك من الممارسات والعادات التى تمثل القيم الحقيقية الصادقة للطبقة الشعبية بالإسكندرية، وقد اعتمد فى إعداد مشروع التخرج هذا على أسلوب الطباعة البارزة الملونة باستخدام القوالب الخشبية، والذى وجد فيه مجالاً واسعاً للتعبير.
- عاش الفنان منذ نشأته الأولى فى أحد أحياء الإسكندرية التى ارتبطت بالعادات والتقاليد، وهى منطقة سيدى بشر على مقربة من شاطئ البحر. وقد جمع الفنان بذلك بين تأثير البحر بكل معطياته وبين ما يحدثه على اليابسة، حيث كانت تلك المنطقة ولا زالت الموقع الدائم لمولد سيدى جابر، الذى كان فى الماضى أقرب ما يكون إلى الملحمة الشعبية النابضة بآلاف المريدين والزائرين وأصحاب الحرف والألعاب الغريبة، هذا بالإضافة إلى الممارسات التى كان يقوم بها بعض المؤمنين وكثير من الشعوذين.
- وفى عام 1964 عين سعيد حداية فى كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية وشارك فى تكوين أول جماعة لفن الحفر المصرى المعاصر. كما قام بإعداد رسالة الماجستير فى عام 1972 فى موضوع `أثر اللون فى العمل الفنى المطبوع .. ، ثم سافر إلى إيطاليا فى بعثة دراسية تعرف خلالها على الجديد فى الأساليب التقنية المستخدمة فى عمليات الطباعة الفنية. كما أتيحت له فرصة الاطلاع على المدارس الفنية المختلفة، لكنه ظل متمسكاً بالأصول المصرية فى شخصيته وفى موضوعاته التعبيرية ولم يتأثر بالتيارات الغربية إلا من ناحية الأداء التقنى وأسلوب المعالجة.
- اشترك الفنان أثناء تواجده فى إيطاليا فى العديد من المعارض الجماعية ولاقت أعماله نجاحاً ملحوظاً مما دفعه للاستمرار فى الإنتاج، حيث أعد عدداً كبيراً من الأعمال الفنية الطباعية باستخدام طريقة الحفر الحمضى وطريقة القوالب الخشبية وطريقة الشاشة الحريرية (السلك سكرين)، وقد تميزت أعماله الفنية فى تلك المرحلة بأنها شديدة الارتباط بالبيئة المصرية ومليئة بالرموز التى استلهمها من التراث الأدبى كالحدوتة والأسطورة والقصص الخرافية وغير ذلك. فنجد أنه استخدم الحصان ليرمز للخير والإقدام، كما استخدم الطائر الذى لا يكاد يخلو عمل من أعماله الفنية الطباعية منه، والسمكة التى ترمز للإخصاب والإنجاب، والبحر الذى يعبر عن أحاسيس مختلفة من الهدوء والتقلب والهياج والغموض، وكذلك عروس البحر وما تحويه أشكالها من غرابة محببة ترتبط بكثير من أساطير البلاد الساحلية.
- وواصل الفنان سعيد حداية التعبير من خلال موضوعات شديدة الخصوصية ومعبرة بصدق عن واقع عاشه الفنان وارتبط به. وأصبحت الألوان عاملاً رئيسياً فى غالبية أعماله الفنية الطباعية. فاللون عنده قوة تعبيرية تضاف إلى أبجديات التشكيل مما يثرى الجانب التعبيرى فى أعماله، فهو تارة ينتقى أبسط الألوان بنقائها ومدلولاتها دون أى إضافة أو مزج بالألوان الأساسية كالأصفر والأزرق والأحمر والتى تختلط ألوانه الشفافة أحياناً أخرى لتعطى تجانساً وشاعرية على أعماله المطبوعة.
- ويعتبر الفنان سعيد حداية من أوائل المصريين الذين تعاملوا مع اللون فى الأعمال الفنية الطباعية المعدة بأسلوب الحفر على المعدن كالزنك وكأنها طباعة بارزة، وذلك على الرغم من المجهود الكبير الذى كانت تلك الأعمال تتطلبه، خاصة فى ظل الإمكانيات تواضعة والخامات البسيطة المتاحة فى ذلك الوقت.
- كما استخدم الفنان أسلوب اللينوليوم Lion Cut حيث وجد فيه معيناً لا ينضب من التأثيرات اللونية المتداخلة الممتزجة بتأثير خطى متناغم، لعبت فيه أدوات الحفر الدقيقة دوراً فى تحقيق هذا التناغم الذى أضاف قيمة وبعداً تعبيرياً لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال تلك الخامة وبتلك الطريقة.
- تعطى شخوص الفنان سعيد حداية إحساساً بالسكون، وكأنها فى حالة من التفكير أو الترقب، وفى أحيان توحى بالخطر المحيط بالإنسان والناتج عن أفعاله، على سبيل المثال مأساة تشيرنوبيل، حيث نجد الإنسان الموجود فى هذا العمل الطباعى فى حالة فزع يريد أن يخرج من نطاق العمل إلى خارج حدوده أملاً أن يجد الأمان، ويؤكد الفنان هذا التعبير بطائرين ممزقين يصطدمان ببعضهما فى حالة من التوتر والانطلاق.
من كتاب بانوراما فن الجرافيك المصرى فى القرن العشرين
سعيد حداية.. فى مركز الجزيرة للفنون
- فنان الطبعة الفنية.. بين البحر والطقوس والحياة الشعبية
- يعد الفنان السكندرى سعيد حداية `1937-2017` احد اهم فنانى الجيل الثالث لفن الحفر.. هذا الجيل الذى شكل مساحة عميقة لملامح الطبعة الفنية أو ما يسمى حاليا بفن الجرافيك.. وهو جيل حفل باسماء عديدة حفرت فى مجرى نهر هذا الفن.. من بينها: محمود عبد الله وسعيد العدوى وفاروق شحاتة وصبرى حجازى وعطية حسين وفتحى أحمد وعبد المعبود نجيب.
- وحداية من اوائل دفعات خريجى الفنون الجميلةالتى اسسها المثال أحمد عثمان 1957 بالاسكندرية `الدفعة الثانية`.. ويعد رائد فن الحفر الملون.. تمتد ابداعاته بروح الاسكندرية.. بين البحر والاساطير وإيماءات الطقوس والحياة الشعبية.. مع العديد من الموضوعات الاجتماعية والسياسية والوطنية.. يسبغ عليها طابعا رمزيا بكثافة فى التعبير الدرامى.
- فى مركز الجزيرة للفنون بالزمالك تألقت أعمال فناننا حداية بمعرضه الاستعادى الذى أمتد من الجرافيك والتصوير والرسم بالقاعات الكبرى للمركز.
- البحر والمولد
- فى حى سيدى بشر بالقرب من بحر الاسكندرية ولد الفنان سعيد حداية عام 1937 وكانت نشاته بتلك المنطقة التى تمثل عمق الشخصية الشعبية المصرية.. بما تحمل من عادات وطقوس السحر الشعبى من: افراح الزواج والميلاد والسبوع.. ومواكب الطرق الصوفية ومشايخ الاوردة والاذكار وحلقات الذكر.. ومباهج الصور من دنيا السيرك.. والعاب الاطفال الشعبية.. والتى كانت تقام بمولد سيدى جابر.. وفور التحاقه بالفنون الجميلة عام 1958.. انطلقت قدرته التعبيرية التى تألقت فى الجانب الشعبى.. ومن هنا جاء اختياره لمشروع التخرج بعنوان `تقاليد وعادات شعبية` متناولا طقوس ومشاهد متنوعة من أعداد كعك العيد وتقاليد الزواج ومراسم الوفاة وبعض الممارسات المرتبطة بالمناطق والاحياء الشعبية بالاسكندرية.
- بعد تخرجه عام 1964 سافر الى إيطاليا.. فى بعثة دراسية ب`اربينو` معقل الطبعة الفنية والتى تستمد مكانتها.. من قيم وتقاليد عصر النهضة.. وهنا جاءت دراساته وتجاربه من معطيات الخبرة التكنيكية والرؤى الابداعية فى وقت واحد.. والعجيب أن فناننا لم يتخل عن عالمه.. هذا العالم الذى يؤكد عمق ارتباطه بالبيئة الشعبية.. فقد اضاف إليه أفاقا وأبعادًا جديدة.. من اللمسة المعاصرة وقيم الحداثة.
- التعبيرية الشعبية
- يقول حداية: `انتخب من بين عناصر البيئة المصرية والفن الشعبى صياغة لمفردات اعمالى وعلاقتها التكوينية ببعضها البعض كما فى: الشجرة المفرغة - شجرة الحياة والاميرات والفرسان والطيور مع الابطال الاخرين.. وابدو أكثر ميلاً للبساطة فى تحليل العناصر... وقد اتجه احيانا إلى إضافة التلوين اليدوى.. لاستحضار الطاقة اللونية على الاشكال.. وتأكيد التنوع وتحقيق تاثيرات ملمسية خاصة وأضفاء صبغية مناسبة ملائمة للقالب الاسود`.
- ومن خلال هذا العالم تنوعت أعماله بين فن الجرافيك أو الطبعة الفنية وبين التصوير الزيتى وفن الرسم مع الاسكتشات التى تمثل فى احيان كثيرة تحضيرًا لأعماله الصرحية من التصوير والجرافيك.
- وقد ظل يستلهم عالمه من هذا النبع الاصيل من الواقع الشعبى والممارسات الطقوسية.. بما يمثل امتدادا لعالم الجزار واستاذه حامد ندا.. لكن يتحدث بلغته البصرية الشخصية واسلوبه الخاص.. وعادة ما يهتم بالتكوين وتنسق عناصر موضوعه فى حرية تامة.. فالزمان والمكان.. معا يجسد تلك اللحظة التى يوظفها لخدمة موضوعه.. وربما كانت `الف ليلة وليلة` التى انجزها فى ايطاليا مساحة نابضة بالشعبية.. تؤكد فلسفته فى الإبداع.. تصور باسلوب شديد التلقائية عازفا على دكة خشبية وفى مقدمة اللوحة تقف امراة فى نظرة صامتة متوحدة مع حمامة فى تكوين دائرى.. وتتنوع العناصر والوحدات الشعبية فى امامية اللوحة وفى الخلفية.
- وفى لوحة `المستشفى 15 مايو` يمتزج الزمن المعاصر مع المعالجة الشعبية وهى تجمع بين الحلم والواقع من تجسيد الحيرة بين الطب والدواء والمصير.
- اللون فى الطبعة الفنية
- والفنان حداية يعد رائدا لفن الحفر الملون.. وهو من أوائل الذين تعاملوا مع اللون فى `الطبعة الفنية` باسلوب الحفر على المعدن بالطريفة الغائرة والبارزة.. وكان اهتمامه باللون من البداية حين قام باعداد رسالة الماجستير عام 1972، فى موضوع `أثر اللون فى العمل الفنى المطبوع`.
- فى لوحة `السبوع` نلتقى مع ثلاثة أجيال: الجدة والام والحفيد المولود.. باسلوب تلقائى تنساب فيه الخطوط فى طلاقة تعبيرية وفى ارضية اللوحة تفترش ثلاثة مسطحات: الأول دائرى تقف عليه الجدة والثانى سجادة مستطيلة فى بداية اللوحة فى رابطة للام والطفل المولود.. وفى الخلفية على المسطح الثالث سبع لمبات.. تضىء الحياة بعدد أيام الأسبوع.. ويغلب على اللوحة الوان داكنة بين الاخضر الزيتونى والاحمر الطوبى مع فضاء من الكريم.
- الحروف والطقوس
- يؤكد الفنان `سعيد` على عمق قدراته التعبيرية والتشكيلية فى استخدامه اللون باستاذية واقتدار من تلك الأضواء والمقابلات اللونية والتى ما أن تخفت فى بؤرة من اللوحة.. حتى تتوهج فى أخرى كما فى لوحته الطقوسية التى تهمس فيها الحروف والكلمات العربية فى الخلفية أقرب إلى الهمهمات.. تقف فى مقدمتها امراة بنظرة غائمة مسكونة بالحيرة.. وفى المقابل رجل جالس يحمل مصباحا أخضر بنظرة جانبية تتحاور مع نظرة المراة.. بينما يبدو شخص عار مستلقى ورائها.. على منضدة بهيئة ثعبات يتدلى منه اسماك.. فى إشارة للتوالد والتكاثر فى زمن اسطورى ليس له حدود.
- ولعل ما توحى به لوحة المراة والرجل حامل الطوق الدائرى وبينهما العربة الخشبية.. ما يومىء إلى معاناة انسان العصر الحديث فى عصرنا المضطرب.. من الخواء الروحى والبحث عن معنى للحياة فمن خلال هذا الفضاء.. تظل اللوحة بعناصرها المتاكلة مع جزء من المظلة التى تعلو العربة الفارغة.. ما يعكس لهذا الهاجس.. بتلك النظرة للرجل والمراة معا.. وهى تمثل امتدادا للوحة `الايدى الجائعة`.. التى تعد برمزيتها مساحة شديدة الخصوصية فى التصوير الاجتماعى.. من الطبق الفارغ والمراة الجالسة والايادى المتطلعة.. وساعة الحائط التى تعلن ثقل الزمن ووطاة اللحظة.
- وإذا كان الفنان سعيد حداية يمتد عالمه برموز شعبية عديدة لها معانيها.. بين الصمت والافصاح من السمكة والطائر الاسطورى ولمبة الكيروسين والبحر.. بحر الاسكندرية الذى يعلن عن تقلبات الاحوال من الصفاء والهدوء إلى ارتطام الأمواج فى الصيد والصراع من أجل الرزق.. فقد أضاف عالما آخر يعكس معنى الأنتماء فى أعماله السياسية والوطنية.
- فى كتابه الجامع `فن الجرافيك المصرى` يقول الفنان `فتحى أحمد` حول عالم حداية.. وهو ينتمى أيضا لنفس الجيل: `سعيد حداية فنان ملتزم يعيش واقع مجتمعه ومشاكله وهمومه وقضاياه السياسية.. وهو يعطى للموضوع الدور الاساسى فى تشكيل رؤاه.. وفى تناول موضوعه نلمح مقدرة تعبيرية هائلة تكمن فى مشخصاته كما أنه.. يتخير عناصر موضوعه فى حرية لا تخضع لقانون خاص فالزمان والمكان ملك اللحظة الدرامية.. يوظفهما باقتدار لخدمة موضوعه وأعماله من الرمزية والتعبيرية`.
- فى لوحة `حوار` الجرافيكية حفر على المعدن.. يصور طائران اسطوريان ما بين روح الهدهد الوديع والديك أحدهما بالأسود الممتزج بالأخضر والثانى فى الأحمر مع الأسود يتلامسان من أعلى بحيوية فى النبض والحركة.. وتبدو الخلفية فى إيقاع من الهندسيات وتكراربة لوحدة المثلث مع الحروف العربية.. والمسطح عموما من الروز أو الوردى الهادىء.
- الرسام والمصور
- تتنافس أعمال الفنان حداية من الرسم والتصوير مع أعماله الجرافيكية.. فى هذا المستوى من الأداء الرفيع وعمق التعبير.
- فى فن الرسم تنوعت اعماله من الدراسات والاسكتشات إلى اللوحات الخالصة التى يضيف إليها رؤى جديدة بمثابة إضافة وتراكم لعالمه الشعبى المرتبط بالبيئة والاساطير.. كما فى لوحة `الحصان والبومة` التى تاخذنا إلى دنيا من التساؤلات: مصورًا حصانًا رشيقًا موشومًا بالنقوش والحروف العربية.. فى حركة راقصة ورغم هذا تتربع بومة فى سكون عند نهايته.. هل يفصح التشكيل المبهم عن المعنى؟.. وتلك الكتابات ما ياخذنا إلى عمق الزمن ورحابة الاسطورة.
- وحين يقدم مشهدا من الحياة اليومية لراكب دراجة بخارية مع عمود النور.. يمزج أيضا الخيال من الميثولوجيا `الأسطورة` بالكرسى المجاور بهيئة قارب يقبع فيها أحد الزواحف أقرب إلى البرص بما يحمل من وطاة الدراما فى المكنونات الشعبية.. هذا مع أعماله الشعبية العديدة المفعمة بالسحر والرمز ومفردات الحياة اليومية.. من صندوق الدنيا وعربة البطاطا وإلى أعماله الأخرى ذات الروح السيريالية مثل لمبة الكيروسين متوحدة مع ثعبان يتلوى.. إلى الطفل المتربع على غصن شجرة.. فى حيوية فى الخطوط مع كثافة الظلال والأضواء ودخول اللون فى بعض الأعمال.
- ومن بين أعماله الوطنية تظل `انتفاضة الحجارة` تعبيرًا دراميًا ثوريًا ومحركًا.. حين يصور فلسطينية حامل بعنف فى الحركة.. ومع أطلاقها الحجارة يشاركها جنينها أيضا خارجا ولصيقا بها فى رمزية.. وتواصل للثورة عبر الاجيال.
- ومن بين رسوم الفنان هناك بعض الدراسات والاسكتشات التى تعد بمثابة تخطيط للوحاته كما فى الأبيض والأسود للوحته الزيتية `القارب وعروس البحر`.. صور فيها.. أثنين فى قارب صيد ومع الصراع من أجل الرزق.. تبدو عروس البحر مستلقية طافية على الماء.. وهى من بين ذروة أعماله يغلب عليها صفاء الازرق البحرى واقتناص اللحظة فى الزمن.
- ومع كل هذا طالعنا تشكيل نحتى صغير من الخشب للفنان حداية يجسد امراة شعبية حاملة لوعاء.. يمثل أشارة وعلامة على عالمه.. بالإضافة إلى نماذج ومختارات من كتاباته الشعرية وتجربته فى الابداع.. وهو الذى يقول: `الفنان ما لم يعجبه العالم.. عليه أن يخلق عالمه الخاص`.
- فى هذا المعرض الاستعادى لفناننا السكندرى.. نتأمل بعين الفن والحب عالم سعيد حداية عموما مع العديد من الأعمال التى ربما لم نشاهدها من قبل.. تحية إلى روحه بعمق عالمه الطقوسى الشعبى.. وإلى أبنته البارة الفنانة `نرمين` حافظة فنه مع أسرته.. وإلى الفنان أمير الليثى مدير مركز الجزيرة للفنون.. فقد جاء معرض الفنان السكندرى من أهم معارض الموسم الحالى.. مع أناقة العرض فى التنسيق والترتيب الزمنى للاعمال.
بقلم : صلاح بيصار
جريدة : القاهرة 30-10-2026
|