`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
ضياء عوض أحمد أبو العطا
`ضياء عوض` ترانيم الكتلة وتجلّيات الحضور الإنساني
- وفي محطة `ضياء عوض` فنحن أمام محطة استثنائية في مسار النحت المعاصر، وتجربة صادقة لفنان لا يتحدث عن تقنيات ومعالجات، بل ينحاز` لإعادة خلق المحيط` عبر الجسد، كخريطة تحمل في تضاريسها أثر وفعل الزمن وصدمات الحنين، وترويضه من كتلة خاضعة `لقوانين التشريح` إلى كتل تفصح عن `قوانين الانفعال`، فالفن لديه هو ممارسة إبداعية وقوة عاطفية مهمتها ليس نقل العالم، بل التعبير عن `الجوهر الداخلي للنفس البشرية` في سبيل تغيير وتبديل الأشكال الطبيعية لإيجاد تأثيرات انفعالية خالدة.
- فلا ينظر `ضياء عوض` إلى الكتلة باعتبارها حجماً يخضع لقوانين التشريح الكلاسيكي، بل يراها وعاءً حياً ينبض بالطاقة والانفعال - من هذا المنظور لا ينحت الفنان ` الجسد` بل `يستحضر وجوده`، في ممارسة إبداعية تنتصر فيها `البصيرة` على `البصر`، وتحاصر فيه `الحالة الشعورية` `التكوين الهندسي`، للوصول `للغة بصرية كونية` تستمد `مادتها الخام` من تربة الفنان الثقافية التي تمنح الجسد دلالاته ونبضه الحي كمصدر للطاقة، حتي يصدح بأحاديث نابضة في الهيئة والحركة والتعبير كتشكيلات محفزه للتلقي والتأمل والتأويل.
- لذا فإن مجسماته النحتية من خلال لغة الجسد وإيماءاته هي أدوات تعبيرية لنقل المشاعر والهوية، حيث يتحرر الجسد في فلسفته الفنية من قيود التشريح الكلاسيكي، وعدم التركيز على محاكاة النسب أو الظلال الواقعية، في توازن دقيق يمنح أعمال الفنان `مشروعيتها الفلسفية` ويحولها لبراح يسكنه `الأثر الباقي` بعد غياب الملامح، لتصدير كينونة تتحدث `بحوار خفي` يجتر وجدانية المتلقي لمفهوم `التطهير` والولوج بذاته الي داخل المنحوتة وليس ببصره فقط في لغة كونية تتجاوز الثقافات والأزمنة.
- وما بين تكاملية العلاقة بين (الأثر والفيض الطاقي كأداة بقاء) يأتي النحو عن محاكاة وتقليد الجسد الحرفي، ليمنح أشكاله ديمومة من نوع خاص، فهي لا تعتمد على ملامح وتفصيليات قد تبهت مع الزمن، بل تعتمد على `طاقة` تحتفظ بالعمل حياً في ذاكرة المتلقي- عبر تحويل الجسد `لأثر` يخاطب به الفنان `الذاكرة الوجدانية` التي لا تزول وليس الذاكرة البصرية - ففي أعماله تتحرر الأشكال من قيود النقل الحرفي والنسب الأكاديمية لتغدو تكوينات مختزلة، تخاطب الذاكرة الوجدانية وتستنطق الأسئلة الوجودية الكبرى.
- كلغة للفيض والتجلي الطاقي في أعمال `ضياء عوض` - ينبري التوظيف الجرئ للمعالجات السطحية الملمسية واللون ليس بغرض التزيين، بل لتصدير `إشعاع وهالة طاقية` ورسم `تضاريس روحية داخلية`، وتحقيق تجربة تطهير روحي تتجاوز مجرد الإعجاب البصري، ليصبح الجسد مشحوناً بطاقة وجودية فياضة، في توزيع مدروس للكتل داخل الفراغ والذي يشرك المتلقي في تجربة تفاعلية، دافعاً إياه للولوج إلى داخل العمل لا بعينه المجردة فحسب، بل بوجدانه ووعيه الوجودي، ليتشكل ذلك الجسد `كوعاءً` يحتضن القلق والتساؤلات الوجودية.
- اختزال العناصر البشرية إلى حدودها التعبيرية القصوى - عبر إختصار الرأس في قرص دائم أو كتلة ملساء، وتشكيل الجذع إلى ألواح معدنية وأسطح منحنية تشبه الصفائح المنسوجة بفعل الزمن، مما يبتعد بالعمل عن المشابهة البصرية البحتة، ويقترب به من الرمز الكوني الخالد -والاستناد الي وضعيات الجسد المنحنية ببطء لنقل حالات شعورية عميقة من (القلق، والحنين، والتطهر الروحي) حيث تعلو الأشكال أحياناً على أعمدة أسطوانية نحيلة أو قواعد داكنة تزيد من إحساس العزلة والشموخ، وبروز الساقين من تلك الكتل المسطحة والأسطوانية تعكس ذلك التوتر الدرامي الدينامي، وكأن الجسد يحاول الانفلات من سجنه المادي نحو آفاق الميتافيزيقا.
- إن المعالجات السطحية والملمسية المتقنة، والتدرجات اللونية المعتقة التي يغزلها الفنان `ضياء عوض` على أسطح منحتوتاته، لا تؤدي وظيفة تزيينية عابرة، بل تشكل جوهر الخطاب البصري الذي يبعث الروح في البرونز وسائر المواد المستخدمة - فحين تتداخل تضاريس الملمس مع ضربات اللون البورنزية الموحية بالقدم والعمق، تتحول المنحوتة إلى كائن حي يحمل ذاكرته الخاصة وكأن الزمن قد نقش بصماته ببطء على مسامات المادة.
- بهذه التقنيات الواعية، تكتسب أعمال ضياء عوض `هالة طاقية` فريدة وتضاريس روحية داخلية تجذب المتلقي إلى فضاء التأمل والتطهر- إن هذا التفاعل بين الضوء والظل على الأسطح المعتقة يمنح المنحوتة أبعاداً ميتافيزيقية، تنقلها من مجرد كتلة صماء إلى أثر ناطق بالوجود الإنساني، يخاطب الوجدانات العميقة ويؤسس لحوار هامس بين الأثر الفني وذاكرة المتلقي.
بقلم : د./ حسان صبحى حسان
جريدة: القاهرة 13-10-2026
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث