عن معرض الفنان حمدى رضا `أبدية حتمية` : تركيباته العضويه المفرغه هياكل عظميه للفضاء`
- بعنوان `أبدية حتمية` المقام حاليا فى ألمانيا للفنان `حمدى رضا` مشاركة مع جماعة فنانى `كايزر سلاوترن` وهو عضو بالجمعيه التى تضم ادباء وفنانين ومسرحيين.
- وفيه قدم مجالين: الأول للوحه `سيانوتايب` على ورق خالى من الاحماض ومجهز بالشروط المتحفيه.. والثانى قدم لعدد من أعمال مركبه بالعديد من الخامات الطبيعية من عيدان خشبيه مكسوه بشمع ملون وغراء بقياسات وأبعاد مختلفه وبعضها محفوظ داخل أوعيه زجاجيه.. أعتقد هو عرض يميل بدرجة ما تجاه الحركه البنائية بإهتمامها بقوانين الطبيعة المعقدة والمزج بين العضوى والهندسى والإنشائى.. ومن النظرة الأولى لأعماله وجدتها قائمه أو متحوله كعظام الفضاء ثم تتالت التداعيات مع تأملها التركيبى.. ورغم تركيباتها المعقدة وبساطة خاماتها وجدتها تتناسب تماماً مع مقوله لأينشتين: `بسيطا قدر المستطاع لكنه ليس بسيط`.
- الجانب الأهم وهو ما وجدته قائم عليه مشروعه الفنى بالكامل وهو كونسبت `البقاء` بإختيار رؤية للعالم من زاوية `النمو والبقاء` لذلك استخدم خامات طبيعية كامن داخلها ذاكرة البقاء والنماء وأهمها الخشب والشمع.. فـ`رضا`يريد أن يستشعر المشاهد بصوت عصارة الشكل الداخلى ليرى العالم والأشياء بعيون مختلفه.. مازجاً نحت العضوى بالهندسى البنائى وبإلهامات علم الأحياء والطبيعة.. لذلك إستشعرت بإعتماد أعماله على مفهوم بيولوجى حي من فكر التكاثر المتسلسل كعمل الخلايا `مجازاً` حتى كأنها تريد أن تتنفس.. وحالياً يتوجه فنانين معاصرين للطبيعه كماده حيه ملهمة ففى نفس توقيت عرض الفنان `حمدى رضا` فى المانيا هناك عرض آخر فى بريطانيا يتماس والإنجذاب لعمل الطبيعة بفكرتى النماء والبقاء بعنوان`إنهض حيا` للأمريكيه ليليان ليجن مع إختلاف كامل فى الخامات والتناول وهو مقام حاليا وحتى 5 اكتوبر فى جاليرى التيت سانت ايفز..
- أبديه حتميه
- أعتقد أن عرض`أبدية حتميه`هو تصور بصرى للإيحاء بالإمتداد الواعى للمادة الحيه فى تناميها الحتمى التلقائى وللأبد وهذا يحتمل أكثر من بُعد فى الرؤيه.. وأبدأ برؤية الفنان`رضا`وكلماته فى تقديم معرضه: `عملى المركب يستكشف تكوينات شمعية دقيقة مبنية على عيدان خشبية ومغطاة بطريقة تشبه اللحم على العظم.. هذه الأشكال الهندسية ذات الطابع الطوبولوجي والمظهر العضوي بألوانها الحمراء والخضراء تستحضر حيوية النمو العضوي ومحفوظة داخل الزجاج..` .. وعن مصدر إلهام تجربته قال:`هذه الأعمال مستوحاه جزئيًا من خيالات وذكريات مشاهد هياكل أعمدة الطاقة المنتشرة على الطرق الصحراوية وأبراج الحمام الخشبية في مدينة القاهرة مسقط رأسي..كما أن له علاقة وثيقة بخيالات تطور خلايا الأجنة في الأرحام وهياكل نموها وتصلب بعضها لتصبح عظامًا وليونة بعضها الآخر لتكوين كافة أعضاء الكائنات`.
- وإلى جانب من رؤية الفنان بوضع أعماله تحت عنوان `أبدية حتميه` ربما لتدور حول مفهوم حتمية مسار النماء والتطور الذكى للماده العضوية.. وبقوى فعل الإبداع أذاب`رضا`الحدود بين النحت بالعماره والعضوى بالهندسى والفيزيقى بالكيميائى.. ولتحقيق الفنان لمشروعه الفنى أقام رؤيته ومفهومه الفكرى مستخدماً خامات عضويه مكوناً شبه هيكل فراغى لبنائية إمتزج فيها الهندسى بالعضوى للمادة الحية بين التمدد الإلتواء والتحول المطاطى وربما بالتشكل المطاطي متماثلاً وعمل الطبيعه التى وإن حدث مصادفات ما يشوهها فهى مستمرة فى النماء ..وكان إستخدامه لمواد عضويه متسقاً تماماً ورؤيته مضموناً وشكلاً من عيدانه الخشبيه والشمع المذاب وغراء اللصق ليقدم عضوياته بمنطق تطورها هندسياً وعضوياً ككائن حي كأنه يتنفس بطاقة هادئة يتلاقى فى نقاط تواصل دون إمتزاج ليتشكل فى هياكل متناميه متجاوزة ذاتها كأجزاء حتى لم تعد تبدو كأشياء بل ككائنات عضويه تنبض داخلياً.. وبالعضوى والهندسى حقق الفنان علاقات متبادله بين وداخل أعواد القضبان التى ربما تتمثل رمزاً وإسقاطاً كنموذج لنماء لمعرفه والوعى كما النماء العضوى.
- `الهيلوجرامى` وتشكيل الفراغ
- أعتقد أن ما جعل أعمال`حمدى رضا`ملهمة أنها أشبه بفن الكولاج العضوى لينتج بالكولاجى العضوى ما يشبه الصوره `الهيلوجرامية` المتجسده فى الفراغ بزواياها المختلفة وبفراغاتها الداخليه متعمداً إنشاء مساحات داخلية وليس التركيز على عناصر التصميم الخارجى فقط.. فبدت مجموعات الأعمدة المتقابله والمتبادله فى تواصل هندسي كشكل لمجسم `هيلوجرامى` يكشف عن تنوع لعمق ظل الظل للماده السائله الداخليه ولزوجتها الخارجيه..وبالرغم من صعوبات تشكيل وترابط العمل فى كل منحوتة شكل بها `رضا` الفراغ حولها وداخلها بقيود من التماسك والتتالى كهيكل لهندسه فراغيه.. وقد بدت بعض الأعمال كبرج قائم وهرم ومكعب إفتراضى تخترقه اضلع ثلاثية الابعاد فبدت أعماله المركبة كنحت فراغى ثلاثى الابعاد مع تنشيط الفراغ الداخلى فى صورة تجريبيه تختلف نشاطاً مع زاوية الرؤيه لتحدث مفارقه مع النص الفراغى فى النحت أو للنحت الذى أصبح مرتبطا بالفراغ وربما هو الفراغ الزمانى أكثر منه بالمكانى.
- كما يمكن إطلاق علي تركيباته ومنحوتاته المفرغه `نحت السيوله` والتى تشكلت عند الفنان بلجوئه لذوبان خامته الشمعيه كجزء عضوى ذائب بقطراته التلقائية الحجم ليخلق تجربه حسيه يُبدع فيها الشمع قصةً غير متكررة الشكل لا جزئياً ولا كلياً للهيكل المُسال.. وفى نحت السيوله هذا يصبح للزمن والتحول دورهام وعادة ما توحى سيولة الشمع بالتلميحات العضويه اللزجه بما توحى للمشاهد بسيولة الغمر.. وربما ظهرت هياكله المفرغة تلك كإمتداد بصرى لأعمدة الضغط الكهربائى المغمور بالطاقه التى إستمد منها إلهامه الأولى متمدداً بين نقاطاً حرجة فى تتالى وإلحاح بصرى كسطوح المدينة التى يطل عليها من نافذته بالقاهرة التى ترتد دوما وتتنامى وتتشابك عنقوديا فى هيئة مفرغه..وفى الفراغ يمكننا إدراك أن كل الاشكال محتمله.. لذلك كان من السهل عليه تشكيله لعظام الفضاء كجزء من كل عناصرالوجود حتى ليتشابه وجزئيات خلايا مكبره خياليهتنسج وجودها بين العقدة والوصلات الفقاريه.. لأراه أقرب لفنان يشكل بالنحت الفراغى هيئة عضويه لكائن فقارى خيالى.
- تدوير الرياح
- مثلثاته المفرغه المتتشكله من عيدان خشبيه مغلفة بالشمع الذائب تتحلق حول وداخل هيكل مفتوح يبدو بعضه يميل نحو مركز وهمى.. وأنت كمشاهد أيضاً قد ينتابك وهم بصرى فكلما نظرت إلي تركيبياته كلما زادت رؤيتك للجسم قائماً داخل الفراغ رغم فقدانه للمجسد ووهم رؤيتك للبنائيات العضوية تكاد تكون متحوله بسبب إدراكنا لما توحيه خاماته العضوية من تحول فيزيائى على الأقل وبما داخلها من عصاره تتشكل إنتفاخاً فوق السطح من جانب لآخر وبالتواء شبه عشوائى للماده الحيه بالداخل.
- وهذا الإيحاء بتدفق الحياه العضويه يمكننا أيضاً إدراك شدة حضورها مع أي مرور لتيار هوائى عبر تجاويفها المتداخله فى تقابل وتصادم حتى يصدر عن مرور الهواء أصواتاً لتكتمل فى أعماله عناصر كونيه تلاقت فى الفراغ وعملت معاً.. ولو إشتد الهواء أكثرً وأصبح أكثر نفاذاً لذلك الهيكل متعدد الأضلع والمثلثات عمل على`تدوير الرياح` فى تفاعل من العمل مع بيئته والهواء لذلك تلك الفراغات ترسم مجازاً وإفتراضاً خريطه صوتيه لكائن عضوى فى الفراغ وداخل الفراغ معاً ولو كانت أعماله مكبرة عشرات المرات لكان لها حضور صوتى أعلى يتكامل حضوراً كونياً وأصوات الرياح فى الطبيعة.. وهذا أحب تخيله ليكتمل العمل الفنى كي يكون حاضر الصوت مثل ثلاثية الهياكل الحديدية للمثال الأسبانى إدواردو شيلدا المسماه `تمشيط الرياح` القائمه فوق حافة تطل على خليج المحيط الأطلسى صارخاً بصوته مع كل رياح وعواصف هوائيه تمرعبره ليؤكد أنه موجود ومسموع وليس فقط مرئى.
- التحول العضوى فى الفن
- تركيبات الفنان `حمدى رضا` توحى الى درجة ما`بالتشبيه الحيوى`الذى يقود التحول العضوى إلى عملية تغيير بصري أومفاهيمي مع مرور الوقت لعمليات النمو والتطور.. ولأن `رضا` يقدم فكر النماء والتحول كعمليه عضويه ببراعه وبإبداع وكإستعاره بصريه منه لدورة الحياه وتتبع النمو والعالم الطبيعى في تغيره الحتمي..ليكون مشروعه هذا منتمى لمدرسة `التحول العضوي في الفن` وهى مدرسه لها فنانيها الممارسين منهم من يلجأ للتشكل الحيوي وهى حركة فنية استلهمت الأشكال العضوية والأنماط الطبيعية الشبيهة بالحياة..ومنهم من عمل على التحولات المادية ليشمل التحول العضوي والتغيير الفيزيائي للمواد.. ومنهم من تضمنت أفكاره التغيير المفاهيمي ليمثل التحول العضوي أيضًا تغيرات مفاهيمية..ومنهم من عمل على إستكشاف التحول فى مفهوم الأشكال وعلاقتها بالهياكل الطبيعية.. ومنهم من إعتمد على دلالات الوحدة العضوية فى الفن ليحقق بتلك الوحدة الشعور بالتكامل والتماسك لخلق كلٍّ موحد فى حالته الجديدة..وأقدم مجرد أمثله قليله جدا لفنانين تعاملوا بالتلاعب الجينى مع نباتات عضويه أو تمثلاً لها للتلاعب بالعضويات الحيويه مثل: الألمانى `كارستن هوللر` قدم عام 2000 تركيب غامرعملاق بعنوان `غرفة الفطر المقلوبه`وهو تماثل لتهجين فطريات ضخمه متدلية فوق رؤوس الزوار.. وقدم الصينى `زو بينج` عمل ضخم لنباتات مهجنه فى إناء زجاجى شغلت كل قاعة العرض حتى السقف عام 1994 بعنوان `مستمر`.. والفنان `مارك كوين` قدم عام 2001 عمله `حديقة الحمض النووي` متعاملاً مع هذا الحمض لأكثر من 75 نوع من النباتات.. وحالياً من مصر `حمدى رضا` بعمله للتشبيه الحيوى لعضويات `أبديه حتمية` 2025.
- ولأرى أن الفن التحويلى وما قدمه الفنان`حمدى رضا`هو فن يوسع فهم المشاهد للعالم بشكل مفاهيمى ولرؤيتة كعالم دائم التحول.. ولندرك قدر إستلهامه وعياً وإبداعاً للطبيعه الحيه العضوية وإستخدامه لخامات عضويه تُعد هى ذاتها إشارات لثقافة بصريه تلغى الحدود مع الطبيعه.. فما استخدمه `حمدى رضا` كالأخشاب وما يشبه الزجاج البصرى والشموع وأصباغ اللون والأصماغ والغراء وهي مواد جوهرية تخدم مفاهيمه عمل الفنان وأفكاره المتعلقه بالطبيعة والكيمياء والتى وأصبحت مصدر تجربته ومصدرلتأمل المشاهد.. فمثلا إذا كانت خلية واحدة تصبح رجلاً خلال عدة سنوات فهكذا ندرك بالتأمل أحد أهدافه بذلك التكرار لأجزاء عمله عضوياً تعبيراً عن النماء والتطور فربما بهذا المنهج الفكري للنماء حاول مجازاً مماثلة عمل الطبيعه هيكلياً وكيف رآها تفكر بقدرة الانقسام التلقائى والتضاعف وانتاج المزيد من الخلايا من النوع ذاته..لتبدو بعض قطعه التركيبية داخل أوانيه الزجاجية كنمط مُشابه للنمو الجنيني الغير مكتمل ولكن شفرة عمله جاهزة للنمو والتوالد.
- `الفراكتل` و`فكر المتاهة`
- فى تركيبات `أبديه حتميه` رغم بساطة التركيب أراها تمتلك لغة مضطربة ومنتظمه فى نفس الوقت فى تواصلها وتقاطعاتها.. ولولا أن الفنان`رضا`يمتلك رؤية تمسك بمفهومه الخاص الأقرب لنظرية `الفراكتل` دون التقيد الكامل بها فى تنظيم دون عشوائى وبنائيه محكمة ولا يمكن التنبؤ بها لأننى أعتقد أن الفنان يعمل بتركيز على نحت الفكر رابطا بين الهندسى والعضوى والعلمى والفيزيقى والانطولوجى.. ولادراك بنائه المعقد يستلزم لغة جديدة وقد أدركنا وكأننا عثرنا على كائن مُهجن ذاتياً متعدد الاقطاب العضوية لا نعلم من اين جاء ليستقر داخل معرضه أو حبيس أوانيه الزجاجية.
- ومثلما نحت الفكر الفراغى والحداثى شكل عالمه.. وتنظيمات أعمدة العمل الغير نمطيه كمستنسخات مكرره من الفراكتل.. أدرك أيضاً وبسهولة تأثير فكر المتاهة لتتحول تركيباته كمتاهة بلا مخرج ولا طرف مفتوح إلى الخارج كمنفذ هروب.. فأقطابه المثلثة تتلاقى فى إغلاق على نفسها بلا منفذ عكس متاهة `ديدالوس الأسطوريه` وهى الأخف وطأة من متاهات`رضا` نفسياً.. وقرار تجوال عينيك كمشاهد فى متاهات `رضا` المفرغة هى اتخاذ لطريق لا يقودك إلى الراحه بل الى أكثر من مركز وهمى ثم لترتد عنه باحثاً عن مخرج آخر ويتكرر الذهاب والعودة دون مرفأ وصول.. وقد أرى متاهات`رضا` العضوية كناية عن الدأب الداخلى لعضويات الحياه فى خلايانا دون نفاذه للخارج وإلا بطلت الحياة.. وأيضاً أراها كنايه عن رحلة الحياه المادية والعقلية والروحانية.. وكما عنوان المعرض`أبدية حتميه` أرى أن متاهات `رضا` قد اُغلق عليها فى رمزيه `أبدية وحتمية` كما أطلق هو على معرضه.. وأنا أطلق نفس عنوانه` أبدية حتمية` على متاهاتة المعلقه المنحوتة بالسيوله المغمورة بالفضائى بحوافها المنتفخة حياه والمنبعجه تورما بفعل نقاط تصادم إلتقاء عصاراتها الحيه.
بقلم : فاطمة على
جريدة: القاهرة 17-6-2025
الفنان حمدى رضا لا أتبع نظرية بعينها وإنما منهجية التجريب المستمر
- حوارات `القاهرة` مع فنانين يُشكلون علامات فى حركة التشكيل المصرى المعاصر (11)
- نواصل فى صفحة `أتيليه` تقديم حوارات مع فنانين فى مختلف مجالات التشكيل شكلوا بمشاريعهم الفنية علامات مؤثره فى حركة التشكيل المصرى المعاصر.. نقدمهم لنقرأ من حواراتهم أفكارهم وتوجهاتهم الفكريه والفلسفيه والفنيه التى شكلت هيكل مشوارهم الفنى.. ونقدم هذا العدد الحوار مع الفنان `حمدى رضا` هو فنان ممارس ميديا وفيديو وفوتوغرافى وإنستليشن وتصوير.
- القاهرة ليست مجرد عاصمة لدولة..بل هي ممر تاريخي للتنوير.
- ربما يهدد الذكاء الاصطناعي `التقنية` لكنه لا يمكن أن يهدد `الرؤية`..
- أهم ما يشغلني هو الذاتي في مواجهة الموضوعي..وكيف يعاد تشكيل الهويات وسط هذا الركام.
بالفعل المنظور واللانهائية والتحولات هي عناصر متكررة في اعمالي بطرق مختلفة..
- تبدو أعمالي تتوالد بتفاعل وقتي لكنها متراكمة وتحوي علي تسلسل منهجي مستمر.
- أنت مقيم بين ألمانيا وسويسرا والقاهرة .. بين ثقافتين ..هل الفنان المقيم بين الشرق والغرب يتميز بكونه يملك رؤيتين مزدوجتين؟..
- حمدى رضا: أنا مقيم بين ألمانيا ومصر وليس بسويسرا ولكنها من أهم وجهات سفري.. لأنها كانت أول دولة زرتها وقضيت بها أول ? أشهر خارج مصر عام ???? وكل سنتين على الأكثر أقيم معرض هناك أو ازورها لإقامة فنية ومقابلة الأصدقاء.. أما ثقافتي فهى مرتبطة بعمق مصريتي ومحلية نشأتي.. واللي حصل من سفراتي واقامتي بالغرب والاحتكاك بما قابلته وبالضرورة لم يكن كله غربي.. فقد التقيت وتعاملت مع العديد من الوافدين من شتى بقاع الأرض.. ولذلك اعتبر العقدين الماضيين من زمن السفر والانفتاح على الخارج قد تم فتح أقواس المؤثرات والمنابع الثقافية فيهم لتزيد من زخم وعشوائية روافد معارفي وتجربتي.
- أما عن الرؤية فلا أعتقد أن هناك فنان صادق مع نفسه يملك أو يتبع رؤيتين متغايرتين وإنما يملك رؤيته الخاصة المكونة من معطيات ومنابع مختلفة وهو من يقوم باختيار تلك المكونات ودمجها لتكوين رؤيته الخاصة.
- ما هى نظريتك المبكرة التى وضعتها لعالمك وأقمت عليه مشاريعك الفنية؟..
- حمدى رضا:لم أتبع نظرية محددة.. ومازلت لا أتبع نظرية بعينها وإنما منهجية التجريب المستمر وإعادة طرح أسئلة مهمة مرارا وتكرارا هي رؤية وفلسفة ذاتية أطويرها وأصقلها مع تطور ونضج الوعي بمختلف المؤثرات والتجارب.
- هل تتعامل بقصديه مع مفاهيم مثل المنظور واللانهائيه والتحولات التى لها أبعاد فى العديد من أعمالك..؟
- حمدى رضا: بالفعل المنظور واللانهائية والتحولات هي عناصر متكررة فعلا في اعمالي بطرق مختلفة.. لم اقصد تكرار حضورها فقد فرضت نفسها بطريقة تلقائية لكني أعي ما تضيفه من ارتباط فلسفي بجدلية الوجود والعدم.. وماهية الواحد والمتعدد.. ودا جزء أساسي من تكويني النفسي وغالبا ما يعود إلى نشأتي العقائدية في بيت صوفي وفي حي شعبي بولاق أبو العلا والكتّاب وحلقات الذكر في الموالد بشقيها الشعبوي والديني والتآزر المجتمعي.
- إن كنت تطرح فى صورك وتجهيزات الفراغ أسئلة دون إجابات.. فما أهم سؤال طرحته؟.
حمدى رضا: لا أهمية لسؤال واحد منفردا ولكنها أسئلة متكاملة ومتممة لبعضها البعض كتكامل العناصر.. عموما لا يوجد ماهو أهم أو أقل أهمية في الصورة الكاملة.. أعي أن أحد أدوار الفنان هي الاختزال والتركيز احيانا وهذا ليس مهم دائماً.. من الممكن ان تكون الاسئلة المتعاقبة بمثابة محركات تدفع بعجلة الإبداع على الطريق من محطة لأخرى.. أما عن أهم سؤال فهوالأكثر الحاحا وتكرارا: الرحلة هي الطريق أم في الوصول؟
- كيف تصنف نفسك فكريا وفنيا كفنان بدأ بلوحة التصوير ثم بالتجهيز التركيبى الفوتوغرافى وانتهى مؤخراً الى التماثل والفن الحيوى؟
- حمدى رضا: أصبح التصنيف في ظل انفتاح الفنون وممارستها إلى آفاق غير مسبوقة ومتسارعة من مسببات الصداع لأهميته من جهة وعدم ثباته من جهة أخرى.. خصوصا لأمثالي متعددي المهارات ممن لا يقفون عند وسيط معين أو لا يتبعون نظرية فكرية ثابتة.. ولكن لا مهرب من تقديم نفسي كفنان بصري وناشط ثقافي صاحب منهج تجريبي شاهد علي بيئته.
- ما الاكثر تصويرا للزمن والذى به أدركتُ أن قدرة الزمن الوجوديه: هل في منحوتات معرضك` أبديه حتميه` أم فى `الفوتوغرافى` أم فى `التجهيز فى الفراغ` بإختلاف مفهومها عن النسخة الزمنية التقليدية..؟
- حمدى رضا: المرآة في أعمالي الفوتوغرافية وتفاعل الجمهور أمام المرآة المزدوجة في بلوفديف منحوتات حتمية أبدية والتجهيزوالصور كلها وسائط مختلفة لها ماهيتها الخاصة ولكنها تتجاوز بتجاربها للنسخة الزمنية التقليدية.. لنعود مجددا للأسئلة؟ الأسئلة.. معجزة العقل التي تتوهج عبر متون الصور كما ذكر صديقي الراحل هاني الجويلي.
- هل `البرج الأزرق`هو المكان الثقب كـ`العين الثالثة` التى ترى مالاتراه العينين الفيزيقيتين..؟ وكيف تصف رؤيتك كفنان داخل برجك الأزرق المعلق بين الارضى والفضائى.. والمادى واللامادى والمحسوس واللامحسوس..؟
- حمدى رضا: البيت.. المعبد.. المتحف.. ملجأ الهدايا والمقتنيات..ملتقي الاصدقاء.. فمن منزل جاير اندرسون بطولون مرورا بجمعية محبي الفن والحياة..بيت حامد سعيد إلى برهان باموك ومتحف البراءة.. وصولا الى الرسائل والتفاصيل التي يجمعها صديقي العزيز حسام علوان ويتحرى ويحلل دلالاتها وتاريخ آخر لثقافة مجتمع لم يتم تدوينها بعد..كلها محطات محفزات وملهمات بإنشاء نسختي الخاصة والتي تعكس رؤية مختلفة.. ولارتباطي العميق بالمرآة.. بالكاميرا.. بالصوره.. فـ`البرج الازرق` بيتي الصغير علي قمة أعلى مبنى تقريبا بمنطقة أرض اللواء العشوائية..وقد أصبتي في تخيلك.. فهذا البيت بمثابة كاميرا (camera obscura) حرفيا ومجازيا في آن..وما يحويه من مقتنيات وأجواء يعكس صورة ما تشاهدينه من خلاله..فكان حرصي الشديد وقت الانشاء على الشرفات الواسعة نسبيا والشباك البانورامي وفتحت السماء الزرقاء المثمنة.. وكان المشهد الحضري المهيب المواجه لـ`لبرج الازرق` الشاهد على حياة يتخطى عمرها الأربع آلاف عام من الأهرامات في عمق الصورة إلى كامل منطقة بولاق الدكرور بكثافتها وتراكمات الزمن..كان هذا المشهد هو الفاصل في قرار التأسيس والبقاء هناك وعدم خلع الجذور التي توطدت بتلك المنطقة.
- أرى أعمالك متنقله المجالات لتنفتح فجأة على مناطق أخرى من الشعور.. هل ترى أعمالك تتوالد بفكر ذاتى وقتى..؟
- حمدى رضا:أحيانا أنتقل بين الوسائط المستخدمة بشكل عفوي وحاد جدا كما فعلت في بلوفديف - بلغاريا حين كانت دعوتي للإقامة الفنية هناك في العام ???? عاصمة الثقافة الأوروبية حينها.. وكنت قد بدأت مشروعي هناك بفكرة تنفيذ ? لوحات التلال السبع للمدينة والتركيز في التفاصيل التي تعكس التاريخ والميثولوجيا والتنوع العرقي ببلوفديف.. ولكن سرعان ما تغير توجهي هناك لانتاج `الأنا في مرآة الآخر` تجهيز تفاعلي.. مقعدين يفصلهما مرآة مذدوجه من الجهتين ودعوة مفتوحة للجمهور للجلوس والحوار.. وهو وسيط مغاير تماما لما كنت انوي العمل عليه..ومختلف عن ممارستي الفنية في تلك الحقبة..وظللت لفترة بعدها اتعجب من هذا الانحراف الحاد في ممارستي الفنية الا ان جاء الوقت الذي أدركت فيه من أين جاءت المرآة.. وكيف تراءت لي وقتها.. وكيفية اتساقها في سلسلة من الانعكاسات والمرايا بدأت من عقد سابق حين حصلت علي جائزة الصالون في العام ????.. فقد يبدو أن أعمالي تتوالد بتفاعل وقتي ومكاني مع ما أمر به ولكنها متراكمة وتحتوي علي تسلسل منهجي مستمر.
- وجهتك لمساعدة شباب الفنانين فى`ارض اللوا`.. هل إقتطعت الـ 10 سنوات من تجاربك أم أضافت اليها.. كيف تقيمها كتجربه فنية فكريه إجتماعية..؟
- حمدى رضا:كانت طفولتي في منطقة بولاق أبو العلا الشعبية بتاريخها العريق ثم انتقلت مع عائلتي قبيل مرحلة المراهقة للإقامة بأرض اللواء حديثة التكوين.. وكأن مسار حياتي بدأ مع نشأتها شاهدان على التطور العمراني الاجتماعي والثقافي لتلك الطبقة وانتقالها من قلب العاصمة إلى أطراف المدينة امتداد عمراني عشوائي على أراضي خضراء اللون والذي يتحول عام بعد الآخر مخلفا حطبا خشبي اللون وأعمدة اسمنتية بدلا من جذوع الاشجار.. وبرغم اختلاف تشكيل اللواء العمراني عن بولاق إلا أن نسيجها الشعبي لم ينحرف كثيرا..ومع نمو العمر بين المنطقتين وفي تلك الطبقة الاجتماعية تعلمت`جماليات الارتجال وحدنوية الضرورة`وكيف يمكن للفوضى والعشوائية الظاهرية أن تحمل نظاماً إنسانياً شديد الدقة والتعقيد في طياته.. وتلك بعض ملامح منهجيتي الفنية..بعد التخرج في الفنون الجميلة ???? والمرور بعدة تجارب فنية وصقل خبرات خلال عشرة أعوام أسست `آرت اللوا` وقد كانت منذ تأسيسها في ???? بمثابة مشروع فني تجهيزي جديد.. وتحول الفضاء من حيز مادي للعمل إلى`بنية فنية تفاعلية`وهذا ما ذكرته في حواري مع القيمة الفنية كارولين كريستوف-باكارجيف (المدير الفني ل دوكومنتا13) وعند الوصول إلى سؤالها عن كيفية نقل وعرض هذا العمل في كاسل كانت إجابتي واضحة تلقائية ومجنونة:أحضري جمهور كاسل إلى أرض اللوا.. ضحكنا وانتهى اللقاء على أمل إيجاد حل لتلك المعضلة..وأغلب ظني أن حواري معها هو ما أوحي إليها لاحقا بفكرة إقامة بعض عروض تلك الدورة خارج ألمانيا.. لم أقابلها مجددا ولم أشارك في دوكومنتا ??.. فعليا لم يعنيني الأمر كثيرا حينها فكان ما يهمني أكثر هو كيفية التوسع في الأنشطة داخل المنطقة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.
- حين التأسيس كان الهدف خلق`منطقة تماس`بين الفن المعاصر وبين الناس.. تقديم مساحه لأمثالي من الفنانين الباحثين عن أفق جديد مختلف عن المتوفر عالساحة الفنية.. وكذلك في نفس الوقت تقديم مساحه لأمثالي من سكان المنطقة الساعين إلى فتح شباك جديد للنور في جدران بيوتهم.
- مساحة أو فضاء آرت اللوا-بكل ما حمله من حوارات مع الفنانين ومع الجيران وورش العمل والاستضافات الفنية من كل العالم في قلب عشوائية أرض اللواء-قد تحول بالفعل إلى عمل فني تركيبي امتد لعقد من الزمن..فآرت اللوا كانت`الوسيط الفني`الذي مارست من خلاله رؤيتي.. حيث تذوب الحدود تماما بين ماهية الفن والحياة اليومية.. حالة من التفاعل اليومي مع واقع يفيض بالحياة والإبداع.
- هل تتواجه فى صورك الفوتوغرافية بإزدواجيه بين الواقع وصورته أم تهدف لجعل صورك أكثر واقعية من الواقع..؟
- حمدى رضا: عادة لا افكر كثيراعند فعل التصويرولا أبحث عن`إعادة إنتاج`الواقع..فهذا فعل تقني بحت في رأيي.. أهدافي الحقيقية أثناء فعل التصوير مرتبطة أكثر بنشوة المشاهدة وجاذبية تأطير جزء من العالم في لحظة بغض النظر عن أهمية هذا الجزء أو هذه اللحظة.. مساحة ما بين بهجة العاب الطفولة وواقع موازٍ يتكئ على الواقع الأصلي وتتجاوزه.. الصورة الفوتوغرافية لدي ليست وثيقة بل هي فعل تأويل للجوهر لا الشكل..الصور تكتسب ديمومة وحضوراً لا يملكه الواقع المتغير المتحلل الذائل.
- إحدى الاستراتيجيات التي طورها الفنانون المفاهيميون هي استخدام التصوير الفوتوغرافي.. مع أى عمل تجهيزى فوتوغرافى بدأ تفكيرك فى هذا الإتجاه..؟
- حمدى رضا: بالرغم من المحاولات السابقة مثل سلسلة صور قاهرييون.. إلا أن التحول الجوهري بدأ مع تجهيز `في المرايا أرى` في صالون الشباب وفي مشروع `من شباك مطبخي` (2007) مع اختلافهما الجوهري إلا أن تطور التفكير فيهما متماثل..أو فعليا هما مشروعان لعملة واحدة بوجهين مختلفين..أحدهما للداخل وآخر خارجي.. حينها توقفت بإدراك عن التعامل مع الكاميرا كأداة توثيقية خارجية في مشروعاتي الفنية..وبدأت أراها كأداة`تشريح`للزمن والمكان.. أدركت أن الفوتوغرافيا يمكن أن تكون`تجهيزاً`إذا ما فكرت في كيفية عرضها في حالة كالألقاء الشعري بصريا.. وكيفية تفاعل المتلقي معها ككتلة مادية داخل الفراغ..لا مجرد سطح معلق.
- هل ترى بعض من صورك للجدران الخلفيه لإقامة البشر أقرب للبوب آرت..؟
- حمدى رضا:على العكس تماماً البوب آرت يحتفي بالسطح وبالجاهز واللمعان الاستهلاكي.. جدراني الخلفية هي`نقيض`ذلك.. هي احتفاء بالتقشف.. بالهشاشة.. بالبناء غير المكتمل..وبالأثر الإنساني الصادق.. من الممكن أن تبدوا كـ`بوب ارت` فقير إن جاز التعبير.. ولكنها ترتكز على ذاكرة المكان وشاعريته لا على شعاراته.
- هل ترى فلسفياً لعملية التصوير دور فى مواجهة الموت.. وهل لهذا تهتم باللانهائيه وفكر الأبديه؟
- حمدى رضا:عند الحديث عن فلسفة التصوير الفوتوغرافي لا يسعني إلا العودة الى ذكرى صديقي الراحل هاني الجويلي مرة ثانية حين قال: `تنبعث مذاقات الحنين والأسى من رحيق البصريات التي تحمل عبق لحظات الزمن المنفلتة.. تتقاطع مصائرنا وتتباعد في مصفوفة نسيجها ألياف الذاكرة ومومياوات العصر الحديث..مجلدات الصور التي تحكي ما كان من أمرنا مع الآخرين مع التفاصيل اليومية.. مع الحياة`.. وتحديدا في تشبيهه للصور بمومياوات العصر الحديث.. التصوير هو المحاولة البشرية الأكثر يأساً وجمالاً في آن لإيقاف الزمن.. نعم.. هو مواجهة للموت بتجميد لحظات الحياة.. واهتمامي باللانهائية ينبع من إدراكي لفناء الجسد..لذا أحاول من خلال الفن أن أمد خطوطي نحو الأبدية.. ليس كخلود شخصي بل كخلود للفكرة والأسئلة التي نطرحها.فهو الإرث مصري الذي لا نستطيع المضي قدما إلى أي مستقبل بدون حمله فوق أكتافنا وحول أعناقنا.
- هل إستشعرت أنك تقع رهينه للصور التى تختارها بكاميراتك..؟
- حمدى رضا:أختارها أم تختارني؟.. علي إي حال إنها امتداد لرؤيتي.. وتلك الصور المختارة مع التراكم أصبحت ذاكرتي البديلة التي أعود إليها مرارا وتكرارا.. أغلب ظني أنني لا أختار الصور..بل أشعر أن تلك اللحظات هي التي تختارني لأكون شاهداً عليها.
- هل يمكن أن تعانى الصورة من هلوسة فوضى الواقع وعشوائياته..؟
حمدى رضا:كيف تعاني الصور من مصدر إبداعها الأساسي؟! هي تتنفس وتعيش وتحيا بهلوسة فوضى هذا الواقع..وعشوائياته بمثابة جهازها العصبي الذي يسعى دائما لإبداع وتقديم وعرض الغير متوقع.
- هل لتجهيزاتك فى الفراغ أولوية لإستكشاف ماهية التفاعل البشرى معها أم أولوياتك فكريه مجرده حتى لو عُرضت بمعزل عن الجمهور..؟
- حمدى رضا:ليس كل تجهيزاتي ولكن أغلبها يدخل ضمن اطار الاعمال التفاعلية التي لا تكتمل إلا بتفاعل الجمهور كما الحال فى مشروع `انا فى مرآة الآخر- بلغاريا ????` و`من أجل سلامتك - سويسرا ????` ومشروع `بدون عنوان - القاهرة????` و `الباركود ???? ` .. لكن في مشاريع `قاهريون ????` ومن شباك مطبخي ???? و جائزة الصالون `في المرايا أرى ????` كنت أقدم تجهيزات يتلقاها الحضور كما هى دون أى تفاعل مادى فيحق وصفها بأنها أعمال مجردة عن التفاعل مع الجمهور.
- فى عروض تجهيزاتك للفراغ فى مصر والخارج فيما يختلف إدراكاً وسلوكاً تفاعل الجمهور المصرى عن الجمهور الغربى..؟
- حمدى رضا: بالطبع هناك بعض الإختلافات الجوهرية في سلوك وإدراك التفاعل الجماهيري وتناولهم للإبداع في المجتمعات المختلفة وهو وثيق الصلة بثقافة ومستوي تعليم هذه المجتمعات.. ويبدو هذا الاختلاف جليا حين تكون الموضوعات المتناوله من خلال العمل الفني مرتبطة بالدين أو بالجندر أو الحريات..الخ.. ولكن من خلال تجربتي الشخصية مع جمهور غربي وآخر شديد المحلية بعيد حتى عن النخبة.. كانت المفاجئة التي رصدتها على مدار عشرة أعوام في إدارة وتسيير برامج مساحة فنون`آرت اللوا`هي أن قابلية هذا النوع الأخيرالمحلي الغير نخبوي كانت على عكس المتوقع تماما من تفاعل حقيقي وطرح تساؤلات عميقة توشي بسرعة الفهم والإدراك على خلاف الجمهور الغربي `دون تعميم` وهو الأمر الذي دفعني الى الاصرار على تقديم معارض معاصرة التقنيات والمفاهيم في برامج `آرت اللوا` ولا أضع حدود على مدى صعوبة أو سهولة مفاهيم المعارض المقدمة من جميع العارضين وليس فيما يتعلق بأعمالي فقط.
- فى التجهيز فى الفراغ ما أقصى طموحاتك هل لطرح تساؤلات وجوديه عن البشر أم لطرح قضايا فنيه وما أبرزها..؟ وجانب لسؤال آخر حول عملك التجهيزى فى صالون الشباب إهتممت بـمسار `حشره`.. وإهتممت بـ`البشر` وجدران جمعت صور لحياتهم.. ومع عملك الاخير `أبديه حتميه` إهتممت بـما يشبه `النبات`.. هل تستشعر ان فنك قائم على قدر إرتباطه بشريان الحياه بين كائناتها وعضوياتها..؟
- حمدى رضا: دعيني أجاوب علي هذان السؤالان سويا لارتباطهما.. التساؤلات الوجودية هي الغاية أما القضايا الفنية الوسيلة.. وأبرز ما يشغلني هو الذاتي في مواجهة الموضوعي.. وكيف يعاد تشكيل الهويات وسط هذا الركام.. أريد طرح أعمالاً لا تجعل المشاهد يتوقف ليعجب بالجماليات.. بل ليتساءل عن وجوده هو.. فالفن بالنسبة لي هو تتبع لهذا الشريط الحيوي المستمر من التساؤلات.. فمن الخليه الي الحشرة إلى النبات إلى الإنسان.نحن جميعاً جزء من دورة واحدة..الفن هو محاولتي لفهم هذا الترابط..وكيف أن الحياة تعيد إنتاج نفسها عبر أشكال متباينة.. فهل هذه الحشرة التي وجدتها في معملي المظلم للفوتوغرافيا تعيد انتاج حالتي في الهرب من النور الخارجي داخل الغرفه المظلمه لاكتشاف نور آخر يسطع بطرق مختلفة؟ وهل يكمن السر في هذا التنوع العضوي المترابط بهندسيات كونية؟ وهل شريط الأسئلة حقا هو شريان تلك الحياة؟.. وما ماهية وأهمية هذا الحوار مثلا بدون أسئلتك؟
- معايشتك للفضاء والفراغ والمنظور من طابقك ال 14 بالبرج الأزرق اثرا على رؤيتك الفنية وما نوع الطاقة التى أكسبك إياها..؟ وهل التعالي المادي على الفضاء والمسافة هو الحلم الذي طالما سعى الواقع الافتراضي لتحقيقه.. هل حققته بواقع إفتراضى تعيشه أعمالك..؟
- حمدى رضا:بدون الفضاء تنهار الصورة وتفقد سياقها.. هو ليس مجرد خلفية..بل هو البطل الصامت الذي يمنح العناصر معناها ووزنها الوجودي.. البراح.. السماء.. الأفق.. الفناء.. والفناء الخلفي للجنة هو الاسم الذي أطلقته على مشروعي الفني الممتد الشامل أو لربما يصبح اسم فيلم..كتاب سيرة ذاتية أو إسم لمعرض استعادي يوما ما يضم رؤيتي الفنية وأهم مشروعاتي.
- فحين يداهمنا الخوف نفكر في الملاذ.. الملجأ.. المخبأ.. وغالبا ما نتصور تلك الأماكن ضيقة ومحكمة الغلق للجوء والحماية وهي تحت المباني أو تحت الأرض حتي.. وعلى عكس هذا الضيق كانت حياتي وأحلامي بعيدا عن الخوف..ودائما ما اتجه لأعلي والوسع والبراح.. إلى الفناء الخلفي حيث يهدأ العالم..
- وأود أن أقتبس هنا من كلام المفكر والكاتب خالد منصور من مقدمة كتبها لمعرض لم يتم عرضه بعد:
- صور.. صور.. صور.. صور تحاول إيقاف الزمن.. تخلطه.. تعود به للوراء.. تقفز فوقه.. تخلط عناصره وتهرب منه وتمنح خيالنا أجنحة لتطير نحو بدايات البدايات كما قد تتراءى لبعضنا أو نحو نهاية النهايات كما يخشاها.. أو يتمناها.. آخرون.. ولكنها كلها تقريبًا صور في الفناء الخلفي للعالم.. وليس الجنة.. صور في مكان أهدأ قليلا نلجأ اليه أحيانا كي يمكنّا الخروج ثانية.. أن نرجع للشارع.. نعدو خلف ما نريد او ثمن ما نريد.. نرجع للشارع.. وما أدراك ما الشارع في القاهرة.. رحيم وقاس.. ظل ملطف وشمس لاسعة.. زبالة وورد.. لفتة من الطيبة المنقذة ولكمة من الغلظة الساحقة..ضوضاء صارخة وكلام ساكت.. صور متداخلة جذرها في الواقع ولكن ما تراه في العمل المعروض ينتمي للفنان بقدر انتمائه للواقع، يتحدى بعض قوالب الزمان والمكان والاتساق والتناسق. صور تلخص الواقع، الحياة، العالم، أو هكذا رأيتها وهي تسعى بخفة وحكمة لتلخيص ما لا يُلخص وتصوير ما لا يُمكن تثبيته في إطار.
- عن الحركة التشكيلية
- هل المجتمع التشكيلى فى القاهرة مؤثر ومنفتح ثقافيا وفنياً..؟
- حمدى رضا:بالقطع..ودون أدنى تردد أو شوفينية..فالقاهرة ليست مجرد عاصمة لدولة.. بل هي ممر تاريخي للتنوير..بغض النظر عن المتغيرات السياسية أو الاقتصادية.. ستظل القاهرة ذلك البركان النابض الذي يستوعب كل ما يفد إليه وإعادة صياغته وستستمر ثقافتها وفنونها أثراً عابراً للحدود.. فلا يستقيم أي بحث تاريخي أو تنظير جاد للفنون في المنطقة العربية وشمال أفريقيا إذا ما تجاهل المركزية الجوهرية للقاهرة كمنبع ومصب للوعي الإبداعي عبر القرون.
- عبارة: `كلما اصبح عديم الفائدة كلما أصبح حقيقة`.. هل فى حركتنا التشكيلية يسود هذا القول..؟
حمدى رضا:هذه العبارة تلمس واحدة من أعمق معضلات الفن الحديث والمعاصر.. تاريخ الفن مليء بالمبدعين `عديمي الفائدة` بمقاييس عصرهم.. الذين نُبذوا من دوائرهم النخبوية والاجتماعية لأنهم لم يقدموا `سلعة` أو `خدمة` مباشرة..لكن الحقيقة تكمن في أن أعمالهم التي كانت تُرى كعبث أو بلا جدوى.. هي التي تحولت لاحقاً إلى علامات فارقة.. لأنها كانت صادقة في مواجهة الزيف.. وفي حركتنا التشكيلية يظل الفن الحقيقي هو ذلك الذي يتمرد على منطق `المنفعة` ليستبدل بمنطق `الإخلاص`..
- ولكن لهذه النظرية آثارها الجانبية السيئة.. فمع تشكيكها فيما يتم الاحتفاء به قد تخلق فقاعات وهمية كبيرة.. ولا مجال لمقاومة هذا وتخطي ذاك الا بتوفير التعليم والوعي وحرية الإبداع.
- فى الحركة التشكيلية هل تلاحظ توارد خواطر الفنانين الشباب أم التنوع يميزهم؟..
- حمدى رضا:توارد الخواطر والاستلهام جزء أصيل من سيرورة الفن.. لكننا اليوم أمام تحدٍ مختلف تفرضه `عولمة الثقافة` وسلطة السوق الرأسمالي..هناك ضغط غير مرئي على الفنانين الشباب لإنتاج أعمال `جذابة` وسهلة البيع.. ما يؤدي أحياناً إلى تشابه في المحتوى السطحي والجمالي تحت سطوة `التريند` الرقمي أو ذوق قاعات العرض التجارية.. ومع ذلك فإن المرآة لها وجه آخر.. فالفنان الذكي والمثقف هو من يستغل هذا التدفق المعلوماتي ليصقل تميزه لا ليذوب في القطيع.. التنوع موجود.. لكنه يحتاج إلى وعي نقدي يحميه من السقوط في فخ `تسليع الفن`.
- هل غيرت آراء ومقالات التواصل الإجتماعى من `مشهد` النقد الفني إذا صح التعبير؟
حمدى رضا: أود أن أرد السؤال إليكِ لأعرف رأيكِ كمتخصصة ..لكن من منظوري الشخصي..أرى أن منصات التواصل الاجتماعي خلقت حالة من`السيولة النقدية`.. تدفقات نصية وحوارات آنية لا تغني عن النقد المنهجي الرصين.. لكنها كشفت عن جوع حقيقي للنقاش وعن افتقارنا لمساحات نقدية أرحب وأعمق.. هي `دردشات فنية` تفتح آفاقاً للفكرة.. لكنها لا تزال تفتقد للتحليل التاريخي والجمالي الذي تبنى عليه الحركة الفنية الحقيقية.
- إن ساد الذكاء اإصطناعى هل يهدد تاريخ الصوره الفوتوغرافى ويحوره مسخاً؟
- حمدى رضا:حين ظهرت الكاميرا قيل`الرسم قد مات`..لكنها في الحقيقة حررت الرسم من عبء المحاكاة ودفعت به نحو آفاق تجريدية ومفاهيمية مذهلة.. والذكاء الاصطناعي.. رغم قوته الانشطارية المخيفة..قد يكون هو المحرر الجديد للفوتوغرافيا.. لست من دعاة التشاؤم.. فالفن الذي يرتكز على `الروح` و`التجربة الإنسانية`والصدق الذاتي لا يمكن للمبدع الآلي أن يمسخه.. ربما يهدد الذكاء الاصطناعي `التقنية` لكنه لا يمكن أن يهدد `الرؤية`.
- كيف تصف لغة جسد الحركة التشكيلية المصرية منذ بداية الالفية الثالثة..ومتى بلغت أعلى وأعمق نقله للوعى فى ذات الفترة..؟
- حمدى رضا:لغة جسد الحركة التشكيلية المصرية لغة `ديناميكية قلقة`.. لا تعرف الركود ولا تستقر عند ذروة واحدة..في مطلع الألفية.. كان المشهد يتأرجح بين بريق فعاليات قطاع الفنون الرسمية كصالون الشباب وبين انفجار المساحات المستقلة (التاون هاوس.. آرت اللوا.. مدرار.. وغيرها الكثير) وفعاليات النطاق وازدهار البرامج الجماعية والتبادل الثقافي والإقامات الفنية..ثم جاءت ثورات الربيع العربي لتحدث `زلزالاً` في الوعي.. حيث تداخل الفن بالسياسة وبالشارع بشكل غير مسبوق.
- حالياً، نعيش مرحلة`هجينة`تسيدها القاعات الخاصة التي أنقذت المشهد من الركود ولكنها تفرض إيقاعاً تجارياً يحتاج لموازنة من الدورالأهلي والحكومي لضمان عدم فقدان الاتزان.
- ما أهم القضايا الفنية التي تشغل فناني الغرب اليوم؟
- حمدى رضا:بسبب العولمة والحروب..تلاشت المسافات بين `هنا` و`هناك`.. ما يشغل فنان الغرب هو ذاته ما يشغلنا: البحث عن `المعنى` في عالم يغرق في الزخم والفقاعات الفارغة.. قضايا الهوية.. النزوح.. البيئة.. واختراق التكنولوجيا لخصوصية الروح هي قضايا كونية.. فالفنان اليوم في أي بقعة يحاول أن يجد موطئ قدم للصدق وسط ضجيج الأوهام..كما أشهد نزعة عودة لمراجعة وتحليل التراث والارتباط بالإرث الثقافي لحضارات البشر بصورة وتقنيات تفكير وتحليل معاصره تختلف عن الطرق النمطية.
- كلمة أخيرة عن مشروعك القادم.. إلى أين تأخذك `الأسئلة` الآن؟
- حمدى رضا: تأخذني الأسئلة إلى مزيد من التجريب في الاشتباك مع طبيعة متغيرات الرؤية بين `الهنا` و`الهناك` لأرى كيف يمكن للفن أن يكون جسراً يربط بين ذكريات الماضي وأحلام المستقبل..الرحلة مستمرة والطريق هو الغاية..قريباً سأشارك في ترينالي جديد في ألمانيا (ولاية راينلاند-فالز).. حيث سأعرض مجموعة أعمال نضجت خلال السنوات الخمس الأخيرة.. تتراوح بين`الفناء الخلفي للجنة` وبين `الجمل`.. وآمل أن يجمعنا لقاء آخر لنتحدث باستفاضة عن تلك التجربة.
بقلم : فاطمة على
جريدة : القاهرة 5-5-2026