المثال عمر طوسون عاشق الحجر
- يظل النحات المصرى فى مقدمة النحاتين فى العالم فهو وليد الحضارة المصرية القديمة التى أشرقت على العالم بفنونها من العمارة والنحت والتصوير وكان النحت جزء لا يتجزأ من فن العمارة فكانت الأهرامات الثلاثة أعلى نموذجاً لهذا الفن ثم تماثيل الحكام والآلهة بأحجامها الهائلة وأيضاً الدقيقة من خامة الجرانيت والبازلت والحجر أعظم نموذج لفن النحت كشاهد على عظمة الفنان المصرى الذى أستمد قوته من إيمانه بعقيدته القائمة على فكرة الضمير.
- ويعتبر سمبوزيوم النحت من أهم الاحتفالات الدولية التى تنظمها بعض الدول الغربية وأصبح يتم تنظيمها الآن فى مصر ومن أشهرها سمبوزيوم أسوان الدولى لفن النحت وبعض الدول العربية مثل سوريا ولبنان ودبى والبحرين، وعاده يلتقى فى هذا السمبوزيوم عديد من الفنانين من الدول الغربية والأفريقية والعربية ويشارك هؤلاء الفنانون بشكل فردى عن طريق إرسال صور لأعمالهم وسيرتهم الذاتية عن طريق الإنترنت .
- ويزاول هؤلاء الفنانون نشاطهم الفنى مستمتعين بأعمالهم وعرضها على العالم من خلال احتكاكهم بثقافات مختلفة تفتح لديهم عوالم جديدة فى المستقبل القريب والبعيد ومن هؤلاء الشباب الذين التقيت بهم النحات الموهوب عمر طوسون الذى شارك فى أكثر من 20 سمبوزيوم دوليا حيث شارك فى سمبوزيوم صربيا التى أقامت أكثر من 44 دورة والذى سبق وشارك فى إحدى دوراته الأولى المثال المصرى المعروف محمود موسى وكان مدته وقتها ثلاثة شهور وذلك لعدم توافر معدات النحت الحديثة، كما شارك فيه أيضا المثال المصرى ناجى فريد أما الآن فلا تتجاوز مدة السمبوزيوم الثلاثة أسابيع .
- والفنان طوسون سبق وشارك فى ( سمبوزيوم كرانسبش) فى رومانيا وشارك فى العديد من السمبوزيومات فى تركيا والهند واستراليا ومصر وقد تم دعوة الفنان للمشاركة فى سمبوزيوم حديث فى المملكة العربية السعودية وتم تأجيله لارتفاع درجة الحرارة والشهر القادم تم دعوته ( لسمبوزيوم سوديك) وهو توجه جديد تسلكه بعض الشركات الخاصة لرعاية الفنون وأحد المكونات الرئيسية فى التنسيق الحضارى للمدن الجديدة، وقد شارك طوسون بدعوة شخصية فى ( سمبوزيوم برانكوزى الدولى لفن النحت) برومانيا لهذا العام 2012 والذى يقام بمدينة تارج جيو مسقط رأس قسطنطين برانكوزى وهم فى طريقهم لإقامة أكاديمية صيفية لنحت الحجر وتم توجيه الدعوة للفنان طوسون للمشاركة فى تدريس فن النحت المصرى فى هذه الأكاديمية وكان مشروع الفنان طوسون عبارة عن تمثال من الرخام الأبيض بارتفاع مترين بعنوان (التغيير) بأسلوب تجريدى هندسى معاصر وكان مكونا من جزأين أحدهما رأسى والآخر نصف قوس تتجه فتحته لأعلى ويخترقه مجسم من إحدى الزوايا ويخرج من الزاوية الأخرى بشكل متعرج لتأكيد الظلال والضوء على السطح وبعد انتهاء هذا السمبوزيوم بعدة أيام طار الفنان إلى الهند للمشاركة فى ( سمبوزيوم النحت الدولى الأول للأحجار ) بمدينة حيدر عباد وكان التمثال بعنوان ( الحرية ) وكانت فكرة هذا التمثال قد سبق اختيارها من قبل فى بينالى النحت الدولى بالارجنتين 2010 وعندما استعان الفنان بوزارة الثقافة للحصول على دعم الوزارة متمثل فى تذكرة السفر لم يجد أى استجابة فاعتذر عن المشاركة فى هذا الحدث الدولى ليقوم بتنفيذ الفكرة فى سمبوزيوم حيدر عباد.
- وهو عبارة عن مجسم رأسى بإرتفاع مترين ونصف المتر مكون من 5 قطع من الحجر تتخذ الشكل الهرمى المرتكز على قاعدة عرضية وفى قمة هذا الشكل تلخيص لرأسى رجل وامرأة يفردان ذراعيهما على هيئة جناحى طائر ويرتكزان على نقطة واحدة لتأكيد فكرة الحرية من خلال حركة الطائر ، وفى أسفل التمثال وحوالية تم تجهيز الفراغ بصنع قواعد من نفس الحجر مرتبطة بالشكل يتوسطها مكعب صغير يحتوى على تجويف على هيئة نصف كرة كسبيل للماء تشرب منه الطيور .
- والفنان طوسون من مواليد الإسكندرية فى 1972 وتخرج فى كلية التربية النوعية جامعة الإسكندرية 1993ويشارك فى الحركة الفنية المصرية منذ كان طالباً فى الكلية وحاصل على العديد من الجوائز منها جائزتان بدورات صالون الشباب بالقاهرة وجائزة صالون الشباب بالإسكندرية والجائزة الكبرى فى بينالى بورسعيد القومى وغيرها من الجوائز وله أعمال ميدانية فى كثير من دول العالم ومقتنيات متحفية بمصر والخارج .
د.أحلام فكرى
جريدة القاهرة - 20/ 11/ 2012
التمثال إعادة إحياء وولادة ذاكرة جديدة للمكان.... عمر طوسون.
- القوميسير العام لسمبوزيوم `جامعة بدر الدولى الثالث للنحت`
- .. حوارات `القاهرة` مع فنانين يُشكلون علامات فى حركة التشكيل المصرى المعاصر (9)
- نواصل فى صفحة `أتيليه` تقديم حوارات مع فنانين فى مختلف مجالات التشكيل شكلوا بمشاريعهم الفنية علامات مؤثره فى حركة التشكيل المصرى المعاصر..نقدمهم لنقرأ من حواراتهم أفكارهم وتوجهاتهم الفكريه والفلسفيه والفنيه التى شكلت هيكل مشوارهم الفنى.. ونقدم هذا العدد الحوارمع الفنان المثال`عمر طوسون`..وقد أجريت هذا الحوار منذ اكثر من شهرين حول تقنياته المختلفه بين مجالى إبداعه فى النحت الميدانى وأعمال التجهيز فى الفراغ وحول قضايا الحركة التشكيليه وذلك قبل توليه قوميسيرا عاماً لسمبوزيوم جامعة بدر الدولى الثالث للنحت المقام من 25 مارس الحالى الى 20 ابريل 2026.
- الحجر لا وعى له.. لكنه يملك طاقة تحتاج لحوار حتى تخرج للعلن
- الفنان العربى خارج محيطه تحدد قيمته بعمله فقط.
- التجهيز فى الفراغ أكثر حظا واحتراما لرؤية الفنان..لانه تتم ولادته فى مكان العرض
- افضل معرفة التقنيات البشرية واحترافها قبل استخدام التكنولوجيا الرقمية.
- إلى جانب النحت قدمت كثير من أعمال التجهيز فى الفراغ.. فأى التجربتين غنية بالحواس..؟ النحت كقطعه واحدة أم ما تقدمه من تجهيز فى الفراغ كبيئة فنيه متكامله..؟
- عمر طوسون: أرى أن كلاهما يملك نفس المساحة من الغنى الحسى..فالنحت فى تناولى يميل الى الرصانة والتصوف بعيدا عن البهرجة.. أما اعمال التجهيز فهى تملك مرونة فى التأثير البصرى والسمعى والابهار الشكلى التى تعادل فى اهميتها عندى بما تؤديه رصانة النحت.
- وما الفارق بين`البيئات المكانية`للنحت و`المفاهيم المكانية` للتجهيز فى الفراغ؟
- عمر طوسون تختلف البيئات المكانية ويختلف ايضا مدى تأثيرها.. وارى ان التجهيز فى الفراغ أكثرحظا واحتراما لرؤية الفنان.. لانه تتم ولادته الحقيقية فى مكان العرض حتى وان كان سابق التجهيز.. فالفنان لابد وان يعيد عرضه بنفسه وقد يقوم بتعديلات مناسبة للمكان على عكس النحت الذى ينتهى فيه دور الفنان بعد اقتناء العمل سواء من فرد او مؤسسة بما فى ذلك بعض الاعمال الميدانية والتى قد يطالها تعديل او حتى إعادة نقلها دون العودة للفنان غالبا.
- أين يكمن ( دى. إن. إيه) أعمالك المنحوتة والمجهزة فى الفراغ.. وما نظريتك الفكريه التى يقوم عليها مشروعك الفنى؟
- عمر طوسون: الشعور اللامرئى.
- من مشاركتك لملتقيات نحت لمثالين من مختلف أنحاء العالم.. كيف لاحظت معالجة النحت البيئى أو الإنشائى من فنانى البلدان العربية كأكثر حداثة فكراً وتقنيه؟
- عمر طوسون: بعيدا عن مصر هناك مجموعة مميزة من النحاتين العرب على رأسهم العراق بكل تأكيد وكذلك المغرب وتونس الا ان هناك مجموعة جيدة من نحاتى جيلى والاجيال التالية فى بعض دول الخليج العربى مبشرين جدا.
- حين تقيم فى الخارج منحوته وتتركها فى مكان ليس مكانك ولا مكانها..هل فى هذا اغتراب لعملك؟
- عمر طوسون: حالة الاغتراب بينى وبين اعمالى تحدث حتى فى داخل مصر ما دام العمل ليس أمام عينى طوال الوقت.. احيانا افتح ورشتى وافحص بعض الاعمال القديمة كنوع من الونس فى الاوقات التى لا يكون عندى مثيرات للعمل..وقد تفتح لى افاق لرؤى وافكار فنية جديدة تالية.. اما العمل نفسه والموجود بالخارج اشعر ان يتعايش مع المكان لكنه دائما يولد لدى رغبة شديدة فى زيارته ولمسه مجددا.
- المدينة هي وسيطتك فى الملتقيات الدولية.. هل لامست إذا كانت المدينة مريضة فهل يكون تمثالها مريض؟
- عمر طوسون: لا ارى ان هناك مدن مريضة ربما لان المكان بالنسبة لى هو ذاكرته وهو الانسان والحياة بالمكان.. وبالتالى قد يكون التمثال اعادة احياء أو ولادة ذاكرة جديدة للمكان.
- فى أزمنة أزمات منطقتنا العربية.. ليس للنصب التذكارية دور فكرى وسط الجماهير.. بينما يقيم الفنانون المصريون والعرب النصب التذكاريه المتميزه للخارج فى الخارج؟
- عمر طوسون: هناك مثال شعبى ينتشر معناه فى كل الدول العربية بلا اثتثناء`الشيخ البعيد سره باتع` فالفنان العربى خارج محيطه تحدد قيمته بعمله فقط بعيدا عن القابه ووظائفه وعلاقاته وخدماته الخ .. ويملك الحرية المطلقة فى الابداع.. أما بالداخل فدائما هناك من يملك `مفتاح الحياة فى يد والهراوة فى اليد الاخرى` والذى يتدخل دائما فى تعديلات حسب ذائقته الخاصة وإلا تضع الفرصة وفى الاغلب يكون الفنان فى احتياج للعمل ويضطر للتعديل فتكون كثيرمن الاعمال مشوهة ويتحمل عقباتها الفنان فى النهاية.
- عملك المجهز بعنوان`المسافة الصفر`فى معرض شئ آخر بالقلعة 2023 مُحمل ببُعد سياسى.. ألك أعمال سابقة مُحمله بالرؤية السياسية؟
- عمر طوسون: السياسة جزء من تكوين شخصية الفنان حتى وان لم يحترفها..وله وجهة نظر مؤثرة فى افكاره.. ولى اعمال سابقة منها تجهيز فراغ فى بداياتى عرض فى صالون الاتيليه بالاسكندرية ابان حرب العراق بعنوان `رسالة من دولة عظمى` ويتكون العمل من مجموعة طرود على شكل حفريات مهشمة يتوسطها طرد اكبر عبارة عن صندوق زجاجى به نحت لكلب ميت مطلى بطلاء فضى ويعلو الصندوق طابع بريد امريكى.. ايضا عملى النحتى من الجرانيت الوردى باندلسية مطروح 2006 بعنوان `البيت المصرى` كذلك عمل ينتمى لفن الارض بعنوان `هجوم غير شرعى` بمعرض مبادرة الارض بقمة المناخ 27 والذى قمت فيه ببناء نموذج لبيت عشوائى بالطوب الاحمر فوق ما تبقى من جزع شجرة مقطوع.
- التجهيز فى الفراغ
- مفهوم الموت محورى فى أعمال التجهيز للعالمى `داميان هيرست` بسلسلة أعماله التي تعرض الحيوانات المحفوظة في صناديق زجاجيه..ما مفهومك أنت تجاه تجهيزاتك خاصة بعملك `تلاشى` حيث الوجود البيولوجى الحي للسمكتين فيزيقياً محققاً؟
- عمر طوسون: الحياة والموت وجها لعملة واحدة..فما يبدو لنا موت هو فى حقيقتة تمهيد لحيوات اخرى وليس حياة واحدة.. فموت الانسان على سبيل المثال مقدمه لبعثه عقائديا.. لكنه ايضا قد يكون تربة لنمو نبات او شجرة.. وما بين حالة الموت والأولى ونمو النبات هناك الكثير من الكائنات التى ولدت وماتت ايضا فى هذه العملية فالحياة مستمرة والموت يتجدد.
- وفى عملى`تلاشى`اشير الى ان ليس كل ما نراه حقيقة فكما ان السمكتين محبوستان فى قارورة مياه صغيرة بالنسبة لنا..فلا ندرك اننا قد نكون محبوسين ليس فقط فى قارورة اكبر بل قد نكون محبوسين داخل صدورنا.. وهذا سبب تخليق ظلال القارورة على الحائط المواجه للمتفرج لتعطى شكل القفص الصدرى للانسان.
- هل تحاول فى تجهيزاتك خلق وجود شبه نفسى للحاويه حيث يصبح الحاوى والمحُتوى لهما نفس الصوت؟
- عمر طوسون: نعم.
- نظرًا لصعوبة بيع فنون التجهيز فى الفراغ اصبح هذا المجال يُعارض تحويل الفن إلى سلعة؟
- عمر طوسون: رغم حقيقة ذلك لكننى اراها ميزة بأننا لا نملك متاحف للفن المعاصر بمعناه الحقيقى وبالتالى لا وجود لمكان دائم لعرض هذه الافكار.. ولا يهتم احد لاقتنائها والا تحولت الى سلعة كاغلب باقى الفنون.. بإستثناء السلعنة الذاتية والتى قد يقع فيها بعض الفنانين فى هذا المجال لمجرد التباهى بأنه ينتمى الى ما بعد بعد الحداثة فيقدم افكار لا تمثله.
- يُقارن فن التجهيز في بعض الأحيان بفن الأداء وفي بعض الأحيان يكون التجهيز هو فن الأداء .. هل تطمع فى أن يصبح جمهورأعمالك بحضورهم عنصر مؤدى غير مباشر؟
- عمر طوسون: عندما تم اختيارى لانظم صالون الشباب العام الماضى قمت بدمج المجالين معا.. لصعوبة الفصل.. فكثير من اعمال فن الاداء الحركى تفرض خلق فراغ مناسب فيشتبك مع التجهيزوكذلك الحال فى التجهيز الذى يشتبك بالاداء الحركى المخطط مسبقا او الذى ينشأ من دخول الجمهور.. الفيصل هو ما يراه الفنان مناسبا لايصال شعور معين او فكرة معينة.
- لا يمكنك التغيير بإزالة شيء ما.. لابد من عمل فراغ ثم تعبئته.. هل هذا نهجك فى التعامل وحجرة تجهيزاتك؟
- عمر طوسون: بالعكس ارى ان الفراغ المتاح دون ترتيب مسبق فرصة لتحدى الفراغ والمساحة حتى تلين ويتحول الاشتباك مع الفكرة الى تكامل.. فعملى `شيئ من الروح` بصالون القاهرة كان محدد مسبقا المكان بقياسات واضحة قمت بالتخطيط لها بدقة.. بل قمت بتنفيذ اغلب العمل..ثم لسبب ما تم تغير القاعة بقاعة اخرى وعرض علي مدير القصر الناقد أ.محمد ابراهيم ان يقوم بانشاء مساحة مطابقة داخل القاعة الجديدة.. لكننى قررت انا اتعامل من المساحة المتاحة لان الفراغ فى التجهيز يمثل الى خامة الرسم او مادة النحت..ينبغى ان يسيطر عليها الفنان لا ان تسيطر هى عليه.
- الضوء
- هل مفهوم إستخدامك الضوء في فن التجهيز ما بعد الحداثي وسيط لعدم الإستقرار.. أى إنه يُجسِّد فكرة ما بعد الحداثة القائلة بأنه لا توجد حقيقة واحدة ثابتة أوأرضية مستقرة؟
- عمر طوسون: أولا انا لاأهتم بتصنيف المدارس الفنية من الاساس وأراها ليست وظيفتى كفنان..أما عن الضوء فيختلف دوره من عمل لاخر.. ففى `شيء من الروح` وظيفته الشكلية هى انعكاس الكتابات على السقف والجدران.. ووظيفته الحسية هو اضفاء حالة من السكون والرهبة التى نشعر بها بالأماكن المقدسة.. أما استخدامه فى `تلاشى` فكان شعوريا للتعبير عن جو المتاجر التى تتحول فيها الحياة الى سلعة.. وبصريا لرسم ظلال القفص الصدرى على الحائط.. ومفاهيميا كان هناك معنى مختلف للضوء الشديد الملفت داخل قارورة المياه.. فرغم ان مصدر الضوء واحد الا ان معناه كان مختلف ما بين القاعة والحائط وداخل القارورة ومحيط القارورة.
- هل تعتمد على الضوء ميتافيزيقياً لتقديم حس مُراوغ لتجهيزاتك بما يقاوم المعنى الأحادي للعمل أم تقصد إضفاء حس أسطورى؟
- عمر طوسون: كثيرا ما اميل لاضفاء الحس الميتافيزيقى فى الضوء بأعمال بالتجهيز فى الفراغ ولا اميل للمراوغة فى تحديد معنى محدد.. وأترك للمتفرج حرية إستشعار الفكرة لذلك كلما استخدمت تقديم مكتوب للعمل.. يكون مجرد مفتاح ومدخل عام لا يحدد رؤية المشاهد.
- ما مفهوم تعاملك والجسدية الحروفية للكلمات الجدارية الإنعكاس المفرغه الشكل بفعل إسقاط الضوء من داخل عناصر عرضك؟
- عمر طوسون: لا اعلم حقيقتا.. لكن هناك دائما شيئ ما بداخلى يدفعنى بذلك ويشعرنى بحالة من الدفئ للعمل.. ربما يكون ذلك له علاقة بنوستالجيا الطفولة.. فقد كانت لعبتى المفضلة فى طفولتى هى عمل خيال ظل على الحوائط.. احيانا بمصدر اضائة امن..واحياناً بإشعال ورق الجرائد.
- هل تقصد تستخدم الجدار مع الضوء كمادتين خام إضافيتين للتجهيز؟
- عمر طوسون: بالتأكد اتعامل مع كل عناصر المكان كمادة خام للعمل بما فى ذلك الفراغ نفسه.
- النحت وما بعد الحداثة
- فى 2021 تمكن الفنان الايطالى `سلفاتورى جارلو` من بيع قطعة فنية غير مرئية اطلق عليها `النحت غير المادى` بعنوان `ايو سونو` أى `أنا أكون`.. ووفقا لمبدأ عدم اليقين لـ`هايزنبرج` أتعتقد انه فى عصرنا يمكن للمثال ان يكون اكثر تجريدا وتلاشى لأبعد من ذلك؟
- عمر طوسون: أنا لست ضد أى افكار جديدة حتى وان كانت لا تلائمنى..لكن يجب ان ندرك ان فن النحت بمفهومه الكلاسيكى ظهر قبل ان تظهر الكتابة.. وربما قبل اختراع اى نظام حضرى ولازال قائما الى اليوم.. فمهما كانت سرعة التطور سيظل مفهوم النحت الملموس متواجدا بقوة.
- هل تعتقد أن القضايا المستقبلية للفن ستدور حول الابداع البشرى فى مقابل الابداع الاصطناعى؟
- عمر طوسون: أرى أن المشكلة الاكبر ليست بين الإبداع البشرى والإبداع الاصطناعى.. المشكلة هى وجود الابداع نفسه مهما كانت الادوات.
- هل تتيح الطباعة ثلاثية الأبعاد للفنانين تخطيط وإختبار التركيبات قبل بدء النحت أو اللحام..؟
- عمر طوسون: هى فى النهاية تقنية..فكما كان هناك فقط ازميل وصخرة ثم ازميل ومطرقة ثم ازميل وصاروخ ثم وترجيت والرواترالخ..كذلك الطباعة ثلاثية الابعاد.. هى تقنية فى ايدى الفنان قد تسهل انتاجه بخبره وتطوروقد تسيطرعليه وتذوب شخصيته..لذا افضل معرفة التقنيات البشرية واحترافها قبل استخدام التكنولوجيا الرقمية..
- بأيهما تبدأ مع الحجر.. بالصراع أو الحوار.. وهل للحجر وعى؟
- عمر طوسون: الحجرلا وعى له..لكنه يملك طاقة دفينة تحتاج لحوار حتى تخرج للعلن,.
- هل تعتقد أن الحجر هو المكان وبدونه لا مكان.. كأحجار `منهير` لما قبل التاريخ وهى التى خلدت المكان؟
- عمر طوسون: الحجر مجرد عنصر من عناصر المكان له وظائف كثيرة منها حفظ توازن الكوكب واستخدمه الانسان لخلق توازن شعورى.
- هل تستشعر أحياناً أن الحجر يراقبك صامتاً وأنت تعمل دون مدك بالإلهام؟
- عمر طوسون: الأمر لايمكن قياسه فكثيرمن الأحجارقد التقطها بشعورانها ستبوح بشئ ما وتظل سنوات بلا حراك.. واحيانا بعضها يؤرقنى ويتداعى فى رأسى بشكل متكرر حتى يلتقى بفكرة او رؤية.
- بينما المعدن متسامح إلى حد ما إلا أن الحجر ليس كذلك فغالبًا ما يفرض إرادته وقد يغير اتجاه الفنان في لحظه اكتشاف مفاجئ.. فهل إحساسك تجاه الحجر كعالم الآثار كلما حفر وجد شيئا غير متوقع؟
- عمر طوسون: المعدن غير متسامح هو اساسا بلا طاقة.. مجرد مادة قليلة الحيلة تستسلم لقدرة الفنان.. اما الحجر فاغلب انواعه بها دفئ.. قد تظهر به بعض المفاجآت التى تعدل من تعاطى الفنان معها.. وقد لا ينجح ذلك.. اما احساس فمختلف عن احساس عالم الاثار.. فهو يحطم ملايين السنين من عمر بعض الاحجار على امل العثور على اشياء من بضع مئات أوآلاف السنين.. اما النحات عليه احترام تاريخ الحجر ولا يهدره ويكتفى بحذف الحد الأدنى لإخراج التمثال القاطن داخل الحجر.
- لك قطعه حديدية على الشاطئ تعتمد على الدائرة بعنوان `قطر الندى 2019 لك تجارب أخرى مع الفولاذ الخالص؟
- عمر طوسون: لى الكثير من الاعمال منها على سبيل المثال تمثال `قناع افريقى` بارتفاع اربعة امتار وهو من مقتنيات متحف الاقنعة بأزمير ومعروض بشكل دائم بالحديقة المركزية للمدينة بجوار متحف النحت والعمارة.. واعمال اخرى كثيره كبيرة وصغيرة الحجم.
- هل ترتبط مقاصد منحوتاتك المستوحاه من المصرى القديم كبورتريهي `الملكة` و`شئ من الروح` بما يشبه الوجود داخل الجسد؟
- عمر طوسون: أغلب الوجوه التى نفذتها أرمز بها دائما الى ما اسميه `وطن متناهى الصغر` `مايكرو كنترى` وهو مشروع اجهز له من سنوات لمعرض فردى بنفس العنوان.. فإرتباطى ببيت طفولتى الصغيرهو نفس ارتباطى بمدينتى الاسكندرية بيتى الاكثر اتساعا وهو ارتباطى ببيتى الاكبر مصر وكل هذه الاماكن لم تكن لتصبح ذات قيمة بدون الوجوه التى عاشت خلالها وانتجت ذاكرة الاشياء الحي منها والجماد.
- إن قيمت منحوتاتك هل تُقيّمها على مظهرها الداخلي اللامرئى أم الخارجي..؟
- عمر طوسون: كلاهما وجهان لعملة واحدة فاللامرئى او الداخلى لن اشعر به بدون النظر الى المرئى.. فالشكل الخارجى هو عين المشاهد للامرئى.
- الحركة التشكيلية
- هل السياسة الثقافية المصرية فى حالة وداعه دائمة ام مغيبه؟
- عمر طوسون: تحتاج فقد تحديث قياس نظارة قراءة.
- المشهد الفنى المصرى أيهما محركه الأكبر.. محاذيره ام مغرياته؟
- عمر طوسون: التجارة.
- هل الحركة التشكيلية محملة بعقل جينى متوارث جمعى قائم على الثوابت وتكرارها؟
- عمر طوسون: بنسبة كبيرة حتى على مستوى الفنانين انفسهم.
- أتلاحظ أن أقل الفنانين موهبة أصبحوا الى حدا ما من أقوى الرعاه للفنون المعاصرة.. فهل فنان بلا موهبة يصلح راعيا للفن؟
- عمر طوسون: لا أجد وجوب ان يكون رعاة الفن فنانين أساساً.. فإدارة الفن تختلف عن انتاج الفن.
- من يمتلك الاجابات النهائية المهمة فى حركتنا التشكيلية.. الفنان ام الناقد ام المشاهد ام تاجر الفن ومقتنيه؟
- عمر طوسون: بعض البائعين المتجولين للفن وقلة من تجار الفن وندرة من القاعات المحترفة.. أما الفنان والناقد والمشاهد اغلبهم يتم استغلالهم بشكل أو بآخر.. والمظلوم الاكبر هو المقتنى الذى همه الاكبرهو اقتناء عمل فنى يسعده لكنه يسمع اراء متضاربة من القاعات والفنانين والنقاد وعليه ان يختار من يثق فى ارائه.
- سمبوزيوم اسوان الدولى للنحت كيف تراه اليوم وما الفرق بينه وقد شاركت فى اكثر من 20 سمبوزيوم دولى؟
- عمر طوسون: أولا لابد ان نعترف ان المؤسس لهذه الفكرة محليا ساهم فى نشر ثقافة نحت الاحجار على مستوى واسع وغير مسبوق.. ثانيا انه بدأ عظيما متفردا بالموقع والخامة والهدف.. ثم تحول الى جيد ثم الى نشاط لطيف يحتاج تطوير ليستعيد مجده.
.. مشاركاتك
- فى ملتقى نور الشكل فى دورته الثالثه 2017 قدمت تجهيز فى الفراغ بعنوا`العشاء الأخير` لينفذ الضوء عبر مفرغات حروف كلمتى `فصبراً جميلاً`.. هل مفهومك الأساسى كان فى الربط بين النور والروحانية؟
- عمر طوسون: نعم.. ففكرة العمل هى هذه الحالة مابين الحياة والموت والتى عبرت فيها ن الروح فى تقديم العمل بالمدخل الخارجى بعبارة `خيط رفيع مضيئ` وكان هناك صوت موسيقى وغناء صوفى من اشعارعمرالخيام باللغتين الفارسية والتركية.. والعمل به كتابات عربية ومجسم متأثر بالمصرى القديم فى جسد مخروطى معدنى صناعى معاصر.
- فى`العشاء الأخير` إعتمدت على عزله روحيا.. وفى`تلاشى`حين أستحضرت كائن عضوى ووضعته فى عزله وعاملته كماده خام..؟ هل ترى أن الفراغ والعزله مفاهيم أساسيه فى تجهيزاتك؟
عمر طوسون: ربما.. الحقيقة لا أعلم.
- وأيضاً `فى العشاء الأخير` أرى أن وجود الضوء بدى وكأنه محفور من النفى..وأنه ليس سوى ضوء يشع بلاأمان بل ضئيل للغاية ضد فراغ النفي الذي يحيطه..؟
-عمر طوسون: فى العشاء الاخير كنت ارغب فى تلاشى سقف القاعة لتبدوا الحروف والكلمات كأنها معادل بصرى للأرواح حيث لا يمكن تأكيد هل هى اقرب للتلاشى ام اقرب للجسد.. لذلك هناك اتصال بين الضوء والعمل من الخلف حيث يخرج للأرض فالجدار ثم ينتشر فى الفراغ.
- فى صالون الفن المعاصر الأول `ما بعد الفكرة ` 2021 بدت غرفة العرض كغرفه داخل غرفه ضوئية كلاهما مليئتان بالماء.. لنبدو كمشاهدين مغمورين داخل غرفه إفتراضية فى مقابل سمكتين مغمورتين داخل قاروره حقيقية.. هذا العمل بين الغمر والإفتراضى والتلاشى قصدت فكرياً أن الإنسان يعيش فى عالم إفتراضى فى مقابل كائنين يعيشان فى عالم حقيقي؟
- عمر طوسون: اشرت الى جزء من هذا العمل فيما سبق.. وهو فى الحقيقة روئيتى ان الانسان وهو يدمر الحياة ويعرضها للتلاشى لا يدرك انه يتلاشى معها بنفس الشكل.
- شاركت فى السمبوزيوم المحلى الاول لتدوير الخامات 2022 في مدينة العلمين القديمه داخل منطقتها الصناعيه الجديده التى تم اختيارها كصديقة البيئه لإقامة `السمبوزيوم المحلى الأول`.. هل تناولك لفكرة تدوير الخامات جعلتها تتعادل وتقنية التدوير الرأسى بالإيهام الحركي لميكانيزم عمليك الإثنين `آدم وحواء`؟
- عمر طوسون: فى الحقيقة تناولت فكرة التدوير بهذين العملين بنوع من اللعب والاستمتاع بلاقيود واخترت هذه القواعد البلاستيكية الصماء `طبلية` التى توضع تحت البضائع اوللوقوف عليها فى الورش التى تكثر بها السوائل..وتراها اعيننا دائما بانها اشياء بلا قيمة بحكم وظيفتها فاكتشفت اننا تتأثر اعيننا بمفاهييم سابقة لتقييم الاشياء حسبما نعرف عنها.. فقررت تقديمها بشكل مغايربه من الضخامة والصرحية حتى ان اغلب من شاهدوا العمل واقتربوا منه واعجبهم لم يلفت نظرهم انها مجرد طبالى بلاستيكية قديمة.
- شاركت فى الملتقى الدولى `شئ آخر` 2023 فى نسخته الثالثة بعملك `المسافة صفر` حول حق المقاومة المشروع للفلسطينين للاحتلال فى تداخل جسدى رمزياً.. هل كانت المفردة البشريه التجريديه فى هذا العمل تتماثل والمفردة البشرية فى عملك العشاء الأخير 2017.. ربما بدى لى فى كلاهما التضحية الجسدية مقابل الضوء الروحانى.. هذا صحيح..؟
- عمر طوسون: نعم.. بل اننى استخدمت العناصر نفسها التى كانت فى عرض العشاء الاخير.. لا اعرف لماذا شعرت ان الموضوع هو نفسه وان المسيح عليه السلام لم يكن كافيا للتشبع من الدماء الفارق الوحيد هو ان المسيح كان واحدا والواشى واحدا.. اما فى المسافة صفر كانوا جميعهم المسيح.
- وفى `المسافة صفر` تم إختزال الفضاء المحيط رغم إتساعه وكأن الحياة تحولت لشرارة بين فراغين متطابقين مع كل تماس وتصادم مادى..؟
- عمر طوسون: اخترت ان اعرض هذا العمل تحديدا عرض خارجى.. كان متاحا اختيار مكان مغلق ربما كان سيحقق ابهار شكلى اكثر لكن فى العرض الخارجى الموضوع اكثر صدقا بالاشارة الى انهم هناك ونحن نمر بجانبهم ونراهم ونستمر بالمسير بعيدا ونكتفى بنظره عابرة دون حواجز جداران تفرض قضاء وقت اطول..تمام كما يشاهدون الضحايا يوميا فى نشرت الاخبار ثم ينقلون القناة لمشاهدة مسليات اخرى.
- مع عمليك النحتىيين الميدانيين `أمواج` (الرأسيه)هل فكرتَ بأن منحوتاتك الرأسيه تميل لفكرة الرسم في الفضاء أو إستكشاف خلخلته الضوئيه وزواياه الحادة.. ؟بينما فى `أمواج` (الأفقيه) فقد الجسد الأفقي الثقيل حريته وأصبحت أمواجه ركيزته الأرضية.. هل لهذا تعتقد أن الأرض هى التى تقوم بالعمل أو تكمله بعد إنتهاء عمل الفنان.. وما بين الرأسى والأفقى هل يتغير موقفك الفكرى من الشكل..؟
- عمر طوسون: بالتاكيد.. لذلك اخترت ان تكون الاسطح لامعة وعاكسة كالمرآة ليحمل كل خط متعرج انعكاسات الخطوط المجاورة والمكان المحيط اما عن الخطوط الافقية فرؤيتها بالأحجار تتفق مع ما اشرتى اليه..لكنه لوتم تنفيذه بالاستانلس كانت ستتغير بعض العلاقات التصميمية ليحقق نفس الخفة الموجودة فى الحلول الافقية.
- هل مجموع منحوتاتك هى سيرتك التقنيه؟
- عمر طوسون: التقنية ليست سيرة لاى فنان..هى وسيلة يجب ان تكون متاحة للجميع وتختلف التقنيات باختلاف الخامات والاشكال المنفذة.. ودائما ما اساعد من يسألنى من الفنانين الشباب عن تقنيات العمل بشرح تفصيلى بداية من اماكن الحصول عليها وحتى استخدامها تقنيا.. أما مجموع اعمالى فهو فقط المعلن من سيرتى الذاتية.
بقلم : فاطمة على
جريدة: القاهرة 10-3-2026