`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
جورج عبد المسيح البهجورى
بهجورى .. يعود إلى الحارة
- اتسعت رقعة قاعات العرض الخاصة فى الآونة الأخيرة، الأمر الذى أدى إلى تنشيط الحركة التشكيلية جنباً إلى جنب مع المهام الكبيرة التى ينجزها المركز القومى للفنون التشكيلية برئاسة الدكتور أحمد نوار، وفى الشهور القليلة الماضية أضيفت رئة جديدة للفنانين التشكيليين كمتنفس لعرض أعمالهم وتسويقها بشكل لائق .
-إن قاعة (خان المغربى) أقامت عدة معارض فردية وجماعية حيث بدأت نشاطها الفعلى منذ ثلاثة أشهر، واليوم تقيم معرضاً لأعمال الفنان جورج البهجورى الذى يعرض أعماله الملونة بالألوان المائية والتى أنجز أغلبها عام 1996 بالإضافة إلى بعض الأعمال التى رسمها من قبل .
- والحديث عن جورج البهجورى يطول، فقد بدأ حياته رساماً للكاريكاتير فى المجلات المصرية وبرع فى أسلوبه المتميز، وتناول خلاله العديد من القضايا وقد أضاف إلى هذا الفن الكثير، وعبر تلك التجارب الكاريكاتورية انطلقت أعماله نحو الإبداع فى أعمال فنية، فرسم أولاد الحارة، الذين يلعبون ويقفون أمام أبواب البيوت، وفى الحارة ومباريات الكرة الشراب والنط بالحبل، حتى أنه وصل فى إبداعاته إلى التعبير عن بعض المهن كالمكوجية والعجلاتية .
- وسافر البهجورى إلى باريس طامحاً إلى إثراء تجربته وعرضها على العالم ونجح نجاحاً منقطع النظير حيث رسم آلاف الرسوم والاسكتشات ولاقت أعماله استحساناً، فهو تارة يثرى سطح اللوحة بمعاجين الألوان السميكة وتارة أخرى يعبر عن فكرته بألوان ناعمة رقيقة، ومرة ثالثة يرى فى الأطر الداكنة لشخوصه معنى فى الانطلاق نحو تعبير محدد .
- وفى كل زيارة لجورج البهجورى لمصر، لابد أن يقيم معرضاً ويلتقى بأصدقائه ويتناقش معهم حول تقنيات الفن والإبداع والتعبير وهذه المرة يلتقى بجمهوره فى قاعة ( خان المغربى ) من خلال أحدث أعماله التى يعود بموضوعاتها إلى الأرض والحارة والشارع والمنزل والبائعين .
الناقد/ عادل ثابت
مجلة الكواكب

- خطوطه وألوانه..قادرة دوما على توصيل أفكاره والتعبير بحنكه وبساطة عن ملامح ووجوه نجومه وأبطاله من العامة كانوا ام من المشاهير.. مستعيناً بأكثر من رؤية ولغة تشكيلية لها مذاقها وطابعها الخاص..وهو نفسه سر تألقه وشهرته التى تعدت حدودنا المصرية والعربية ووصلت به إلى العالمية ريشة `البهجورى` قادرة دوما على مخاطبة البسطاء والمجتمعات الشعبية فى القرية والحارة المصرية.. فهى تتجول بتلقائية عبر خطوط كاريكاتيرية سريعة ومختزلة تنتقل بحيوية بين المقاهى والشوارع لترصد بعبقرية وذكاء الفنان نبض الحركة والحياة فن أحيائنا الشعبية.. فهؤلاء يشربون الشاى واخرون يدخنون الشيشة وبعضهم يلعب الطاولة بعد يوم عمل طويل ومرهق .
- يعتبر فناننا واحدا من اهم المنتمين لمشروع الخط الواحد.. الذى يبدا به لوحته من نقطة واحدة وينتهى منها دون ان يرفع سن القلم عن الورق ..فالخط عنده واحد ومتصل فى خفة وحيوية ورشاقة.. ثم يتجه للباليته اللونية لتساعد فى تعميق بعدها الإحساس بالمعنى والمضمون الذى يرغب فى توصيله للمتلقى مجموعة كلثوميات تجسد كوكب الشرق ام كلثوم وهى تتمايل وتتغنى فى وصلة شجن باحلى واجمل أغانيها التى لازلنا نعيش عليها حتى اليوم .. الألوان القوية والمتناغمة من أهم ما يميز تلك النخبة من أعماله المعروضة.. والفنان ` جورج البهجورى ` واحد من اشهر فنانى هذا القرن أقام عشرات المعارض وتنقلت أعماله بين أنحاء العالم ..جمع العديد من الجوائز .. وهو متعدد المواهب والقدرات هو أديب وفنان ورسام كاريكاتيرى وناقد ومبدع يجيد مخاطبة كل العقول والقلوب بلغة عصرية مصرية سهلة الهضم والاستيعاب .
ثريا درويش
جريدة الأخبار
جورج البهجورى ` يمص القصب ` فى بهجورة ويدعو للسلام فى القدس
- خطوطه المتصلة وألوانه المجردة تشعرك بالمرح رغم أنه يسـخر من نفسـه قبل أن يسخر من غيره . جورج البهجورى يصور نفسه هو يمص القصب على قارعة الطريق أسفل لافتة ` قرية بهجورة ` وهو يرتدى الجلباب .
- بعض الأقلام هاجمته أنه ذهب للقدس ليدعو للسلام من خلال الفن متهمة اياه بتطبيعه مع إسرائيل - قال عنه ادوارد الخراط يجمع جورج بين سعادة الحياة والحزن والشعور بالابتهاج والأسى الشديد وهى مشاعر متأصلة فى النفس المصرية من قديم الأزل .
- قال البهجورى إنه عاد لرسم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ لأنها كانت فترة جميلة ويتمنى أن تعود وكان بها فن جميل وكانت أم كلثوم يحترمها المجتمع كله من صفوة وبسطاء رغم أنها لم تكن ترتدى الحجاب .
- وقال إنه منذ فترة قصيرة بدأ يلتقى ببعض الأصدقاء من المثقفين أمثال يوسف القعيد وعزت العلايلى وسمير إسكندر الصحفى وغيرهم فى مقهى ريش بوسط البلد حيث يرسمهم وهو يسمعهم يتحدثون فى القضايا الثقافية والمجتمعية ومن حوله على جدران المقهى رسوماته لأصدقائه من المثقفين الذين رحلوا وكان قد رسمهم بالماضى وهو يستمع لأحاديثهم الثقافية والسياسية فى نفس المكان وكان منهم بالطبع نجيب محفوظ وكان للمقهى فى الماضى دور وطنى وقت الاحتلال الانجليزى حيث كان يطبع فى قبو المقهى المنشورات السياسية. وحول هجوم يوسف القعيد عليه بسبب سفره إلى القدس قال البهجورى وقد يكون بعض زملائى الأدباء غيرانين عليه ويعتقدون أنى بهذه الرحلة قد أعطيت إسرائيل قيمة أو اعترافا ولكن الحقيقة أننى ذهبت بإرادتى وليس بضغط من أحد كما فعل كيسنجر وضغط على أنور السادات كما ذكر فى مذكراته ففلسطين الآن ولا المليون شهيد لذا ذهبت أنا وزملائى من الفنانين - المشهود لهم أنهم قادة فكر - من باب خلفى وهو هيئة الأمم المتحدة على أمل ان نوقف هذه الحرب بالرسوم من أجل السلام وبدون ولا نقطة دم وهذه خطورة الكاريكاتير لأن به سخرية ويعبر عن رأى بإمكانه ان يأتى بنتيجة فليست القضية مسألة فوز وخسارة فقط والمشهد الآن فى فلسطين المحتلة أصبح مريرا للغاية عبارة عن مساحات شاسعة من الجمال والسحر والنعيم فى القدس للإسرائيليين ومساحات ضئيلة وبائسة للغاية فى منتهى البشاعة لأطفال رام الله يسكنون فى عشش حيث أكثر من عشرة أفراد تقريبا فى حجرة واحدة وفى ظروف حياتية مستحيلة حتى أصبح ينطبق عليهم قول شعب بلا أرض وأرض بلا شعب وأنا هناك ادعو للسلام القائم على العدل لذا يجب ان نعرف عدونا أكثر هذا رأيى فهم يدرسوننا جيدا فلا يكفى ان نقرأ عنهم فى الكتب كما اقترح جمال عبد الناصر فعلينا أن نواجههم خاصة أن المواجهة بشكل حضارى وهذا ما فعلته وبالفعل أقابل أشخاصا يقولون لى أنت فنان حضارى ومع الوقت سيدرك أهل وطنك ما فعلته ويقدرونه أما عن المايسترو بارنيبويم والأزمة المصاحبة لعزفه فى الأوبرا قال البهجورى ان بارنيبويم هو مايسترو يهودى يحمل الجنسية الفلسطينية وأحب ان التقى به وهو معاد للسياسة الإسرائيلية وعدوانها على الشعب الفلسطينى وهذا تصرف حضارى أخر فهو صديق أدوارد سعيد ويريد ان يقدم عملا فنيا به أطفال يبحث من خلاله عن السلام وأنا اتحمس لحل آخر غير الحرب مع إسرائيل والاتهام بالتطبيع كثر فى الفترة الاخيرة ولا يصح ان يستخدم بين المثقفين لأن كل ما أراد ان يكسر صاحب قيمة مختلفة معه فى الرأى يقذفه ببساطة وبصوت عال بهذه الكلمة ليشكك فى وطنيته وهذا شئ خطير الكثيرون يتأثرون بهم .
- مضيفا أنه ربما أراد فاروق حسنى ان يثبت لإسرائيل أنه ليس ضد السامية أما عن رأية فى لوحات الفنان فاروق حسنى ، فقال أنها لوحات فنية ينقصها التأمل ` فأنا معد ان انتهى من لوحة أبدأ أتأملها على مدى يومين ويحدث بينى وبينها حوار صامت واعدل عليها وأضيف لها ` .

نهضة مصر - 2009
البهجورى يعيد صياغة أشهر اللوحات المتحفية برؤية جديدة
- لم يكن هذا المعرض تجربة الفنان الأولى لإعادة صياغة لوحات أشهر الفنانين، بل هو امتداد لتجربته التى عرضها منذ فترة، والتى رسم خلالها لوحة للفنانين بيكار، محمود سعيد ، سيف وانلى وراغب عياد وغيرهم ، وذلك في تحاور فيما بينه وبين هؤلاء الفنانين، فى معرضه الحالى أعاد صياغة لوحة لرينوار، مانية، فان جوخ، بيكاسو، سيزان، وغيرهم، ومن الفنانين المصريين لوحة لعبد الهادى الجزار وراتب صديق؟؟
- فى لوحة رامبرنت رسم بهجورى نفسه بأسلوب تجريدى تعبيرى بدلا من رسمه بورتريه رامبرنت الأكاديمى فى لوحته الأصلية، كما وصف لوحة `الموناليزا؟` بأنها تجلس فى وضع معين ثابت، وكذلك أصابعها وذراعيها اللذين كانا فى حالة ثبوت، ولذلك عبر عنها بشكل مختلف به نوع من الحركة فـ` الحياة تحب الحركة لأننا نعيش `بحسب قول الفنان، فرسم ذراعيها متحركتين كى يكونا أكثر حيوية .
- وفى أغلب أعمال المعرض التى تحمل الجسد الإنسانى أو البورتريه لا يرسم بهجورى لوحات هؤلاء الفنانين بأسلوب أكاديمى أو واقعى أو تأثيرى كما رسمها أصحابها الأصليون ، بل قام بتطعيمها بأسلوب تعبيرى تجريدى لم يهتم خلاله بإظهار التفاصيل الدقيقة للوجوه، مما أضاف على تلك اللوحات رؤية جديدة ؟
- يقول الفنان عن معرضه ؟: طوال فترة بقائى فى باريس التى وصلت إلى ثلاثين عاما أى أكثر من ربع قرن وأنا فى حالة متابعة للمتاحف، أشاهد روائع النغم واللوحات، أجمل ما رسم فى تاريخ الفن، حتى فى عصرنا الحالى، كأعمال بيكاسو، ميرو، سلفادور دالى الذين عاصرناهم؟ فاكتشفت أن كل فنان قام بتصوير شخصية لم تكن موجودة حاليا أو من قبل ، ومن كثرة جنونى بالرسم سواء علي المقهي أو في المطاعم أو في بيوت الأصدقاء، أيقنت أننى استطيع أن أصل لأعلام الفنانين، ووصلت بالفعل لسرهم، وعرفت كيف يرسمون خطوطهم الأولى حتى ينتهوا من لوحاتهم .
- يضيف بهجورى: طول الوقت كنت أضع صورة العمل من كتاب أمامى، وأهملها ثم أمر من أمامها مرات عديدة حتى أتعلق بها ويحين وقت رسمها . وأنا أتمنى أن ترى كل بلدان الغرب هذه التجربة؛ كى تشاهد رؤيتى فى أعمال المتاحف العالمية، والجدير بالذكر أن الفنان العالمى بابلو بيكاسو أقاموا له معرضا فى باريس منذ عام، حيث عرضوا له اللوحة الأصلية وأصل الإسكتش الذى رسم منه موضوعه، فهو كان يرسم فى اسكتشاته اللوحات العالمية القديمة ويمضى عليها باسمه، ففكرتى لم تكن جديدة، نفذها بيكاسو من قبل لأساتذته الذين تعلم على يديهم الرسم فى أسبانيا وأهمهم فيلاسكيز والجريكو وذلك بجرأة وتحد وهذا ما يوجد عندى ؟
- الجديد عندى أننى سأقدم فكرة هذا المعرض فى بينالى فينسيا القادم لأمثل مصر، وذلك إذا وافقنى مسئولو الفن فى مصر، حيث إننى أنوى تقديم هذه الأعمال بشكل متطور وبخبرة أكبر؟
رهام محمود
مجلة روزاليوسف - 2010
رغم هذا النجاح الكبير لفن الكاريكاتور إلا أن حنينى إلى الوطن يزداد ولا زلت أرفض أو أخاف هذه الكلمة ` الهجرة ` .
- أنا رسام لى دور كبير وملتزم تماما بكل ما يجرى ولربما رسم صغير يكون أفضل من مقال طويل وكابدنى شعور دفين بأن أكون قريبا من الوطن ولا احتمل أن أعبر المحيط لأصل إلى الناحية الأخرى من الكرة الأرضية .
- رغم هذا النجاح الكبير لفن الكاريكاتور إلا أن حنينى إلى الوطن يزداد ولا زلت أرفض أو أخاف هذه الكلمة ` الهجرة ` .
-فى قريتى بهجورة ثم القاهرة وأهمهم أخى الشقيق جميل بشاى الذى يعمل أستاذا فى جامعات بنسلفانيا وقد تألق فى أبحاثه وأصبح عالما كبيرا وأهم هذه الرسائل أيضا من صديق عمرى الرسام البارع الساخر رجائى الذى قدمته ذات صباح فى مجلة `روز اليوسيف ` فأصبح أهم رسام كاريكاتيرى فى مصر . - يدعونى رجائى إلى أستراليا وقد تحول فنه إلى علاج فى مستشفى للمعاقين وقد نجح عن طريق من الرسم لعودة هؤلاء المعاقين إلى حالتهم الطبيعية .
- لكنى لم أتحرك من باريس سنوات طويلة وفنه يتقدم من تلقاء نفسه يوما بعد يوم وخاصة توفر المناخ الثقافى المناسب وتلقى الناس بسهولة وقراءة الرسم ومناقشته وارتفاع التذوق الفنى على أعلى مستوى .
- وجاءتنى فرصة نادرة عندما تلقيت مكالمة الرسام الفرنسى الأول لجريدة الموند (بلانتو) الذى ذكر لى بأنه ينوى جمع أكثر من 17 رسام كاريكاتير من أنحاء العالم للسفر إلى نيويورك بدعوة من الأمين العام لهيئة الأمم فى ذلك الوقت ومناقشة موضوع مهم وهو ألا يتطرق فن الكاريكاتور إلى المعانى المقدسة والتعرض على الأديان السماوية وكانت هناك قنبلة دينية انفجرت من مجلة فى الدنمرك تداعب سيرة الرسول محمد بالكاريكاتور مما أحدث زوبعة كبيرة فى بلاد عديدة وصلت إلى القتل فعلا.
-عندما التقينا مع كوفى عنان قال لنا أنتم حاملو البسمة إلى هذا العالم التعيس وأضاف أن هيئة الأمم تدعوكم إلى استعمال ريشاتكم المختلفة فى كل عاصمة من العالم ترسمون بالآلات المكبرة على شاشات كبيرة مثل السينما فى كل مهرجان.
- ومنذ ذلك الوقت ونحن نسافر إلى كل عاصمة فى أوروبا وآسيا لنشر رسومنا الساخرة الضاحكة واسمنا فن الكاريكاتور من أجل السلام.
- ورغم هذا النجاح الكبير لفن الكاريكاتور ولنا نحن السبعة عشر رساماً ..إلا أن حنينى إلى الوطن يزداد ولازلت أرفض أو أخاف هذه الكلمة `الهجرة `.
جورج بهجورى
المصور - 7 /12 /2011
البهجورى من باريس : لم أهاجم صلاح جاهين.. وأخترت أن أعيش فى الشارع
-إحدى مشكلات جورج البهجورى أننا لا نستطيع أن نصدق أنه فنان عالمى، وأن عالميته مفيدة لنا لأنها أكبر دعاية نحتاجها فى ظل العولمة الثقافية، والعالمية التزام إنسانى واسع لا يعرف النظرات والأفكار الضيقة، من هنا جاء تصادم البهجورى مع بعض الأفكار التى يعتبرها بالية فى عالم يتحرك بسرعة مذهلة ويغير أفكاره يومياً 180 درجة فإن شئت أن تكون جزءاً من هذا العالم فعليك أن تتعامل وتتفاعل مع هذه الأفكار حتى وإن لم ترق لك شخصياً .
- لا تستطيع أن تعرف قدر بهجورى إلا إذا سافرت مرة فى باريس، الحياة فى باريس ليست من باب الوجاهة الفكرية والفنية، ولكن من باب الوجود فى السوق العالمى للفنون التشكيلية، هناك تتعرف على آخر الصراعات الفنية وعلى الأسماء المؤثرة فى البورصة العالمية وآخر أسعار الفنانين، وبالطبع السؤال عن جنسية الفنان أمر طبيعى فعندما يكون لفنان مثل البهجورى الذى يعيش نصف حياته فى باريس والنصف الآخر من القاهرة مثل هذه الشهرة تجعل حجم الدعاية التى تحصل عليها مصر بالضبط مثل الدعاية التى حصلنا عليها من وجود ممثل عالمى بقدر عمر الشريف على ساحة السينما العالمية رغم أنه أخذ أيضاً نصيبه من الهجوم والاتهام بالعمالة لإسرائيل لمجرد أنه أبن لأسرة يهودية عاشت فى مصر فى عصر لم يكن يعرف نعرات من أى نوع.
- جاءنى صوت بهجورى من باريس يملؤه الحزن ( أنا نبى لا كرامة له فى وطنه)، أحصل على تقدير يومى من دول العالم، على هيئة دعوات للأشتراك فى المعارض، والمناسبات العالمية المهمة، كما تم تكريمى باختيارى على رأس 15 رسام كاريكاتور فى العالم، غير الجوائز العالمية ولكن لا ألقى فى مصر إلا الهجوم والتجريح خصوصاً من المثقفين وعزائى أننى استطعت أن أكون فناناً شعبياًرفنى المتلقى العادى من خطوطى البسيطة ويقبل على أعمالى خصوصاً فى الكاريكاتير لأننى أعبر عنه بصدق، راجع أعمالى عن طوابير الخبز، والمعاناه اليومية فى الشارع، راجع رسوماتى والوجوه التى أرسمها كلها وجوه مصرية، الشهير منها مثل أم كلثوم التى أحاول توظيفها عالمياً كرمز للفن الراقى المتسامح ومنها صلاح جاهين الذى قيل إننى هاجمته، كما أننى شهير برسم الوجوه العادية أو البسيطة بطريقة الخط الواحد، ويمكن أن أدعى أننى رسمت تقريباً نصف الشعب المصرى بهذه الطريقة لأننى لا أرفض طلباً لأى إنسان يريد أن أرسمه، لم أختر أن أعيش فى برج عاجى ولكن اخترت أن أعيش فى الشارع وأصادق وأختلط بالبنى آدمين العاديين، راجع لوحة مثل مائدة الرحمن، أو غيرها هى نتاج الحياة فى الشارع، أنا دائماً موجود فى الشارع ولا أرسم من الذاكرة أو الخيال، ولكن من مشاهدات وإنفعالات من الشارع ربما أكون أنا أول رسام يحاول التاريخ للأحداث الكبرى لهذا الشعب، بما فى ذلك تاريخ الثورات، راجع لوحة لمجلس قيادة ثورة يوليو، ولوحات لثورة 25 من يناير، ولى كتب وأعمال نحتية وحتى روايات، كلها نتاج التلاحم مع البيئة، والانفعال بقضايا الوطن والقضايا العربية ولذلك يحزننى مزايدة البعض على فى هذا المجال ومحاولة التجاهل، ربما يريد البعض معاقبتى على آرائى الجريئة، أو آرائى المختلفة فأنا على سبيل المثال ضد أن يقوم أحد بشطب جزء من تاريخنا بدعوى أن تلك كانت فترة سيئة، أو يبدى رغبة فى هدم صرح أو إنجاز لا لشىء إلا لأنه ينتمى إلى فترة بائده، لا يمكن أن تسمح ذاكرتك السياسية أو الثقافية لأن هناك فترة لا تعجبك لأن رأيك الشخصى لا يغير التاريخ.. الشعب الفرنسى لم يهدم الفرساى لأنه ينتمى إلى عصور الملكية .
محمد مرسى
نصف الدنيا - 10/ 6/ 2011
بهجورى ثائراً فى الميدان
- ` بهجوري في الثورة ` هو العنوان الذي أحب الفنان جورج البهجوري أن يضعه تاجا فوق معرضه الحالي بقاعة ` المسار ` بالزمالك، حيث افتتحه يوم 22 نياير الماضي، وسوف يستمر إلى يوم 17 فبراير، وبينما يصنع الشعب ثورته في الميدان، يبدع البهجوري ثورته الخاصة في مرسمه، يحيا أنفاس الحرية في الميدان لساعات، ثم يحيي كائناته المصورة لساعات أخرى، وهكذا يمتد الحبل السري من الأم ( الميدان ) إلى المرسم ( الطفل ) الذي يلد بدوره عدة أعمال فنية، لوحات من قماش التيل، امتزجت عليها باليتة نارية من الألوان الزيتية أحيانا، وعبر مزيج من الوسائط أحيانا أخرى مع لمسات النسيج المصري البهجوري المعروف.
- ومنذ ما يزيد عن العام كان جورج البهجوري قد فاجئنا بمعرضه ` رسم على رسم `فى جاليري المشربية بالقاهرة وألحقه بمعرض آخر بعد مدة في جاليري المسار، ويفاجئنا مرة أخرى بمعرضه الحالي، والذي أحب أن أسميه مجازا ( ثورة على ثورة ) أو ( جيل على جيل ).
- في `رسم على رسم `عارض بلغة الشعر بهجوري لوحات لفنانين آخرين انطبعت في ذاكرة الفن الجمعية، منذ عشرات أو مئات السنين، وأعاد رسم هذه اللوحات بأسلوبة الذي اقترب من تكعيبية بابلو بيكاسو، ذلك الفنان المهاجر إلى باريس تماما كبهجوري الذي يقدم لنا من خلال عرض `بهجوري في الثورة ` ثورة تستلهم ثورة سابقة وجيلين قاهريين يتحاوران، أولهما الجيل الذي سار وراء قادة ثورة 23 يوليو وثانيهما الجيل الذي قاد ثورة 25 يناير، وقد شملهما البهجوري بروحه اللونية السحرية وغلف الإختلافات بين الجيلين، على مستوى الفكر والتكوين والخامة والعناصر، كي يقدم لنا هدية فنية الملامح.. إنسانية الفلسفة.. كونية الطرح .. مصرية القلب والمضمون.
- فى المعرض لوحة تصور أم كلثوم أيقونة الغناء في الخمسينيات والستينيات، كانت في مركز إهتمام ذلك الجيل،غنت للثورة ولزعيمها، وجاءت لوحة البهجوري في شكل الإيقونة فعلا، إذ بدت أم كلثوم فى مركز اللوحة الذي شكل نقطة إلتقاء محورين متعامدين قسما اللوحة إلى أربعة أجزاء.. القصبجي بعوده الأثير في الربع الأيمن إلى أعلى تحت منديل ثومة الأصفر ومساحة زرقاء حزينة مثلت وحدته ومغادرته الحياة في منتصف مشوار فرقة كوكب الشرق، وعلى يساره ويسار الست مربع عبده صالح ساحر القانون ببابيونة بيضاء، وامتد الأبيض إلى رأسه ويداه اللاعبتين على الآلة، بينما تحلت خلفيته بأزرق الجانب الأيمن وأصفر من منديل ثومة، وإلى اليمين في الأسفل `عظمة ` وهذا هو اسم شهرة عازف الكونترباص فى فرقة أم كلثوم بخلفية صفراء، في حين اصطبغ الجزء الأعلى من آلته باللون الأحمر ويداه مرسومتان كبيرتان على الأوتار، وهي طريقة لعزف الألات الوترية من عائلة الكمان تسمى البيتسيكاتو أو العفق بضرب الأوتار باليد، ولا يستخدم فيها العازف القوس وكان هذا غالبا دور عظمة في فرقة الست عزف القرار المصاحب للحن، وقد ناسب الدور الموسيقي وضع عازف الكونترباص في أسفل لوحة البهجوري، والجيتار الكهربائي على الجانب الأيسر من أسفل مع عازفه، عبر خلفية حمراء، وبعض أجزاء الآلة أيضا صبغها فنانا باللون الأحمر بما يلائم دور الآلة الرومانسي في الأغنية الشهيرة إنت عمري التي لحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب.. وقد ظهرت كوكب الشرق في وسط هذه الفرقة وهي تنظر إلينا وفي يدها اليسرى المنديل الأصفر كما ذكرنا، وتتحرك يدها على اللوحة بالطريقة التكعيبية الأثيرة لدي بهجوري فتظهر اليد مرتين في وضعين مختلفين، واليد اليمنى تمتد إلى الأعلى فيرتفع النغم ويرتفع بصر مشاهد اللوحة معها إلى الوجه الذي احتل مساحة صغيرة في أعلى اللوحة، بينما امتدت الحنجرة الذهبية من منتصف اللوحة إلى الوجه متسعة لتحتوي الذراع اليمنى مرسومة بطريقة تعبيرية وربما أيضا تذكرنا بالأعناق الطويلة لمدرسة المانيريزم الإيطالية في عصر النهضة.
- لوحة أخرى أكد بها جورج البهجوري إنتماءه لجيل الثورة اليوليوية، عبر صورة جماعية لأعضاء مجلس قيادة الثورة مع اللواء محمد نجيب قبل عزله، ويتجه بصر المشاهد فورا إلى أكبر وجوه بهجوري في الصورة وهو وجه جمال عبد الناصر ملهم ذلك الجيل والذي سميت حقبة الستينيات في تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا جميعا باسمه.. ملابس الضباط الأحرار صفراء باللون العسكري وخلفياتهم حمراء وألوان الوجوه بما فيها وجه جمال عبد الناصر معظمها بالأحمر الطوبي الذي لون به قدماء المصريين أجسادهم عندما رسموها على جدران المعابد وخصوا بها أجساد المصريين فقط .
- ثارت مصر في ميدان التحرير وكل الميادين في المحافظات، فيجد مشاهد معرض بهجوري ثورة بصرية موازية على الإيقونية وعلى المركزية وعلى كل ما هو تقليدي، فانضم جيل العقد الثاني في القرن الواحد والعشرين إلى جيل ستينيات القرن العشرين فرسم الشباب الحرية في الميدان ورسم البهجوري أحلام الميدان في لوحة ` الثورة في ميدان التحرير `.
- التكوين هنا مختلف على يمين وأعلى اللوحة حصان وجمل يسقطان كما حدث في معركة الجمل، وأحاطت بهما في وسط اللوحة أيضا الأكف المبسوطة والوجوه الهاتفة للحرية وللعدالة، وتستكمل مسيرة الأكف والوجوه في يسار اللوحة على كوبري قصر النيل، حيث تقاوم عدوا آليا من المدرعات التي تخرج النيران الصفراء من بعضها، والنيل أزرق بجلاله وحزنه المهيب، ويشهد على كل ذلك أن جميع العناصر في اللوحة مسطحة بلا ظلال مما أكد البعد الرمزي وحضور الحدث وخطورته، جموع الثوار في اللوحة بيضاء اللون ويشوبها في بعض المواضع اللون الأحمر كرمز للشهداء، ونلحظ شخصان أسودان في الأسفل إلى أقصى اليسار من اللوحة، في إشارة إلى النظام السابق الذي وجد نفسه وقد تزحزح إلى الهامش، علاوة على أن تناقض لونه مع لون الثوار أوحى بالمؤامرة التي يحيكها للقضاء على حركتهم، وقد أفاد التكوين الحر للوحة معاني الحرية التي نادى بها الثوار وكذلك الفوضى التي دبت في الميدان بدخول الخيل والجمال إليه.. أيضا طعم بهجوري صورة الجمل بأقمشة زاهية بها زخارف الأرابسك؛ فبدا غضب الثوار وقد انصب على راكب الحيوان دون الإضرار بالحيوان نفسه، وهي من القيم الإنسانية الراسخة لدينا.
- لوحة أخرى تحت عنوان `موقعة الجمل ` يتصدر فيها جسد الحصان المشهد، بينما يسقط راكبه البلطجي من فوق ظهر الحصان إلى الأرض، وتلوح الجماهير في أسفل اللوحة إلى اليسار وانطلق النسر الذهبي من علم مصر خارجا من بين ألوانه الثلاثة محلقا في الفضاء الواسع الذي يملئ أغلب اللوحة، وقد أضاف التكوين الحر لمعنى اللحظة الفوضوية التي سقط فيها راكب الحصان والتي انطلق فيها نسر العلم من الرايات صوب العلا في السماء مع اتجاه الأكف المبسوطة وأرواح الشهداء التي جسدها بهجوري في طائرة ورقية في أعلى اللوحة ذات وجه انساني تجريدي الملامح.
- ` مقهى التحرير ` لوحة في معرض الثورة لبهجوري يتصدرها لوح لعبة الطاولة على المقهى بألوان صفراء وحمراء نارية، وعلم مصر أقصى يمين اللوحة وشيشة ذات ولعة محمرة، ودخانها أصفر، وطاولة في خلفية اللوحة تعلوها المشاريب وقد اصطف حولها زبونان وجلس البهجوري في خلفية اللوحة يشرب الشيشة بألوان داكنة وأقل قدر ممكن من الخطوط تستطيع تحديده بالكاد، وهذا هو الجانب الآخر من الثورة، حيث إشتعال اللعبة بين الثوار وتتضاد أيدولوجياتهم وإتجاهاتهم.. ويلتهب الحوار ولكن تبقى مصر هي المولد والموطن والمآل.
ثم يصور بهجوري نفسه في لوحة ` أنا وكراسة الرسم ` كشخص تعبيري مجرد وخلفية تنقيطية تذكرنا بخلفيات بورتريهات فان جوخ الذاتية، ممسكا قلما وكراسة الرسم مثبتا بعض القماش هنا وهناك على الألوان الزيتية واضعا على جبينه قصاصة بلون علم مصر ..
- نعم إنها مصر التي احتضنت النيل وثار شعبها الثورة الأولى في التاريخ في نهاية الأسرة السادسة الفرعونية منذ ما يزيد على أربعة آلاف وخمسمائة عام، واليوم تنجب أحرارا وفنانين في معرض جورج البهجوري عن الثورة والحرية وحب الجمال والحياة.
أشرف كامل
القاهرة - فبراير 2012
لوحة وفنان
- فى معرض ضم حوالى العشرين لوحة من الأحجام الكبيرة أقام الفنان جورج البهجورى معرضه بعنوان (بهجورى عن الثورة) فى قاعة المسار بالزمالك والذى فيه سجل انطباعاته للاحتفال بالذكرى الأولى لثورة مصر البيضاء .
- وقد اعتبر البهجورى هذه اللوحات هى تجربة ذاتية لوجوده الجسدى وسط المظاهرات ليترجم هذا التواجد إلى لوحات هى خلاصة تجربته مع فن الكاريكاتير الذى مارسه سنوات طوالا منحازا فيه للفقراء والبسطاء وقضايا المجتمع لتكون فى الثورة الخلاص أو الإجابة على قضايا أثارها فى كاريكاتيراته المجتمعية والسياسية .
- وقد قدم البهجورى لمعرضه الذى ضم لوحات تمثل مظاهرات الشباب ومعركة الجمال قائلا: ( لم أتصور أن تحدث دون صرخة واحدة وهتاف واحد ( الشعب يريد) ثورة ومليون ثائر ثم 80 مليونا وأنا واحد من هؤلاء.. أعود من ميدان التحرير لمرسمى وذراعى الذى يتموج وسط مليون ذراع أصرخ معهم من جديد.. وفى مرسمى جمعت رسم دفتر اسكتشاتى وقد تحول ذراعى المتموج مع الصرخة الأولى والصرخات المتتالية إلى فرشاة وتحولت أصابعى الخمسة إلى ألوان ساخنة من الأصفر والبرتقالى والأحمر ألوان ألسنة اللهب المشتعل حولى وبداخلى فتحولت لوحاتى بصرختها إلى هذا المعرض، معرض البهجورى يضم وجوها وأذرعا فى تلاحم كفسيفساء بشرية متلاحمة متلاصقة يتشكل من تلاحمها معا مشهد جمالى مشهد يحكى ويكشف عن معاناة ماض وأمل مستقبل ولحظة فخر وروعة قد تدوم هذه اللحظة داخل شخوصها دهرا لا تنسى.
فاطمة على
أخر ساعة - 8 /2 /2012
لوحة الفطور اليومى
- يتضح أسلوب الفنان الذي يتميز بقدرة عالية على التلخيص والإيجاز مع السخرية الناقدة اللاذعة، وفي لوحته المسماة ` الفطور اليومي ` ، 121 × 81 زيت على توال ، متحف الفن الحديث بالقاهرة ، وصف عناصر البناء التكويني للوحة: مسطح أبيض في أسفل اللوحة عليه عناصر الفطور اليومي قدر الفول - زجاجة زيت - ملاحة - فجل - بيضة - ليمونه - طماطم - بصلة وجه بين زجاجة الزيت وقدر الفول تزاحم وجوه شاخصة الأبصار حول المسطح الأبيض، نساء رجال أطفال كأن اللوحة مسقط رأسي . يرتدون الملابس الشعبية المصرية. بساطة متطلبات الشعب المصري وقناعته وتحمله لضيق العيش، اللوحة تحتوى حوالي 23 شخصاً يلتفون كلهم حول هذا المستطيل الضيق بشغف وحرص واهتمام وكأن العالم ينتهي بهم عند مائدة الطعام ، وكأن توفير مثل هذا الطعام البسيط هو جل اهتمامهم ومنتهى آمالهم . تشابه الشكل بين الجسم البشرى وقدر الفول فهو لا يزيد عنها في شئ، هما عبوتان لاحتواء الطعام.
- تواجهنا هنا ثقافة الزحام التي ينسى فيها الفرد كيانه وميراثه وإنسانيته، إنه اللهاث خلف العيش يدوس في جنونه كل قيمة أو معنى سوى المعاني المرتبطة بالصراع والفوز السريع وسد احتياجات الغريزة، والنضال لا من اجل معنى راقٍ أو قيمة عليا بل من اجل البقاء، فقط البقاء؛ تنمحي في هذا الزحام الفردية والتميز والتذوق ولا يفوز إلا الأقوى والأقدر على اللحاق بقطار النهم المجنون. لذا يقدم لنا البهجورى هؤلاء الأشخاص ذوى ملامح متشابهة حتى الصغار منهم اختفت ملامح التميز وجاءنا التوحد في الجوع والفقر والهموم البسيطة التي لا تخرج عن حدود هذا المستطيل الذي يحتوى الطعام. اختفت القضايا الكبيرة ومصائر الشعوب وتزاحم الناس حول معنى مشترك عام يقع مباشرة تحت أقدامهم ولا يسمح لهم بالتطلع إلى أبعد منه هو غريزة البقاء، ` كيف تحافظ على نوعك وسط الزحام ` إذن هو التركيز على الجنس والطعام ، يتوالد الإنسان فيكثر العدد23 حشدهم البهجورى في لوحته وجعلهم ينظرون فقط في اتجاه واحد : إلى الطعام ولا ينظر أحدهم إلى الآخر الكل مشدوه ، مغيب ، منسحق ؛ استخدم البهجورى ألوان الزيت على مسطح التوال وخفف من قوام اللون فجاء مشابها لتأثير الألوان المائية مموجة غير محددة متداخلة الحواف جعل الفنان أبطال لوحته كائنات هلامية لزجة مقززة لا تتضح فيها من صفات البشر سوى العيون الذاهلة والأفواه الفاغرة في بلاهة ونهم

د. هبة الهوارى

البهجورى .. يرسم حوار العقل والروح
- أكدت د.فينيس جودة وزيرة البحث العلمي السابقة أن البهجوري دائماً ما يبهرنا بأعماله وتقنياته الفنية العالية، وتطوره الدائم وتعبيره عن ركائز المجتمع المصري في جميع أعماله وتابلوهاته .. جاء ذلك خلال فعاليات افتتاح معرض الفنان جورج البهجوري حوار العقل والروح الذي افتتحه وزير الثقافة د. صابر عرب بحضور أصدقاء الفنان وعاشقي فنه وإذا تحدثنا عن معرضه ` حوار العقل والروح ` نري لوحة الصلاة التي رسمها بحجم كبير، تنم عن عشقه للإيمان، مجسداً بلوحته الحركة والحيوية لصلاة المسلمين في الثورة، ونلاحظ أن اللوحة أيضا بها أطفال صغار يصلون، والكبار يعتنون بهم، كما أشار البهجوري بلوحته ضرورة العمل إلى جانب الإيمان، كما أراد في المقابل أن يعبر بلوحة السيدة العذراء بصورتها إلى جانب الجوامع والمآذن التي تحمل الهلال رمزاً للوحدة الوطنية، وأراد أن يقول من خلالها أن المجتمع المصري عبارة عن نسيج واحد لا يمكن تمزيقه أبداً مهما حدث، هذا غير الأمومة والطفولة التي تظهر واضحة بأعماله والجامع والكنيسة وأم كلثوم وفريد جميعها تمثل ركائز الوطن المصري وأصالته..
- وأكد الوزير إمكانية التعرف على لوحته وأعماله حتي لو لم تحمل توقيعه، مؤكدا ً أن أعمال البهجوري تتسم بالبهجة والإحساس العالي جداً والتفرد الذي لا يضاهيه فيهم أحد، كما استوقف عرب لوحة آمون، ولوحة الأمومة، والأعمال الفنية التي عبرت عن ثورة يناير منها، لوحة العيش والحرية، ولوحة موقعة الجمل الذي منحها البهجوري مساحة كبيرة للتعبير بشكل أكثر، كما استوقف عرب لوحة قارئة الفنجان للفنان الشهير بيكاسو الذي أعاد البهجوري رسمها مرة أخري لكن بصياغته الخاصة، وأشاد عرب بلوحات رموز زمن الفن الجميل لأم كلثوم وفريد الأطرش.
- أما جورج البهجوري فيقول عن معرضه أنه يضم 25 لوحة استخدم فيها ألوان الشمس الدافئة التي تعطي الحيوية والطاقة، لذلك فهو يدعو للحب في معرضه هذا من خلال الألوان التي يسعي من خلالها للم شمل مصر المنقسمة الي حد الاقتتال في ميادين وساحات الوطن، فاختلاف الفكر والرأي لا يجعلهم أعداء أو منقسمين، وهم أهل وطن واحد، لذلك أراد أن يوجه دعوه للحب، من خلال الموسيقي والفرح وفريد الأطرش وسامية جمال وأم كلثوم، كما عبر عن شعارات الثورة في لوحة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ولوحة موقعة الجمل، وتميز المعرض بلوحات كبيرة الحجم تصل إلى ثلاثة أمتار تلك المساحات أعطت له الفرصة للتعبير أكثر عن مشاعره وتوصيل رسالته للجمهور، مشيرا للوحة الصلاة التي تعبر عن الثورة وعن الحب الذي يجمع بين الناس فيها، وقال إن الصلاة ترمز لنجاح الثورة، وأشار للسيدة العذراء في عمل آخر بجانب المآذن التي تحمل الهلال، مشيرا لعشق المصريين للسيدة العذراء سواء كانوا مسلمين أو أقباطا، وهي لوحة عبرت عن النسيج المصري الواحد الذي يجب أن نحافظ عليه، وفي النهاية تمني جورج البهجوري أن يمثل مصر هذا العام في مهرجان فينيسيا بلوحة موقعة الجمل .
- وقال الإعلامي نبيل سعيد وهو صديق جورج إن المعرض به تطور رائع وألوان جديدة مفرحة شابة، جعلته يشعر بأن جورج في العشرين من عمره، ولا يمكن لأحد يشاهد هذه الأعمال يري البهجوري في الثمانين من عمره، وأشار نبيل للوحات البهجوري التي تتسم بالمصرية والطفولة، ولاحظ ما تركت ثورة يناير علي البهجوري من مشاعر فياضة في العديد من لوحاته مثل: موقعة الجمل التي تتسم بالزحمة الفكرية لدي جورج، وأشار للعديد من اللوحات التي يرسم البهجوري فيها نفسه، فعلي سبيل المثال تمركز البهجوري وسط عائلة ريفية وكان محورا للوحة، ورأي نبيل أن لوحات البهجوري لا تخلو من الطرافة وخفة الظل، ولا يمنع هذا من أن نري الشجن في بعض أعماله والبؤس بعيون الأطفال، نظراً لوفاة والدته بعمر مبكر، كما تلعب العين دوراً واضحاً بأعماله والخيمية والتراث المصري .
- وأشاد الفنان سمير فؤاد بالمعرض وقال إن جورج البهجوري علامة في الفن المصري، سواء في دوره الثري الذي قام به في الحركة الفنية،أو كفنان كاريكاتير بروزاليوسف وصباح الخير في الستينيات أيام المد القومي وعبد الناصر، وهو يعد من الفنانين المتفردين فى الكاريكاتير السياسي وحتي الآن، بالإضافة إلى تفرده بلغة خاصة ونغمة خاصة في الخط الواحد الذي تتميز به لوحاته بقوة، ومن يتابع البهجوري يري أن أعماله تحمل بعدا مصريا وشعبيا، وهو الاتجاه الذي اتخذه لنفسه منذ بداية حياته الفنية .
سحر عبد الفتاح
أخبار الأدب - الأحد 27 يناير 2013
الثورة مستمرة.. شعار يرفعه جورج البهجورى
- بعدما أمضى الفنان المصرى جورج البهجوري عطلة باريسية طويلة،عاد إلى القاهرة ليجد الأمور كما تركها. البلد في خضم عهد جديد بكل نوازعه ومشكلاته، وشعلة الثورة لا تزال متأججة ومستمرة، وشجونه التى أودعها لوحاته تتقاطع مع ما يحدث حوله.
- تستضيف قاعة `المسار` فى القاهرة أحدث أعماله، تحت عنوان `حوار العقل والروح` حتى 20 من الشهر المقبل تتمسك لوحاته التي يقدمها بالأمل كما يقول، محاولاً بث روح الطمأنينة فى نفوس المصريين مجدداً. وتذكر أعماله بالزمن الجميل، حين كانت تصدح معشوقته التي لا يمل من رسمها `كوكب الشرق` بصوتها الشجي. يتذكر البهجوري، ويذكر متابعيه، بالفرح والغناء والرقص على نغمات الموسيقى الشعبية في مشاهد تتوالى على المخيلة وتفرض بناء درامياً يميل إلى التفاؤل والبهجة.
- ثمة خيط رفيع فى المعرض، يقفز من لوحة إلى أخرى، بألوان متعددة ومتشابكة تعبر عن الروح المصرية.التقط البهجوري هذه الروح ولخصها في قصاصات الخيامية التي فرضت نفسها على المشهد.
- والخيَامية فن مصري يعتمد على التشكيل بقصاصات القماش والخيوط، ويرجع إلى العصر المملوكى، وهو أشبه ما يكون بفن الفسيفساء قطعة الخيامية التي نلمحها في لوحات البهجوري لها مغزى، خصوصاً هذه الأيام، فهي تشبه الوطن بأطيافه وأحزابه وتياراته ومعتقداته وثقافاته لا تستطيع أن تنزع أياً منها، ولا أن تهمش أحدها، لأنه أمر مخالف لطبيعة الأمر.
- مصر تشبه قطعة الخيامية التي يرسمها البهجوري وعلينا أن نتقبل ذلك، فمن دون هذا لا نستطيع التعايش.
- اختار البهجوري لمعرضه عنوان `حوار العقل والروح`، وهو يحتفل من خلاله بالثورة ولسان حاله يقول: `هنا ثورة لم تكتمل بعد... لكنها ستكتمل على كل حال، فالأمل ما زال معقوداً على الشباب والمستنيرين حتى تعود إلى مسارها السليم`.
- يُعرف البهجوري، وهو أحد أكثر الفنانين المصريين شهرة، بأسلوبه الذي يعتمد على تداخل المساحات والخطوط التي تتقاطع وتتحرك في مساحة اللوحة من اليمين إلى اليسار، ومن الأعلى إلى الأسفل، وهو أسلوبه الذي يتبعه في رسم الشخوص بالأبيض والأسود.
- خط واحد مستمر، لا يتوقف حتى تكتمل المساحة وتتحدد الملامح ويستخدم الفنان في لوحاته الملونة الأساليب أو الخامات التي يراها مناسبة للعمل، كطريقة `القص واللصق`، أو غيرها من الأساليب التي تتواءم مع طريقته في تناول اللوحة.
- يقدم في معرضه أفراح الناس في وقت تنتشر غمامة من الأسى والحزن في سماء الوطن ولعل أصداء لوحاته وهمهمات شخوصه وإيقاع موسيقاه تجد طريقها بعد حين إلى الشوارع والميادين، لتتحول تلك الألوان المُفعمة بالمرح والسعادة إلى واقع يغير شيئاً من تلك الأجواء المشحونة التي يعيشها المصريون.
- ولد البهجوري في قرية بهجورى قرب مدينة طيبة (الأقصر)، واشتهر في الصحافة المصرية والعربية كرسام كاريكاتير ولم يتوقف عن إنتاج اللوحات الزيتية في مصر والمهجر يستلهم أسلوبه من الأيقونات القبطية وفنون التراث عموماً. ويعبّر في لوحاته عن الأطفال والزحام والأحياء الشعبية واتجه في السنوات الأخيرة إلى التبسيط والتركيب (الكولاج) .
ياسر سلطان
الحياة - الأربعاء 30 يناير 2013
.. بهجورى فى الشارع الرمضانى
- رسم الفنان الكبير جورج البهجورى لوحات لمظاهر شهر رمضان فى الشارع المصرى وبعيدا عن هذا فإن البهجورى يهتم بأن يكون مؤرخا للشارع المصرى وأحداثه فما من حدث سياسى أو إقتصادى أو إجتماعى إلا ونراه يهز توال لوحات البهجورى ربما يرجع هذا لبدايته كفنان رسام كاريكاتير أى أن عينه مفتوحة ناقدة على أحداث الشارع وأثر السياسات على البسطاء لذلك هو مرآة البسطاء فى أزماتهم واحتفالاتهم وقد اعتاد على هذا واعتدنا أن ننتظر وجهة نظره فرسم فى لوحاته أزمات المواصلات وزحامهم والباعة والفقراء وثورة 25 يناير وشهداء التحرير كما رسم منذ سنوات قليلة لوحات عرضها بعنوان مدد مدد اهتم بها بمفردات الإحتفالية الرمضانية للبسطاء فى الشارع المصرى وحواريه فرسم موائد الرحمن وصلاة التراويح وباعة الفول والمؤذن ودعاء المصلين والذاكرين وراقصى التنورة .
- وقد اخلص بهجورى الرؤية بفنه فى مشاهد لوحاته بما يوحى بالإستمرارية فجعل اطر لوحاته مفتوحة الجهات الأربع على المشهد الذى يرسمه لنتخيل آخرين موجودين خارج الكادر يمارسون شعائرهم الدينية فجعل غير المرئيين موجودين ضمنيا لأن ما يسود المشهد يسودهم فقطع الكادر عند بهجورى هو إيحاء لإمتداد المشهد فمشاهد الصلاة لها امتداد معنوى وزمنى داخل اللوحة مثلما هو خارجها لأن للصلاة زمنا ممتدا وليست مجرد لقطة أدائية فى لحظة للتسجيل وتنتهى بل هى ممتدة داخل زمنها الخاص وعبر اليوم بل وعبر العمر كله بين القيام والركوع والسجود فاللوحة تخفى ورائها روحانية ومعنى الإمتداد فى الزمان والمكان والروح وداخل الإنسان لتكشف عن معان أكثر عمقا من كونها أداء حركى نمارسه أو يرسمه الفنان .
- وفى لوحات التضرع بالدعاء لله عز وجل ركز الفنان الكبير على العيون المتوسلة والأكف المرفوعة فى تداخل وفى لوحات أخرى ركز على مجرد الوجه والكفين لكن الحالة الوجدانية المتوسلة لم تجعلها مجرد لوحة لأوجه وأكف بل هناك حالة بتداخل اللون والشخوص كأنهم سابحون فى تداخل تضرعى أملا فى إجابة الدعاء .
- وحين رسم الفنان الكبير مشهد موائد الرحمن جعل للوحته أكثر من مستوى ففى المقدمة مشهد الموائد وفى الخلفية جدران عالية لمسجد تعلوه مئذنة أمام سماء يتوسطها هلال فضى والمشهد كله فى حضن لفظ الجلالة ` الله` على اللوحة .
- وفى لوحة أخرى رسم فى المقدمة مشهد لحامل الخبز فوق رأسه يسارع بدراجته إلى حيث موائد الرحمن وفى مستوى ثان رسم صفين من الموائد يلتف حولها عابروا السبيل والفقراء وقت الإفطار وفى المستوى الثالث رسم مصلين يؤدون صلاة المغرب قبل تناول الإفطار وارتكن كل المشهد إلى جوار المستوى الأخير وهو جدران مسجد بدا كخلفية للمشهد بأكمله وحاضنا له .
- ونلاحظ أن الفنان جعل لوحتى موائد الرحمن مرتبطين تماما بالمسجد كامتداد لمعنى التضامن والتكافل وليجعل العمق الروحى لمعنى إقامة مآدبة لإطعام الصائم مرتكنا إلى رمزية جميلة روحية فى ارتباطها بالمسجد .
- استطاع الفنان جورج بهجورى التعبير فى بساطة وجمال عن لوحات رمضانية كلها بشر ليؤكد على قيمة التلاحم الإنسانى البشرى دون أن يقدم لوحة تقريرية وصفية .
فاطمة على
القاهرة - الثلاثاء 31/ 7/ 2012
ساعات فى محراب الفنان الكبير جورج البهجورى
* أناشد وزارة الثقافة : تحويل مرسمي إلي متحف يحمل اسمى..
* لا أحب ( الجرافيتي ) لأنه قابل للإزالة ووظيفته وقتية..
-هناك شخصيات مبدعة يعتبر اللقاء معها مناسبة في حد ذاتها، نظرا لما تحمله من منظومة متكاملة، وتراكمات الأيام والخبرات والتحولات، ومن هذه الشخصيات الفنان الكبير جورج البهجوري، الذي حاولت السعي للقائه، وكان المعرض التشكيلي الذي شارك فيه مؤخرا ببعض ابداعاته الجديدة فرصة لدعوته للحوار علي صفحات ( أخبار الأدب )علي الرغم من أنه تجاوز الثمانين من عمره مؤخرا، إلا أنه لا يزال في حالة من التوهج الفني حتي انه حصد جائزة ( سمبوزيوم الأقصر) في نوفمبر الماضي. تسللت إلي محرابه الإبداعي..قضيت ساعات في معبده الفني..الذي يحتضنه مرسمه بوسط البلد?.
-عالم آخر يبعدك عن صخب الشارع وثرثرة الحياة، مع أنه في قلبها.. مكان فني أشبه بأيقونه سحرية.. يجعلك تتأمل وتحدق في تلك اللوحات الفنية والتشكيلات الجمالية التي تحاورك بدراما الألوان علي الجدران، وتتجاور مرايا فنية، تتحاور معك وهي منبسطة علي الأرض أو متساندة علي حوائط الطابق الأول صعودا إلي الطابق الثاني .
-هنا يعكف الفنان جورج البهجوري ويعتكف بين ابداعاته محاطا بالألوان المتنوعة، والظلال المتناثرة في أرجاء المكان ليس ثمة فراغ حتي الحوائط والأبواب هذه المجلدات المفتوحة والمغلقة تختزن ماضيه وتختزل حاضره وتوثق بمفردات الجمال شواهد ومشاهد رحلته الفنية ذات المحطات التي تراوحت بين القاهرة وباريس وغيرها من المدن الأوربية التي تكتسي بالثقافة والجمال والتاريخ والحضارة .
- رموز.. وألوان.. وظلال.. وذكريات.. ومذكرات.. كلها تفتح آفاقا واسعة لمواصلة حوارية مع المبدع الكبير، وتناوشني ثقافة الأسئلة.. وتطل برأسها عبر مشواره الفنى، حول رحلته مع الكاريكاتير، وعلاقة الفن بالسياسة، والإبداع الفني بالدين، واشتباك الفنان مع السلطة..عن فرنسا بلد النور الذي اجتذبته ثلاثين عاما، ومع ذلك لم تنجح في أن تتفوق علي عشقه وحبه الصوفي لمصر ..عن البهجوري فنانا خلاقا.. سيرة ومسيرة.. وموهبة وعبقرية فنية..أشاد بها النقاد في الشرق والغرب، كانت هذه الزيارة والمحاورة ..
* لأن ليس لي ورثة :
- إذا بدأنا الحديث عن هذا المرسم الذي يحمل مقتنيات غاية في الروعة والعديد من الرسومات غاية في التشويق والتنوع والاختلاف فماذا تقول عنه ..أنا أرسم في هذا البيت العشوائي بوسط البلد، منذ خمسة عشر عاما، بعد عودتي من فرنسا،عندما اتخذت قراري بالاستقرار في وطني، فجمعت أعمالي ومقتنياتي في هذا المرسم كما ترين، لذلك فإن المكان ملئ بالذخائر الفنية والفرعونية التي صنعتها طوال عمري، وجميع الأعمال الموجودة به تنبض بالحياة وتضخ ألوانا، كما تحمل هذه المجلدات رسومات وأعمالا فنية لي عمرها يرجع إلى عشرات السنين، كما يحمل هذا المكان العديد من الذكريات الجميلة، التي تعز علي جداً، لذلك أرجو من وزارة الثقافة، أو من أي هيئة إعلامية، أن تحول مرسمي هذا لمتحف باسمي، نظرا لأن ليس لي ورثة .
* لغة الألوان :
- أحدق في عشرات المجلدات التي تحوي بين طياتها رسومات الفنان الكبير عبر سنوات، بل تضم تشكيلات لونية مختلفة إلي أي حد يمكن أن تبوح عن المحطات التي انتظمت تطورك الفني .
-التطور يظهر في أعمالي الطبيعية من مرحلة أخري..فأنا أري الخط رحلة تبدأها اليد وتنفذ للأعماق من خلال العقل وإدراك الذاكرة،فما أجمل أن يتنزه القلم بالحبر الأسود علي ورقة بيضاء فيثرثر في بهجة وأنين..ليحكي مونولوجا أو موالا من حياتنا، لا أكتفي أو أتوقف إلا إذا شعرت أني رسمت كل ما أريد أن أحكيه.. واستعمل كل الألوان وكل الأنواع، ورنيش، زيت، حبر، جواش، ألوان مائية.. وفي أعمالي ألوان باردة، وألوان دافئة، التي هي ألوان النار، والشمس، مثل الأحمر والأورنج، والألوان الباردة، هي لون الظل والبحر والسماء وما شابه ذلك فليس لدي عائلة لونية مفضلة عن الأخري، أو لون معين يفرض نفسه من حين لآخر، فكل شئ قابل للمعالجة والتدوال والتناول الفني .. فهناك فترات سيطرت علي رسوماتي الرماديات، وفترات أخري رسمت فيها وجوها حزينة بألوان قاتمة، لكني في جميع الحوال أعشق الانطلاق وعدم التقيد، لذلك فإن أعمالي تتسم بالعاطفة وتعبر عن أعماقي .
- ويمكن تكثيف تطور المراحل الفنية التي مررت بها كالآتي المرحلة الأولي بدأت في طفولتي حتي التحاقي بكلية فنون جميلة بالزمالك للدراسة الإكاديمية، أما المرحلة الثانية فكانت في السبعينات حيث العودة للتبسيط والجذور المصرية القديمة التي يتمثلها الفن الفرعوني والقبطي والإسلامي، أما المرحلة الثالثة فقد استخدمت القلم الروترينج ذي السن الرفيع جدا، وهو يشبه الشعرة، والمرحلة الرابعة بدأت بعد استلامي مرسمي في إيفري بباريس، وأطلق علي هذه المرحلة مرحلة فن التشخيص أو البورتريه حيث اتجهت لفن النحت، أما المرحلة الخامسة والأخيرة فهي دراسة أعمال أساطين الفن أمثال مايكل انجلو، ورمبرانت، وجوجان، ومانيه، وفيرمير، ومحمود سعيد، والجزار وحامد ندا .. لذلك أصف ببساطة تطور أي فنان بنمو مشاعره التي تختلف من مرحلة لأخري.
- (بيكاسو ) المصري :
- يشبهك النقاد بأنك بيكاسو المصري،في نقطة تماس اشتهر بها بيكاسو حين أعاد لوحات لمشاهير الفنانين بصياغة حديثة، فما هي أوجه التشابه والاختلاف بينكما ؟
- جلست ساعات طوال أمام لوحات بيكاسو أستنشق رائحة ألوانها الزيتية، وأمعن النظر في أعماله التي أعشقها دائماً، وكان هدفي دائماً أن أصل لمستواه وأن أحقق العالمية مثله، وأعتقد إني حققت إنجازا دولياً كبيراً، وعرضت أعمالي في دول كثيرة، وأستطيع أن أجزم أنى حققت إنجازا افضل منه، لأني أحمل مصر داخلي، حتى وأنا مقيم بباريس، وكوني أرسم مصر مهد حضارات العالم فأنا حققت شيئا أفضل منه، لان بيكاسو ضيع علي نفسه فرصة الانفتاح علي بوابة الشرق .
- لكن لو عقدنا مقارنة بين ما قدمه بيكاسو وقدمته أنا في إعادة رسم لوحات لفنانيين آخرين عالميين، سنري أن بيكاسو تحرر تماما من كل قواعد الفن الكلاسيكي، وانطلق مبحرا بين التجريدية والتكعيبية، وإعادة الخلق الفني بقوة وسخونة وجرأة وحرية مطلقة وبنظرة لا تخلو من السخرية، لكني كنت أمعن التفكير في ظروف رسم اللوحة الأصلية مرة أخري، وكنت أستحضر في ذهني كيف رسمت ولماذا، حتي إني كنت أتخيل نفسي جالساً معهم وقت الرسم، رغم فارق الزمن الذي يصل لعدة قرون، تجربتي كانت ذهنية تتجه للتبسيط الفني لأني أكره التعقيد لكن هذا لا يمنع من وجود السخرية في العمل، وأسعدني تشبيه النقاد لي ببيكاسو فقالوا عني بيكاسو المصري، وحالياً المؤرخ محمد بغدادي يكتب عني كتاب ويعد فيلما أيضا .
- فن البورتريه :
- لعب فن الكاريكاتير دورا هاما في شهرتك حتي أن هيئة الأمم المتحدة اختارتك في السنوات الأخيرة، من خلال مسابقة عالمية، الرقم السابع عشر في فن الكاريكاتير علي مستوي العالم لجمعية فناني الكاريكاتير محبي السلام، هذا صحيح وكان برئاسة جان بلانتو رسام فرنسا الأول ورئيس الجماعة وأنا واحد منهم، لكن ما لا يعرفه أحد عني هو أن اهتمامي في البداية كان لفن البورتريه، كنت أرسم اسكتشات لزملائي وأساتذتي برؤيتي الخاصة في فن الكاريكاتير، ولم يسلم مني حتي أستاذي حسين بيكار، رسمت كل الرؤساء بنفس الطريقة عبد الناصر والسادات ومبارك، ود.مرسي، وطبعا من يرسم أي شخص فهو بالضرورة يحمل له عاطفة، وطبعا هناك دعامات للنجاح في فن الكاريكاتير، فهو يعتمد قبل أي شئ علي خفة الظل والقفشة التي تعد مفتاحا سحريا يفتح كل الموضوعات، فلا ينجح رسام الكاريكاتير إذا كان ( دمه ثقيل) وهناك العديد من رسامين الكاريكاتير فشلوا لثقل دمهم ولم يكملوا .
- الخط الفكاهي :
- تتميز بأنك أسرع رسام ضربة القلم أو الريشة تنتهي بالإمضاء، كما ترسم اللوحة في أقل من الثانية، هل هذه الخاصية.هي التي ساهمت في انتشارك محليا وشهرتك عالميا .
- نعم هذا ما أدي لانبهار الرسامين الآخرين بي من كثير من بلاد العالم لا سيما من اليابان واستراليا والنمسا وقد أصبحوا أصدقاء لي، وقال النقاد عني إني تميزت جدا، ولمع اسمي في خلال فترة وجيزة بعد عملي بمجلة روزاليوسف لهذا السبب، وقالوا عن خطي السريع أنه مليء بالفكاهة، وتنبأ لي الكاتب الكبير لطفي الخولي بعد أول غلاف نشر لي في روزاليوسف بهذه الشهرة، حتي انه ترك لي كلمة كتب فيها (عظيم يا جورج) تشجيعا منه لي، لكني بعد خمسة عشر عاما كرسام كاريكاتير وبعيداً عن دراستي الإكاديمية، سافرت إلي باريس للاطلاع علي اللوحات بالخارج لمدة أسبوعين، زرت إيطاليا أولا، ومتاحف العظماء بها مثل مايكل انجلوا، ودافينشي، ورفايل، انبهرت بأعمالهم لذلك لجأت إلي المزيد من المعرفة والاطلاع، وهو الأمر الذي غير اتجاهي الفني.
- عبد الناصر والسادات وأنا :
-عملت بالصحافة وأنت طالب في الجامعة، وعلي حد علمي أن فن الكاريكاتير آثار حولك العديد من المشاكل مع القادة والمشاهير، ألم يكن ذلك صعبا عليك في مثل هذا العمر..
-فعلا.. رسم الكاريكاتير آثار علي العديد من المشاكل، لإني كنت أرسم غلاف روزاليوسف أسبوعيا، الفن يحتاج الوعي، وعندما عملت بالمجلة كان عمري عشرين عاما، طالبا بكلية الفنون الجميلة، مع الصحافة، فكنت دائماً أسمع زملائي يتحدثون في السياسة فيجذبني الحديث لأتناقش معهم، وأتناقش مع إحسان عبدالقدوس كل أسبوع حول موضوع الغلاف، تلك المرحلة كانت من أصعب المراحل بالنسبة لي، وكان لزاما علي أن أفهم سياسة وأدرس مصطلحاتها، فكنت اقرأ كثيراً واستمع كثيرا لزملائي، وكان حولي أحمد بهاء الدين، ومحمود العالم، وفتحي غانم، وكنت اتقابل مع مصطفي أمين وعلي أمين، وحجازي الرسام وحجازي الشاعر،فعملي جعل مني سياسيا في عمر صغير، وكان يجب علي أن أكثف وعيي السياسي حتي امتلك الرؤية للتعبير، حتي قال عني الناقد الراحل غالي شكري (انه لا يرسمك وانما يقول رأيه فيك) فرسمت العديد من الشخصيات المعروفة ورسمت عبد الناصر، في الوقت الذي كان يقبض فيه علي المثقفين من زملائي بروزاليوسف، وهذا في رأيي أكبر غلطة ارتكبها عبد الناصر بالرغم من إني ناصري، لكنه لم يقبض علي، لأنه لم يغضب من رسوماتي، بل كان يضحك عليها، ولم يصل الموضوع عنده لأزمة شخصية، بل تقابلنا أكثر من مرة ، لكن أنور السادات وضعني في القائمة ونشرها بأخبار اليوم وبالصور، وكان عنوانها هؤلاء يشوهون سمعة مصر، فقد رأي في رسوماتي إساءة، لكن في النهاية اعتبرني من الأحرار والديمقراطيين.
* المعاندة والمعارضة :
أسألك من خلال سياق ما سبق عن ارتباط الفن بالسياسة.. وتعنت السلطة حيال فنك.. كم كلفك عنادك مع السلطة .
- رسام الكاريكاتير يجب أن يكون عنيدا، وخصما للسلطة، يجب أن يكون معارضا، حتى يكون ناجحا، وطبعا يغضبون مني في السلطة، وأكون مهددا دائما، وأقمت في فرنسا مدة طويلة تصل إلى الثلاثين عاما، صحيح في بادئ الأمر كان سفري رغبة مني في المزيد من المعرفة والإطلاع، لكن بعد اتفاقية كامب ديفيد التي كنت معارضا لها، كنت مضطرا للإقامة في فرنسا رغم أنفي، فلم أزر مصر طوال مرحلة السادات، لأنه كان سيعرض رسوماتي كلها في مجلة الوطن العربي وكان سيقول لي كيف رسمت هذه الرسومات، وكنت أيضا ارسم نكتا عليه، بالإضافة إلى أن السادات كان يسجن المعارضين له، وسجن الكثير من الصحفيين، حتى أنه حاول شطبي من نقابة الصحفيين، لكني من خلال إقامتي بالخارج كنت مشغولا جدا بالفن ودراسته، وسنحت الفرصة لي أن أتقابل مع رسامين إسرائيليين في مهرجان عالمي تابع لهيئة الأمم المتحدة، وشاركت برسومات كاريكاتير في عام2007 وانتصرت عليهم في الرسم ورسمتهم محتلين خاطفين فلسطين، واعتبرتني الأمم المتحدة وقتها (غلطان) لكن كتب عني مكرم محمد أحمد في مصر يهنئني بموقفي، وكتب عمودا بالأهرام، قال فيه إن من حق الصحفي لو جاءت له فرصة اللقاء مع إسرائيليين ، أن يخرج سيفه ويبارزهم، وهذا السيف هو القلم أو الريشة، الفكرة الجديدة تأخذ وقتاً لاستيعابها حتي يفهمها الآخر، وأنا كنت صاحب فكرة الرسم أمام العدو ومواجهته وليس الانقطاع عنه والبعد عنه ونجحت في ذلك.
* مشكلتي في الدكتوراه :
- ذكرت أنك سافرت لفرنسا أولا بمحض إرادتك لدراسة الفن، أريد منك إلقاء بعض الضوء علي تلك الفترة وإلي أي حد أثرت فيك وتأثرت بها كانت تربطني بأحمد بهاء الدين علاقة منذ من البداية وهو كان رئيس مجلس الإدارة، وكان يكتب وأنا أرسم فبعثت له بطلب لمد فترة وجودي بالخارج من إيطاليا لباريس بهدف الاطلاع أكثر علي الفنون، لكني بعد شهر من إقامتي بفرنسا قدمت أوراقي بالسربون لدراسة تاريخ الفن، وقررت أن اترك أوراقي في الجامعة ورجعت مصر لأحصل علي إذن للدراسة، الأمر الذي جعلني أوضب لاقامة طويلة مع تواصلي الدائم بمجلة روزاليوسف، وطلبت إجازة بدون مرتب، وقدمت وقتها الفنان رجائي ونيس، ودرست بالفعل في باريس الفنون الجميلة، حتى إني تقدمت برسالة دكتوراه للسربون، وحدث لي مشكلة في الدكتوراه، لأني قدمت للأستاذ المشرف عددا قليلا من الصفحات وهو كان يريد مائتي صفحة، وقال لي إن زملاءك يجمعون من المراجع، فأفعل مثلهم، لكني قلت له أنا أرسم لوحات، كل ما انتهي من لوحة اكتشف نظرية جديدة في الرسم، مثلا في خط بيكاسو كنت أتواصل مع الخط، فالرسالة التي أقدمها لك هي اكتشافاتي بعد كل لوحة، وكانت تلك النظريات عبارة عن رسومات التي كنت أعدها من فترة لأخري، الأمر الذي جعلني لا أركز علي الدكتوراه، وكتبت عن تلك المرحلة مذكراتي في باريس في كتاب ( أيقونه شعب ) واستغرقت في كتابته، شرحت كيف تركت خلفي ما حققته بمجلة روزاليوسف من شهرة لابدأ من الصفر بباريس، كانت رحلة بها إصرار علي النجاح ومغامرة كبري لكني أصفها بأنها رحلة الهوس بالفن ومن أجله أضحي بكل شئ وأي شئ .
* الإفضاء والبوح :
- من هنا نتطرق للبهجوري الكاتب وإن كان الأمر ليس بعيداً عن الإبداع فكتبت ( ايقونة فلتس) و( رسومات ممنوعة ) وكلاهما أيضا كانا سيرة ذاتية، لكن اللافت للنظر هو رأي النقاد فيك حيث أشادوا لك بالموهبة وشبهوك بالكاتب الياباني الحائز علي جائزة نوبل ( موشيما ) .
- نعم كان لي كتابات أخري غير ( أيقونة شعب) ، فكتبت سيرة ذاتية بعنوان ( أيقونة فلتس ) ومعناه المحب لله، سردت من خلال هذا الكتاب أحلامي منذ الطفولة والمراهقة والصبا والشباب، والتحاقي بكلية الفنون الجميلة، وسردت في (أيقونة فلتس ) أدق تفاصيل أسرتي بكل أحلامها وتطلعاتها والصعود لأعلي، وكيف كان الآباء يروون لأبائهم إما أن يكونوا أطباء أو صيادلة رغبة في الأرتقاء، كما كتبت الكثير من القضايا الوطنية وكيف يمكن أن يكون الإخلاص لتراب مصر، في (فلتس) قدمت كشف مصارحة لمسيرة حياة أسرة صعيدية قبطية بسيطة نزحت الي الشمال، تكبدت صعوبات عديدة لكنها تغلبت عليها .. كنت في هذا الكتاب صادقا في الافضاء والبوح .
- وفي كتاب (الرسوم الممنوعة ) الذي مثل رحلة أخري من حياتي، وكيف أني ألقيت وراء ظهري جميع الاعتبارات للخوض في الأمور السياسية الشائكة، فألقيت نظرة تاريخية عن فن الكاريكاتير، وكيف نشأ مع بدء الخليقة، ويعتبر نوعا من فنون الفكاهة التي تضمنها مخطوطات كليلة ودمنة بالمكتبة الوطنية بباريس، كما عبرت بالكلمات مع الرسوم عن طفولتي ومراهقتي وشبابي ودراستي بكلية الفنون الجميلة وعلاقتي بزملائي وأساتذتي وعلاقتي بالصحفيين الكبار، أمثال احسان عبد القدوس الذي منحني صفحة الغلاف لأرسمها، وعلاقتي بمكرم محمد أحمد الذي منحني صفحة كاملة لرسم شخصيات العالم في باب الوصف بالرسومات،عبرت بجرأة عما يجيش في صدري نحو سلوكيات إجتماعية، وسياسية حتي لو كان صاحبها في قمة السلطة .
* نسر ثورة يناير :
- نتحدث عن جورج البهجوري النحات ومن هذا المنطلق أتذكر أيقونة ثورة 1919التي جسدها النحات محمود مختار في تمثال النهضة فماذا عن ثورة يناير2011 وكيف يمكن تجسيدها الآن .
- تعلمت النحت علي يد صديقي النحات الروماني (يميتري كوزا) وكان جاري في مرسم (أيفرى) بباريس حتي أننا تشاركنا في سمبوزيوم النحت بأسوان، أنا كنحات أري أن النحت يأتي من الرسم، ويحول الرسم لكتلة ناطقة، أي قطعة حجر أو جزء من شجرة أصنع لهما بالشانيور الكهربائي عينين، والملامح تأتي بعد ذلك من ذاكرتي البصرية، وأعشق الفنون الفرعونية فأحفر وجوها مصرية بتفاصيلها، فدائما أبحث عن الهوية في العديد من اللوحات والأعمال التي أقوم بها، استفد من التراث القبطي في الفن المصري القديم، كما يجمع أعمالي خيط فني واحد، وهو ارتباطي بالموروث الثقافي الممتد لتاريخ الفن المصري قديمه وحديثه،فيجب علي أي فنان أن يتفاعل مع الوطن والناس، ويعبر من خلال رسوماته عنهم،أما عن الثورات فجسد تمثال نهضة مصر ايقونة ثورة 19 لمحمود مختار، وجسدت منحوتات لعبد الناصر ثورة 1952 .
- أما عن ثورة يناير فإن لها أحداثا تاريخية هامة يجب توثيقها والحفاظ عليها، وأنا ضد من يصور فيديو بهدف التوثيق ويقول أن هذا فن، لابد أن نرسم باليد، ?كما أني لا أحب الجرافيتي لانه قابل للإزالة ووظيفته وقتية للتعبير فلا يصح أن نعتمد عليه كتوثيق تاريخي، وحتي نوثق للثورة يجب أن ننشأ متحف للثورة، مثل متحف الفن الحديث يجمع الأعمال الفنية والنحتية التي عبرت عن يناير، وعن نفسي أنا رسمت لوحات مختلفة وأعمالا عديدة عن ثورة يناير، منها لوحة مشهورة عن معركة ( الجمل) ولوحة أخري بعنوان ( نسر الثورة ) .
*الدين والفن :
- لكن إذا تطرقنا للحديث عن علاقة الفن بالدين، كيف تري تلك العلاقة في ظل الهجمة الشرسة علي الإبداع والفن وهذا الأمر حسم منذ قرنين ماضيين أشعر وأنا أرسم أني أصلي، وأشعر بعلاقتي بالله لإني لو لم أخلص لله،فلن أشعر بفني، ولا أخرج عملا جيدا، لأن العمل عبادة، لذلك أرجو من رجال الدين أن يحبوا الفنون ويحبوا الأدب والموسيقي ولا يضعوا عوائق خيالية، بل ينظروا لعملية الخلق والإبداع كيف تتم، وما وراء العمل من فكرة دون تعصب، ولا يحيطون الفنون بمحظورات، لذلك أرجو من الجماعات الدينية أن يضعوا الفن في مكانته الرفيعة من أجل تقدم البلد، لأن الفن مرآة الشعوب وحضارة الدول،ففي روسيا مثلا كانت الفنون مع الثورة كل شئ، ازدهرت فنون الأدب، والشعر، والرسم، والمسرح، والسينما، حتي الباليه كان فيه رأي، فالفتاة كانت ترقص دفاعا عن الحرية والعدل.لقد خلق الله جميع المخلوقات بخطوط وكتلة جميلة وبشكل بديع جدا كل المخلوقات سواء الإنسان أو الحيوان حتي النباتات لذلك يجب أن ندرس ما خلقه الله من خلال تجسيده فنياً، لنحب الله أكثر ونقدسه أكثر ونعبده أكثر .
* مع أجدادي الفراعنة :
- من خلال إقامة استمرت ثلاثين عاماً بدول الغرب حتي ان رسوماتك في العديد من المتاحف هناك.. كيف تري فكرة الشاعر البريطاني ( أن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا ) .
- قضيت حياتي بين الشرق والغرب، لذلك فإن رسوماتي موجودة بفرنسا، بالإضافة إلى أن أعمالي عرضت في جميع بلدان العالم، وكنت حريصا علي ذلك، فعرضت في إيطاليا، وأسبانيا، وغيرهما، ولي لوحات في متحف بوريلي مرسيليا بإيطاليا ولي لوحات في متحف اللوفر بجناح أجدادي الفراعنة العظماء، أيضا لي رسومات بمتحف دميته، كما إني حصلت علي العديد من الجوائز من أسبانيا، وحصلت من باريس علي جائزة البحر الأبيض، وحصلت من مرسيليا علي جائزة التفوق عام 2010 لذلك أقول إننا لابد أن نقدر لغرب، ولا نكون متعصبين، كما يجب أن نشيد بفضل حضارة أوروبا وثقافتها، ومن المهم جداً أن تعود السياحة بقوة، لأن الغربيين يزورون مصر ليس فقط بهدف التنزه، وإنما هم يكتبون كتبا هامةعن مصر، لذلك لابد أن يعود الأمن والأمان حتي تعود السياحة، مع تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الغرب، ولابد أن نكون علي اتصال دائم بهم،فما المانع أن نجمع ما بين شرقيتنا وعلوم الغرب وحضارتهم بهدف التقدم والازدهار، فنحن نريد الثقافة والحضارة .
سحر عبد الفتاح
أخبار الأدب 10/ 2/ 2013
المسار .. وماذا بعد ؟
*عندما ترى ما يشبه البانوراما للثورة بمختلف تفاصيلها وغضب ثوارها وإصرارهم لا تستطيع إلا أن تؤكد أن الخطوة التالية لا بد أن تكون هى البحث عن المسار الصحيح للعرض .
- لكى تصبح أكثر قربا وقوة على التفاعل مع ما ترويه لك لوحات الفنان جورج بهجورى فى معرضه الأخير عليك أن تتواصل أولاً مع إبداعاته خلال السنوات السابقة خاصة معرضه الذى سبق الثورة بشهر واحد لتكتشف أنه قبل أن يكون راويا للثورة كان أيضا محرضا لها ! بالتأكيد لم تكن مصادفة أن يختار للمعرض - الذى أقامه قبيل الثورة - `الخبز ` موضوعا وعنوانا له، ولكنه إحساس الفنان بمجتمعه، وأتذكر أننى عندما سألته حينئذ فى حوار معه لمجلة البيت ` ولماذا الخبز؟ `أجابنى : لأن جزءا من رسالة الفنان أن يجسد وجع الناس ويدفعهم إلى مواجهته بقوة .
- والآن يعود إلينا بهجورى بأعمال فنية جديدة نستعيد معها أحداث الثورة وأجواءها ولكن ليس بهدف `الفرجة` أو التوثيق فقط كما قد يتراءى لك فى البداية، ولكنه بحسب تعبيره واختياره لعنوان المعرض لتحديد `المسار الحقيقى` للوطن، فبالتأكيد عندما يرى ما يشبه البانوراما للثورة بمختلف تفاصيلها وغضب ثوارها وإصرارهم لا تستطيع إلا أن تؤكد أن الخطوة التالية لابد أن تكون هى البحث عن المسار الصحيح للوطن والذى يراه بهجورى فى الانفتاح على العالم لا فى الانغلاق والتراجع إلى الوراء يقول : ذات يوم سيطر على الإحساس بنجاح الثورة، وجدت نفسى أترك الثوار وأتجه من ميدان التحرير إلى ميدان الأوبرا لأتأمل من جديد حصان إبراهيم باشا وهو يشير إلى البحر المتوسط، وقلت لنفسى هذا هو المسار الحقيقى لثورة 25 يناير .
-هذا المسار الذى يستمد اتجاه وحماسه من قلب الثورة يدفعك بهجورى إلى أن تتبناه أو ربما تتخذ اتجاها آخر مغايرا له إذا أردت، بشرط ألا يكون أقل منه تنويرا وقدره على النهوض بمصر ، فعندما تتأمل ازدحام الشخوص فى جداريته ` معركة الجمل` يترسخ داخلك الإحساس بأن هذا الكرباج الذى أمسك به راكبو الجمال لم يكن موجها فقط للمتظاهرين بالميدان إنما فى واقع الأمر كان يمثل إهانة بالغة لكل المصريين، وأن هذا الحصان المقلوب رفض أن يشاركهم هذا الاعتداء المخزى حين سقط على الأرض براكبه غير النبيل وهو يركب الحصان إلا الفرسان النبلاء ؟!، وبجواره الجمل يواسيه تارة ويتبرأ من المعركة التى حملت اسمه دون إرادته تارة أخرى، `جانب مهم من مسارك إذن ألا تقبل على وطنك بعد اليوم ذلا أو مهانة `هكذا يعبر بهجورى عن تصوره لمصر ما بعد الثورة ، وتحتل المرأة مكانة تليق بها فى أعمال بهجورى لدورها المؤثر فى الثورة ` عليها ألا تفرط فى حقوقها منذ الآن`، يستوقفك مشاركة النسر وتفاعله مع الأحداث حين يخرج من العلم ويطير فى اتجاه الثوار بعد سنوات طويلة كان شاهدا رافضا لكل ما يحدث حوله، حتى أم كلثوم التى لا يكاد يخلو معرض لبهجورى دون أن تطربنا بأحلى أغانيها من خلال لوحاته استدعاها هى أيضا من زمنها الجميل لكنها تشدو هذه المرة بأغاني تلهب عواطفنا وتحمسنا للثورة والتغيير ولذلك جاء وجهها من شدة انفعالها شديد الاحمرار ويداها فى لوحة أخرى تبتهل إلى الله ليخرج الوطن من محنته.
- تبرز الحركة فى لوحات هذا المعرض الذى ضمه جاليرى المسار لترصد تحرك الثوار وتذكرك فى كثير من جوانبها بلوحة المعركة لدافنشى، اعتمد فى بعضها على الأسلوب التكعيبى ليبرز الثقل، واستوحى من القرص الذى استخدمته مصر القديمة فى كثير من الأغراض عددا من أفكاره الفنية، كما استخدم بالته ألوان نارية تتوافق مع الحدث، ونجح فى توظيف المزج بين الكولاج وتقنيات التصوير لإبراز عمق وحيوية المعانى التى تتضمنها لوحاته.
نادية عبد الحليم
مجلة البيت - مارس 2012
قصة غرام جورج بهجورى بـ ( أم كلثوم).. ترويها 70 لوحة تقاوم ضياع مصر
* (الست) انزعجت من غلاف مجلة ( صباح الخير ) ..
- قبل أربع سنوات بالتمام والكمال، أنهى الفنان جورج البهجورى معرضه الذى أقيم بقاعة `بيكاسو` بالزمالك تحت عنوان `الناس. وأم كلثوم`، وهذا الأسبوع عاد البهجورى لثومة مجددا، لكنه أضاف لوحات جديدة وعنوانا جديدا هو `مصر التى فى خاطرى` تتصدر معرضه المقام بقاعة `مشربية `، كأن البهجورى يرى أن مصر فى هذه اللحظة تتجلى فى صورة أم كلثوم التى يملك الفنان الكبير الكثير من الحكايات التى يمكن أن تروى عنها، وهى حكايات لا يمل من استعادتها كلما وجدنى أمامه.
- يعرف صاحب `أيقونة فلتس` ولعى بالست، التى يرسمها هذه المرة بطريقة مختلفة عن الطريقة التى رسم بها من قبل، يميل أكثر إلى ألوان طازجة وحارة ويخفف من سمات الخطوط الكاريكاتورية التى عرف بها.
- ويرى الست أكثر قربا من فرقتها وليس من الناس، ثومه هنا جزء من مجموع لذلك لا تستغرب أن ثومه كانت حاضرة فى ميدان التحرير خلال ثورة يناير، وهى تغنى `أنا الشعب، أنا الشعب لا أعرف المستحيلا`.
- ذهبت إلى مرسم الفنان التشكيلى جورج البهجورى الكائن فى حارة صغيرة من حوارى `معروف`، تلك المنطقة العشوائية القائمة فى قلب وسط القاهرة، وعلى بعد خطوات من ميدان طلعت حرب الشهير إلى جانب العديد من البنات التى تنتمى إلى سنوات القاهرة الكومبولبيتانية .
- بدا لى أن البهجورى اختار مكان مرسمه فى هذه الحارة الضيقة التى تمتلئ بالحرفيين وسمكرية السيارات ليكون إلى جوار بيته الكائن على بعد خطوات قليلة فى شارع عبد الحميد سعيد، أمام سينما أوديون ولكن حين التقيته أضاف لى أسبابا أخرى أهمها أنه أراد أن يكون فى وسط الناس، فهذه هى الحياة التى يحب أن يعيشها كما قالى لى: `لا أنظر لنفسى كفنان متعال، وأحب أن ينظر لى الناس كفنان شعبى` لذلك لم أبذل جهدا للعثور على البيت فقد دلنى أول شخص سألته لأجد نفسى أمام بيت متهالك من طابقين ويبدو على وشك الانهيار تكون من مدخل مفتوح على ردهة ضيقة تصعد منها سلما صغيرا لتجد نفسك فى مرسم حسن الإضاءة ومكون من عدة غرف ضيقة، ومن الصالة تخرج إلى سطح كبير مشرع على مدينة القاهرة بكل صخبها وحيويتها وشمسها الدافئة التى يحتاج إليها فنان مثل بهجورى قضى الكثير من سنوات عمره فى باريس .
- المرسم يمتلئ بالقليل من الكتب وهى فى غالبيتها `كتالوجات` لأعمال فنانين عالميين وقليل منها كتب أدبية فيها بعض مؤلفات البهجورى ومنها ` بهجر فى المهجر` و`الرسوم الممنوعة` و`أيقونة فلتس` ضحكت حين نظرت لأرفف الكتب التى تذكرت أمامها عبارة كتبها جورج فى مقدمة كتابه `بهجر فى المهجر اعترف فيها بأنه لا يقرأ الكتب التى كانت تهدى إليه من أصدقائه الذين أصبحوا من كبار الأدباء، فقد `كذب عليهم كذبة بيضاء` وأقنعهم جميعا أنه قرأ أعمالهم`.
- جدران الغرف المكسوة بطبقة من الجير السماوى امتلأت بالكثير من اللوحات وقطع النحت التى أنجزها بهجورى فى مسيرته وقليل منها أهدى له وقد تعرفت من بينها على `إسكيتش` لطائر رسمه الفنان الراحل حسن سليمان.
- لكن اللوحة التى لفتت نظرى أكثر من أية لوحة أخرى فى هذا الزحام كانت خلال صعودى السلم، وهى التى رسمها بهجورى لأم كلثوم وعليها توقيعه الشهير، لكنها ليست لوحة عادية موجودة على أقماش التوال، ولكنها نقلت على سجادة صوفية مصنوعة بطريقة يدوية. قال لى البهجورى عندما سألته عن سرها: `نقلها لى على السجاد فنان فطرى يعمل فى مدينة فوه بكفر الشيخ`.
خلال زيارتى للمرسم كنت أبحث عن إجابة لسؤالى: لماذا يخوض فنان له تجربة فنية عريضة مغامرة كتلك التى خاضها بهجورى فى معرضه الأخير، فمن النادر أن يخصص الفنان أكثر من 70 بالمائة من لوحات معرضه لشخصية واحدة، فما بالك إذا كانت تلك الشخصية مطربة فى شهرة `أم كلثوم` وحضورها الذى لا يزال متألقا فى الذاكرة الجمعية للشعب المصرى.
- البهجورى فى المعرض وضع جمهوره أمام تحد جديد، فقد ذكر فى مواد الدعاية أنه رسم صوت أم كلثوم وليس جسدها،فهو يؤمن بأن فن الرسم يصبح متألقا عندما يختار الفنان الصوت ويعترف: لا أرسم أم كلثوم ولكن صوتها، وهو فى فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث، فالصوت يسحر الأذن قبل العين التى تتوهج بالعاطفة والحب والتشكيل.
- الزائر للمعرض لفت نظره أن الفنان رسم إلى جانب تركيزه على شخصية `كوكب الشرق` مجتمعا بالكامل كان حريصا على التعامل مع حفل أم كلثوم الشهرى كطقس اجتماعى غنى بالتفاصيل، لذلك بدت أم كلثوم فى اللوحة وكأنها `أيقونة` تدل على عصر كامل بدا للفنان وللناظر إلى لوحاته وكأنه إلى زوال.
- حين قلت لبهجورى هذه الفكرة قال لى ` إن ما فهمته صحيح، فالمعرض مواجهة بصرية مع ذاكرة تتآكل` فمصر الآن مريضة بالزهايمر، ولعل معرضى ينعش ذاكرتها.
- بهجورى بدأ حياته رساما للكاريكاتير فى مؤسسة روزاليوسف نهاية الخمسينيات إلى جوار جيل من عمالقة فن الكاريكاتير تقدمهم صلاح جاهين وأحمد حجازى وبهجت عثمان وزهدى العدوى ومحيى اللباد ونبيل تاج وصلاح الليثى، وهؤلاء جميعا اعتبروا فن الكاريكاتير سلاحا فى معركة التغيير، فانحازوا إلى قيم وأفكار تقدمية بالمعنيين الاجتماعى والسياسى، لذلك رفعوا الكثير من شعارات ثورة يوليو وتحالفوا معها إلى جانب أنهم كانوا من أنصار حركات التحرر الوطنى، وفى الوقت نفسه من أنصار تحرر المرأة المصرية التى نالت حقوقها السياسية مع عهد الثورة .
- وعلى هذه الخلفية يقف جورج البهجورى بميراث من العمل يرى فى أم كلثوم تجسيدا لنضالات المرأة المصرية فهى الفلاحة التى اخترقت بموهبتها حواجز الطبقات الغنية وعصور الملكية لتنتهى إلى لحظة صادقة قادتها - مثل جيل `روزاليوسف` - للتعبير عن شعارات الثورة `ولكن من خلال الفن `.
- ومع نهاية زمن `الشعارات` وبدء زمن يسميه غالى شكرى `زمن الثورة المضادة` قاصدا سنوات السبعينيات فى القرن الماضى، خرج البهجورى مع الكثير من فنانى وكتاب جيله من مصر، ولكنه اختار السفر إلى فرنسا قبل أن يعود ليكثف نشاطه كمصور، وكرسام كاريكاتيري بداخله طاقة جبارة للعمل وتعويض سنوات الغياب التى يربطها البهجورى بصوت أم كلثوم قائلا: فى الغربة وبعد التجوال فى الشوارع كنت أعود إلى مرسمى المتواضع ولا أجد إلا صوت أم كلثوم فى انتظارى يأتى من أسطوانات ( الكاسيت ).
- قلت له: وماذا عن صوت أديث بياف التى يرى البعض أنها أم كلثوم فرنسا ؟ فقال ` بياف عظيمة ولا شك، لكن كنت أحب فيها طريقة ارتباط الشعب الفرنسى بها وهى طريقة تشبه ارتباطنا الأمومى بصوت أم كلثوم .
-على مستوى التقنية فى المعرض واصل بهجورى العمل بطريقة بابلو بيكاسو الأميل إلى التكعيبية وهو يقر بذلك قائلا: أرسم بفيض من مشاعرى ربما لأن نشأتى كطفل يتيم جعلتنى أفيض بهذا الشجن تجاه الست ) .
- المدهش بالنسبة لى أن بهجورى اعترف خلال حوارى معه أنه فى سنوات شبابه تمرد على حالة الإعجاب العام بأم كلثوم ورسمه لها لوحات كاريكاتورية أغضبتها جدا، وعن تلك الحادثة يقول: `كل رسامى مجلة صباح الخير كانوا يعرفون أن الفنان الراحل بهجت عثمان يهوى تقليد أصوات المشاهير، ويقوم بتدبير مقالب لزملائه الرسامين على التليفون بانتحال شخصيات المعجبين، وحدث مرة أنني تلقيت اتصالا تليفونيا من شخص ادعى أنه الموسيقار محمد عبد الوهاب، فعاملته بعنف وغلظة لأنى تصورت أن بهجت انتحل شخصيته، غير أن بهجت كان بريئا، فالمتحدث على الخط الثانى كان عبد الوهاب بالفعل، ونقل لى بعد أن اعتذرت له غضب أم كلثوم من رسمة كاريكاتورية صورت فيها أحد مستمعيها وهو ينام، لأنى كنت ضد طريقتها فى الغناء التى تعيد فيها وتكرر المقاطع بطريقة كنت أراها آنذاك مملة، أما اليوم فهى عندى قمة `المزاج`، المهم أن أم كلثوم رأت أن الكاريكاتير جارح لها وظلت غاضبة منى إلى أن التقيت بها مصادفة فى فندق شيراتون، وكنت بصحبة الفنان جمال كامل فقالت لى `يا جورج متى تتوقف عن الشغب والشقاوة` فتأثرت وقلت لها بدافع الحرج `أنا أتعلم الشقاوة فقط وأنا أستمع لك` ثم سعيت لاسترضائها بعد ذلك بلوحة ظهرت على غلاف مجلة `صباح الخير`، وتمنى محرر الفن فى المجلة مفيد فوزى لو كانت لوحتى غلافا لأسطوانة جديدة تعمل على إنجازها، وسعى إلى تحقيق تلك الأمنية لكنها لم تتحقق بسبب تعنت شركة الإنتاج التى لم تفهم اللوحة`.
- الآن وبعد مضى أكثر من 40 عاما يتذكر بهجورى تلك الوقائع بنبرة `شجن` انعكست على المعرض الذى تبدو فكرة الحنين مركزية فى لوحاته، وكانت كذلك فى الحديث الذى دار بيننا حين سألت البهجورى فقال: `كنت أسمع أم كلثوم فأشعر بارتياح الآن أرسمها وأشعر بارتياح أكبر، فمع كل ضربة فرشاة أستدعى عشرات الصور التى تمثل لى مصر التى لا أريدها أن تفنى، وأريد بعثها على طريقتى من جديد، بعد أن حدثت تغييرات تريد إضاعة هويتها، ربما أفضل أن أعتبر صورة أم كلثوم التى رسمتها قبل المعرض فى 40 لوحة بيعت منها 30 لوحة هى أيقونتى التى لا أريد أن أفقدها وهى أيضا تميمة روحى`.
- فى المعرض لم يكتف بهجورى برسم أم كلثوم وإنما راح يرسم جمهورها وطريقة جلسته وأيضا أعضاء فرقتها الغنائية، خصوصا عازف العود والملحن الشهير محمد القصبجى يقول بهجورى : `ارتبطت بصداقة مع غالبية أعضاء فرقتها وكانوا كلهم يتحدثون عنها مثل `ملكة` بينما كانوا هم أفراد الحاشية، وراقت لى تلك الفكرة وسعيت إلى تحقيقها فى لوحاتى التى أرسمها فى كل مرة بإحساس مختلف `.
سيد محمود حسن
الاهرام العربى - 27/ 4/ 2013

إن من يتاح له فرصه زيارة مرسم (جورج البهجورى) بمنزله فى القاهرة أو فى باريس ويطلع على كراساته العديدة التى يحتفظ فيها بمئات الرسوم التعبيرية المستنسخة (فوتو كوبى) أو الرسوم الأصلية فى أوراقه المتناثرة أو كراسات الاسكتشات، ويتأمل ما فيها من أنواع الرسوم المنفذة بقلم الحبر الأسود (الرابيدو جراف) ذى السن الرفيع أو المشطوف، أو بالقلم الفلوماستر، سوف يرى أنواعا كثيرة جدا من الوجوه الشخصية للأصدقاء أو من صادفهم فى حياته أثناء تجواله وترحاله من مكان إلى آخر واستوقفته ملامحهم التى تحمل حسا أو انفعالا إنسانيا ما يستحق التسجيل، وأيضا النماذج العارية، ومشاهداته للمناظر فى المناطق الشعبية فى مصر وباريس وكل مكان يذهب إليه، وانطباعاته وتأملاته الخاصة التى خطرت على باله فى التو واللحظة.. لتكون مشروع لوحة فيما بعد أو لا تكون ليبقيها كما هى عملا فنيا.. إن كل من يشاهد ذلك الكم الهائل من الرسوم بنوعيها الهزلى والتعبيرى، التى يلعب فيها الخط دورا رئيسيا بارزا، سوف يدرك على الفور أنه أمام فنان موهوب يملك من طاقة التعبير بالرسم حدا لا يعرف له فاصل، فهو مولع بالرسم بشكل محموم، لا يعرف متى يبدأ أو متى يتوقف، إنه يسجل كل ما يعجبه وكل ما يثير وجدانه، لقد اعتاد الرسم - كتنفسه للهواء - وتدرب كثيرا على التهام المرئيات بعين رأسه وتخزينها فى الذاكرة التى يعتمد عليها كثيرا حتى عندما يرسم عن نموذج يراه،، قد يفاجئك وأنت تتحدث معه إنه يرسمك أو يرسم شخصا آخر أو شيئا آخر خطر على باله. يقول جورج: (الحياة لحظة، ومضة ساحرة تضيع، ولابد أن يخطف القلم الورقة ليرسمها بسرعة وعفوية).
إن ما يرسمه جورج عن النموذج الإنسانى أو المشهد سواء كان وجه إنسان أو موقعا ما كما فى المنظر الطبيعى أو موضوعا محصورا فى مكان، ليس هو على وجه التحديد ما يراه.. إنها (اللحظة) النادرة التى تجمع بين ما يراه وما يود أن يراه، بين الحاضر أمام عينه والغائب فى الذاكرة، إنه لا يرسم الوردة التى يراها بل شعوره نحوها، إنه لم يرسم قصر الأوبرا فى ساحة باريس الذى تزينة أروع تماثيل عصر النهضة، وفينوس إلهة الجمال عند الإغريق وجسدها العارى الرخامى وعليه غلاله حريرية هفهافة، لكنه يرسم لحظة (انتظار) صديقة المبهجة لكسب صديق جديد وهو فينوس. إنه لم يرسم سوق المكعبات الصغيرة فى الحى الثانى بباريس إنما رسم (فرحته) بهذه الأحاد التى مرت فى صحبة أصدقاء أحبهم.. إنه يرسم وجوه المسافرين فى عربة قطار ليون، خطوط كثيفة سوداء لأنه شعر بأنه مسجون داخله.
إن الفنان يتناول كل ما يرسمة أو يسجله بالخط فى رحلته الطويلة اللاهثة، التى تبدأ من نقطة وتنتهى بها كما فى (الأرابيسك الإسلامى) حيث يتشكل الخط البطىء الناعم، أو الخاطف السريع، أو الدقيق الرفيع أو الخشن السميك الهادئ والمنفعل أو الدينامى الواثق الذى يدور ويلتف وينحرف ويرتفع ويهبط وينثنى ويتداخل دون توقف فى حرية وعفوية ليشكل فى نهاية رحلته تلك الأشكال التى تحمل طابع المرح والطرافة أو التعبير الدرامى، لقد اكتسب الخط عند (البهجورى) طوال سنى عمله بالصحافة فى مجلة (صباح الخير) أو غيرها من الصحف والمجلات فى مصر وباريس والدول العربية وعيا حادا بالأحداث اليومية المحلية والعالمية، جعله يعبر ببساطة وسخرية وبلاغة عن جملة كاريكاتورية طريفة تثير الفكاهة والضحك فى نفوسنا، أو جملة تشكيلية تعبيرية جميلة تمس مشاعرنا من الداخل وترسم الابتسامة على الشفاه وتمتعنا. إن موهبة (جورج) كرسام لا تتجلى فقط كونه رساما (رأى ساخر) يعبر برسومه عن القفشة والنكتة والموقف التهكمى من الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها.. وهى الصفة التى يصفه بها الكثير ممن يشاهدون أعماله الفنية. إنما فى كونه رساما محترفا يتخطى بأدائه المهارى الواعى ذلك الفاصل الدقيق بين الهزلى والجاد، بين المجهول والمعلوم، المقروء والمعبر، ويمزج بينهما فى اقتدار لتصبح سمة من سمات الفن المعاصر، كما هى عند (رووه) الفرنسى و (أوتودكس) الألماني والتعبيريين الجدد، وقبل ذلك بكثير جدا، فى الرسوم التعبيرية الساخرة المسجلة على الشقفات الفخارية (أو ستراكا) فى مصر الفرعونية وفى وجوه الفيوم، إن نزوع (البهجورى) المبكر نحو السخرية والتهكم نزوع فطرى لديه، نما معه منذ كان طالبا فى كلية الفنون الجميلة، وظل يلازمه فى كل نتاجه الفنى الذى أنجزه طوال سنوات عمره، ومن ثم أصبح ميله الدائم إلى الابتعاد عن المظهر الحقيقى للأشياء واللجوء إلى التحريف والمبالغة فى النسب التشريحية والأبعاد المنظورية خاصية من خصائص التعبير المهمة لديه - تحسب له، لا عليه كما يرى البعض- لأن قضية (الفن والحياة) كانت وما زالت تنازع الفنان، ولذا كان عليه أن يختار بينهما، وفى كل محاولة يشعر بالألم والتمزق لأنه يقع بين ضرورة تنفيذ عمله الفنى الذى يحبه، وضرورة أن يعيش من خلال عمله كرسام صحفى وأيضا ككاتب ساخر. وهذه مشكله عامة يعانى منها الكثير من الفنانين فى أنحاء مختلفة من العالم، غير أن (جورج) فى مثل هذه الأحوال كثيرا ما يكون قادرا فى اللحظة المواتية أن يقف إزاء حياته العملية (كرسام صحفى) على بعد كبير، وأن يبتعد عنها قدر المستطاع حين يشرع فى إبداع رسومه أو لوحاته التصويرية التى تعبر عن كيانه الخاص. لهذا يمكن القول إنه بفضل هذا الازدواج يستطيع أن يصبح بالنسبة لنفسه موضوع تأمل ومادة يستغلها استغلالا جماليا. وبفضل هذا الازدواج أيضا يتم التحول الذى يغير من سمات الشكل الكاريكاتورى (الهزلي) لتصبح قيمة تعبيرية خالصة فى إطار الصياغة الخاصة بها. انظر إلى لوحاته التى أنجزها فى الخمسينات والستينات وأيضا لوحة (القاهرة 1973) التى رسمها كأول لوحة عندما عاد من باريس إلى مصر. إن (جورج) كرسام فى هذا الإطار مثله مثل الرواة الشعبيين أو عازفى الربابة والمسحراتية، فهو بدلا من أن يلجأ إلى وسيلة الحكى بالكلام ويخوض فى التفاصيل جملة وراء أخرى يرتجل بالخط ويخوض فى تسجيل التفاصيل المرئية وغير المرئية، شكل من هنا وشكل من هناك حتى تصبح اللوحة مزدحمة عن آخرها بعناصر الأشكال والرموز وأيضا الشخوص التى تشكل معا التكوين البنائى للوحة الذى لا يخضع لمنطق بعينه..
إن حركة الخط الدوار وتداخلاته وتقاطعاته وكثافته علاوة على تجاور الأشكال والشخوص وتكرارها وتماثلها أحيانا وترصيصها أفقيا ورأسيا دون خطة مسبقة ودون منطق ذهنى أو رياضى يحدد أنساقها الجمالية مما يجعلها على هذا النسق العفوى أقرب إلى نسجيات (أخميم المصرية أو تصميمات (السيرما) فى فنون شرق آسيا. إن رسومه وتكويناته على هذا النحو الإيقاعي الموسيقى تعد تصورا خياليا عن الواقع الحياتى، وليس نقلا عنه، أنظر نماذج من رسومه السريعة المنفذة بقلم الحبر الأسود (سان جيرمان باريس 1971)، (رمضان فى الحسين 95 , 96، (صلاة الجمعة فى الحسين 95)، (خان الخليلى 95)، (حامل الخبز على الدراجة 95)، (ساحة الأوبرا فى باريس) وغيرها التى تتسم جميعا بطابع الطرفة والمرح والغنائية التى لا تخلو من سخرية. إن رشاقة وجمال الخط يتنوع بتنوع الموضوعات، مثلا نجد أن طريقة الأداء والإيقاع الخطى فى لوحة (فتاة عارية باريس 71 ولوحة (فتاتان عاريتان) كلية فنون جميلة باريس 98، نلاحظ فى اللوحة الأولى منهما وضع الموديل وهى جالسة رقة الخط الواحد المتواصل والمبالغة المعقولة فى النسب التشريحية للجسم والتحوير الهندسى لأعضاء الجسد.. وفى الثانية يبدو فيها التظليل الكثيف فى بعض مناطق الجسد العارى لتجسيد الفورم وإبراز حيويته الأنثوية المثيرة النابضة بالحياة. إن رسوم (جورج) جميعها تعكس تنوعا ثريا بعناصر الأشكال ونبضا حيويا باللحظة الآنية، وحسا إنسانيا عاليا يجمع بين التعبير التهكمى المرح، كما رأينا، والتعبير الدرامى الحزين وشفافية نادرة على فهم الحياة.
د. رضا عبد السلام
من الرسم المصرى المعاصر
سيعود للكاريكاتير للسخرية من البرلمان : بهجورى رسمت السيسى كثيراً وأتمنى وصول بورتريهاتى إليه
- سجّل بريشته 30 لوحة لمواقف ولحظات عاشها متنقلاً بين مصر والعاصمة الفرنسية باريس، وخلّد بها مواقف مع أشخاص حمل لهما الحب والمؤدة والعشق، كان منهم كوكب الشرق أم كلثوم والزعيم جمال عبدالناصر والرئيس عبدالفتاح السيسى، كل هذا بعين وحس الفنان التشكيلى العالمى جورج بهجورى، الذى عرض ذكرياته فى معرضه الجديد «مدونات العمر» بقاعة بيكاسو للفنون بالزمالك، من بين أعمال المعرض 6 لوحات قديمة تعود لفترة السبعينيات، وتظهر خلالها مدى انعكاس تلك الفترة الزمنية على أعماله.
«البوابة» التقت الفنان الكبير للحديث عن المعرض وذكرياته مع هؤلاء، يقول بهجورى فى البداية إنه لم يرسم الرئيس السيسى لأول مرة فى قاعة بيكاسو، بل رسمه مئات المرات، لأنه يحبه ويرى فيه الكثير من شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر و«ظروف توليه الحكم مشابهة لظروف تولى عبدالناصر، وقدرة ناصر على حماية مصر من جماعة الإخوان المسلمين، واستطاع السيسى إنقاذ مصر من هذه الجماعة التى كادت أن تذهب بنا لطريق الظلام».
وأضاف: «قدمت ناصر والسيسى عبر مجموعة من أعمال مستوحاة من ذكرياتى وانطباعى عن الحاضر، فى حالة يملؤها التفاؤل، وتعبر عن الكثير من الحنين إلى الماضى وحب مصر والذكريات الجميلة فيها، وعملت فى المعرض على إبراز جمال وسحر الوطن، بجانب تمجيد بعض الرموز الوطنية».
وأكد بهجورى «أنه رسم السيسى فى اسكتشات كثيرة، وفسّر ذلك بأنه يراه صاحب موقف بطولى، وظهر حبى له فى أعمالى الفنية، وبالرغم من أننى رسمت الرئيس فى أكثر من معرض، فقد حرصت فى هذا المعرض على أن أظهر ملامحه وصفاته الشخصية مثل الذكاء وخفة الدم والطيبة والحكمة والإصرار والعزيمة، فأنا أشعر بالأمان ولا أخشى على مصر من شيء فى وجود السيسى، ولوحة الرئيس إهداء منى له، وأتمنى أن تنال إعجابه، وأن تصل إليه، لأنى لا أعرف كيف يمكن أن أوصلها إليه»، واصفًا السيسى بفجر مصر الساطع والرجل الذى يسير على خطى عبدالناصر «فالرجل أنقذ مصر من الجهلاء والمتطرفين الذين كانت أيام حكمهم بشعة»، واصفًا الجماعة بـ«الفيروس السرطاني»، ودعا المصريين للالتفاف حوله حتى يقود مصر نحو التقدم والرخاء، فمصر ليست أقل من غيرها، وسوف تنهض بسواعد رجالها وشبابها ونسائها، مطالبًا المصريين بالصبر، قائلًا: «الرئيس لن يخذلكم».
بهجورى المولود عام 1932 فى بلدة بهجورة بقنا، بدأ مسيرته الفينة بالعمل كرسام كاريكاتورى عام 1953، ونشر بعض رسوماته فى المجلات الأسبوعية مثل «صباح الخير»، و«روز اليوسف»، وفى عام 1955 درس الرسم فى كلية الفنون الجميلة فى منطقة الزمالك فى القاهرة تحت إشراف الفنان المصرى حسين بيكار، وعُرف بنقده السياسى، فكان صوت الشارع المصرى، بعد ذلك انتقل عام 1969 إلى العاصمة الفرنسية باريس بعد دراسته فى أكاديمية الفنون الجميلة، وقد وصف هذه الفترة من حياته بالولادة الجديدة، وبـ35 عامًا من الحرية، وتأثر بالفنان الشهير بابلو بيكاسو، وبالفنان عبد الهادى الجزار، وبفنان الرسوم التعبيرية بول كلى، كما تأثر بلوحات الفيوم المصرية، فأصبح واحدًا من أكثر الفنانين تحقيقًا للمبيعات.
تمرس بهجورى فى العديد من المجالات، من بينها الفن التشكيلى، وفن الطباعة، بالإضافة إلى التصوير، وتعد أعماله فريدة، لكونها تجمع عناصر الفن الكلاسيكى والفن المعاصر مع لمسة كوميدية خاصة، عرضت أعماله فى العديد من المتاحف فى العالم، وحصل على العديد من الجوائز العربية والعالمية، منها الجائزة العالمية فى روما وفى إسبانيا، وجائزة الملك عبد الله للإبداع فى الأردن.
ويقول البهجورى: «عندما كنت فى إسبانيا، رسمت الجنرال فرانكو الرئيس الأسبق على شكل ديكتاتور، فقد كانوا فى بداية طريقهم نحو الديمقراطية، وكبروا تلك اللوحة وانتشرت فى بعض الميادين، وحصلت عنها على جائزة، كما نلت جائزة روما لرسومات أبطال، وجميع الجوائز العالمية التى حصلت عليها تمت من خلال احتفالات كبيرة وحفاوة بالغة، لأنهم يقدرون دور الفن وأهميته، ولهذا أُطلق عليَّ بيكاسو العرب، وبالرغم من تقدير العالم لفنى لم أكرم فى بلدى مصر، ولم أنل جائزة الدولة، رغم مشوارى الطويل، وأتمنى الحصول على الجائزة، وأن يتم ترشيحى لها».
وكان الفنان الكبير قد فقد مجموعة متميزة من أعماله فى الفترة الأخيرة، تقدر بنحو 200 لوحة فنية، واتهم خلالها صاحب إحدى قاعات الفنون، حيث استغل عدم وجود أبناء للبهجورى، ليتصرف وفق ما يريد فى أعمال الفنان دون الرجوع إليه، ولذلك عمل بهجورى على تصعيد الموقف لعدم التوصل لحل المشكلة بالرغم من قيام العديد من الفنانين والشخصيات العامة بالتدخل، ولكن دون جدوى، وعليه قام بهجورى برفع قضية على صاحب القاعة، ولن يتنازل عن القضية لحين عودة الحق.
ويرى بهجورى رسام الكاريكاتير أن هذا النوع من الفنون يحمل رسالة قوية، وأنه سلاح مهم فى انتقاد ما فى المجتمع، وانتقاد السلطة، لافتًا إلى أنه ترك هذا الفن فترة، ولكنه سيعود لأن هناك قضايا تستحق المعالجة، وتسليط الضوء عليها فى الفترة الحالية، فرسوماته انتقدت رجال ثورة 1952 رغم عشقه لعبدالناصر، لكن من حوله فى الحكم لم يسلموا من ريشة بهجورى، كما أن الرئيس السادات فى فترة حكمه كان يطلع كل صباح على رسومات بهجورى فى روزاليوسف، ويفضل الفنان بشكل كبير العودة مرة أخرى للكاريكاتير من أجل مجلس النواب قائلًا: «هناك بعض الأعضاء فى المجلس يجب تسليط سهام النقد على أدائهم فى البرلمان، وسوف أعود بالريشة لمقاومة أى خطأ يحدث فى المجلس»، ووجه إلى النواب رسالة بقوله: «عليكم أن تتحملوا رسوماتى بصدر رحب»، مؤكدًا أن أعضاء البرلمان قادرون «على الوقوف مع الرئيس وعلى سن قوانين تخدم الشعب الذى يمثلونه».
ولفت بهجورى إلى أن هناك حدودا فى النقد، «فرسام الكاريكاتير ليس من حقه الإساءة للأنبياء، والدين خارج الرسومات، احتراما لعادات وتقاليد وثقافة تحكم المجتمع العربى، ولكن البعض فى أوروبا لا يضع حدودا ولا مساحات للحرية، وخير دليل على ذلك رسومات صحيفة «شارلى إبدو» الفرنسية، التى استفزت العرب، وكان ذلك سببا فى قيام بعض المتشددين، بعمليات قتل أمام الصحيفة».وأضاف بهجورى أنه حذّر رسامى الكاريكاتير الفرنسيين من خطورة الاقتراب من رسم الأنبياء، خلال لقائه معهم فى أكثر من تجمع فنى بفرنسا، وعبر اجتماعات جماعة الكاريكاتير من أجل السلام، ليبتعدوا عن تناول الأديان لأنها من المقدسات، وبلداننا العربية لا تقبل تلك الرسومات، ويعتبرونها إهانة لدينهم.
إبراهيم سليمان
البوابة - 2016/2/17
الكولاج.. والفروتاج.. بين الشكل والمضمون
- انتشر `الكولاج` حديثا بين الفنانين المصريين كما لو كان أسلوباً تعبيرياً وليس ضرباً من حيل الصنعة، حتى أن كلية الفنون الجميلة تكلف طلبتها أحيانا بقص الصور الفوتوغرافية وإعادة تنظيمها ولصقها.. كتدريبات إبداعية. إذا قلنا ` فن الكولاج` فذلك من باب المجاز كما نقول فن النجارة وفن الحدادة.. فهو حرفة يمكن إكتسابها بالتمرين والتدريب. هكذا `الفروتاج` الذى يعنى التشهير على ورقة لإظهار تعاريج سمار الخشب الموضوعة عليه، فتتخلق أشكال عفوية وملامس و` كولاج` كلمة أجنبية إتخذت صفة الاصطلاح. معناها اللصق، لصق أى شىء على أى سطح، سواء كان قماشا أو ورقاً أو أى سطح آخر. لصق قصاصات صحف أو ورق حائط أو نسيج.. إلخ. يصاحب هذا اللصق عادة عناصر مرسومة وألوان.
- القماش بلون عام شفيف غير متجانس الكثافة. كأنه سطح جدار قديم. قد لا تكون ثمة علاقة موضوعية بين العناصر الملصقة. لأن الغرض الذى يرمى إليه الفنان هو التنظيم الشكلى. فالخزانة في مشغله بإحدى ضواحي باريس مليئة بالعناصر المرسومة المقصوصة الجاهزة، بينها وجوه نسائية وأشخاص وحيوانات وطيور ونباتات وأشياء... وكل ما يطوف بخاطره عبر الساعات التى يقضيها هناك. قد يعن له أن يرسم `بطة` فيسرع إلى قماش يصورها ويقصها ويثبتها فى سقف مشغله ثم يتذكر وجه صديقة قديمة فيصوره ويقصه ويلصقه بجوار البطة بمسدس التدبيس. ثم سمكة .. أو عصفور.. أو زهرة حتى يمتلئ السقف فيخلعها جميعاً ويدسها فى الخزانة إلى حين..
- حين تشوقه الرغبة فى التكوين والتشكيل، يسحب من الخزانة أحد العناصر ويبدأ بلصقه على قماش جديد فسيح. يسحب عنصراً ثانياً و ثالثاً حتى يكتفى، وتتشكل مساحات بيضاء بين العناصر الملصقة، دون أن يكون للكولاج وظيفة سوى وضع عناصر كان يستطيع رسمها وتلوينها إلا أن هذا الأسلوب يؤدى إلى نوع من الأختيار العشوائى، من وحدات معلومة ومقروءة هو أمر يذكرنا بما كان يفعله الداديون فى سويسرا سنة 1916، الذين تمردوا على التقاليد الفنية واخترعوا الشعر توماتيكى، بأن جلسوا قبالة بعضهم البعض يخطون الكلمات على التتابع كيفما إتفق إلهام كل منهم، فتنشأ سلسلة من الكلمات المتراصة بالإسقاط الفورى، وتعكس معانى غريبة ذات سحر خاص.
- أسلوب جورج الجديد يوظف الكولاج فى تشكيل موضوعات أستطيقية. تلعب فيها الصدفة دورا حاسماً. لكنها صدفة محسوبة الاحتمالات. فحين يسحب من خزانته صورة عنزة أو بقرة فلأن رصيد الرسوم لا يضم أسداً أو فيلاً. أسلوب ينطوى على حرية مقيدة. ويخلط بين التقاليد الأكاديمية ممثلة فى العناصر التشخيصية، والمعايير المستحدثة ممثلة فى الموقف الجمالى والشكل من أجل الشكل. بالإضافة إلى مهارة الأداء وإتقان حيل الصنعة، وما يحمله الإبداع من خبرة السنين، التى أمضاها رساماً كاريكاتورياً وملوناً تراجيدياً، يغترف موضوعاته من قاع المجتمع.
- توابيت الموتى.أغلب الظن أنها عالقة بذاكرته منذ كان طفلاً فى الأقصر، تصحبه العائلة إلى الكنائس فى أيام الأحد والمناسبات الدينية. كان يتأمل الأيقونات وعيون القديسين فتشغله عن ممارسة الطقوس والشعائر. عيون كعيون الشهداء تمد جذورها إلى الفن البيزنطى.
- العيون عنده من أهم ركائز التشكيل يبدأ بها الرسم والتلوين واضعاً نقطة فى فراغ اللوحة، يدور حولها ليشكل العين ثم باقى الوجه والعناصر الأخرى- فالعين نافذة القلب لا يكاد يرسمها ويبنى حولها ألوانه والخطوط حتى تتبلور المأساة .وتطل الوجوه التعسة من ثنايا الألوان الداكنة. أسلوب يختلف عن التشكيلات الكولاجية. فهو يغير طريقة إبداعه، ولم يرتبط بطابع موحد منذ إقامته فى باريس. تحول إلى فنان تجريبى. لا يمثل معرضه فى قاعة مشربية سنة 1988 سوى إحدى التجارب.
- شىء واحد متصل الحلقات فى جميع لوحاته هو: الوجوه الفزعة والعيون المفتوحة على آخرها تخفيها الظلال أحياناً أو تحجب إحداها. يميزها طابع قبطى وتعبير مستسلم. أما المبالغة فى طول الأنف، فقد نجد لها تفسيراً فى التماثيل الفرعونية، التى عشق فيها تلخيص الشكل الآدمى وبلاغة التعبير وجمال الصياغة - خاصة فى رأس نفرتيتى وإخناتون وتمثال الكاتب الجالس القرفصاء. بالرغم من إقامته الدائمة فى باريس فهو يقضى الساعات الطوال فى متحف اللوفر - لا ليتأمل روائع عصر النهضة وفنون القرن العشرين - بل ليجلس متفكراً فى جناح الآثار المصرية القديمة.
- البصمة الثانية فى أعمال جورج البهجورى هى الطابع الشعبى المصرى : سواء فى رسومه الكاريكاتورية أو لوحاته الملونة. أمر يرجع إلى الموقف الذى اتخذه من المنهج التعليمى فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. المنهج الأكاديمى المنتمى إلى عصر النهضة، ولا تستجيب إليه نفسه المشتاقة إلى التعبير الحر عن أعماق الحياة الاجتماعية المصرية التى عاشها في الصعيد. لم يضيع وقته ومضى بصحبة كوكبة من زملائه ممن أصبحوا اليوم مرموقين خارج جدران الكليات الفنية ودواوين الوزارة. مضوا يرسمون العجالات (إسكتشات) فى المقاهى والأسواق وعلى قارعة الطريق. هذه العجالات هى التى شكلت `هوية` إبداع جورج البهجورى حتى الآن، بالرغم من محاولته العنيدة للأبتعاد عن الموضوع الروائى. الوجوه والأشخاص والحيوانات فى لوحاته والأشياء والأشجار، لها طابع شرقى شعبى مصرى. طابع تشربه بعيون نهمة تطلعت بشغف إلى كل شيء منذ الطفولة. تأمله بإعجاب وازدادت هويته تبلورا، بعد تعلقه بالفن القبطى والفرعونى وإختلاطه بالجماهير العريضة عبر آلاف العجالات. إختلاطه بالثقافة المصرية من حيث هى سلوك يومى وعادات وتقاليد وروح عام. نضجت أعمالها بهويتها، حتى بعد إقامته فى فرنسا ما ينوف على الثلاثة عشر عاماً. نستشفها من عناصره الكولاجية والموضوعات التى تتألف من مفرداتها المتفرقة، وأسلوب التشكيل ومعالجة التكوين، أما الجاذبية والحيوية الدافقة التى تغمر أعماله فيكمن سرها فى العجالات التى رسمها ومازال يرسمها كلما سنحت الفرصة. عجالات للحقول والفلاحين وسواقيهم وحيواناتهم والطيور، وما يعترض طريقه فى كل مكان. يعيش معها حين يركن إلى مرسمه فى إحدى ضواحى فرنسا، كأنها الحبل السرى يربطه بالأرض الأم. هاجر إلى باريس لكنه أخذ القاهرة معه والأقصر ومدارج الطفولة والشباب.
- الحنين إلى الأم هو البطل في إبداع البهجورى، الأم التى فقدها ولم يتجاوز الثالثة من عمره. كل الوجوه وجهها وكل العيون عيناها. ولكى يدعم أواصر التراث والماضى والذكريات، إستخدم أوراقاً يابانية من سيقان الأرز تشبه أوراق البردى. رسم عليها بألوان جيرية تختلط بالألياف وتتخلل المسام، ثم أسرع يمحوها لتصبح كالحائط القديم المرسوم بطريقة الفريسك.
- .. مازال يعيش مع ساكنى الحسين والأزهر وخان الخليلى والعتبة وسوق إمبابة، ومعروف حيث كان يسكن والمقهى بجوار `روز اليوسف` حيث كان يعمل. والأقصر المدينة وأطفالها وجبل القرنة والحقل فى الوادى العميق وسوق الثلاثاء أخذ مصر معه إلى فرنسا، لكنه سجل فى عجالاته مظاهر الحياة فى أحياء باريس.. وفى كل بلد رحل إليه .
- لذلك لم يسقط فى وهدة العبث التجريدى بالرغم من حداثة أسلوبه ومعاييره المبتكرة فهو يعيش مع الطبيعة والحياة الواقع. يرسم ويلون لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر. أما المضمون الإنسانى العام فيحدثنا بنوع من الحياة يختلف عما نراه من حولنا كل يوم. ويعكس ضرباً من المشاعر والأحاسيس نغفل عنها فى غمار التفاصيل المتلاحقة ذات مضمون مأساوى واضح، يعبر عن عجز الإنسان العادى فى مواجهة قوى العصر.
عناصره الملصقة تفصلها مساحات بيضاء تضرب للرمادى. ظهرت تلك المساحات البيضاء فى لوحاته بعد العام الأول من رحلته إلى باريس، ورؤيته كيف تكتسى الشوارع والميادين ببساط من الجليد، تنبثق منه البيوت والأشجار والناس. كان أيامها يستمد أشكاله من الطبيعة كأى رسام مناظر لكنه الآن يستمدها من الرغبة الشخصية ومخزون الذكريات. لا يعنى بالتقاليد الفنية ويغض النظر عن مصداقية المعايير الجديدة، شأنه فى ذلك شأن الفنانين الحديثين.. الباحثين من خلال التجارب عن إستطيقا القرن الحادى والعشرين.
بقلم : مختار العطار
من كتاب رواد الفن وطليعة التنوير فى مصر والعالم العربى

- ويعد `جورج البهجورى ` واحداً من الكبار الجيدين ، أو العلامات المهمة فى مسيرة الفن التشكيلى بمصر ، بنتاجاته التى تحمل عبقاً مصرياً خالصاً وبتلك الرائحة الجميلة الخاصة التى ` نراها ` كشذى الأرض والناس والتاريخ فى مصر، برغم حداثة بناءاتها وجسارة الصياغة فيها ، فالفن لديه ` رؤيه ` خاصة يختلط فيها استيعابه لمعطيات التراث الفنى القبطى بفطرته ، والإسلامى بتوالدات عناصره العربية ، وتداخلاتها ، وكذا فنون الحداثة الغربية بدءاً من التشخيص التعبيرى وحتى التجريد والسيريالية ، استيعاباً واعياً جعلها جميعا تذوب فى تلك التركيبة الخاصة ، إنسانية الطابع ، مصرية الروح والمحتوى .
- لقد بدأ ` البهجورى ` مع منتصف الخمسينات فور تخرجه فى الفنون الجميلة ، من حوارى مصر وأحيائها الشعبية ، يصور ناسها الكادحين فى حياتهم البسيطة ، تصويراً بدا متجاوزاً الحكى نحو التعبير بالشكل وبالصياغة البليغة للمساحات والخطوط والألوان، صياغة أقرب إلى التجريد الجمالى، برغم احتفاظها بالمضمون الإنسانى ، أى أنه قد وعى منذ البداية بأن الفن الجيد لابد فيه من فعل التوازن الدقيق بين المحتوى الإنسانى بالمفهوم الاجتماعى ، والصياغة البليغة للأشكال والعناصر بالمفهوم ` الاستطيقى` ، توازناً غير مخل بأى منها لحساب الآخر وإلا إنحسر الأمر فى المباشرة الخبرية الساذجة ، أو ضاع فى غياهب اللعب المسطح دون معنى .
- والواقع أن ` البهجورى ` مع التزامه بذلك التوازن بين المضمون والشكل عبر رحلة فنه الطويلة ، فإنه لم ينسجن فى ` سكه` أحادية ، وإنما راح يجرب فى شقاوة تارة ، ويغامر فى جسارة أخرى ، جاعلاً اللوحه فى كل مرة تبدو كعالم مغاير لسابقه ، فهى ` تشغى ` بالتفاصيل الكثيرة الصاخبة تارة ، أو تسكن بمساحاتها المنبسطة أخرى تمتلئ بالألوان الصداحة الزاهية ، أو تتشح بغلالات ضبابيه أحاديه اللون ، تتكدس الأشكال فيها فى تزاحم ، أو تتقلص فى خط بسيط واه متسرب عبر سطح هادئ وقد ساعدته على ذلك ` التحول ` المستمر من معالجة تقنية لأخرى تلك البراعة الأدائية الفائقة لديه ، دون أن يخرج عن جدية النص أو أصول اللغة .
- ولعله فى تجربته الأخيرة التى راح يمازج فيها بين ثراء الزخارف العربية فى أقمشة الشوادر والخيامية ، وسخونة التعبير فى وجوه الناس فى الأسواق والشوارع والمقاهى ، بعيونهم المحدقة فى نهم ، وأجسادهم الفائرة بالعافية ، ثم تلك الصياغات الشكلية لعناصره الحية الحيوية ، يبدو وقد جمع خلاصة مغامراته ورحلاته المتعددة فى الرسم والتلوين فى لوحات غنيه بالتعبير الانسانى والصياغة الجمالية البليغة معاً .
بقلم : د. فاروق بسيونى
مجلة الهلال.. أكتوبر 1998
البهجورى الفنان المتألق دائما
- ينطلق الخط على جسد اللوحة.. يحتد ويلين ولكنه يستمر دون تقطع حتى يكمل مهمته.. يحاورنا صاحبة بالرسم والتلوين.. لغته الأولى فما إن تجالسه حتى يخرج القلم والأوراق ويبداً الحوار.. فحين تفوز برسمة لوجهك تأكد أنه قرأك جيدا وغاص فى أعماقك وقبلك صديقا.. ربما ينشغل عنك بتفاصيل الشارع والبائعين المتجولين.. ساعتها فعرف أنه يبلغك برأيه عما يجرى، وما يحلم به.. إنه الفنان الكبير جورج بهجورى.
- أقام البهجورى منذ أيام معرضا متميزا `مدونات عمر` بقاعة بيكاسو بالزمالك ، وقد لفت انتباه الجميع لوحة الرئيس عبد الفتاح السيسى تناول فيها الألوان المبهجة والأسلوب التجريدى ولكن بلغة الفانتازيا الأقرب إلى الكاريكاتير.
- وبشكل عام فقد تميز المعرض بالألوان المبهجة ، كما أكد على التباين الكبير بين الفاتح والغامق إضافة إلى ظهور الموضوع فى اللوحات بشكل مختلف نوعيا عن أسلوبه السابق والذى كان يعتمد على تناول الشخصية الواحدة التى تشكلت بمفردات وحكايات عديدة لتعبر عن عالم بأكمله، والتى كانت تمثل البطولة فى معظم أعماله، ولكنه فى هذا المعرض أكد على ظهور العديد من الشخصيات فى لوحة واحدة، وأقام بينهم حوارات فنية تعادلية ترتبط بالتناغمات والإيقاعات والحركات التصاعدية. قد كنا نشاهد كثرة الإعداد فى لوحات الرسم الخاصة به ، وكان فى التصوير يركز على شخصية محورية وإن وجدت شخصيات معها فتكون ثانوية.
- تتميز أعمال الفنان الكبير بالسخرية والإسقاطات التى لاسقف لها متأثرا برصيده المتميز من الكاريكاتير الذى تربع على عرشه، وحصل من خلاله على جائزة للكاريكاتير من إسبانيا عن شخصية فرانكو قيمتها 12 ألف دولار وحلية ذهبية، وجائزة من بينالى إيطاليا للكاريكاتير والذى يقام فى مصيف انكولا منذ 1978 ، فالمبالغة فى الملامح والتهويل فى الانطباعات والتفاصيل سمه من السمات المميزة لفن البهجورى فهو يعبر عن الحالة التى يراها داخل الشخصية ليؤكد انطباع العامة فيها يرونه فى أصل شخصياته ويتأكد هذا بشكل جلى فى تناوله لكوكب الشرق أم كلثوم.
- فى معرضه `مدونات عمر` ترى البهجورى يستعيد ذكرياته الإبداعية فترى شخصيات عايشها، وموضوعات مستلهمة من الماضى لعاريات وبنات شعبيات وتفاصيل لملامح الحارة، ويؤكد لنا روحه الطيبة الفطرية التى لم تغيرها الظروف ولا تجاعيد الوجه، ولكنها الروح الساخرة المدهشة دائما.
- درس جورج الفن فى كلية الفنون الجميلة فى الزمالك بالقاهرة عام 1955 وفى أكاديمية الفنون الجميلة فى باريس عام 1970 ، واختبرت أعماله لتمثيل الجناح المصرى فى متحف اللوفر فى عام 1999 ، وتم منحة جائزة الميدالية الفضية وتم عرض أعماله النحتية من الخشب والبرونز فى العديد من المعارض فى فرنسا وكندا. وقد عمل ` بهجورى` رساما للكاريكاتير فى مجلتى صباح الخير وروز اليوسف قبل سفره إلى فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، وتم نشر روايته ` ثلاثية الرموز` والذى لا يعرفه الكثيرون أنه شارك فى بطولة فيلم فرنسى ، وتوجد بعض أعمال جورج بهجورى فى متحف الفن الحديث فى عمان ومتحف الفن الحديث فى القاهرة.
بقلم : د. سامى البلشى
مجلة الأذاعة والتليفزيون 19-3-2016
جورج البهجورى.. متى تحتفل به الدولة ؟ !
- هل هو قدر هذا الفنان الكبير أن `تمتنع ` الدولة عن تكريمه بينما كرمه العالم ، ممثلا فى هيئة الأمم المتحدة وأمينها العام.
- وتمتنع مصر` الدولة `عن تقديره بينما تمنحه تكريمها وجوائزها دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والأردن؟.. نكتب عن `جورج البهجورى ونقول بلا مواربة إن الدولة مقصرة فى حقه كفنان رائد ورائع ومتعدد المواهب وبارز فى فنون مختلفة من التصوير الزيتى إلى الرسم الصحفى إلى النحت إلى الكاريكاتير.. إلى الأدب .. فله أكثر من كتاب بين السيرة الذاتية والرواية والنقد.. وكان يعد رسالة دكتوراه فى جامعة السوربون عن تأثر بيكاسو بالخط الفنى المصرى.. شغلته مشاغل حياته وفنه عن استكمالها .. للأسف.
- نعرف أنه نشاً فى عهد ثورة يوليو، لكنه نشاً فى `روز اليوسف` مدرسة الصحافة الوطنية القائمة على النقد والمكاشفة . ومع أن عبد الناصر لم يكن يترك مكتبة دون أن يطالع رسوم ` البهجورى` ونقده الكاريكاتيرى. إلا أن الدولة فى زمنه لم تكرم ` البهجورى`.
- 65عاما من .. الفن
- وفى زمن السادات كان ` البهجورى ` بالطبع، ضد سياساته على طوال الخط.
- وطبعا لم ينل `جورج` من دولة السادات التقدير.
- وعندما عاد من باريس ` كان يجلس على كرسى الرئيس رجل بلا كاريزما ولا طعم ولا روح ولا قلب`.. وهذا هو وصف `جورج البهجورى ` لمبارك. وطبعا لم يتلق الفنان أى تقدير أو تكريم.
- والآن.. وقد شارك فى ثورة يناير، وثورة يونيو وله لوحات ومعارض تناولت روح الشعب المصرى وأحلامه وتطلعاته `عيش وحرية وكرامة وعدالة اجتماعية` .. فهل حان وقت تصحح فيه الدولة أخطاء الماضى وتمنح فنان مصر الكبير ما استحقه منذ زمن من تقدير لرحلته الفنية وإنجازه وربادته على مدار ما يزيد على 65 عاما؟!
- عندما عبرت له- وهو صديق قديم منذ دخولى `صباح الخير` 1964 - عن استيائى من عدم تكريم وتقدير الدولة له طوال هذا العمر.. وجدته يعلق بابتسامته التى لاترى على وجهه غيرها ، قائلا: أنا أخدت جايزتى.. أنا بارسم للناس.. الشعب.. ومن زمان الشعب بيحبنى وهذه هى أهم جائزة.
- يرسم كما يتنفس
- `وصباح الخير` تقيم له احتفالا بدون مناسبة ، فلا هو فاز بجائزة ولا هو أنجز شيئا جديدا مؤخرا، ولا هو بلغ سن السبعين التى تحتفل وزارة الثقافة بمن وصل إليها وكأن ذلك إنجاز ثقافى إبداعى.
-`جورج البهجورى` تجاوز الثمانين.. وإنجازاته بلا حصر ولا عد وعلى أكثر من مستوى وفى أكثر من مجال فهو فنان كاريكاتير كبير ورائد ، وهو رسام صحفى له ريشة خاصة ، وهو فنان تشكيلى بارز وصادق وأصيل، موضوعة هو الناس والحارة والحياة اليومية للمصريين، وهو فنان عجيب يرسم طوال ساعات يقظته، فى الاستديو، فى المجلة، فى القهوة وفى أى مكان!
- وتستهويه وجوه الناس وحركاتهم التلقائية ولا يكاد يتوقف عن الرسم حتى إننى كتبت مرة عنه وكان يقام معرض لأعماله التشكيلية فى العاصمة البريطانية لندن منذ سنوات وقلت إنه يرسم كما يتنفس، فوجدته يردد هذه العبارة أمام أصدقاء مشتركين معلقا بأنها وصف يحبه عن نفسه.
- وأقول من واقع خبرتى به، وملاحظتى له وهو يرسم، أنه يرسم بالقلم ` الفلوماستر` بطريقة لا مثيل لها بين كل من نعرفهم من رسامى كاريكاتير كبار ورسامين صحفيين عظام، وفنانين تشكيليين بارزين.. يرسم اللوحة الكاملة وهى عبارة عن وجه فى الغالب ، فى خط واحد.. وأطلق أنا على هذه الطريقة أنها ` كنفانى` ، فهو ينجز عمله فى خط واحد ودفعة واحدة، لا يرفع يده عن اللوحة إلا مع الانتهاء منها.. تماما كما يفعل صانع الكنافة وفنانها الماهر! .. اندهش الفنان الكبير عندما استمع إلى أصف أسلوبه بهذا الوصف المستوحى من أعماق الحياة فى الشارع المصرى.. وحافظ على ابتسامته الطيبة، وهى بالمناسبة ، ابتسامة مصرية أصيلة.
- شارك فى ولادة `صباح الخير`
- بدأ حياته الفنية فى سنة 1950 فى `روز اليوسف` التى دخلها وكان لا يزال طالبا جديدا فى كلية الفنون الجميلة ، أخذه إليها أستاذه الفنان الرائد حسين بيكار. وعايش ولادة `صباح الخير` منذ العدد صفر التجريبى وله إنجازاته فيها وفى `روزاليوسف.. وبعدها فى صحف ومجلات منها ` العربى ` وأخرها ` الأهرام `.
- وأعماله كفنان تشكيلى تتخذ طابعا مميزا له حرارة روح المصرى الصميم وتجاوبه مع مدارس الفن الحديث وتأثره بأساتذة ورواد الفن التشكيلى المصرى عبد الهادى الجزار وفؤاد كامل.
- ولعل الكثيرين لا يعرفون أن الفنان المصرى الوحيد الذى يحتفظ له متحف اللوفر الفرنسى الشهير بلوحة هو صديقنا `جورج البهجورى`.
- كما أنه الفنان المصرى الوحيد الذى اختارته هيئة الأمم المتحدة ضمن كبار رسامى الكاريكاتير فى العالم فى حملتها من أجل السلام.
- ولد جورج فى القرية التى يحمل اسمها لقباً.. ` بهجورة ` فى الأقصر.. أقصى صعيد مصر، لكنه يكاد يكون الفنان الوحيد الذى ولد وعاش فى الوجه القبلى، وعاش فترة من صباه فى منوف فى قلب الوجه البحرى.. ثم انتقل إلى القاهرة ليعيش فى قلبها وفى مرسمه فى شارع شامبليون فى حى ` معروف`.. ومن هنا شعوره العميق بالشخصية المصرية وتكويناتها وأعماقها التى انشغل بها طوال حياته الفنية المديدة..
- لا للكلام ` الخواجاتى` !
- كما أنه يتمتع بصفة قليلاً ما تجدها لدى المثقفين، هى أنه ليس مثلهم `محفلط مظفلط ، كثير الكلام` .. فهو ` فنان شعبى` لو شئنا تمييزه عن غيره من الفنانين .. يعيش وسط الناس بصدق وبساطة وشجاعة، فهو صاحب رأى وموقف ورؤية فنية يعبر عنها فى أعماله ولا يتعالى . ولا يسوق المنظرة والتنظير والحذلقة والفذلكة.. والكلام ` الخواجاتى ` ، ويرفض تقليد الاتجاهات الغريبة فى الفن ، يجلس على المقاهى كما يجلس فى أفخم مكان .. يتعايش مع الناس لأنهم روح أعماله الفنية والكاريكاتيرية.. ويستمع أكثر مما يتكلم ، ويحس بالمكان والناس والروح وكأنه نحلة تعيش على رحيق الزهور.. لتنتج لنا العسل.. وعسل `البهجورى` ناتج من اختلاطه بأهل بلده الطيبين. ورغم أن `جورج ` عاش فى باريس طويلا بعد هزيمة 1967 .. فإنه لم يفقد أصالته ووطنيته وروحه الشعبية .. طور أسلوبه وأعماله ودرس واستفاد من التطور الذى عايشه فى فرنسا، لكنه ظل يرسم الحارة المصرية وابن البلد وبائع الخبز.. وأم كلثوم وجمال عبد الناصر.
- وعندما عاد، لم يتوقف عن العمل والفن والمشاركة فى الحياة الثقافية. وعندما هبت ثورة يناير، كان فى ميدان التحرير ، وعندما وقعت مصر فى براثن الإخوان شعر `جورج البهجورى` بضياع الثورة ، وفكر فى الهجرة مرة أخرى .. فما حدث ونتج عنه حكم الإخوان أشعره بأن مصر ستغيب بعد أن وقعت فى بئر عصور ما قبل التاريخ!.. وفكر وصرح للصحف بأنه سيهاجر.. وعندما ظهرت قوة روح الشعب فى ثورة يونيو كان هناك أيضا فى ميدان التحرير.. وتراجع عن فكرة الهجرة إلى الأبد.
بقلم : منير مطاوع
مجلة صباح الخير 1-9-2015
البهجورى فى باريس: ذكريات وحكايات ألف ليلة وليلة فى عاصمة النور
- جورج البهجورى يعنى لى الكثير والكثير وهو أكثر من صديق لى، فقد كان لحسن حظى أول إنسان مصرى ألتقى به فى باريس.
وعندما أدرت الكاميرا لأصور لأول مرة بعد ما التحقت لدراسة السينما فى جامعة ` فانسان` ، فى باريس ، كان جورج البهجورى وفنه` موضوع` فيلمى الوثائقى الأول . وكنت قبلها قد تشرفت بالعمل معه فى مجلة ` الوطن العربى `، أول مجلة عربية خارج الوطن العربى، اكتب عن مدينة باريس وأحيائها واحتفالاتها ومهرجاناتها وشوارعها الخلفية.. ويرسم هو هذه التحقيقات الميدانية.
- تعرفت على الفنان المصرى الكبير جورج البهجورى فى باريس فى الشارع فى بداية السبيعينيات، وتجمعنى بجورج- الذى أعتبره `عمى` وعمنا جميعا نحن أبناء جيل الستينيات فى مصر وأستاذنا - حكايات وحكايات مثل حكايات ألف ليلة وليلة . وأعترف أننى عندما علمت من الصديق الكاتب الصحفى منير مطاوع عن تكريم `صباح الخير`، لفناننا الكبير طلبت المشاركة.
- وأعترف أننى حرت من أين أبدأ، وأين يجب أن أتوقف، بل ماذا أكتب، بعد أن تدافعت الذكريات العزيزة التى جمعتنا.
- تعلمت أشياء كثيرة من خلال الصداقة التى جمعت بيننا فى باريس فقد أخذت عن جورج الذى كان يقدمنى ككاتب مصرى شاب وواعد من جيل الستينيات للعديد من أصدقائه مثل المغنى الفرنسى من أصل يونانى من مواليد الإسكندرية جورج موستاكى.
- أخذت عنه حبة الجم للحياة وإقباله عليها، ومد اليد إلى الجار وإعلاؤه لقيمة `التسامح` فى حياتنا، وأعتبر أن لقائى الأول بجورج البهجورى فى الشارع فى باريس كان له أبلغ الأثر فى قرارى البقاء والاستقرار فى باريس بدلا من الذهاب للدراسة فى لندن، ومن ثم توجهى لدراسة السينما وحياتى بعد ذلك فى المدينة.. والذكريات التى كان البهجورى شاهدا عليها، من قريب أو من بعيد، والسنوات طويلة وحتى زواجى من فرنسية وميلاد ابنتى البكر.
- أجل ، لقد كنت محظوظا بالفعل ، حين التقيت فى اليوم التالى على وصولى إلى باريس بجورج البهجورى مع زوجته فى متحف اللوفر، فى بداية السبعينيات، ولم أكن أعرف أى إنسان بعد فى المدينة الكبيرة، فى أول زيارة لى لعاصمة النور.. فدعانى هو وزوجته إلى العشاء فى بيتهما، الذى تعرفت فيه على أصدقاء كثر ، وفتح لى بيته فى باريس، وجعل منه ملجأ وملاذا وركنا أيضا للنوم ، لشاب مصرى ساخط ومتمرد ومتشرد مثلى ، وهو لا يعرف عنه أى شىء سوى أنه ابن بلد من حى ` قلعة الكبش` فى السيدة زينب ، وقد حط فى باريس ، بعد أن انتهى من ` الفاندانج ` أى العمل فى قطف العنب فى كل مزارع فرنسا، وبعد أن أجهز على كل عناقيد الكروم فى الريف الفرنسى البديع ، طاف بأنحاء البلاد ومدنها الكبرى ، من عند قرية ` فيل فرتنش سور صون ` بالقرب من مدينة ` ليون ` وحتى قرية ` بار` بالقرب من مدينة ` سترا سبورج ، فى أقصى الشمال، ولا توجد فى جعبته إلا الحكايات، يقصها على العابرين.
- الآن اطمئن - قلت لنفسى- تستطيع أيها الوغد أن تتصعلك كما تشاء فى المدينة، وتجد فى المساء عند جورج ركنا يأويك، فلا تضطر للنوم مثل صعاليك باريس ` الكلوشار` على الأرصفة..
- وحين خرجت فى تلك الأمسية الصيفية الجميلة من عند جورج فى شارع سانت اندرية ديزارت ` قديس الفنون` وخطوت إلى الخارج، كانت باريس كلها- من عند كاتدرائية ` نوتردام دو بارى` العريقة، وحتى ميدان ` التروكاديرو` حيث يقع `متحف الإنسان ` وحتى `سينماتيك` هنرى لانجلوا العريق- تفتح لى ذراعيها، وقد صارت لى أنا الدرويش المسافر من ` قلعة الكبش` وطنا ، وسكة إلى ` الفضول` ، والدهشة المتجددة دوما.. والمغامرة.
بقلم : صلاح هاشم
مجلة : صباح الخير 1-9-2015
` بهجورى` فنان فوق العادة
- الابحار فى العالم فناننا العالمى جورج البهجورى متعة ما بعدها متعة .. كل خط وكل بقعة لونية تضيف جرعة جمالية .. ما أحوجنا إليها لنغتسل من همومنا ومشاكل حياتنا اليومية!.
- وقد نجح عادل ثابت مدير قاعة شاديكور فى استضافة أحدث معارضة الفنية.. يعزف فيها على كل الانغام والادوات ويتغنى بكل التشكيلات والاتجاهات الفنية ومعالجتها برؤية ذاتية مبتكرة تجمع بين الاصالة والمعاصرة .
- يضم المعرض 40 لوحة تمثل مراحل تطور الفنان عبر 32 عاما من الابداع ، رسمها على خامات والوان متنوعة.
- هذا التنوع ساعد على اثراء العرض وابراز قدراته الابداعية التى كانت من اسباب وصوله للشهرة وللعالمية .
- تعددت أيضا التقنيات والمعالجات وتنوعت عنده الموضوعات بين مرحلة وأخرى .. فتارة تخترق ريشته المقاهى وترصد حركة الزبائن.. وتارة تراه يتجول بين الطبيعة، الحدائق والأماكن العامة.. ومرة اخرى يجسد بورتريهات لكوكب الشرق أو لبنت أو طفل أو امرأة مصرية وفى كل الأحوال يحسن ` البهجورى ` التعبير عن أبطاله بصدق وتلقائية شديدة.
- الجميل أنه يتمسك بمشروع الخط الواحد فى أعماله .. وباليتة لونية متقاربة تؤكد ملامح الوجوه وتعبيراتها التى تتباين بين لحظة وأخرى ومن موقف لأخر.
- للحق أنه معرض يستحق المشاهدة فصاحبة فنان فوق العادة صاحب خبرة.. ومتعدد المواهب والقدرات.. ويميل كثيرا للمعالجات الكاريكاتيرية الباسمة التى تناجى القلوب وتداعب الجفون.. وتصنع حالة من الامتاع البصرى والعقلى.
- حلوة .. يابلدى
- `حلوة يابلدى` عنوان احدث معارض الفنان القدير حسن راشد.. الذى تحتضنه قاعة جرانت.. ويستعرض فيه 28 عملا هى خلاصة رحلة وخبرة سنين امتدت إلى نصف قرن من الزمان.
- المعروضات لم يسبق عرضها.. كلها بتوقيع 2007 باستثناء ثلاثة فقط.. لكن جميعها يؤكد اصرار الفنان على ابراز روح العراقة والاصالة التى تميز كل شبر وحارة وبيت من بيوت بلادنا الحلوة واهلينا الطيبين فى كل زمان وتحت أى حال من الاحوال.
- يستمد الفنان موضوعاته من وحى تراثنا الشعبى، الإسلامى والقبطى بعناصره، زخارفه، ورموزه والوانه المصرية المشرقه.. ويستقى رسومه من وحى الوشم، الموالد،افراح الحجيج، العادات والتقاليد، رقصات الخيالة..والمرأة عنده دوما ملكة متوجة والطفل نجم لكل لوحاته.
- ولتأكيد كل هذه القيم والمعانى الأصيلة فى إطار من الحداثة والمعاصرة استعان بالاهله، الحدوه، الورود، الاشكال الهندسية، الطيور، الحروف وغيرها من الموتيفات المصرية لكنه كان حريصا على توظيفها فى قوالب وتشكيلات مستحدثة.
- الفنان حسن راشد، فى السبعين من عمره.. ومازال لديه الكثير لتقديمه بقوة وتحد واصرار على تأكيد عظمة الإنسان المصرى فى كل موقع يتواجد فيه.
بقلم : ثريا درويش
جريدة الأخبار : 8-11-2007
البهجورى والخط المتصل والساعة السوداء!
- معارضه المستمرة وساعة العسرة
- بدأ خطه المتصل فى روزا.. ثم دخل عليه اللون بظل ونور.. فأبدع وتناول موضوعات من ورش السمكرة والميكانيكا وتشغيل الصبية الصغر الذين كانوا بين أشلاء العربيات المفككة.. عينهم واسعة من الفاقة بينما البورتيريهات السياسية يفوح من ملامحها رفاهية رئيس وزراء بريطانيا وأيزنهاور وبن جوريون وشارل ديجول.. وكان منفرداً فى رسم عبدالناصر.
- أقام معرضاً فى قاعة شاديكور بمصر الجديدة.. وأم كلثوم حاورها بأكثر من زاوية حتى كأنه يستدعى صوتها وكبرياءها.. ارتفع بمستوى الكاريكاتير إلى مستوى لوحات الصالونات ولولا أنه معنى بهموم الناس لوجدت له إصراراً على البحث عن جمال البورتريه فالعيون عنده شاخصة.. السواعد تواقة للعمل لولا أصابع اليدين فأكبرها طولاً هى` السبابة `..
- طريقته فى الرسم والتصوير تدل على ما فى وجدانه من حراك وكأنه لم يبرح أمس.. وبمذاق واحد.. سواء أكان فى روزا أو بهجورة.. أو فى باريس وريشته عالجت قضايا الإنسان.. والبسطاء.. وكأنه مكسم جوركى، وفى دقة وكثافة موضوعاته يكون ابن بطوطة مع احتفاظه ` الدائم` ببهجورته.. كما أن له نوره الخاص وظله الخاص وتشريحه الخاص حتى وإن كان لحيوانات الحقل كما فى معرضه بشاديكور.
- نساء البهجورى
- وهن نساء بدينات.. فقرات عيونهم لا تبحث إلاعن الحياة.. فتظهر من خلال المبالغة فى التشريح ووضعهن الاجتماعى والثقافى.. بألوان ساخنة ملتهبة.. وكلما توغلنا فى عالم الفنان لوجدنا أنه تعدى المفاهيم الثابتة للفنون الجميلة لقد رصد.. وأرخ لحياة الطبقة التى كانت متوسطة.. ثم ذابت.. ومازال يستحضرها.. ويشرف عليها.. كما أنه يرتدى تحت ملابسة الأفرنكية الصديرى الصعيدى ..
- ياليت الفنان يعيد النظر فى خطه المتصل.. ويكتشف لنا الجمال الخلقى لنساء مصر.. اللاتى احتفظ لهن بسمات المصرى القديم.. وحاملة القرابين وحاصدات القمح والعنب على جدران كلابشة.. وغيرها من جدران.
- وأم كلثوم.. لقد حاورها تشكيلياً بأكثر من رؤية.. استدعى ملامحها حين كانت تنطق بالهوى والجوى وارتفع بالكاريكاتير فوصل إلى مستوى الصالونات.. والفنان قضيته الإنسان.. ويمكنه تحويل أى مشهد إلى عمل فنى ` تصوير ` ولم يبرح أمسه فهو ` ثائر` طوال مشواره.. حتى اليوم.. ولما ذهب فى ساعة عسرة إلى القدس رسم أولمرت وباراك.. والمجتمع المصنع.. والقائم على اللون الأحمر والأسود، لم يكن مهادناً يرسم وسط خمسة عشر فنانا كاريكاتوريا يتقدمهم ` بلانتو` الرسام الفرنسى العالمى.. واستل البهجورى ريشته من غمدها وراح يكشف الخطوط التى من شأنها تغطية عيوب المجتمع الإسرائيلى فأوغل فى الصدق وأعلن عن صدق قضيته.. بخطوط لاتتوقف. وحاور الكثيرين من رسامى العدو حتى غادر القدس وعاد ليجد ساعته وقد أسودت.. و` تلعبكت` خطوط ثوانيها.. والخط عنده مازال ثائراً..لا يتوقف.. ومازال الخط فى يده.. يرسم بلا تضييع .. لكن للطبع.. والصدق فى التعبير.
بقلم : عمر شعبان
جريدة القاهرة 17-1-2009
عزيزى رجائى ونيس جداً
- أخى الرائع فى كتابة الجوابات ونقد الذات يا ونيس جدا جدا لأن رسالتك وصلتنى وأنا فى مرسمى غرقان فى لوحاتى وألوانى ولم أقابل أحدا سواك على الورق.. كلامك وأفكارك رائعة جدا وأنا موافقك على طول الخط الواحد وأنت بطل ورائد فى فنك وحكاية تصنيفه لخدمة الآخرين المحتاجين للمساعدة جعلت الفن رسالة إنسانية وأنت فى نهاية أو كعب الكرة الأرضية أستراليا وتوفيقك الأخير للجمع بين الرسالة والعودة للوطن الحبيب ولقاء الأصدقاء القدامى ومن تبقى منهم وأنا منهم ونرمين وايهاب مثلا.
- وتكفى رحلة رئيس التحرير إلى بيتك فى أستراليا وافتخار إحسان عبد القدوس بك، وكلامك عن تدليع الخط فى الرسم ليكون واحدا صحيح ولكن لم أهتم بتلفيق الحكاية على الورق أو اللعبة ذاتها كالبهلوان أو مهرج السيرك، ولم أستعجل حكاية التقاط ملامح مميزة فى الخط ولم أفتعل وقد كنت أرسم ذات صباح وأنا فى طريقى إلى مجلة أفريقيا الشابة jeune afrique وكانت لى صفحة أسبوعية مع رئيس تحرير تونسى يعيش فى باريس اسمه بشير بن يحمد وفريق التحرير أغلبه من أفريقيا أو شمالها فى تونس والمغرب والجزائر ما عدا أنا من مصر، وكانوا أحيانا لا يفهمون رسمى ولكن كنت أبحث عن عمل منتظم فى باريس لأستكمل دراستى فى كلية فنون جميلة باريس والسوربون تاريخ الفن رسالة عن الخط المصرى القديم فى رسم بيكاسو ولم أكمل الدراسة ولكن اكتفيت بسنتين كلها محاضرات من أستاذ وناقد له كتب كثيرة اسمهmarc lebot. - دخلت قاعة التحرير فى هذه المجلة بموعد مسبق من صحفى كبير صديق للدكتور أنور عبد الملك الذى أوصانى به خيرا ومعى كراستى وقلمى الفلوماستر وأنا أشبك الخطوط كلها مع بعض أنف سكرتير التحرير مع شعر سكرتيرته الحسناء الأحمر، وهكذا لمدة لاتقل عن نصف ساعة صعد أحدهم إلى مكتب رئيس التحرير التونسى الفرنسى وهو فى قمة كبريائه كرئيس تحرير على مكتبة الوثير فى الطابق الأعلى.. صعد أحدهم ــــ صحفى فرنسى شاب يعرفنى جيداــــ يقول لرئيس التحرير. أرجوك أن تهبط إلى طابق التحرير لترى رسامأ مصرياً له طراز خاص فى الرسم.
- كان استقبال رئيس التحرير لى بهذه الطريقة نجاحا كبيرا لى حيث وقعت للعمل أسبوعيا فى صفحة اسمها le semaino vre bahgory ورغم أن العقد كان أسبوعيا لمدة عام إلا أنى اختلفت كثيرا حول رسومها السياسية ولم أستطع التكملة وكنت بدأت أبيع بعض رسومى بالحبر وبالألوان فاكتفيت بذلك.
- أما قصة رسمى فى الباص لحسناء تجلس عن قرب سحرتنى ربطة العنق وذيل الحصان فى الشعر وفجأة هبطت من الباص فى المحطة اللاحقة فلم أرفع قلمى عن الورقة، وأكملت الرسم من الذاكرة بالخط الواحد.
- أما رأيك بأن رسومى فى صباح الخير الأولى المبكرة كانت أجمل فى الخط ولكنى أعرف أنها زخرفية فقد كنت أمضى وقتا طويلا فى التنفيذ والضغط على أطراف الخط ليصبح له هذه النغمة الموسيقية أما الخط الحالى فهو خاطف سريع بدون إعادة يتبع اللحظة الخاطفة.
- أما نقدك لبيكاسو فهو رائع وقد تابعت أعماله الأخيرة فهى كما قلت انتقال لجسم المرأة من الجمال إلى الوحشية ويسمونها هنا ` فولجاريتى` volgarite وأهم لوحة له سيئه جدا ولكن الكتب تنشرها بفخر وهى لوحة امرأة عارية بتعمل بى بى.. بملحقاته كامل بلا خجل.
- الفنان الذى رسم العالم كله فى أكثر من نصف قرن له الحق فى نهاية العمر أن يبالغ ويتطرف فى الرسم حتى التخريف لأنه يعرف قيمة توقيعه على أية حال.. وعلى فكرة أثناء دراستى لحياته اكتشفت أن اسمه لويس بابلو رويز اسم الأب.
بقلم : جورج البهجورى
مجلة صباح الخير 28-9-2010
جورج البهجورى: رسمت حتى ارتويت ودخلت عالم الأدب من النافذة
- كان على أن أسأل عنه رواد المقهى المجاور لمرسمه، فى وسط القاهرة، فهو يجلس بينهم فى كثير من الأحيان ويحاورهم ويلقى بالنكات والقفشات هنا وهناك، يضحك ملء قلبه، مستعيناً بطاقة المرح التى تميز شخصيته.
- إنه الفنان التشكيلى المصرى جورج البهجورى الذى يرسم كما يفكر، ويفكر كما يرسم، ولا تفارقه أدوات الرسم أينما حل.
- خط واحد متصل، يتقاطع ويدور ويلتف، وما هى إلا لحظات حتى تظهر الملامح، هكذا يرسم البهجورى، وإلى جوار الرسم، لا مانع من الكتابة والتعليق. كلمات قليلة موحية تصاحب هذه الرسوم التى يغزلها بأقلامه السود ويحتفظ بها، هى أيقوناته الخاصة، وما أكثرها فى خزانته. المئات من الأيقونات شكلها بالرسم والكتابة تحكى سيرته منذ كان طفلاً فى قريته ` بهجورة ` فى صعيد مصر، إلى تفاصيل رحلاته عبر عواصم العالم.
- تخرج جورج البهجورى فى كلية الفنون الجميلة عام 1955، وعمل رساماً فى مجلة ` روزاليوسف` سنوات عدة قبل أن يسافر إلى باريس ويقرر الاستقرار فيها، وقد التحق هناك بمدرسة القنون الجميلة، أقام وشارك فى العشرات من المعارض فى مصر وبلدان مختلفة، ودخلت لوحاته جناح الكورسول فى اللوفر عام 1990، لتمثل الجناح المصرى بدعوة خاصة من جمعية محبى الفنون الجميلة فى باريس، حيث حصلت لوحته ` وجه من مصر` على الميدالية الفضية. صدرت له كتب مصورة عدة تحكى سيرته الذاتية بدأها بكتاب ` أيقونة فلتس` الذى صدر عام 1997.
- يقول البهجورى: ` فلتس هو اسم شعبى فى العائلة القبطية، وكان منتشراً فى عائلتى، لذا سميت روايتى الأولى` أيقونة فلتس`، مشيراً إلى نفسى، أما أبطال الرواية فهم أبى وزوجة أبى وعمى وأقاربى. وكتب عن هذه الرواية وباركها شيخ النقاد على الراعى، وكتب أيضاً عنها إدوارد الخراط وآخرون. وهذه الرواية كانت بداية التحاقى بعالم الأدب، بعدها صدرت لى كتب عدة منها: ` أيقونة باريس`، و` بهجر فى المهجر`، وكان آخرها ` أيقونة شعب `.
- وبدأت أكتب بعد سن الستين. لذا دائماً ما أقول إننى دخلت عالم الأدب من النافذة وليس من الباب الرئيسى، وارتبطت كتاباتى بما يسمى ` المشهدية فى الأدب`. فأنا رسام فى المقام الأول، وحين أصف شخصاً ما أو مشهداً بعينه يتخذ هذا الوصف طبيعة خاصة ومميزة.
- لماذا لجأت إلى كتابة سيرتك الذاتية؟ لا أدرى، ربما لأننى رسمت كثيراً جداً عن سيرتى، فقد رسمت ما يقرب من الالف كراسة عن سيرتى وحياتى الشخصية، كل كراسة كانت تحوى رسوماً لوجوه أعرفها وقابلتها فى حياتى، وعادة ما تصاحب هذه الرسوم بعض التعليقات أو الكلمات الموضحة. لقد رسمت حتى ارتويت، أو حتى الثمالة كما يقولون، فأردت أن ألجا إلى أسلوب آخر غير الرسم، لذا اتجهت إلى الكتابة... ربما كان لجوئى إلى الكتابة بسبب الوحدة التى أشعر بها أثناء وجودى فى باريس، أو رغبة منى فى تسجيل كم التجارب التى خضتها متنقلاً بين عواصم العالم، كل ما أعرفه أن فكرة الحكى هذه كانت دائماً ما تراودنى، حتى اهتديت إلى تلك الحيلة الجميلة وهى الحكى للورق، فلغة التشكيل هى شئ ممتع فى حد ذاته، ولكن يبدو أننى لم أكتف بهذه اللغة، وكان على أن ألجا إلى الكلمة. وأنا أعتبر تجربتى مع الكتابة نوعاً من المغامرة، وهى مغامرة لم تنته حتى اليوم.
- ويضيف: علاقتى بالكتابة قديمة، لكنها كانت علاقة سماعية فى بادئ الأمر، فقد تربيت فى مؤسسة ` روزاليوسف`، وكنت أجلس بجوار صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى ورجاء النقاش فى حجرة واحدة، وكان يدخل علينا سعد الدين وهبة وعبدلله الطوخى، وكنت أستمع إلى مناقشاتهم وحواراتهم وأتعلم، ففهمت أشياء كثيرة عن كتابة الرواية، كالبناء الدرامى والحبكة والمونولوغ الداخلى، وغيرها من الأمور المتعلقة بالكتابة الروائية. - اختزنت هذه الأشياء فى ذاكرتى واستعنت بها بعد ذلك حين فكرت فى الكتابة، والكتابة عندى أشبهها بالمعشوقة، أما الرسم فهو الزواج الرسمى.
- لقد عملت فى الصحافة قبل أن تتخرج فى الفنون الجميلة، فكيف خضت هذه التجربة فى ذلك الوقت المبكر. خصوصاً أنك التحقت بواحدة من أبرز المدارس الصحافية المصرية فى ذلك الوقت، وهى مؤسسة ` روز اليوسف ` والتى تبنت وأخرجت الكثير من المبدعين المصريين فى مجالى الكتابة والرسم فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضى؟
- قبل التحاقى بــــ` روزاليوسف` بعام تقريباً قامت ثورة يوليو. طلب منى إحسان عبد القدوس أن أرسم أعضاء مجلس قيادة الثورة فرسمتهم جميعاً ومن ضمنهم جمال عبد الناصر الذى رسمته بأنف كبير من أول الصفحة إلى آخرها.
- يقول بهجورى : عملت فى الصحافة من طريق أحد الأصدقاء من أوائل المتخرجين فى كلية الفنون الجميبة، وكان حينها مسؤولاً عن تطوير مؤسسة روزاليوسف ` واسمه أبو العينين .
- وأذكر أنه قبل التحاقى بـــــ` روزاليوسف ` بعام تقريباً قامت ثورة يوليو، وحدث أن طلب منى إحسان عبد القدوس أن أرسم أعضاء مجلس قيادة الثورة، فرسمتهم جميعاً ومن ضمنهم جمال عبد الناصر الذى رسمته بأنف كبير من أول الصفحة إلى آخرها ، ولولا ستر الله لكنت قد اعتقلت، ففى ذلك الوقت طاولت الاعتقالات الكثير من الكتاب والرسامين، وبخاصة اليساريين، وكنت أنا محسوباً عليهم، ولكن لحسن حظى لم يتم القبض على، وأحمد الله أن هذا الآمر لم يحدث وإلا كنت انتهيت، فقد كنت حينها هشاً ضعيف البنية، ولم أكن سأتحمل الحبس أبداً.
- وفى `روزاليوسف ` استفدت من ممارستى الرسم فى شكل يومى، فقد أعطانى إحسان عبد القدوس صفحتين تحت عنوان ` أخبارهم على وجوههم `، فكنت أرسم البورتريه للشخص الموجود فى الخبر، وكانت الصفحتان تضمان على الأقل عشرة أخبار وعشرة بورتريهات، ولمع هذا الباب واستمر حتى بعد سفرى إلى فرنسا، ولكن بفنانين أخرين.
- فى منتصف السبعينيات، سافر جورج البهجورى إلى باريس لإقامة معرض له، وهناك أتخذ قراراً بالبقاء ليخط فصلاً جديداً من تجربته. فقد مثلت باريس إحدى أهم المحطات فى حياته، وكان لها تأثيرها الواضح فى فنه وإبداعه فى ما بعد.
- يقول بهجورى: سفرى إلى باريس كان بمثابة الولادة من جديد بالنسبة إلى، فقد شبعت من العطاء للصحافة، حتى كدت أنسى الفنان صاحب اللوحات، وأردت أن أعود إلى اللوحة مرة أخرى. وقد سافرت فى البداية لإقامة معرض هناك تحت عنوان ` أولاد الحارة ` وعرض فى لندن أولاً ثم انتقل إلى باريس، وهناك قررت البقاء لبعض الوقت، وصرت كلما أبيع لوحة أمدد إقامتى حتى طال بى الأمر سنوات. وفى باريس عدت إلى القراءة والمشاهدة من جديد، وتضاءلت مساحة الصحافة من أولوية اهتماماتى، وكنت حين يضيق بى الحال ألجأ إلى أحد الأصدقاء الذى كان يعيش هناك فى ذلك الوقت وهو الصديق أنور عبد الملك، وكان أحد اليساريين اللذين فروا من الملاحقات الأمنية فى عهد عبد الناصر. ومن طريقه تعرفت إلى رئيس تحرير مجلة كانت تصدر هناك باللغة الفرنسية واسمها ` أفريقيا الشابة `، إذ عملت بها لفترة ، وكانت لى صفحتان مخصصتان لرسومى، وعلى رغم ضآلة المبلغ الذى كنت أتحصل عليه منها، إلا أننى كنت حينها فى حاجة إلى هذا العمل كى أستمر.
- قبل خمس سنوات صدر للفنان جورج البهجورى كتاب تحت عنوان ` الرسوم الممنوعة `، وهو كتاب يحوى عدداً من الرسوم التى أنجزها بعد توقيع أنور السادات إتفاقية كامب ديفيد، وهى رسوم لم تنشر فى مصر وتم نشرها فى عدد من المجلات التى كانت تصدر فى باريس أواخر السبعينيات. غير أن صدور هذا الكتاب صاحبته ضجة إعلامية وهجوم على الفنان جورج البهجورى،لا يسبب تلك الرسوم، بل لسبب بعيد تماماً، يتعلق بما أورده فيه عن المبدع الراحل صلاح جاهين.
- يقول بهجورى: تلك الضجة كانت مفاجأة بالنسبة إلى لم أكن أتوقعها، فما أوردته فى الكتاب لم يكن حكماً على صلاح جاهين بل كان سرداً لوقائع عاصرتها، وأعتقد أنها لا تقلل من شأنه مطلقاً فصلاح جاهين فنان ومبدع وشاعر عبقرى لاجدال فى ذلك، كل ما فى الأمر أننى ذكرت علاقته بالكاريكاتير وكيف كان فى بداياته يتعلم من المحيطين به وأنا منهم، وهذه حقيقة، وهناك واقعة أخرى ربما هى التى أغضبت الناس، وهى ما ذكرته عن تقليده رسوماً غريبة، وهو أمر شاركت فيه أنا أيضاً، فقد حدث أن ذهبت إلى ألمانيا بدعوة من التلفزيون الألمانى لتصوير حلقة عن فنانى الكاريكاتير حول العالم، وكانت هذه أولى رحلاتى إلى خارج مصر وطلب منى رئيس التحرير حينها ` حسن فؤاد` أن اشترى له كتاباً ألمانياً من هناك بعنوان ` ألف نكتة ` فأحضرت الكتاب معى. وطلب منا أنا وصلاح جاهين ومجموعة الرسامين فى ` روز اليوسف ` تمصير النكت الموجودة فى الكتاب الذى أحضرته من أجل نشرها فى مجلة ` صباح الخير`، فحكيت هذه القصة فى كتاب رسوم ممنوعة، ذاكراً أن صلاح جاهين بدأ خطواته فى عالم الرسم بنقل الرسوم الأجنبية، وذكرت ما كان يحدث من أنه كان يتابع رسومى وينقل منها بالضبط، وبأسلوب ضعيف فى جريدة اسمها ` القاهرة `، ولكن لأنه كان يتمتع بالذكاء، أو قل كان عبقرياً. فقد تقدم بخطوات واسعة حتى تخطانى، فهو كان يتميز عنى بغزارة الأفكار، وكنت أتميز عنه فى الرسم. لقد جلس صلاح جاهين أمامى ثمانى سنوات كاملة، كل منا له مكتبه وطاولة الرسم الخاصة به، فكنت أنا أبحث عن الفكرة المناسبة من الصباح حتى الظهيرة، أما هو، فكان يستحضر الفكرة بعد دقائق من جلوسه على الطاولة ، لكن يستغرق وقتاً طويلاً فى رسمها. فقد كنت مهتماً بالرسم، وهو كان مهتماً بوضع أفكار لإضحاك الناس، والأمر فى مجملة لايتعدى وجهة نظرى فيه كرسام كاريكاتير ليس إلا.
- بين الصور الفوتوغرافية التى يحتفظ بها جورج البهجورى، ثمة صورة كبيرة تجمعه مع عدد من رسامى الكاريكاتير الأجانب، كان حريصاً على أن يرينى إياها، وقد التقطت هذه الصور لمناسبة أحد المعارض التى شارك فيها بدعوة من هيئة الأمم المتحدة ، حيث تنقل هذا المعرض بين عواصم عدة حول العالم. الأمر يبدو بسيطاً، لولا أن واحدة من هذة المحطات التى توقف فيها ذلك المعرض كانت فى إحدى المدن الإسرائيلية، وهو الأمر الذى أثار ضده عاصفة من الهجوم والاستهجان داخل مصر، فقد اعتبر الأمر نوعاً من التطبيع، ووصل الحال إلى حد التلويح بفصله من نقابة التشكيليين المصرية. سألته عن ملابسات هذا المعرض، فرد قائلاً: هو معرض نظمته هيئة الأمم المتحدة لمجموعة من رسامى الكاريكاتير من مختلف دول العالم، وعرض فى روما وجنيف وبروكسل وباريس، وكان علينا أن نختتم الجولة بعرضه فى مدينة رام الله، بعدها دخلنا إلى إسرائيل حيث عرضت الأعمال داخل متحف صغير فى إحدى البلدات هناك. فانتهزتها فرصة للهجوم على رؤساء وحكام إسرائيل والذين رسمتهم فى أوضاع هزيلة، واعتبرت حينها أننى انتصرت على العدو من دون سلاح وفى عقر داره، ولم يكن يدور فى ذهنى أبداً كل هذا الضجيج الذى حدث حينها.
- ماذا لو دعيت لإقامة معرض خاص فى إسرائيل، هل تقبل؟
- أنا ليست لى علاقة مع اسرائيل. وأرفض ذلك تماماً، فالمعرض الذى أقيم كان بدعوة من هيئة الأمم المتحدة، ولم يكن هناك دخل لأحد من داخل إسرائيل به، ولم يلمس أى منهم الباسبور الخاص بى، وقد كان الأمر مجرد مرور فقط، بعدها عدت أنا ومجموعة الفنانين الفرنسيين إلى فرنسا، ولم أقم بزيارة أى معالم هناك. المعلم الوحيد الذى زرناه فى طريقنا كان ضريح الرئيس الراحل ياسر عرفات.
- قبل انصرافنا، لم ينس البهجورى أن يرينى بعض أعماله التى لم يتسن لى رؤيتها، وكانت من بينها لوحة بعنوان ` أم الشهيد`. وهى لوحة كبيرة ذات ألوان قاتمة رسم فيها خالته وهى ترتدى السواد حزناً على ابنها الذى استشهد فى حرب 1973. بعدها لملمت أشيائى وانصرفنا من المرسم حيث دعانى للجلوس معه قليلاً فى المقهى المجاور، قبل أن يتركنى وينطلق فى رحلته التى لا تنتهى عبر شوارع القاهرة.
بقلم : ياسر سلطان
جريدة الحياه 4-1-2011
البهجورى يحيك نسيج الوحدة الوطنية للمصريين بالألوان الساخنة
- عبر30 لوحة زيتية تدمج التعبيرية بالكاريكاتير والكولاج
- يحتضن غاليرى المسار للفن المعاصر بالزمالك معرضاً بعنوان ` البهجورى `، الذى يضم أحدث إبداعات الفنان الكبير جورج البهجورى 2010-2011، والذى يستمر حتى 31 مارس ( أذار) الحالى. وعبر 30 لوحة تصوير زيتى تزينت بالألوان المبهجة والصارخة بالمصرية، ومنها الأحمر والأصفر والأخضر،تداخلت فيها تقنيات الكولاج والتصوير ومبالغات الكاريكاتيرـــ يصور البهجورى نبض الحياة اليومية المصرية وأهم المناسبات والرموز المصرية الأصيلة التى من خلالها يؤكد قوة الوحدة الوطنية للمصريين.
- ويقول وليد عبد الخالق، المسؤول عن غاليرى المسار لــ` الشرق الأوسط`. إن الفنان جورج البهجورى يقدم بالمعرض الكثير من اللوحات التى تصور الجوامع والمصلين، وصلاة الجمعة، وموائد إفطار رمضان، وليلة العيد، وحى الحسين ورقصة المولوية الصوفية والحارة المصرية، فى إشارة منه إلى التآخى بين المسلمين والمسيحيين، هذا فضلا عن تجسيده لبائع الخبز وأجواء الحارة الشعبية بكل ملامحها الفلكلورية الفريدة.
- ويجذبك المعرض بمجموعة بورتريهات لأبرز الشخصيات المصرية فى مختلف المجالات، ومنها لوحات لكوكب الشرق أم كلثوم، القصبجى، والفنان الراحل حسين بيكار، وغيرهم.
- وحول أعماله، يقول البهجورى:` أبتعد عن اللوحة الجديدة عدة أمتار فأستمتع بالبعد الأول إلى الثانى فالثالث حتى الرابع، أعود اليوم التالى مضيفا للهارمونى لأصبح المتلقى الوحيد، وأندهش كأنى نسيت، وأقول من الذى رسمها ولونها، أصبح أنا مبدعها المتفرج الأول وأصبح من أعماقى..برافو... لقد فعلتها.. فعندما يلمس لسان الفرشاة سطح قماش اللوحة تطرقع قبله، وعندما تضيف إلى الخط اللون تزغرد البالتة`.
بقلم : داليا عاصم
جريدة الشرق الاوسط : 12-3-2011
جورج بهجورى : أنا من أنصار نظرية المؤامرة.. فى الفن
- يعتبر أن التشكيل العربى مشغول بجمالية الصورة ولا يعلى قيمة الاكتشاف.
- ريشة جورج بهجورى الكاريكاتورية لاذعة وغاضبة أحياناً. ومشحونة بالفرح والمسرات معظم الأحيان. وهذا ربما يفسر جنوحه للسخرية من ذاته فى أحيان كثيرة، خصوصاً عندما تعز علية المادة التى تجر ريشتة جراً إلى رحاب الفكرة الجديدة أو الفكرة الخلاقة. وهذا ما أهله للفوز بجائزة الكاريكاتير العالمية عامى 1985ـــــ 1987فى روما حسب تعبيره. وهو رئيس جماعى رسامى الكاريكاتير فى العالم بترشيح من هيئة الأمم المتحدة خلال فترة كوفى عنان.
- يقول الفنان بهجورى فى حديث خاص لــ`الاتحاد`: أنه بدأ حياته بالسخرية ` لأن الناس كانوا يصادرون حريتى فى التعبير والكلام، وكنت أسخر من الأحياء والكيمياء، (أى من الأهل والأصدقاء ومادة الكيمياء فى المدرسة) وعندما دخلت كلية الفنون الجميلة بخمسينيات القرن الماضى، التقيت بالفنان الشهير حسين بكار، حينها بدأت أعرف الرسم كفن وتشكيل. فبدأت أرسم رفضى للدراسة ومدرسيها ومناهجها التلقينية الغبية، فتطورت الحكاية حتى صارت الشخبطة توزع فى ` روزاليوسف`. وبعدها بدأت مرحلة تشابك الخطوط، بما يسمى الآن فى ` الأهرام` زاوية الخط الواحد، أى لا أرفع يدى عن الورقة حتى تنتهى الرسمة، فأعود إلى الخط الأول الذى انطلقت منه لتأكيد رؤيتى الأول `.
- ويعتبر الفنان جورج بهجورى فى الوقت الراهن واحداً من أهم الفنانين المنتمين لمشروع الخط الواحد، الذى يبدأ به لوحته من نقطة واحدة وينتهى منها دون أن يرفع سن القلم عن الورق. فالخط عنده `واحد ومتصل فى خفة وحيوية ورشاقة، ثم يتجه للباليته اللونية لتساعد فى تعميق الإحساس بالمعنى والمضمون ` الذى يرغب فى توصيله للمتلقى.
- كذلك الحال بالنسبة لريشتة التشكيلية. فهو من الفنانين الذين لا يقر لهم قرار بالمعنى الفنى، لأنه مهجوس بالمغامرة والتجريب أو التمرد على كل الأشكال الفنية السائدة ، لأنه يعتقد أن المشهد التشكيلى العربى الراهن يعانى من الاغتراب والاستلاب، بسبب وقوعه تحت سطوة إشكاليتين، لم يتخلص منهما حتى اللحظة الراهنة :
- الإشكالية الأولى هى التأثر بالغرب، وخصوصاً لجهة تدريس الفن وفق المنهجيات والأدوات الغربية بالمعاهد والكليات العربية عموماً، لأنه لاتوجد مناهج ولا مدارس عربية.
-والإشكالية الثانية هى مسألة صناعة اللوحة بالمعنى الحرفى. ` أى أننا نرسم ونحن مشغولين بفكرة جماليات الصورة وليس إعلاء قيمة المغامرة والاكتشاف أو الفتح الجديد والاستشراف للمستقبل`؟.
- وفيما يتعلق بخصوصية المنجز التشكيلى العربى فى الوقت الراهن، وما إذا كانت له خصوصية فنية تميزه عن غيره من الفنون؟ يقول بهجورى:` أنا من الناس المؤمنين بنظرية المؤامرة حتى بالفن. نحن نمارس الغواية ليس من خلال الحديقة اللونية، وإنما من خلال الشكل المقلوب أو المؤطر الفارغ من المضمون`. ويعتقد أن معظم المنتج الفنى العربى يقوم على ` فكرة التلقائى بحث تطفو الرموز الدالة على الهُوية على سطح اللوحة، ولكن لايوجد فيها المنظور العميق، أو البعد الثالث، الذى ينظم علاقة الأشياء من ناحية القرب والبعد، والفنان العربى والشرقى عموما يسعى ويقارب هذه المسألة لكنه لم يتقن حتى اللحظة من حفر الهُوية أو الخصوصية فى البعد الثالث`.
-وعن الحوافز التى تدعوه للرسم؟ يقول بهجورى ` إن اللوحة كما الفرقة الموسيقية أو الأوركسترا فهى تدعوك إلى الحب إلى الجمال إلى الوطن، فهى كالشخص الذى يكون أسرة، تجده دائماً مشدود إليها. لذلك يتعين على الفنان أن يقف إلى جانب شعبه ووطنه سواء بالكلمات أو الألوان التى نسميها الفن التشكيلى. أما بخصوص الحوافز فالنماذج كثيرة بالحياة التى تجذبنى إلى فن الرسم مثل الموسيقى، وبالأخص المايسترو، الذى يقود عشرات الموسيقيين يقودهم ويوجههم ليخرج بنغم متجانس يسحر الألباب ويحير العقول. إنها لغة جميلة، أمضيت عمرى وأنا أتعلم هذه اللغة التشكيلية. للقيام بدورى لإسعاد الإنسانية واكتشاف الخير والشر والجهل والنور ورسالة حب الناس والسلام.
بقلم : محمد وردى (دبى)
جريدة الاتحاد 8-8-2014
البهجورى يضم فنه إلى كوكب الشرق
-` خيط سحرى` تجربة طموحة ينقصها التواصل.
- عندما تستعد لمشاهدة فيلم عن أم كلثوم ستنتظر فى الدرجة الأولى سماع أغانيها، إضافة إلى مادة حكائية متنوعة . أما إذا كان الفيلم يضم طرفاً آخر كالفنان التشكيلى المعروف جورج البهجورى، فيكون من الطبيعى أن يتوقع المشاهد مواقف وحكايات ستأتى على لسان البهجورى، مرتبطة فى شكل مباشر بأم كلثوم. وتزداد التوقعات حين يبدأ فيلم ` خيط سحرى` لمخرجه حسام نور الدين بفقرة كتبها البهجورى بخطه، لتأتى كصورة دون صوت مسموع جاء فيها ` أم كلثوم تنادى مصر بصوتها، وأنا كمان بأنادى مصر برسومى عنها ، احنا الاثنين من عصر جميل واحد، نصف قرن عايشين سوا ... رسمتها فى خمسين لوحة، رسمت صوتها مع حب مصر، والحنين ... جورج بهجورى`. إن هذه اللوحة التى تتصدر الدقيقة الأولى من الفيلم الممتد لنحو نصف ساعة (35 , 25) تؤكد التوقعات التى تتكون لدى المشاهد والتى سرعان ما تنكسر مع كل دقيقة تالية فى الفيلم .
- يبدو لدى حسام نور الدين تصور مختلف عن صناعة فيلم طرفاه محددان بوضوح، لكل منهما شأن فى مجاله، شأن يتجاوز المجال ليصبح مكانة مجتمعية ودولية أيضاً، بما يفتح أفق التوقع والانتظار لدى المشاهد.
- كلّ فى مجاله
- يفضل نور الدين اختياراً جديداً فى معالجة مثل هذه الموضوعات من الأفلام الوثائقية ، يسانده فى ذلك الإنتاج المستقل للفيلم، والبعيد عن قواعد الإنتاج المتعددة تبعاً لشاشة العرض، بما بما سمح له بإمكان التجريب والخيال.
- قرار المخرج بأن يجعل الصورة للبهجورى ، بينما شريط الصوت خاص بأم كلثوم ، أمر يكسر كل أشكال التوقع لدى المشاهد الذى تحيله حالة الترقب للمشهد التالى إلى حالة من التحفز، لا تهدأ إلا مع نهاية الفيلم، والحقيقة أن حسام نور الدين نجح فى تقديم هذه الحالة من التشويق والفضول فى شكل لافت .
- فى فيلم ` خيط سحرى` سوف يتأخر ظهور وجه جورج البهجورى إلى الدقيقة السادسة ، رغم أن كلمته تعنون الفيلم وترسم توجهه ، وربما تشير كذلك إلى موضوعه ، لكن بالتأكيد لن تكشف عن المعالجة الجديدة والمختلفة فى شكل جلى .
- ما بين البهجورى الذى يرسم وبين لوحاته ، ستتحرك الصورة طيلة النصف ساعة ، ولكن لن يرى المشاهد سوى فنان يرسم على مدار يومين، يمكن تحديدهما من مشهد فى الدقيقة الرابعة لضوء النهار، ثم مشهد تالٍ لطقوس الليل واستعداد الفنان للنوم ، قبل أن نرى نهاراً آخر فى الدقيقة العشرين .
- ولكن لن يظهر صوت البهجورى مطلقا على شريط الصوت ، فقد قرر المخرج وكاتب السيناريو أن يكون الفنان موجوداً بفرشاته ولوحاته فقط .
- إذاً ، نحن أمام صوت أم كلثوم فهل نتوقع فى فيلم يتحدث عنها أن نسمع بعضاً من أغانيها الشهيرة ؟ كسر حالة التوقع لدى المشاهد هو أكثر الأمور وضوحاً فى هذا الفيلم ، فأم كلثوم يظهر صوتها عبر آهات كثيرة من أغنيات فى بداية مشوارها الفنى. تنوع الآهات هو الواضح ، المدهش كذلك هو وجود تسجيلات إذاعية مع أم كلثوم وهى تتحدث عن حياتها، وفى موضوع آخر يطلب منها المذيع أن تقرأ قصيدة ثورة الشك بصوتها ، وهو ما تفعله .
- لم تقف جدّة شريط الصوت هنا بل إن المخرج استعان بإعلان المذيع بفتح الستار عن حفلة أم كلثوم ، الأمر الذى تكرر مرتين لحفلتين مختلفتين ، دون أن يأتى صوت أم كلثوم عقب هذا الإعلان .
- هناك كذلك فترات من الصمت تملأ شريط الصوت، لا شئ سوى صورة تنقل صور لوحات أم كلثوم، أو فرشاة البهجورى وهو يرسم أم كلثوم .
- هذه الفترات من الصمت تحمل تساؤلات عديدة فى طريقة المعالجة ، فمع ما تصنعه لدى المشاهد من حالة ترقب، قد تساهم كذلك فى دفع المشاهد إلى الملل .
- تظهر عناوين الفيلم فى الدقيقة الثانية والعشرين فى حين يستمر الفيلم لثلاث دقائق أخرى . وفى الإجمال سيبدو الفيلم مختلفاً فى التناول والمعالجة ، فحتى اختيار الأغنيات التى جاءت فى شريط الصوت بدا اختياراً مغايراً لما هو متوقع، ما كسر حالة التوقع الممتدة حتى الثوانى الأخيرة من الفيلم .
- ` خيط سحرى` يقدم حالة مختلفة بشدة فى المعالجة واختيار شريط الصوت، وكذلك الصورة . إقناع فنان بقامة البهجورى أن يظهر لمدة نصف ساعة بفرشاته، وحده أمر يستحق التقدير من صانع العمل وكذلك الفنان الذى رأى أن رسالته فى لوحاته وفرشاته دون أن ينطق بكلمة .
- المستمع العربى لم يتعاط بشكل جيد مع أغانى أم كلثوم القديمة ، وربما هناك أغانى كثيرة لا يعرفها سوى المتخصصين ، وهو ما قد يصنع حالة من عدم الرضا لدى المشاهد العادى والذى انكسرت توقعاته عبر سياق الفيلم، من دون أن ننسى فى الوقت نفسه أنه ليس المطلوب من صناع الأفلام أن يقدموا أعمالاً تتوافق مع توقعات مشاهدينهم ، بل أن تطوير الفن يأتى من المختلف دوماً .
- التواصل ضرورة
- حالة فيلم ` خيط سحرى` بما يقدمه من مساحة تجريب واختلاف عن السائد، هى بلا شك حالة متميزة ، ينحاز إليها النقاد والراغبون فى فتح آفاق متنوعة للإبداع ، والخروج من القولبة وضيق الوعى البصرى واقتصاره على نمط الأفلام الوثائقية ، والتى تحظى باتساع نسبة المشاهدة ، لكن هذا الانحياز للتجربة لا يعنى أن مساحة التجريب دوماً مقبولة ، حيث تختلف الأراء كثيراً حول وظيفة الفن ودوره فى التواصل مع المتلقى العادى ، وتنميه وتطوير ذائقته ، حيث أن نوعية هذا الفيلم قد لا ترضى ذائقه هذا المشاهد ، وأتصور أن اختيار أغنيات مختلفة فى شريط الصوت كان يضمن الاحتفاظ ببعض من المشاهدين العاديين المتوقعين ، فصانع الفيلم لا ينتج فيلمه ليشاهده وحده ، والاقتصار على الجمهور المتخصص والفئات الضيقة أمر يقتل العمل ويحوله إلى عمل أرشيفى لا يرى النور.
- لم ينجز حسام نور الدين للمشاهد العادى فى أى من اختياراته الجمالية ، بل قدم تجربته لمشاهد نخبوى بامتياز ، سواء على مستوى الصورة أو الصوت ، وهو أمر قد يحد من انتشار الفيلم وبقائه فى الذاكرة البصرية لكثيرين .
بقلم :عزة سلطان
جريدة الحياة 3-4-2015
مشاهد مصرية تتألق فى إبداعات البهجورى الجديدة
- بأكثر من عشرين لوحة فنية مبهجة يطل علينا الفنان الكبير جورج البهجورى فى معرضه الجديد بقاعة المسار بالزمالك ليقدم لنا تجربته الفنية الجديدة التى تنتصر لعاداتنا الشعبية والشرقية فيقدم لنا لوحات متنوعة الحجم لمائدة رمضان ورقصة المولوية الصوفية وبياع العيش ويصور أجواء الحارة الشعبية بمفرداتها المميزة وبجوارها يرسم لوحات عن الأمومة والعائلة وعازف الفيولينة .
- ولا ينسى البهجورى فى معرضه أن يقدم مجموعة متنوعة من اللوحات عن سيدة الغناء العربى أم كلثوم بأسلوبه المميز الذى يجمع بين التصوير والكاريكاتير المبالغ فيه لأم كلثوم ووجوه أخرى غير معروفة .
- ويقول الفنان جورج البهجورى صاحب الـ 79 عاماً والذى يعيش بين القاهرة وباريس : أعود اليوم بأعمال بينها هارمونى لأصبح المتلقى الوحيد وأندهش عند رؤيتى لها كأنى نسيت من الذى رسمها ولونها وعندما أعلم أننى مبدعها أصيح من أعماقى : برافو لقد فعلتها ، فعندما يلمس لسان الفرشاة سطح قماش اللوحة تطرقع قلبه ، وعندما تضيف إلى الخط اللون تزغرد البالتة ، هذه هى مغامرتى من الصباح للمساء فى مرسم إيفرى بباريس حيث أبدأ اللوحة بعد قهوة الصباح وانتهى منها مع زقزقة العصافير العائدة إلى أشجارها .
- ومعظم أعمال المعرض مرسومة بخامة الزيت التى يتحكم فيها البهجورى ويسطير عليها جيداً ، وكلها مزدانة بألوان مبهجة كالأحمر ودرجاته والأصفر والأخضر ، وتكشف اللوحات أيضا عن تفرد الفنان وقدرته على الجمع بين أكثر من أسلوب فنى ومزج بين أكثر من فن من التصوير إلى الكاريكاتير ولهذا تحظى أعمال جورج بإعجاب جمهور الفن التشكيلى داخل مصر وخارجها ويستمر المعرض حتى 7 فبراير القادم .
بقلم : زين إبراهيم
جريدة صباح الخير 25-1-2011
أصدقاء البهجورى أحصنة وقطط وماعز وطيور
- قبل أيام قدمت قدمت قاعة بيكاسو بالقاهرة ، معرضاً متميزاً للفنان المصرى جورج البهجورى طرح من خلاله تجربته التشكيلية الأخيرة تحت عنوان ` أصدقاء البهجورى ` عاكسا وجهة نظره الخاصة للغاية حيال طيور وحيوانات هى رصيده الافتراضى من الأصدقاء.
- هذا هو معرض البهجورى الأول بعد معرض ` رسم على رسم` الذى قدمه بقاعة
` المشربية ` منذ عام تقريباً والذى قدم خلاله وجهة نظر غاية فى الإدهاش حيال بعض اللوحات العالمية التى سجلها التاريخ لفنانين عالميين مثل ` بيكاسو` ، و` دافنشى` ، و` فان جوخ ` .. ومصريين مثل ` مختار ` ، و` حسن سليمان ` ، و ` ومحمود سعيد ` .. وغيرهم . واستخدم الفنان هذه اللوحات كأرضيات لفكرته الأساسية وهى إعادة رسم اللوحة الأساسية برؤيته الخاصة لها.
- أما فى معرض ` أصدقاء البهجورى ` فرسم الأحصنة والقطط ، والديك ، والماعز ، والبقرة ، وغيرها .. وكلها نماذج اختارها من مفردات تحيطه وتؤثر به فأراد أن يخصص لها مساحات من لوحاته تعادل مساحاته من التفكير والانشغال طويلاً بها .. مستخدماً فى تصويرها ألوانه الزيتية والكولاج .. وغيرها من الوسائط اللونية المختلفة محققاً بذلك حالة من الحميمية الشكلية لكل بورتريه أو لوحة قام بتشكيلها .. فلكل شكل شخصيته الخاصة وأهميته ووجوده ، ومعادلة الفنى والرمزى بما لايعكس ثانوية وجوده أو أهميته الحقيقية داخل المجتمع . فالفنان يعلى من شأن المفردات بما لا ينافى الواقع، وهو هنا جدير بالتقدير حين يهتم بالحضور الإنسانى الواضح فوق ملامح اختارها لحيوانات خدمية مملوكة ، موظفاً ألوانه الساخنة الغنية بمساحات بنية شفافة فوق ما يحيطها من فراغ آهل للتفاعل معها .
- لكن اللافت داخل معرض البهجورى برغم نجاح فكرته هو الإخراج الفنى .. فكل لوحة لها برواز مختلف عما يجاوره ويحيطه ، يضاف إلى ذلك ضخامة البرواز أحيانا أكثر مما يستحق العمل بكثير . الأمر الذى يعكس تنافر شديد بين الشكل والبرواز ، فكأننا نتجول فى متحف لأعمال شديدة الكلاسيكية بحيث يحتل البرواز كل العمل المعروض ، ربما أراد الفنان حدوث هذا التنافر الملحوظ ، أو أراد أن يؤطر شخوصه داخل زمن معين . لكن فى كل الأحوال إذا كان الإخراج يحتل خمسين فى المائة من عوامل نجاح عرض العمل الفنى .
بقلم : فدوى رمضان
جريدة الشرق الأوسط 11-4-2007
البهجورى : لوحاتى قصة حب خاطفة
- الحديث إلى الرسام التشكيلى المعروف جورج البهجورى، لا يخلو من الفكاهة فالرجل إلى جانب موهبته الفذة فى الرسم، يحمل خفة دم شديدة الفكاهة والنكتة المصرية لم تفارقه على الرغم من مغتربه الباريسى الطويل.
- يبدو لى أن جورج البهجورى البالغ من العمر70 عاما، يعيش على قصة حب متجدد دائما مع وجوهه العديدة التى يرسمها ويعيش أيضا قصة حب مع عاشقى فنه الذى يميل إلى التجريد الرمزى العميق .
- يقول لى أن الوجوه التى يرسمها يشتاقها كل يوم لانه حين يرسم وجها ما فانه يذهب إلى ماهو أعمق مما يراه فى الواقع ، وهو كما يقول يشبه تلك الحالة فى الوصف الحب اللامرئى الذى يسكن القلب دون أن يراه الاخرون وتحس به المعشوقة فقط .
- البهجورى قال أنه ينتمى لصعيد مصر وبالتحديد لقرية بهجورة التابعة لمحافظة قنا. ولأنه فى نفس الوقت ينتمى إلى الأقباط فإنه يعد واحدا من الذين يحملون احساسا قويا بالانتماء فنيا إلى الثقافة الفرعونية التى بلغت ذروتها فى فنون النحت والرسم كما تشهد محتويات المعابد المنتشرة فى معظم محافظات صعيد مصر، وكأنه يقصد التنبيه إلى أن الوراثة عامل مهم فى ظهور الموهبة ، فى حيت أن الموهبة تحتاج أيضا إلى الدراسة والتجريب واستيعاب تجارب السابقين.
- ويبدو ان البهجورى انتبه إلى ذلك فى كلامه عن بداياته فقد أضاف انه درس الرسم دراسة اكاديمية . واعترف بأنه عندما التحق بمجلة صباح الخير استفاد من تجربة صلاح جاهين وصلاح الليثى، وكل منهما كانت له خطوط تميزه وتجعل رسوماته ماركة مسجلة باسمه سواء نشرت فى صحيفة أو كتاب0
- وأكد أنه ينتمى إلى نوعية الرسامين المشاهدين، بمعنى أنه يميل فى رسوماته إلى المشهد ومخاطبة العيون مباشرة دون الحاجة إلى تعليق سواء كتبه هو أو غيره من الساخرين، فالسخرية لديه تكمن فى خطوط الرسم ونسبه وأسلوبه.
- فلسفة البهجورى تعتمد أيضا على أسلوب الرسم من نقطة معينة ، فهو يبدأ من نقطة ويرسم الوجه والعينين والشعر وبقية تفاصيل البورتريه بحيث تتصل الخطوط فى النهاية بالنقطة التى بدأ منها ، كما يهتم بالتفاصيل ولا يعتمد أسلوب التلخيص الذى ميز رسومات من تعلم منهم خصوصا الراحل صلاح الليثى ، مبالغات بهجورى وسخريته كانت وراء وضعه فى قائمة الرئيس السابق أنور السادات السوداء بعد أن قام برسمه بأسلوب تهكمى وتم منعه خلال تلك الفترة من دخول مصر .
- وبالعودة إلى بداياته الأولى مع الفن يقول البهجورى/ تربيت فى أسرة متمسكة، وأنا طفل لفتت نظرى أيقونة العذراء والطفل ، وظلت هذه الأيقونة فى مخيلتى كأنها حقيقة وليست صورة، ومن هنا عندما كبرت قليلا قالوا إنها مرسومة ، وعرفت فن الرسم.
- فى تلك الأثناء فقدت أمى ، وتخيلت أننى الطفل وأن هذه الواقفة فى الأيقونة هى أمى، هذه الروحانية انعكست على، وظلت معى حتى الآن وأنا عندى 70 سنة تلازمنى وأنا أمارس كل الفنون .. الكتابة .. النحت.. الرسم.
- وكأنى طوال السنوات السبعين أبحث عن أمى، وأجدها فى كل أم .. فى الشارع .. فى الحارة .. الصورة تتكرر، وقد كتب عنى أحد النقاد التشكيليين أننى أرسم أيقونة الشوارع .. أيقونة الرصيف كل أم تحمل طفلا أتخيل أن وراءها هالة ذهبية، وكلما تزيد مأساتها وبؤسها يزيد نور الذهب حولها ، كأنه نور الأفق أو نور الشمس أوالقمر.
- ويواصل حديثه قائلا : أصبحت أتابع هذه الأيقونة، وانعكست على فى الكتابة، وصارت متعددة الجوانب: أيقونة الطفولة، أيقونة الشباب، أيقونة الهجرة، أيقونة باريس، أيقونة الجسد التى لاأزال أكتبها، وهناك كتاب جديد أسمه أيقونة شعب، فالشعب كله ملىء بالإنسانية .. هذه نشأتى، وهذا مصيرى.
- أنا ولدت بالأقصر فعلا ، وأبى من بهجورة ( قرية من ضواحى الأقصر) ، وأجد أشياء كثيرة عندما أزور تلك الأماكن أنها تشبهنى، أجد نفسى أكثر ، الناس هناك ( حتى من لم أكن أعرفهم ) جزء منى، قرص الشمس الممثل لصرعص فى متحف الأقصر والكرنك يتعدد عندى فى لوحات كثيرة، العينان اللتان تمثلان نافذتى الروح موجودتان فى أعمالى، الأصابع الطويلة ، رسم البروفيل الخط الجانبى الذى اختاره المصرى القديم ورسمه، فى كل تمثال وكل نحت بارز يظهر الخط الجانبى كأجمل خط فى فن البورتريه وفى الجسم ، حتى فى الحركة عندما تكون هناك معركة ، أو جماهير يقولون برسم خط واحد يتم تكراره، ويصبح الخط الواحد آلأف الخطوط بكل سهولة، يعكس عصر النهضة الملئ بالتعقيدات، والمعنى بالتركيب، ووضع الحصان على الحصان، والازدحام إلى حد الاعجاز، ويعترف أن ولادته فى ريف الأقصر بمصر ( قرية بهجورة ) كانت سببا فى تعلقه بالفن الفرعونى القديم/ لكن التبسيط والتلقائية الموجودة عند المصرى القديم موجودة إلى اليوم فى أعمالى، لا أبحث عن التعقيد ، لكن أنتمنى للفن البدائى الفطرى، حتى أن الفن الأفريقى ينعكس على بعض لوحاتى، وتمنيت أن أزور أفريقيا ولكن رحلتى توقفت عند جنوب السودان.
- ويمضى قائلا / لحسن حظى فأنا أقيم فى ضاحية فرنسية بباريس معظم سكانها سنغاليون، وصرت أرسم ملامحهم وهم يذهبون يوميا إلى أعمالهم، ولدى خمس كراسات لوجوه سنغالية ، وكأنما كنت أتمنى تحقيق شئ فوجدته أمامى، وهكذا .. كنت أتخيل أننى عاشق للفن الغربى ، واكتشف فجأة أنه ليس اتجاهى ، وأن الفن الغربى معجزة فى الرسم أذهلتنى، وتخيلت أن النجاح والمجد سوف يأتى من الغرب، لكنى وجدت نفسى أرجع إلى أفريقيا .
- ويقول البهجورى تحققت هذه الفكرة أكثر عندما كنت من المغضوب عليهم فترة السادات بعد أن قمت برسمه بأسلوب تهكمى فوضعنى فى القائمة السوداء التى لا تدخل مصر مع عدد من المثقفين، وأتيحت لى فرصة المشاركة فى مهرجان أصيلة بالمغرب، وأحببت الشعب المغربى جدا ، ورسمته باستمتاع ، وألهمنى، ولدى كراسات كثيرة ضخمة عن حياة المغاربة فى السوق والمقهى وسباق الحصان، كل هذا أكد لى أننى كنت مخطئا فى اتجاهى للغرب مع احترامى لمعجزته فى الرسم والنحت ، فما استفدت منه أكثر هو المكان الذى أتيت منه .
- وعن تفاعله عن الفن الغربى قال : عندما تجد فنانا يشطح ويرسم بأسلوب التجريد ويترك كل الناس الذين عاش معهم، أنا أعتبره غير ذات قيمة كبيرة ، لابد أن يخرج من القيم الانسانية المحيطة به، ومن التشخيص لهم ورسمهم، وهذا هو اتجاه فان غوخ ، الأمر نفسه عند مودليانى مع نسائه، جوجان مع نسائه فى تاهيتى أخذت هؤلاء وعدت للرسام الهولندى رامبرانت لأنه قمة الرسم فى الغرب.
- رسم على رسم ، واعتبر الفنان المصرى جورج بهجورى حصوله على جائزة الملك عبدالله الثانى للفنون رد اعتبار للتجاهل الذى يعانيه فى مصر ويذكر أن نبأ فوزه بالجائزة جاء بعد ساعات من افتتاحه معرضه ( رسم على رسم )، يتساءل: هل أستطيع أن أقترب من فن الرسم فيصبح رسمى رسماً على رسم، كما هو فى الأدب نص على نص؟، ففى هذا المعرض أعاد بهجورى رسم بيكاسو ورمبرانت وجوجان وغيرهم من أساتذة الفن فى العالم، وكذلك اختار رسم أعمال من كبار الفنانين المصريين مثل محمود سعيد وعبد الهادى الجزار وحسن سليمان ومصطفى أحمد ، التقيته.
- وسئل البهجورى عما اذا كان بعد هذه الرحلة الطويلة مع الفن قد اصبح أهم رسام تشكيلى فى مصر، اجاب قائلا : إننى أعتقد أن الواحد عندما يصل لسن السبعين، تصبح نهاية أو تكملة أبحاثه فى أيام الشباب وسنوات الخمسين والستين هى الحصيلة الكبيرة لمشوار عمره تقريبا خمسون سنة ، ولذلك أعتبر هذه المجموعة ( كليكشن بريفت)، كل فنان فى التاريخ يصل لمرحلة يصر فيها على بقاء مجموعة معينة من أعماله سواء كانت الأخيرة أو قبل الأخيرة أو مجموعة معينة ضمن كل المشوار يحب أن يحتفظ بها ، لأنه مثلا هناك فكرة نواة لمتحف يحمل اسم الفنان سواء فى القاهرة أو فى الأردن بالذات، إننى أعتز بالأردن وأهتم به جدا لأنى عشت فيه عدة سنوات وزرته عدة مرات، منذ سنة 1970 وأنا أتواصل مع عمان، أول بلد عربى عرضت فيه أعمالى وأبحاثى فى باريس، لقد كان الأردن عن طريق رواق البلقاء الذى يديره خلدون الداود وهو شخصية ثقافية فنية نشيطة جدا،
ورفض أن يكون قد حصل على الشهرة بعد هجرته إلى باريس بقوله / باريس لا تعطى ولكنها لا تجعلك مشهوراً ولا تجعلك غنيا ، فلا يوجد إعلام عن الغرباء الموجودين فى باريس، لكن هى تعطيك الإلهام تعطيك الجو المناسب للإبداع ، وأنا فهمت هذه اللعبة ، وقلت إنها تضحية كبيرة لكنها تستحق المجازفة أن تستمر حياتى فى باريس التى اخترتها بنفسى دون أى منحة أو مساعدة من الدولة، ذهبت إلى باريس بعد أن حققت شهرة كبيرة فى الصحافة المصرية.
بقلم : د. جمال المجايدة ( أبو ظبى )
جريدة عكاظ الأسبوعية 9-3-2007
بهجورى وحصان الشاطر حسن
- منذ فجر التاريخ .. وقبل ظهور أول فلاح على الأرض .. وقبل معرفة تشكيل الأوانى واختراع القوس والسهم .. كان هناك من عظيم أبدعه الإنسان البدائى .. والذى عاش فى العصر الحجرى منذ أكثر من 18 ألف سنة .. وقد وجد فى مغارة التاميرا شمال أسبانيا تصاوير لتلك الحيوانات التى أبدعها كنوع من ترويض الطبيعة .. مثل الغزلان والثيران والجياد والدواب المتوحشة .. ومازالت الألوان محتفظة ببريقها ولمعانها حتى اليوم .. وقد تميز هذا الفن بحيويته المتدفقة وجديته وغموضه مع هذا الشعور بالعاطفة حتى أطلق عليه عصر النهضة البدائى.
- وقد تكررت صورة الحيوانات طوال تاريخ الفن .. ومع ثورة الفن الحديث تألقت بقوة التعبير وعصرية الأداء .. كما فى جياد وثيران بيكاسو وقطته التى جسدها فى لوحة ` القطة والطائر ` .. مع ديك وحمار شاجال .. وخيول مونسن فى لوحته الشهيرة ` الجياد الحمراء` .
فى قاعة ` بيكاسو ` بالزمالك .. جاء معرض الفنان جورج البهجورى ` بورتريه الحيوان والطائر - أصدقاء بهجورى ` فى 30 لوحة تنوعت من اللوحات الصرحية إلى اللوحات ذات المساحة الصغيرة .
- وبهجورى يعد الفرع المصرى من شجرة بيكاسو` فهو يرسم بطريقته ولكن بأسلوبه الخاصة ` تتنوع مراحله الفنية بدءاً من تلك الوجوه التى صورها فى الستينات من القرن الماضى والتى تحمل نظرات بعيون شاخصة .. تتشابه مع وجوه الغيوم بنظرتها الكونية الغارقة فى الدهشة .. إلى مراحله التى تنوعت بعد سفره لباريس واختزل فيها اللمسة .. كما مزج الخيانة بالتصوير وقصاقيص القماش بالألوان والخطوط مع التلخيص والتبسيط الذى يقترب أحياناً من التجريد ..
- وبعيداً عن عالمه الكاريكاتورى الذى يعكس خلاله صور الحياة اليومية .. وتنساب خطوطه بلا انقطاع .. تبدأ من نقطة ولا تنتهى إلا بعد اكتمال التكوين .. يؤكد فى أعماله التصويرية وعيه الشديد بفقه التصوير وتمثله لقيمة الخط وعلاقته بالمساحات ومعرفته المعنى الحقيقى للإيقاع .. وهو يرى الأشياء بعين مثقفة فيحول المألوف والمعتاد إلى صور مسكونة بالدهشة .. وقد تجسد الحصان فى لوحات عديدة بالمعرض .. من البورتريه النصفى الذى يصور رأس حصان يذكرنا بنبل وأصالة وشموخ حصان الشاطر حسن من تلك الهالة البيضاء على الجبهة .. مع هذا الحوار الدرامى فى الخلفية بين الأخضر المضئ والأسود الداكن .. وإلى حصان الحنطور والذى يبدو وديعاً متكاسلاً فى مشيته يعكس لمعنى نزهة العصارى خاصة والحنطور يضم أسرة كاملة .. والخلفية هنا تموج بالبرتقالى المضئ مع لمسات من الأبيض .. وحتى حصان السبق أو حصان البطولات .. هذا الحصان الأبيض والذى يلخص هيأته فى خطوط قوسية حانية .. تؤكد على انسياب الجسد ورشاقته .
- يقول بهجورى : الحصان عندى هو حصان القديسين فى الأيقونات الذهبية التى رأيتها لأول مرة فى الكنيسة والمعابد .
- والحصان الأبيض عادة ما يكون مرتبطا بالفارس المنتصر .. مثل حصان نابليون وكل الأباطرة والقياصرة .
- ومن داخل المعرض نطل على ديك بهجورى الذى يذكرنا بديك شهرزاد والذى يعلن عن بزوغ الفجر وشقشقة الصباح .. وقد بالغ فى فتحة المنقار .. وهو ديك يشغل معظم المسطح التصويرى .. محمل بكثافة كبيرة ومشدود إلى الجاذبية الأرضية .. له حيز وكتلة على عكس ديك شاجال خفيف الحركة ..
- وعلى حد تعبير بهجورى : لقد تأثرت بديك بيكاسو والذى صوره عندما ينطلق أو يصيح .. وبلغة بيكاسو فى رسم الحنجرة متصلة بمنقار الديك وقد طبقت هذا فى اللوحة .
- أما العنزة فى لوحات بهجورى فتكرر كثيراً .
- وعنزات بهجورى تذكرنا بعنزة غاندى نموذج مثالى للصمت والوداعة وفى احداها صورها تطل من بوابة عتيقة محفوفة بدنيا البشر .. كما صورها فى لوحتين وحيدة .. مرة غارقة فى الأحمر الوردى مع الخلفية ومرة أخرى على خلفية من الأزرق البحرى الهادئ .. مع الرمادى ولمسات من البرتقالى .
- وحيوانات بهجورى فى كل أعماله رسمها بملامح الطيبة .. والسلام وقد أسبغ عليها روح الطمأنينة .. كما فى لوحاته للجاموس .. وأيضاً لوحته التى رسمها للكلب .. والتى يجعلنا نتعاطف مع نحولته الذى تبدو من تضاريس الجسد بالإضافة إلى استطالة الرقبة ودقة تفاصيل الرأس ..
- قلت لبهجورى : وهل هناك صلة بينك وبين بيكاسو فى التناول هنا ؟
- مثلما كان بيكاسو يبدأ الرسم بالعين .. أنا هنا أبدأ بالعين .. ومن الممكن أن تكون النهاية بجسد شكل طائر أو حيوان أو إنسان .. وسواء كانت العين فرعونية بنظرة أمامية أو جانبية .. إلا أنها موجودة بكل الكائنات حيوانا أو إنسانا مع كافة الطيور .. ولها دلالات تعبيرية كما تعكس حالات انفعالية عديدة من الخوف والترقب والانتظار .. والأمل والحب وغيرها من مشاعر .
بقلم : صلاح بيصار
مجلة المصور 4-4-2007
بهجورى 00 وحصان طروادة المصرى
- فى معرضه الجديد بقاعة بيكاسو بالزمالك يستعيد الفنان جورج بهجورى بصماته الفنية القديمة ، تلك التى سطعت بها موهبته التصويرية فى الستينيات والسبعينيات متجاوزة موهبته الكاريكاتورية الساخرة .. اليوم يقوم بتجاوز إبداعى آخر، تجاوز ما نسميه بمرحلته الباريسية التى استمرت أكثر من عشرين عاماً منذ سفره وإقامته بفرنسا ثم عودته إلى مصر .
- نستطيع أن نسمى مرحلته الباريسية تلك - تجاوزا - بالمرحلة التكعيبية ، حيث انتقل فيها من تحريف الأشكال الواقعية ، الذى كان يمارسه بحس الفنان الشعبى والبدائى لدى تعبيره عن ` مضمون ` الرؤية وليس عن ` موضوعها ` إلى تحطيم الأشكال وتفكيكها وإعادة بنائها من جديد، مثل لعبة المكعبات عند الأطفال، نافياً أو مهمشاً فيها كلاً من المضمون والموضوع على السواء ، لتصبح أقرب إلى اللوحات التكعيبية ` لبيكاسو ` أو ` براك ` أو ` ليجيه` فى فرنسا أوائل القرن الماضى، حتى بدأ وكأنه فى مبارزة تشكيلية مع هؤلاء الرواد، حتى ولو كان قد انتهى زمانهم وزمانها منذ عشرات السنين، وحلت محلها مدارس واتجاهات فنية لا حصر لها، لكن بهجورى كان فى أشد الحاجة نفسياً إلى الاعتراف به فى مسقط رأس تلك المدارس والاتجاهات، فى طموحه الجارف للعالمية ، وفى ظل اعتقاده - ربما - بأن تلك هى اللغة العالمية للفن ، التى يمكن قراءتها والتواصل من خلالها فى أى زمان أو مكان !
- وربما استطاع أن يحقق بعضا، أو كثيراً، مما كان ينشده ، فى مضمار المنافسة الضارية فترة وجوده فى فرنسا، لكنه فى نهاية المباراة الشرسة - التى لم يكن الفن وحده هو معيار الفوز فيها - اكتشف، كما يخيل إلى، أنه لم يكسب إلا بعض البريق الخارجى العارض ، فى ساحة ظل دائماً على هامشها وليس فى قلبها ، وتفرض على المشاركين فيها أن يظلوا فى حالة لهاث مستمرة لتحقيق الإثارة بأى ثمن من أجل الحصول على شبر من الأرض يقفون عليه ، خاصة إذا كانوا غرباء عن النسيج الثقافى والحضارى للمجتمع الأوروبى، الذى يفرز كل يوم جياداً شابة يافعة وقادرة على خوض السباق تحت لهيب سياط الشهرة وتجار الفن، بينما شعر بهجورى، فيما أظن ، بأنه يخسر بريقه الداخلى من أجل ذلك البريق الخارجى المؤقت ، ذلك لأن بريقه الداخلى ينبع من شرارة التواصل مع مجتمع يحبه ويتفاعل معه ، وهو ما كان محروماً منه !
- ومن المؤكد أنه طوال مشواره الباريسى كان يحمل مصر بداخله نبضاً وذكرى ، شكلاً ومضموناً ، بكل قضاياها وهمومها وإرثها الحضارى ورموزها ومفارقاتها الساخرة والدرامية على السواء ، وأن ذلك كله كان يعكس ، بشكل أو بآخر، فى أعماله الفنية آنذاك ، بيد أن هذا كله لم يكن ليعنى أحداً فى المجتمع الأوروبى الذى تحرك الفن فى دوافع أخرى للإثارة والتميز ، تتمحور حول اللغة البصرية والأدوات والصياغات المبتكرة ، فيما نعرف أن فناناً مثل بهجورى يمكن أن يموت فعلاً لو لم يشعر برد الفعل الفورى من الجمهور لما يقدمه من فن ، إنه يعشق كونه نجماً محبوباً ومعتبراً فى نظر قومه ، يعشق أن يظل دائما كالساحر الذى يثير انتباه الجمهور بألعابه ، فنراه فى أى مكان أو موقف ممسكاً بقلمه الأسود السميك يرسم الوجوه والمشاهد اليومية بخط واحد لا يتوقف حتى ينتهى الرسم ، مبهراً الجميع بقدره استثنائية على اقتناص اللحظة المراوغة فى عمل تعبيرى مدهش .
- اليوم يعود الجواد العجوز من مضماره الأوروبى إلى مضماره المصرى شاباً يافعاً ، قادراً على الجرى بدون لهاث ، وعلى الإبهار بدون اصطناع الحداثة ، ، ممسكاً بجوهر المرئيات والمعانى المرتبطة بالواقع المصرى ، يستخرج من ذلك وهجه القديم ، من خلال تحوير الشكل وليس تشويهه، وتحليله وليس تفتيته ، ومن خلال بناء الكتلة المعمارية للوحة بالضوء المصرى الساطع والظل الفاحم ، وليس بتشريحها تشريحاً جائراً يحيلها، من حسن عضوى نابض بالحياة ، إلى حس بالأشياء الجامدة التى لا تثير فينا المشاعر مهما كانت إثارتها البصرية وإبهارها التقنى.
- إن أبطال معرضه -حقاً - هم من الحيوانات والطيور الأليفة والغلبانة والنبيلة أيضاً ، بدءاً من العنزة والجاموسة حتى الديك والحصان مروراً ببعض أبطال معارضه السابقة .. من العازفين الشعبيين وباعة الخبز وجموع المتزاحمين فى رحلة الحياة اليومية القاسية ، هنا نراه يحب - بل ويحترم - كل هذه المخلوقات الطيبة كأخوة وأصدقاء و شركاء فى الحياة ، هو لا يبحث عن معمار الشكل وحده ، وإن كان الشكل يبدو فى لوحاته شديد التماسك والقوة والاتزان والإثارة أيضاً بتحويراته للطبيعة وتحليلاته للشكل الخارجى إلى حد التشريح العضوى وإعادة التركيب على منوال المدرسة التكعيبية إلا قليلاً ، لكنه يبحث - قبل ذلك وبعده - عن صدق التعبير عن اللحظة الإنسانية الدافقة بالمحبة والفرحة بالحياة ، أو المعبرة عن الدوران الحزين فى دوامتها فى حال المغلوب على أمره ،حتى لو كان الموضوع هو جاموسة تدور فى الساقية معصوبة العينين ، أو عنزة تقضم أوراق العشب ، أو حصاناً يتراقص بمؤخرته ويرفع ذيله فرحاً بالطفل الذى يمتطيه حاملاً عروسته القطنية ، أوديكاً متعاجباً شامخاً بعرفه الأحمر مؤذناً للصباح الجديد ، مناظراً ديك بيكاسو الشهير بتحريفاته المثيرة لنا حتى اليوم.
- لكن من وسط أبطال معرضه الجديد يتقدم الحصان جاذباً للانتباه أكثر من غيره ، فى تكوينات وتحليلات تشكيلية ، يمثل الخط القوسى فيها العامل الرئيسى فى تحقيق البناء النحتى والحركة الإيقاعية ، فيبدو - برغم امتلائه وثباته ورصانته - بالغ الرشاقة حتى الرقص على أنغام المزمار الذى يعزفه الطفل بجواره ، وعميق الدلالات لمعانى الفروسية والكرم والصبر والإخلاص للإنسان، وقد يبدو أسطورياً كحصان طروادة الذى استخدم فى الملحمة اليونانية كدبابة تحمل الجنود إلى معسكر الأعداء ، لكنه هنا ، يحمل إلينا من الماضى جينات النبل والرفعة والاعتداد القومى ، التى فقدناها فى واقعنا المعاصر !
بقلم : عز الدين نجيب
جريدة القاهرة 3-4-2007
جورج بهجورى: توقعت أن يسجنى` عبد الناصر` بعد أن رسمته00 و` السادات` وضعنى فى القائمة السوداء
- يحرص الفنان الكبير جورج بهجورى على حضور معرض القاهرة الدولى للكتاب كل عام وشراء بعض الكتب ، ليس فى مجال عمله بالفن التشكيلى الذى يجيده فقط ولكن فى كافة فروع العلم .
- ` بهجورى` حريص أيضا على تدخين الشيشة والاستمتاع بقراءة الكتب وتدوين أهم النقاط والملاحظات فى الندوات التى يحضرها، عرفناه رساما ساخرا قادرا على تصوير مشاغباته من خلال البورتريهات التى كان يرسمها لكبار السياسيين والفنانين والشخصيات العامة .. ولكن الجديد هذه المرة أن البهجورى نحاتا يتعامل مع الصخر والحديد ليخلق منها أشكالا فنية تتنفس وتدب فيها الحياة .
- بادرته بسؤال عن سر عودته إلى فن النحت رغم تألقه وشهرته الكبيرة فى مجال البورتريهات يقول: أنا ضد تخصص الفنان فى مجال ما .. وتجربة إقامتى فى باريس علمتنى أن أكون فنانا شاملا لا أتوقف عن مجال معين .. بدليل أننى أقتحمت عالم الكتابة وقدمت خمسه كتب روائية .. ودخلت ايضا مجال السينما وقدمت فيها ثلاثة أفلام منها فيلم فرنسى بعنوان ` سائق التريللا ` - فأنا ضد توقف الفنان عند مجال محدد ولكن عليه أن يطرق أبواب كافة المجالات والأشكال الأخرى ولا يتوقف إبداعه عند نقطة ما .
- كيف كانت البداية ؟
- بدايتى كانت عام 1950 أى قبل ثورة يوليو بأربع سنوات عندما رسمت بورتريهات للفنان الكبير حسين بيكار وعندما شاهده ظل يضحك من قلبه وقدمنى بسرعة إلى الفنان صاروخان الذى اقتنع برسوماتى وسخريتى فى أعمالى .
- وأعطانى عبد السلام الشريف فرصة العمر فى روز اليوسف عندما كان مسئولا عن تطويرها مع احسان عبد القدوس آنذاك .
- بمناسبة السخرية .. رسمت كاريكاتيرا للرئيس عبد الناصر بجرأة شديدة كيف تعامل ناصر معك ؟
- تصورت أن رد الفعل سوف يكون عنيفا أو يزج بى فى السجن مثلا ولكن المفاجأة أن الكاريكاتير أعجب عبد الناصر وظل يضحك عليه كثيرا وأدهشتنى هذه المواقف فقد كنت أتصور أننى لن أرى الحياة بعد هذا الكاريكاتير ولكن الحقيقة شئ آخر .
- منعك الرئيس السادات من دخول مصر .. فما السبب ؟.
- رسمت السادات أيضا فى كاريكاتير ساخر وغضب غضبا شديدا منى لدرجة أنه وضع اسمى ضمن القائمة السوداء للمغضوب عليهم .. ومنعنى بالفعل من دخول مصر .. ولكن الذى أغضب السادات أكثر هو الكتاب الذى ألفته عنه وكان بعنوان ` السادات` وأحكى فيه عن رحلته مع إسرائيل وصور الحب المبالغ فيها من جانب السادات الذى كان يرتمى فى أحضان مناحم بيجين رئيس الوزراء السابق ويعامله كأنه صديق حميم له .. كل هذه المشاهد أثرت فى نفسى وأعتقد ايضا أنها أثرت فى الشارع المصرى .. ومن وجهة نظرى أن اتفاقية السادات مع إسرائيل كانت القشة التى قصمت ظهر البعير، حيث بدأ الغضب الشديد من جانب الرأى العام المصرى الرافض لتوقيع مثل هذه الاتفاقيات مع اسرائيل .
- كنت واحدا ضمن مجموعة مشاغبين رفضوا اتفاقية السلام بين إسرائيل ومصر ؟
- نعم كنا كثيرين ونقيم فى باريس وأذكر من بين هذه الأسماء محمود أمين العالم وعبد المعطى حجازى وعباس صالح والفريد فرج وغالى شكرى ومحمود السعدنى وأمين اسكندر وسعد زغلول فؤاد وغيرهم .. وكنا لا نوافق على سياسة السادات من حيث قمع الحريات والتطبيع مع إسرائيل وكنا نقوم بإصدار نشرات تندد فيها بأسلوب وآلية عمل السادات تجاه العديد من القضايا السياسية والاجتماعية .
- السادات أراد لم الشمل مرة أخرى مع مجموعة المتمردين على حكمه .. كيف كان أسلوبك آنذاك ؟ .
- السادات أرسل لنا صلاح جلال نقيب الصحفيين آنذاك إلى باريس والذى كان يحمل هدايا عبارة عن ساعة لكل واحد وحاول اغلاق الملف نهائيا وكان ذلك عام 80 .
- لماذا غضبت أم كلثوم منك ؟.
- عندما رسمتها فى كاريكاتير أثناء وصلتها الغنائية فى أغنية ` أنت عمرى ` التى قال عنها النقاد بأنها لقاء السحاب بين عبد الوهاب وأم كلثوم .. المهم رسمت أحد الأشخاص وهو فى حالة نعاس أثناء الحفلة مما أغضب أم كلثوم التى تصورت أن الاغنية لا تعجب الجمهور بدليل أن أحدهم شغله النعاس عن الاستماع للأغنية .
- ما أكثر الشخصيات الفنية التى رسمتها ؟
- كثيرون جدا عبد الوهاب وفريد الأطرش ، عبد الحليم الذى رسمته طوال الوقت .
- علاقتك بالأدب .. وما أشهر مؤلفاتك ؟
- قدمت 5 كتب هى ` إيقونة الطفولة ` .. و` إيقونة الشباب ` وهى عن فترة عملى بالصحافة .. و ` ايقونة باريس ` عن فترة وجودى ونشاطى فى عاصمة النور .. وكتاب آخر بعنوان ` بهجر فى المهجر` وهو كتاب هزلى يتناول فترة إقامتى فى باريس .
- هل تتذكر أولى لوحاتك وبكم بعتها ؟
- أول لوحة بعتها بـ 60 جنيها واشتراها الكاتب الصحفى كمال الملاخ الذى كان يعمل آنذاك بجريدة الأهرام ووضعها فى غرفة نجيب محفوظ وكانت عام 1958 عن أولاد حارتنا وهى من أجمل الأعمال ، والطريف أننى حصلت على هذا المبلغ ليكون نواة للسفر بالخارج حيث قطعت تذكرة سفر إلى بلاد الضباب ` بريطانيا ` وحجزت قاعة ` وود ستوك جاليرى` بحى اكسفورد وبدأت أعرف طعم النجاح والتفوق و أنتقل بعدها لمرحلة أخرى فى مشوارى إلى عاصمة النور فى باريس وأستأجرت هناك مرسما فى حى ` ايفيدى ` ولكن الحدث الأهم هو لقائى بالفنان الرومانى كوزا وكان نحاتا شهيرا تعلمت منه الكثير واستفدت من خبراته .
- تمردت على طريقة تدريس النحت الأكاديمى فى كلية الفنون الجميلة فى مصر .. فما السبب ؟
- لم تعجبنى طريقة التدريس وبخاصة تدريس النحت الأكاديمى فى الكلية بصنع قالب وانتظار أيام طويلة حتى أحصل على نتيجة بعد خلع القالب وفصله عن التمثال الأصلى الذى صنعه الطالب من الطين .. بصراحة هذه عملية سخيفة وممله للغايه وأكرهها بشدة .
- قلت أنك عثرت على طريقك الصحيح فى باريس .. بماذا تقصد ؟
- أقصد أننى اكتفيت بالخالق الأكبر الذى صنع لقطعة الحجر أو الخشب من نوع الشجرة شكلا مكتملا وبداخله الروح التى أستطيع أن أعثر عليها .. وأنا بالفعل عثرت على طريقى عندما قررت فى باريس أن أبدأ من النهاية للوصول إلى البداية .
بقلم : إسلام صادق
جريدة الوفد 1-2-2007
بهجورى : عاطفة الشعوب خلقت الكاريكاتير
- استضاف اتحاد الكتاب والأدباء فى أبو ظبى أمس الأول الفنان التشكيلى جورج بهجورى فى محاضرة قدمه فيها شاكر نورى لعرض تجربته فى مراحل تطور الفن التشكيلى والكاريكاتير الذى أسهم فيه عبر عقود طويلة من الإبداع . من مصر إلى باريس وثانية إلى مصر كانت رحلة طويلة قدم فيها بهجورى الكثير من الأعمال التى تنقل فيها بين الكاريكاتير والتشكيل والفن الروائى والنحت الذى شغله وقدم فيه تجربة حياة كاملة .
- عرض بهجورى فى البدء تجربته الأولى التى يقول إنها ابتدأت عام 1957 عندما اشترك وساهم فى مجلة ` صباح الخير` المصرية حيث جمع بين الرسم والتشكيل وهو الذى جاء من صعيد مصر ومن قرية ` بهجور` التابعة لمحافظة ` قنا ` .
- تحدث بهجورى عن مفهوم حرية الفنان لديه والذى يراه متطابقاً مع تقدم الدولة نجاحاً وفشلاً، إذ أن نجاح مفهوم الفن الكاريكاتيرى منوط بنجاح الدولة ومرتبط أيضاً بطبيعة الشعوب العاطفية ونحن شعب ناقد بطبعنا ويقصد بذلك الشعب المصرى ولهذا تجد أننى استخدم هذا الفن بوصفه فناً ناقداً وإذا كان النقد الكاريكاتيرى مقنعاً فإنه لابد أن يأخذ مكانته بموضوعية . أن فن الكاريكاتير لابد له أن يختار عناوين محايدة لا هو بالأسود أو الأبيض بل هو لون رمادى .
- وعن أسلوبه وبداياته فى ربط الفن الكاريكاتيرى بالفن التشكيلى تحدث بهجورى قائلاً : عشت فى باريس فمنحتنى إمكانية التعرف على هذا العالم الفنى الجديد ومزج هذين الفنين مع بعضهما وبصراحة إننى لا أحب أن يقال عنى أننى فنان كاريكاتيرى .. إذ أنى متنوع الإبداع بين هذه الأنماط الأربعة ` التشكيل والكاريكاتير والنحت والفن الروائى` . بعد أربعين عاماً من غربتى فى فرنسا ، أصبحت فناناً شاملاً .. فلم يبق لى بعد هذه الأنماط الأربعة التى أمارسها غير الغناء والسينما .
- بدأت من الكاريكاتير إلى اللوحة الزيتية لقد قرأت أن الفنان ساخر وأرقى أنواع السخرية ألا يسخر الفنان من الآخرين فقط بل أن يسخر من نفسه كيف يمسك من ذاته ما لا يمسك؟ أى كيف يقدم نفسه التى يحبها ؟ اننى امتلك طاقة متعددة فكلما أتأمل العالم ابدع شيئاً مغايراً وجديداً.. أما المرأة فكما أفهمها فإننى أجدها لا تسمح لك أن تجلس مع نفسك .
- ثم تحدث عن باريس الذى يرى فيها وطنه الثانى حيث يصف حياته بأنه ينطلق حراً فيها . يقول : حتى لو تكلمت بصوت عال فيها فهى تمنحك الحرية ولكن تذكر أن هذه الحرية تتناصف مع حرية الآخر الذى عليك أن تحترمه فى باريس هناك فرصة كبيرة للإلهام والوحى المتزايد والابداع .. ربما هناك أتساءل كيف الآن لا أعمل مثلما عملته فى باريس ؟
- يرى بهجورى أنه استفاد كثيراً من التيارات الفنية فى باريس، يتذكر أنه قد لا يحصل على لقمته أثناء العيش فيها إلا أنه لابد له أن يشترى الورق الذى يرسم عليه . لقد رسمت 200 رسمة فى باريس .. رسمت الميادين والمطاعم والتماثيل على ` السين ` أنها مجموعة متميزة وهناك مشروع لطبعها بالإضافة إلى اللوحات الزيتية لقد وصلت إلى باريس لاشتغل التكعيبية إلا أن هناك من نصحنى بألا أفعل فأنا لا أستطيع تجاوز ما قدم . ولهذا عدت إلى الفن المصرى كى أغذيه حيث ساعدنى أسلوبى المصرى فى تحديد هويتى .
- وعن معرضه الأخير` رسم على رسم` يقول إنه درس الفن العالمى بإعجاب شديد حيث بيكاسو ورمبرانت ودافنشى وكوكان وفان جوخ ولهذا أخذت هذه الأعمال من قبل الناس لكونها فناً مختلفاً . أما عن من يعجبه من الفنانين العرب فإنه يرى فى ضياء العزاوى ورافع الناصرى وإسماعيل فتاح الترك ونزار سليم وراغب عياد أقرب الفنانين العرب إليه .
بقلم : سلمان كاصد
جريدة الاتحاد 23-12-2006
البهجورى : تعلمت الحرية على أصولها فى فرنسا
- أكد الفنان المصرى الكبير جورج البهجورى أن فن الكاريكاتير هو واجهة الحرية وانتصار الديموقراطية، ولو أن البلد متقدم سيكون الكاريكاتير ناجحا، العكس صحيح ، وأضاف : للأسف عدم الاقتناع بالنقد جعل فن الكاريكاتير يفقد مكانته، ومن هنا تكون ألوانه محيرة فى بلداننا العربية فهى لا أبيض ولا أسود ، أنها رمادية وهذا ما يضعف هذا الفن، وعن المزج بين التشكيل والكاريكاتير قال البهجورى فى ندوة عقدت له بالامارات : جميع فنانى الكاريكاتير يحلمون أن يكونوا فنانين تشكيليين فقمة الطمح أن يرسموا لوحة بالزيت، وفى فرنسا حقق هذا الطموح مجموعة من فنانى الكاريكاتير ، وخلال وجودى فى فرنسا استطعت أن أكون فنانا شاملا جمعت بين الرسم والنحت والجرافيك والكتابة .
- وعن طابع السخرية فى أعماله قال البهجورى : أرقى أنواع السخرية أن تسخر من نفسك ، وبالنسبة لى كلما أتأمل اكتشف الجديد ، وعن أهمية باريس بالنسبة إليه أشار : باريس هى الوطن الثانى والحب الكبير، والمكسب الأكبر تعلم الحرية على أصولها، وهناك نصف من الحرية يكون فى احترام حرية الآخرين وكل هذا أثر على الإبداع ، رسمت من وحى باريس المقاهى والشوارع والتماثيل التى كنت أقدمها بطريقتى الخاصة .

جريدة نهضة مصر 27-12-2006
` بهجرة ` الموناليزا وبنات بحرى
- الآن يمكنك أن تشاهد - بشكل مباشر أشهر اللوحات لأشهر فنانى العالم من ` الموناليزا ` لدافنشى ، مرورا بـ ` زهرة عباد الشمس` لفان جوخ ... ` أولجا ` بيكاسو .. و ` دعوة ` مودليانى، ` لاعبا الورق `. لسيزان ، إلى مصر حيث ` نبات بحرى ` لمحمود سعيد ، ورموز الجزار .. وحسن سليمان وغيرهم .
- أنه معرض ` رسم على رسم ` الذى تنظمه قاعة ` المشربية ` للفنان الكبير جورج البهجورى . حيث قدم لنا الفنان أكثر من ثلاثين عملا متميزا فى فن التصوير الزيتى.
- تقوم فكرة المعرض على معارضة فنية لاشهر الأعمال الفنية التى تأثر بها الفنان كثيرا ، وتركت أثرا خالدا فى نفسه ، وهى الأعمال التى شاهدها وقرا عنها كثيرا ثم درسها بشكل أوسع لتمثل حجر الأساسى لكل لوحة أخذ يخط لها الخطوط ويختار لها الألوان . يقول الفنان : هل أستطيع أن أقترب من آلهة فن الرسم فيصبح رسمى هو رسم على رسم كما فى الأدب نص على نص ؟ وحتى يمكننا الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نرى بشكل مباشر أعمال الفنان المعروضة تحت هذا المسمى دون أن تمثل أى من لوحة مسخاً أو نقلاً عن العمل الأصلى ، أنها فقط رؤيته الخاصة حول مارآه داخل كل عمل ، يضاف إلى ذلك مخيلته الخاصة حول ما يراه ازاء نفس العمل ، كذلك روح الفكاهة والسخرية التى يتسم بهما الفنان لتمثل كل هذه المدخلات مجتمعة شخصية العمل المرسوم فوق الرسم الأصلى ، انه مزيج منهما وخليط بين روحين اتفقا على الفن : أحدهما الأستاذ والاخر تلميذه ، تماماً كتجربة استمدت جذورها من عمالقة الفن لتؤمن وجودها بشكل آخر عبر اجيال تحمل فوق عاتقها مسئولية الفن .. فهذه هى` الموناليزا ` كما صورها البهجورى حيث رسم لها أذرع متعددة فى اتجاهات مختلفة، اضافة إلى مبالغته الخاصة فيما يتعلق باختصار اللون، وتحديد الملامح، يقول الفنان ` رسمتها بأكثر من خمسة أذرع وعشرات الأصابع ، اما الوجه فتركته فى حالة ثبوت، لكنى حاولت أن أؤكد الخط المصرى القديم فى البروفيل الذى يفصل الوجه البيضاوى إلى نصفين ، لم أهتم بالخلفية لانها طبيعة ريف فلورنسا وغلبت اللون الأسود على هارمونى اللوحة بشكل عام.
- هناك شئ يجعلك تدرك لأول وهلة أن هذه اللوحة هى ذاتها الموناليزا ، شئ وحس وهناك أيضا ادراك آخر .. ادراك يجعلك تعيد النظر فى خصوصية العمل وتفرده وقدرته على الابتعاد عما يشابهه او يتشبه به .
- ناهيك عن الحديث عن ` نبات بحرى` وهن يمشين بخطوات يملؤها الثقة والجمال، وقد تأخذك ذاكرتك إلى عالم محمود سعيد وهو فى الغالب ما يحدث ، لكن تستوقفك روح البهجورى وبصمته - رغم كل ذلك - داخل كل لوحة منتجا بذلك لوحاته المتميزة التى تمثل نسيجا بصريا وفكريا ملموسا بين ما تم تخزينه من رؤية بصرية وما أمكن إضافته .. بين أصل اللوحة، واللوحة التى ترتبت عليها، أنه الفارق بين الواقع المرئى وللامرئى ، فهو يرسم ما يرى داخله وليس ما رأى بالفعل ، حيث مخاطبة الخيال أقرب للفنان من مخاطبة الحقائق المعاشة .. انها الخلاصة ..
- انه ما تم هضمه ` بقت فى ذاكرتى مشاهداتى الأولى` .. لغة الذاكرة التى لا يمكنها إلا أن تكون لغة سهلة وبسيطة يمكن لأى متذوق الوصول إليها والتفاهم معها شئ ومن الحوار المشترك خاصة اذا حملت الذاكرة ما لايمكن الخلاف حوله فى مفهوم الجمال.
- دون أن تكون هناك حاجة لتعقيد الوسائل المؤدية للفن . يشير البهجورى فى كلماته إلى مدى انبهاره بنخبة من فنانى الغرب مثل فان جوخ ، لوتريك، سيزان ، جوجان ، رامبرانت ، وبيكاسو ممن كانت لهم بصمة قوية تركت تأثيرها عبر أجيال متلاحقة، دون أن ينسى تصورة الخاص بالنسبة لبعض فنانى مصر مثل محمود سعيد ، الجزار ، حسن سليمان ، أحمد صبرى ، أحمد مصطفى وغيرهم .. هؤلاء الذين علقت أفكارهم الابداعية بذاكرة البهجورى لتشكل فيما بعد احدى مدخلاته الفكرية والبصرية ، مما يؤكد للفنان أصالة جذوره ووجوده الممتد ، وهو ما لا يترك معه مجالا للشك فى مصداقية الفنان وعفويته وأسلوبه الخاص المنفرد فى نهاية الأمر .
- وأخيرا يمكننا أن نقول : أننا أمام عدد من الرؤى وفقا لعدد المبدعين القائمين أمام رؤية واحدة حاضرة وحديثة ومستساغة هى رؤية لحقت وعاصرت كل البراهين الابداعية التى استوعبتها، حتى أنها اصبحت واحدة فى صفوف التاريخ التى يتحدث عنها.
بقلم : فدوى رمضان
جريدة أخبار الأدب 16-4-2006
بهجورى الفنان ينجح عندما تعبر لوحاته عن الناس
- بعد فوزه بجائزة ملك الأردن ..
- تسلم الفنان المصرى جورج بهجورى جائزة الملك عبد الله الثانى للإبداع مناصفة مع الفنان الفلسطينى نبيل عنانى، وفور تسلمه الجائزة قال: أنها رد اعتبار لفنان مصرى لم يأخذ حقه فى مصر. كانت لجنة تحكيم الجائزة قد أعلنت عن فوز الفنانين فى حقل الفن التشكيلى عن مجمل انتاج كل منهما، نظرا لتميز تجربتيهما بالعمق والتنوع والخبرة والبحث الجاد عن الأصالة ، إضافة إلى تكامل تجربتيهما الفنية فى علاقتهما مع الواقع الاجتماعى والتعبير عنه فنيا ، كما أن أعمالهما تبلور نظرة متطورة لقضايا الثقافة والمجتمع العربى، إلى جانب تميزهما بالتجريب والبحث عن آفاق فنية جديدة، ومزجهما بين التصوير والنحت بشكل يخصب تجربتهما التصويرية، واستخدامهما مواد وتقنيات تنتمى للمحيط الثقافى المحلى ويستعملانه بشكل مبدع، ويبلوران من خلال أعمالهما نظرة ناقدة للواقع اليومى المحسوس والمعيش .
- بهجورى أعرب عن سعادته وأنه شرف كبير له كفنان ولمصر، فاختيار مصرى لأن يكون الفنان الأول فى الوطن العربى يعطى ثقة كبيرة للفن الحقيقى . متمنيا على وزارة الثقافة المصرية أن تعيد النظر فى رؤيتها للفنان بهجورى وترشح اسمه لنيل جوائز الدولة التقديرية .
- واعتبر بهجورى أن الأصالة والتميز كانتا السبب وراء منحه الجائزة ، إضافة إلى البحث عن شخصية عربية صميمة تستحق أن تنال هذه الجائزة العربية الرفيعة. كما أشار بهجورى إلى أنه فنان يعبر عن الشعب ، وأن كل لوحة من لوحاته فيها جماهير من الناس، وعليه فإن الفنان ينجح عندما يعبر عن الناس. تأتى هذه التصريحات استكمالا لتصريحات سابقة أطلقها بهجورى اعتبر فيها نفسه أهم فنان فى العالم العربى ، فقد صرح بأن الفنانين التشكيليين تحولوا إلى حرفيين ، وبهذا الاتجاه يميلون إلى السهولة على حساب الفن ، وأشار إلى أن الفنان الرائد هو الذى يبدع أعمالا متفردة لا تتشابه مع أعمال الآخرين .
- جورج بهجورى من قرية بهجورة بنجع حمادى فى صعيد مصر، وتخرج فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة وكلية الفنون الجميلة بباريس قسم الرسم ، وعمل رسام كاريكاتير منذ عام 1953 حتى عام 1975 فى مجلتى` روز اليوسف` و` صباح الخير` وهو يعيش فى باريس منذ عام 1975. وأقام العديد من المعارض فى مصر و الأردن و المغرب وتونس وفنلندا و ألمانيا والولايات المتحدة . كما حصل على الجائزة العالمية الأولى فى الكاريكاتير عامى 1985 و 1987 فى روما .
بقلم : سيد يونس
جريدة اليوم 10-6-2006
تجربة فريدة للفنان الكبير جورج البهجورى
- فى معرضه الأخير.. يعلن الفنان الكبير جورج البهجورى عن روحه الثائرة المتمردة. فقرر فى سبعيناته أن يقف مع نفسه ليسألها .. هل انجز ما كان يتمناه .. وهل استطاع أن يقترب من آلهة الرسم .. هل يمكن أن يعيد انتاج أعمالهم فيصبح رسمه` رسم على رسم ` كما فى الأدب ` نص يعارض نص` .. لم ينتظر طويلا .. حيث يبحث عن هؤلاء الذين أحبهم لدرجة العشق .. أكثر من ثلاثين عاما .. لم يكن يقتنع بالكتاب ولا بالفيلم ولا الصورة .. كان يحرص على مشاهدة اللوحة الأصلية وينتظر خروج الزوار ليبقى معها وحده .. وكأنها رسمت لأجله .. يقول جورج : ` توقفت عن الانبهار وخاصة عندما قرأت تاريخ اللوحة وعمر الفنان .. روائع ( جوجان ) رسمها فى تاهيتى وهو فى الثلاثين تقريبا .. وروائع ( فان جوخ ) رسمها فى نهاية العشرينات ، أما سنوات عمرى فقد وصلت للسبعين .. وقال لى الشخص الذى يشبهنى: لا تخجل من نفسك ، لذلك قررت أن أبدأ بالتجربة فرسمت لوحات لبيكاسو ولرمبرانت وتولوز لوتريك وفان جوخ وجوجان ومن مصر اخترت حسن سليمان ومصطفى أحمد - أحد الذين ساندونى فى بداياتى - وأحمد صبرى وبيكار ومحمود سعيد وحلمى التونى وعبد الهادى الجزار..`
- هذا كان كلام الفنان الكبير جورج البهجورى عن تجربته الفريدة التى تكتشف عندما ترى لوحات هذا المعرض أن براعة البهجورى تكمن فى رسم اللوحات العالمية دون يحاكيها .. لم ينقل الملامح وزوايا التصوير أو الألوان المميزة .. أو طريقة الفنان فى رسمها بعينيه اللتين تدربتا على النفاذ إلى عمق الحقيقة .. فتبتعد عن العادى والمكرر لتكتشف سر اللحن السماوى .. الذى يملأ روح الفنان .. وهكذا نرى فى أعمال البهجورى احساسا بالحركة .. هو يحرك الشخوص التى اتعبها السكون.. فهى فى لوحاته تتحرك وتتنفس وتتحدث عن سنواتها الطويلة وحيدة فى متاحف العالم .. شخوص البهجورى يشم المتلقى رائحتها ، ويشعر أنه البهجورى غسلها فى ترعة بهجورة ولعبت مع الأولاد فى الجرن وحقول الذرة ونامت فى فضاء الغيط تراقب حركة النجوم وأصوات الرياح التى تأتى من الجبل حاملة أسرار العالم الخفى .. لوحات البهجورى تعيد للطفل الصغير كبرياءه وحلمه أن يقف إلى جوار أساطين الفن .. ويكفى جورج البهجورى الطفل الذى جاء من بهجورة وحيدا .. أن يكون صديقا لكل هؤلاء الفنانين .. يقف فى معرضه بقاعة المشربية مزهواً بما أنجزه وأرواح الفنانين الخالدة تملأ المكان وتنحنى أمام لوحاته وتلتف حول ضحكاته الصاخبة التى تملأ المكان بالمحبة .
بقلم : سمير عبد الغنى
جريدة العربى 2-4- 2006
البهجورى عازف فى جوقة أندلسية
- آلات شرقية ومعازف أندلسية .. نغمات حارة بطعم الفلفل وموسيقى ملتهبة كالصحراء الواسعة .. شجية ممزوجة بطعم التاريخ ومآسية .. على خشبة المسرح المكشوف -
مسرح القمر كما يسميه الناس هناك - تتراقص أيدى العازفين .. تداعب الأوتار .. فتتمايل لها قلوب الحاضرين نشوة وطربا. وثم رجل يجلس تحت أرجل العازفين ، يمسك بريشته وأوراقه التى لا تفارقه .. يرسم ويراقب .. يجلس متقوقعا هناك مستغرقا فى خطوطه التى يرسمها .
- ربما تحين منه التفته باسمة فيمتلئ وجهه المستدير إشراقا وبراءة ، وتلمع عيناه الضيقتان ببريق الطفولة التى هو أقرب إليها فى حركاته ولفتاته ودعاباته ونكاته المرحة ووجهه البشوش الطيب .. أنه جورج البهجورى الذى يقدم لنا فى معرضه الأخير الذى أقامه فى قاعة مشربية بوسط البلد خلاصة مشاهداته وانطباعاته التى عايشها بالمغرب العربى حيث يفضل الذهاب إلى هناك من وقت إلى آخر أثناء سفره المستمر وتنقله بين القاهرة وباريس .. أنه دائم التنقل والترحال. أحب السفر منذ حداثة تخرجه وأغوته باريس بسحرها كما أغوت غيره على مر السنين بفنها وفنانيها وحضارتها وفتنتها الخاصة . فاتخذ منها موطنه الثانى محاولا مد الجسور بين ضفتى المتوسط فبعد أن أكمل دراسته فى كلية الفنون الجميلة عام 1955 تحت إشراف الفنان حسين بيكار سافر إلى فرنسا لإكمال دراسته على يد الفنان الفرنسى ` يانكل ` ومنذ ذلك الحين وهو يتنقل كالفراشة بين القاهرة وباريس يشق لنفسه طريقه الخاص ويصوغ بيديه تجربته الذاتية ورؤيته المنفتحة على مدارس الفن الأوروبى محاولا أثناء ذلك تقريب الرؤى وتقليص المسافات بين الشاطئين .
- انه يقدم أكثر من عشرين لوحة فى معرضه الأخير لمجموعة من العازفين فى جوقة عبد الكريم الريس وهى إحدى الفرق الشهيرة ذات الطابع الأندلسى فى المغرب العربى ، وهذه هى المرة الخامسة التى يتناول فيها الفنان هؤلاء العازفين فى أعماله كما يقول : ربما استثارته الألوان وشدته الخطوط المتقاطعة للشخوص والملابس والأشكال المختلفة للآلات الموسيقية التى بدت فى اللوحات شديدة الالتصاق بهؤلاء الرجال ذوى الطرابيش الحمراء من أعضاء الفرقة وكأنها أجزاء من أجسادهم المفعمة بالحركة والحيوية والتى انعكست ببراعة فى الخطوط المنفلتة والمتقاطعة فى كل اتجاه ، وهى فى انفلاتها وتقاطعاتها تلك داخل اللوحة تحاصر عن عمد هذه الكتلة الرصينة والمنحوتة على التوال لمساحات اللون الشهباء فى الصفراء والخضراء والبيضاء كالثلج .. أنه يحول الجسد الذى طالما رسمه عاريا ومتدثرا إلى كتل ومساحات متراصة وراسخة .. منفصلة ومتداخلة مع ما يحيط بها من مفردات أخرى وخلفيات قاتمة ومضيئة .
- اللون عند البهجورى يتمايل تارة بين الأصفر والأحمر الملتهب كصرخات الكمان ، وتارة أخرى بين الأبيض والأخضر والرماديات الهادئة كأنين الأوتار تحت وطأة الأنامل الغليظة لهؤلاء العازفين ذوى الأعين الناعسة التى ألهبت قريحة الفنان فدفعته دفعا إلى العزف هو الآخر . ولكن بأدواته التى يعرفها أنه عزف بالخطوط والألوان والمساحات، هذه الأدوات التى يعرفها البهجورى جيدا ويصنع من خلالها موسيقاه البصرية الخاصة والمترصدة لنماذج الروعة والجمال فى مجتمعاتنا الشرقية ..
بقلم : ياسر سلطان
مجلة نصف الدنيا 25-4-2004
جورج البهجورى : ` رسم على رسم ` مشروع عمرى!
- تجرأ على آلهه الرسم وأعاد رسم ` الموناليزا ` و ` أولجا` برؤية خاصة :
- فكرة ملحة تطاردنى لإعادة تقديم دافنشى وفان جوخ وبيكاسو حققتها أخيراً بعيدا عن التقليد !!
- خرجت من مصر لأننى أرفض أن أكون ضمن قطيع الحياة التشكيلية فى مصر!!
- نظرا لأن الفنون جنون ... وتأثرا بالأدب فيما يعرف ` نص على نص` .. أبدع الفنان التشكيلى المصرى ` جورج البهجورى` ليقدم لنا ( رسم على رسم) .. بعدما تجاسر على آلهة فن الرسم بإعادة أشهر أعمالهم بريشته ورؤيته وخطوطه الخاصة .. لنرى ` الموناليزا ` متمردة على عكس سكونها عند ` دافنشى` ويتجرأ على
` أولجا ` زوجة بيكاسو لتبدو أكثر شرقية .. ولا مانع من إظهار بؤس جاريات قصر ` محمود سعيد ` على عكس إرادته !!
- عبر حوار تحتفى فيه ` روز اليوسف ` بأحد أبنائها خاصة أنه كان صاحب بصمة سياسية واضحة على أغلفتها إبان الثورة نبحر معه فى تجربته الفنية الجديدة التى تثير جدلا واسعا !!
- بداية .. نحن نعرف أدبيا ما يسمى ` نص على نص ` لكن هل هناك ما يسمى بـ ` رسم على رسم ` ؟!
- ` رسم على رسم ` هذه فكرتى الخاصة وهى إبداع عمرى وأنا رائد فى أفكارى ، الله ألهمنى بها ولا تنسى تأثرى بالأدب فأنا لى ثلاث روايات أدبية!!
- كيف واتتك الجرأة على آلهة الفن التشكيلى لتحاكى أعمالهم من منظورك الخاص ؟!
- هى فكرة ظلت تلح على لمدة عشر سنوات و` الإلحاح` من أهم عناصر الإبداع لدى الفنان كما درسنا فى ` السوربون ` طوال هذه المدة أنهل من أعمال عظماء الفن التشكيلى حيث تبعتهم فى كل مكان وزرت مواقع ولادتهم وأمكنة استلهامهم ومراسمهم ثم بدأت أقتبس من أعمالهم وأرسمها فى كراسات خاصة بى فعلى سبيل المثال` حركة الحصان` فى لوحة ..` دى جيركو ` ثم أرجع إلى مرسمى لأقوم بتلوين هذه الاقتباسات .. هذه الكراسات أصبحت نواة أعمالى !!
- ألم تخش النقد فى التقليد أو وصفا عن هذه الخطوة بإفلاس فنى ؟!
- الحقيقة توقعت أن يتهمونى بالتقليد لأن هذا لم يحدث بعد أن شاهدوا هذه الأعمال التى ابتعدت فيها تماما عن المحاكاة ولكن قمت بإعادة رسمها كما أتصورها وأشعر بها وأتخيلها حسب بيئتى فأنا قدمت أسلوبى ورأيى فى50% من العمل وأنا أريد أن أثير تساؤلا ولفت الانتباه !!
- متى بدأت فى القيام بهذا المشروع ؟ !
- فى عام 2000 بمرسمى بفرنسا وحتى عام 2005 !!
- وضح فى أعمالك المأخوذة عن كبار فنانى أوروبا تأثرها بالبيئة الشرقية؟!
- هذا صحيح فكما فى الأدب هناك تمصير أو تعريب هو ما حاولت أن أعكسه فى هذه الأعمال حسب الصورة المطبوعة فى ذهنى من بيئتى المصرية ويتضح هذا فى لوحة ` أولجا ` زوجة بيكاسو وكانت لها ملامح سلافية وعند رسمى لها وعند رسمى لها تصورت أن خلفيتها أريكة مستوحاة من التراث الإسلامى فجعلته قطعة من الخيامية ثم كررت حركة اليدين مع المروحة لسحرها وسحر العصر فصارت لها مروحتان ويدان وذراعان وربما أكثر من ثوبين !!
- وماذا عن لوحة `عباد الشمس` لـ ` فان جوخ ` ؟!
- نظرا لأن فان جوخ كان يعيش فى مدينة أمستردام المظلمة فكان تأثره بالشمس ولونها الأصفر لحرمانه من هذه الشمس أما أنا ولتوافر الشمس فى بيئتى فرسمتها بحرارة شمسنا البرتقالية وإن مالت إلى لون الزيت ثم أضفت حركة الأصابع التى رتبت وضع الزهور وأنا أتذكر زيتها المائل إلى البنى يشتعل بداخلها !!
- غير توقع أن نرى ` الموناليزا` الساكنة عند دافنشى متمردة ومتحركة عندك وإن اختلفت ملامحها أيضا .. ما الدافع وراء تقديمك لها بهذه الصورة ؟!
- عندما أنظر إلى الموناليزا وأرى سكونها لمدة ثلاث سنوات ليرسمها ليوناردو دافنشى أتخيل أنه كان ينهرها كثيرا طوال هذه المدة لأنها تتحرك ، فالأمر الطبيعى أن ترفع ذراعيها فى حركات عادية وأن تلمس أصابعها خصلات شعرها فترتبه كما أن فنانى عصر النهضة يرسمون السكون والثبات ولكن أنا تصورتها وهى تتحرك لذلك رسمتها بأكثر من خمسة أذرع وعشرات الأصابع ، أما الوجه فتركته فى حالة ثبوت لكنى حاولت أن أؤكد الخط المصرى القديم فى البروفيل الذى يفصل الوجه البيضاوى إلى نصفين!!
- وقمت أيضا بفتح مساحة من صدر الموناليزا لأعطى مساحة لظهور بوادر النهدين حيث إن ` دافنشى` كان متزمتا حسب التخلف الكاثوليكى فى هذا العصر !!
- هذا عن محاكاة كبار الفنانين لماذا أقدمت على محاكاة الفنانين المصريين ؟! هل لوحاتهم تحتاج إلى تمصير آخر ؟!
- الحقيقة أن ما أقوم بإعادة رسمه من هذه اللوحات هو فقط اللوحات التى أحبها وأتأثر وأنا عندما عدت إلى مصر وأعدت مشاهدة لوحات محمود سعيد وبيكار وأحمد صبرى وحسن سليمان وغيرهم حاولت إعادة تقديمها وفق تخيل جديد ورؤية مغايرة وهو ماتم !!
- كان لافتا فى إعادة رسم ` جاريات ` محمود سعيد فى رؤية تخالف تصوره تماما بل وصلت إلى حد التناقض ؟!
- محمود سعيد يختار جاريات قصره وكان يقدم لهن المال فيخلعن ملابسهن ويرسمهن كما لم يرسم فنان فى التاريخ لتصبح اللوحة تحفة نادرة تدخل قصره ، وكان يمزج الذهب الذى حوله فى قصر أبيه الباشا على أجسادهن فأبدع روائعه خاصة إنه لم يكن مسموحا له أنت يطلب من نساء القصر الطلب ذاته .
- لكننى كنت أتألم كلما رأيتها وكأنى أعرف معاناة الجارية فتبدلت الرؤية لدى بمساحة من الدراما حيث طمست الذهب والنظافة وتناولت الموديل بجسدها البرونزى، لكنى أضفت التعب والعرق وسوء الحال من ظهور النهدين وقربهما من البطن وغيرها !!
- يبدو الفن التشكيلى فى مصر خاص بالصفوة ولا يتذوقه المصريون هل تعتقد أن ذلك بسبب ارتفاع نبرة تحريم الفنون وفى مقدمتها الفن التشكيلى؟!
- للأسف أن رجال الدين لدينا أصحاب عقول قديمة ومتأثرون بثقافات قبلية ترفض الحضارة وأصبحت أفكارهم البالية ملء الأسماع والأبصار مما يهدد هوية مصر الثقافية .. وأنا حين أرسم فأنا أتعبد فى خلق الله وحين أرسم امرأة عارية كما لو كنت أصلى حيث أعطانى الله الموهبة وبعض صفاته لأعيد اكتشاف الجمال فى خلقه فى تفاصيل قد تغيب عن الشخص العادى!! ولا أريد أن أقول أو أرد على مقولة حرمانية الفن لأنه يضع الفن فى موضع الاتهام وعليه أن يثبت العكس !!
- لكن حتى هذه الردة أصابت الجميع مع غياب واختفاء الموديل العارى إرضاء لهذه الأفكار ؟!
- وقت أن كنا طلبة فى الكلية كانت الموديل العارى بالنسبة لى ولزملائى سؤالا وامتحانا أدرسه لأستطيع الإجابة علية وكنا مهمومين بالرسم خوفا من الرسوب وكانت هؤلاء الموديلات مجرد زملاء .. وأتذكر وأنا فى فرنسا كان يأتى إلى فى المرسم نساء فرنسيات يطلبن رسمهن عاريات وأخذن نصف الرسوم كهدية وفى إحدى المرات كنت أرسم إحداهن وقمت بلمسها لأستطيع رسمها فرفضت وقالت لى لا يمكن أن تلمسنى فهذا الجسد ملكى أنا ارسمنى فقط!!
- نعود إلى الماضى .. لنتذكر سويا تجربتك فى الكاريكاتير السياسى على أغلفة ` روز اليوسف` فى عهد الثورة وكيف تقيمها ؟!
- كنت لا أزال طالبا فى الكلية وفى هذه المرحلة كنت أداعب الرئيس عبد الناصر لأننى ناصرى ولكن هذه المداعبات كانت تثير جدلا ففى أحد الأغلفة رسمت عبد الناصر وبالغت فى رسم أنفه الذى أصبح ` منقار` وكانت الانتقادات توجه إلى رئيس التحرير وقتها !!
- وهل كان عبد الناصر يتدخل ويهتم بهذه التفاصيل ؟!
- وواقعة أخرى كانت تخص ( حجازى ) عندما رسمت غلافا لزوجة كانت تخفى عاشقها فى الدولاب وكان اعتراض عبد الناصر أن مجتمع الثورة لا توجد فيه هذه الأفعال المشينة !!
- إلى هذا الحد كانت أهمية الكاريكاتير السياسى فى مصر ؟!
- ففى إحدى المرات رسمت غلافا لروز اليوسف وكان بمناسبة افتتاح أول برلمان بعد قيام الثورة حيث قمت برسم عبد الناصر وهو يطلع على سلم لقبة البرلمان ويقوم بتنظيفها وبجواره طفل صغير - كصبى له - ولكن بملامح ( صلاح سالم) وصلعته ونظارته السوداء وكان يمسك جردل فى يده !!
- وكان هذا الغلاف الساخر أول ما كشف عن صراعات مجلس قيادة الثورة حين اتصل ` صلاح سالم` بإحسان عبد القدوس رئيس التحرير وقتها - وقال له كيف يمر هذا الغلاف وأنا أظهر فيه وأنا أصغر من جمال عبد الناصر!!
- إذا كانت بداياتك مبشرة إلى هذا الحد لماذا تركت مصر فى عام 70 لتذهب إلى فرنسا ؟!
- أرفض أن أكون قطعة من قطيع الحياة التشكيلية فى مصر فلابد أن تصبح مثل الآخرين لا يسمح لك بالتفوق عليهم وتصورت أننى لو سافرت وتحررت سوف أصنع نفسى !
- ` رسم على رسم ` ليس آخر مشروعاتك الفنية .. لكننى أعلم أن هناك مشروعا فنيا تخفيه عن الأنظار وترفض ظهوره إلا بعد وفاتك ما هى ملامحه ؟!
- عندما وصلت إلى باريس ظللت من عام 70 وحتى 80 أرسم حياتى فمذكراتى سوف تكون منذ خلال الرسم بشكل يومى والآن لدى خمسمائة كراسة تؤرخ لحياتى اليومية بين فرنسا ومصر وهى ملونة ولا أريد أن أطلع عليه أحدا الآن وأرفض ظهور هذه الكراسات إلا بعد وفاتى وهى فى مكان أمين فى فرنسا وأنا أقدمت على هذا المشروع لأدخل التاريخ بعد وفاتى !! .
بقلم : أحمد باشا
مجلة روز اليوسف 4-3-2006
الفنان جورج البهجورى
- المفارقة التى جعلت من هذا اليوم يوماً خالداً لا ينساه الفنان التشكيلى جورج البهجورى، يقول عنه : فى عام 1990 بعدما عدت من رحلة خارج باريس وبمجرد دخولى إلى مرسمى فى الطابق الرابع تحت السقف الرمادى وهو مبنى مصنوع من خشب أشجار سوداء قديمة ، ولكنى فى هذا اليوم وجدت مرسمى فى باريس محترقا أثناء غيابى بسبب ماس كهربائى وأسفرت الخسائر عن احتراق لوحة واحدة فقط بعدما أنقذت المطافئ باقى اللوحات، وبينما أتأمل ما حدث وجدت ورقة لم تقترب منها النار ولا حتى الغبار أو مياه الإطفاء كأنها مقدسة ، فتحت الورقة وجدتها دعوة من مهرجان الفنون فى إسبانيا يخبرونى فيها أننى نلت الجائزة الأولى فى هذا المهرجان وقيمتها مليون بيزة وبما أننى نلت جائزة سابقة من إيطاليا مليون ليرة فكانت تساوى بالمصرى مليون قرش فأعتقدت أن البيزة الأسبانى تشبهها واعتبرتها غير ذات قيمة وبعد أسبوع تأكدت الدعوة وأرسلوا تذاكر السفر وذهبت إلى المهرجان واكتشفت أولا أن المليون بيزة لها قيمة كبيرة جدا ، وثانيا أصبحت المصنف رقم واحد فى العالم فى رسم الوجوه خاصة أن لوحة الجائزة كانت رسم بخط واحد لرأس
` فرانكو` ديكتاتور إسبانيا الشهير ورغم أنها لوحة ساخرة جدا إلا أنها احتلت الصفحات الأولى للصحف والتليفزيون وأصبحت مشهورا جداً فى إسبانيا ، يعرفونى فى الشارع والسوق والمكتبات وهذا كله بفضل الرسالة والجائزة وصارت تعويضا لى عن احتراق مرسمى ولوحتى وصار هذا يوما مفارقا فى حياتى لا أنساه .
بقلم : سعاد سليمان
جريدة القاهرة 23-11-2004
واحد فن على قهوة البهجورى
- ريشته الساحرة تعرف معنى البوح .. فسوف تأثرك حكاياتها عن الناس خصوصا ناس القهوة .. عندما تدخل قاعة بيكاسو سوف تجد على يسارك لوحة لشخص يدعو الله بينما على يمينك لوحة لمحل عصير به كل ما تشتهيه من فاكهة وكأنك أمام الجنة الموعودة .
- بعد ذلك سوف ترى لوحة للقهوة حيث الناس كتلة واحدة حيث الضجيج الذى يملأ جنبات القهوة . رسمها بهجورى بحس تجريدى عال فلا ترى الناس بل تشعر بهم أصواتهن العالية .. دخان الشيشة .. حالة الغياب .. والأكل والشرب .. لعب الطاولة .. الموسيقى الصاخبة . ثم لا شئ واللوحة غير الزحام . - -- وبعض اللوحات يتحول البشر كتل تشبه الأسمنت يفتقدون اللون والاحساس تصبح اللوحة جزءا من الصراخ اليومى .. وأنت تنقل عينيك بين لوحات المعرض سوف تظهر بعض لوحات عازفى الموسيقى .. وكأنها رقصات مرحة وأغانى لطيفة مثل التى تظهر فى الأفلام الهندية بعد مقتل البطل الروح قليلا وتبث الطمأنينة فيك إلا أنك سوف تعود لترى فاجعة أخرى على الحائط تظهر لوحة بائع العيش ولوحة الزحام وكأنهما لوحة واحدة .. يتراص العيش فوق رأس الرجل كما يتراص الناس والزحام .. وهو بهلوانا فوق عجلته ويبدو الناس بهلوانات داخل الأتوبيس .
- تظهر أم كلثوم فى ثلاث لوحات وكأنها تصرخ ولكن لا مجيب، وفى إحدى اللوحات تبدو صور الزعماء الثلاثة بدون ترتيب منطقى فتظهر صورة السادات ثم عبد الناصر ثم مبارك . وكأنه يقول أن الناس افتقدت الزمن . تظهر صور الزعماء إلى جوار ` الشيش ` فى أعلى الكادر بينما الناس تلهو وتلعب بينما يتصدر التليفزيون بؤرة اللوحة حيث مباراة فى كرة القدم يتابعها الجميع دون اهتمام.
- الألوان الدافئة التى تملأ جنبات اللوحات سوف تشحنك بالدفء تجاه المكان إلا أن الألوان الرمادية سوف تجعلك تعود إلى الاحساس بتراب الأرض والغبار الذى يملأ حياتنا فيحيل النور إلى عتمة وسوف تسحب عينيك بعيدا عن اللوحة .. وبينما أنت تهرب سوف تجد أشخاصا يقهقهون وهم ينفثون دخان الشيشة أو يمضغون أكلهم على إيقاع نرد الطاولة ويضحكون عليك.
بقلم : سمير عبد الغنى
جريدة العربى 24-4-2005
رسوم جورج البهجورى ` الممنوعة ` تثير عاصفة من الغضب .. والرضا
- أثار كتاب ` الرسوم الممنوعة ` الصادر أخيراً عن دار العالم الثالث فى القاهرة لرسام الكاريكاتير المصرى الشهير جورج البهجورى ضجة كبيرة فى أوساط رسامى الكاريكاتير المصريين، وقد توقفوا أمام عبارات وردت فى الكتاب وحملت نبرة اتهامية طاولت بعض رموز الكاريكاتير فى مصر وخصوصاً صلاح جاهين المتهم هو وبعض رسامى مؤسسة روز اليوسف - كان البهجورى من بين أقطابها المؤسسين - باعتماد موسوعات غربية فى رسومهم وهو أمر أغضب أسرة جاهين ودفعها لمناشدة الرأى العام المصرى التدخل لإنصاف الشاعر والرسام الشهير .
- يبدو أن البهجورى ارتاح لحصر قيمة كتابه فى هذا الملف فقط لأنه مكن القراء فى الوقت ذاته من الاطلاع على رسومه الممنوعة وتقييمها ، على رغم ما يتضمن الكتاب من تأملات ورؤى لافتة سواء تلك المرتبطة بنظرتة إلى دور فن الكاريكاتير وطبيعته أو فى الأجزاء التى يقارن فيها بين وضع فن الكاريكاتير فى الثقافة العربية ومكانته فى الغرب. وهناك مجموعة من الثغرات التى يلحظها القارئ فى بناء الكتاب من الناحية الفنية اذ يقفز صاحبه من الخاص إلى العام ناهيك برغبته الدائمة فى اطلاق الأحكام التقويمية التى تحصر تأملاته فى معناها الذاتى ولا تطلقها إلى آفاق أرحب. ولذا أفضل بعضهم النظر إلى الكتاب كوثيقة تعبر عن أزمة يعيشها صاحبه الذى قدم من قبل نصين فى السيرة الذاتية والروائية هما
` أيقونة فلتس` و` بهجر فى المهجر` .
- يبدأ الكتاب ببعض التأملات حول المسار التاريخى لنشأة الكاريكاتير فى الحضارات القديمة على اعتبار ان هذا الفن الانتقادى بدأ مع بداية الانسان ذاته بحسب رأى البهجورى الذى يشير إلى بعض الأشكال الضاحكة التى تم العثور عليها على جدران الكهوف والمعابد فى حضارات مصر القديمة أو فى الحضارة السومرية والأشورية، وهى تتميز بطابعها القائم على المبالغة أو الرمز إضافة إلى عنصر الرشاقة فى تلك الرسوم التى توحى بالطرافة ويرى صاحب ` بهجر فى المهجر ` فى كتابه الجديد أن المبالغة فى هذا المعنى تراجعت فى العصور الوسطى حيث كانت الرهبة الدينية تحد من رغبات فنانى عصر النهضة خوفاً من أن تفسر المبالغة فى أنها انحراف وتشويه. ولذلك تحددت مرحلة التصوير الزيتى فى الكنائس فى عنصر واحد من عناصر المبالغة وهو تغيير النسب حيث تبدو أجساد القديسين مستطيلة أكثر من اللازم. وهذه المبالغة يعتبرها البهجورى نوعاً من الكاريكاتير` الرومانسى` بحسب تعبيره ، مؤكداً أن الفنان الفرنسى اونوريه دومييه (1897- 1808) هو الأب الروحى لفن الكاريكاتير المعاصر، وينتهى من تأملاته فى هذا السياق إلى القول إن من الخطأ الظن بأن الكاريكاتير هو فن التشويه فقط فهو أيضاً فن التعظيم والمبالغة .
- ثم يعرض البهجورى وفى شكل عابر لنشأة وظهور الكاريكاتير وظهوره فى الصحافة المصرية فى النصف الأول من القرن الفائت قبل أن يتوقف أمام شذرات من سيرته الذاتية وسنوات طفولته فى صعيد مصر، وهى السنوات التى بلورت موهبته قبل التحاقه بكلية الفنون الجميلة ثم عمله فى الصحافة .
- ويخصص صاحب ` الرسوم الممنوعة ` جانباً كبيراً من كتابه لهجاء رؤساء التحرير الذين عمل معهم لانهم حرموه من هوايته وحريته فى رسم وجوههم كما يحيى قلة منهم ومن بينهم محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وكامل زهيرى وإحسان عبد القدوس ومحمود السعدنى وسواهم . ويروى قصة أشهر رسم كاريكاتيرى قدمه إلى الناس فى الخمسينات وتضمن صورة مبالغاً فيها للرئيس الراحل عبد الناصر .
- ويعترف بهجورى بقلة وعيه السياسى فى تلك الفترة بل وانعدامه مقارنة بوعى زملائه الذين تعرضوا لمحنة الاعتقال لكنه سعى إلى نوع من التحصيل المعرفى اتيح له بفضل ارتباطه بمجموعة الجيل الذهبى من رسامى أو كتاب مؤسسة روز اليوسف. وبجرأة لافته يلقى البهجورى مجموعة من الأحكام النقدية حول بدايات صلاح جاهين كرسام كاريكاتير، وهى بدايات يرى البهجورى انها بدايات ` خجولة ` رغم قوة أفكارها.
- ويفسر الظهور القوى لجاهين على صفحات ` صباح الخير` كنتيجة لرغبة حسن فؤاد وأحمد بهاء الدين فى تنبيه مع أن خطوطه مدرسية ، وذلك كرد على تبنى أبو العينين لموهبة البهجورى الذى يجزم بأن نسبة كبيرة من رسوم جاهين فى تلك الفترة منقولة من قاموس يتضمن مجموعة من رسوم كبار فنانى العالم جرت الاستعانة بها فى فترة التحضير لإصدار` صباح الخير` بهدف اطلاع رسامى المجلة على ما يصدر فى الخارج من مطبوعات، لكنه يعترف وبخجل فى مواضع أخرى من الكتاب بعبقرية جاهين ونجاحه فى تمصير الرسوم وإعطائها روحا محلية وإن بقيت فكرته أهم من أداته على قول البهجورى الذى يفشل فى تفسير استمرار جاهين ونجاحه فى استقطاب القراء.
- وما ينطبق على جاهين فى كتاب بهجورى ينسحب على رأيه فى رسوم صلاح الليثى التى نشر معظمها فى مجلة ` 23 يوليو ` التى أصدرها محمود السعدنى فى لندن لمعارضة نظام الرئيس أنور السادات . وهى مجلة يراها البهجورى أهم مجلة كاريكاتير فى تاريخ الصحافة العربية المهاجرة ، وهى الابنة الشرعية لمجلة ` روز اليوسف ` التى يرى انها فقدت دورها كمجلة كاريكاتير فى الفترة التى تولى الصحافى عادل حمودة مسؤولية تحريرها آخر الثمانينات فهو فى نظره ` الابن العاق لروز اليوسف فقد افقدها هويتها ومنحها هوية أخبار اليوم فى الاثارة واوقف تيار السخرية بالكاريكاتير بالريشة ` . ومن بين رسامى الكاريكاتير فى مصر يحظى أحمد حجازى بتقدير يستحقه من البهجورى الذى يراه ` فنان الشعب الكاريكاتيرى المصرى` ويعترف مؤلف الكتاب بفضل بهجت عثمان فى تقديمه للأوساط الصحفية لكنه بقدره لافتة على اصدار الاحكام يؤكد أن بهجت لم تكن له القدرة الكافية للتعبير بالرسم ولكن من خلال الفكرة كون فلسفته الخاصة ووصلت رسومه إلى مستوى كبار رسامى العالم . أما عربيا فينحاز البهجورى للرسام الليبى الزواوى ومعه الجزائرى رشيد قاسى والسوريين يوسف عبد لكى وعلى فرزات والفلسطينى ناجى العلى .
- وإلى هذه الأراء الحادة القاطعة يخصص البهجورى الجزء الأكبر من الكتاب لرسومه الكاريكاتيرية بصفتها الرسوم الممنوعة من دون أن يوثق تواريخ منعها أو يشير فى الهامش إلى أماكن أو ظروف المنع ، ما يفقد الكتاب أهميته كوثيقة تاريخية تؤرخ لصعود الكاريكاتير المصرى وهبوطه .
بقلم : سيد محمود
جريدة الحياة 29-3-2005
جورج البهجورى يرصد الناس من `مقهاه `: لوحتى تلقائية 000 وتفسيرها ليس شغلى!
- رسام كاريكاتير عالمى يعتبر نفسه شاهداً على العصر
- الحياة عندى لون ... والفنان الحقيقى من يستطيع اكتشاف لغة الألوان
- يعد رسام الكاريكاتير العالمى جورج البهجورى فناناً شاملاً ، دخلت لوحاته جناح الكورسول فى متحف اللوفر فى العام 1999 ونالت لوحته ` وجه من مصر ` الميدالية الفضية ، ووضع اسمه فى قائمة كبار المشاهير .. ولفتت أعماله أنظار العالم وأصبح المصنف الرقم واحد فى مسابقات البورتريه فى إيطاليا وفرنسا وأسبانيا ..
- لذلك لم يكن غريباً على جورج البهجورى أن يقام متحف لأعماله فى أكثر من مكان بالعالم ..وعلى مدى أكثر من نصف قرن تتألق أعماله سواء فى الفن أو فى الصحافة بكلمته الجريئة فى النقد والتعليق الساخر.. فقد استطاع أن يكون صاحب مدرسة خاصة فى الكاريكاتير الصحفى والرسم الفنى حيث تحمل لوحاته بصمات تكشف عن صاحبها.. وما زالت إبداعاته تتألق فى غزارة إنتاجه وإبداعه رغم تجاوزه لسن السبعين، وهى أعمال تنبض بالحياة والدفء والسخونة .
- فى أحدث معارضه فى قاعة بيكاسو قدم الفنان جورج البهجورى خلاصة تجربته الفنية فى مجموعة من اللوحات تحت عنوان ` مقهى بهجورى`. وعن سر اختياره لهذا الموضوع الطريف لأحدث معارضه يقول: أنا أسير فى تجارب فنية متعددة ، وإذا لم أقدم جديداً فلا داعى للمعرض، ففى كل مرة أقيم فيها معرضاً لا بد وأن أضيف جديداً .. والمسألة ليست كمية الإنتاج الفنى، وإلا تحول الفنان عن رسالته إلى أن يصبح تاجراً، وإنما المهم هو الكيف والمضمون الذى تحمله الأعمال .. وأنا بطبيعتى أستلهم أعمالى من وحى الشارع والبيئة الشعبية والإنسان البسيط .. والمقهى أو` القهوة `هى نافذة كبيرة على هذا العالم السحرى والذى من خلاله أطل على حياة البسطاء .. فأفكارى مرتبطة ببعضها وتكمل بعضها البعض وكلها تهتم بالإنسان وعالم البشر فى هذا الكون .
- تلقائية اللوحة
- كيف تستخدم الخطوط والألوان كأدوات متاحة للتعبير عن الأفكار التى يرسلها الفنان ؟
- الخطوط تلقائية ، أو هكذا يجب أن تكون تلقائية ووليدة اللحظة، دون تخطيط مسبق وحسب الموضوع المرسوم ، وكذلك الأمر بالنسبة للون.. فاللون يتحول فى يدى مع كل لمسة لى على اللوحة إلى درجات وألوان كثيرة حسب الحرارة والضوء المنبعث من اللوحة، لدرجة تجعلنى أفاجأ بنهاية اللوحة ولا أدرى الحال التى تنتهى عليها .. فاللوحة جزء منى لأنها تعايش لحظات انفعالى بها وتعكس هذا الإنفعال على سطحها .. ولذلك فأنا أتذوق لوحاتى .
- إلى أى مدى تتحكم حالتك المزاجية فى لوحاتك ؟
- التلقائية تميز أعمالى، لكنها التلقائية المبنية على فكر .. ولا شك أن الفنان كإنسان لا ينفصل عن عالمه، وإنما يتأثر بحالته المزاجية، وأيضاً هناك تأثير للذكريات وللرواسب الكامنة فى الذاكرة ، وكلها من الموروث الثقافى للفنان وتنعكس على عمله .
- بين فن الكاريكاتير والتصوير كيف ترى نفسك وأيهما أقرب إليك ؟
- لا أنكر ارتباط اسمى بمجال الكاريكاتير، لكن يجب ألا تكون هذه هى كل الحكاية، فهناك مجالات أخرى قطعت فيها أشواطاً أتمنى أن يهتم بها الناس .. فأنا أعشق الرسم وأعشق الألوان لدرجة تصل إلى أن الحياة عندى لون، والحب لون، والملبس لون.. واللون هو إشراقة الحياة ، ومن رحمة ربنا أنه خلق لنا وأبدع الطبيعة الخلابة المليئة بالألوان ليتعلم منها الفنان .. والفنان الحقيقى هو الذى يستطيع أن يكتشف لغة الألوان عندما يلون لوحاته .
- يبدو من كلامك ملامح التفاؤل .. فهل أنت شخصية متفائلة ؟
- المسألة ليست حكاية تفاؤل أو تشاؤم ، بل أعتبر نفسى شاهداً على عصرى ، وأنا أكثر شخص من أبناء جيلى ملتزم .. ارسم النكتة الساخنة لأنتقد المجتمع، ثم أعود للوحة للبحث عن الجمال والتعبير عن جماليات معينه من الناس، وخاصة أولئك البسطاء مثل ماسح الأحذية أو صبى القهوجى بجوار كوب الشاى .. وهى بساطة تعبر عن رضا هؤلاء البسطاء بالحياة مهما كانت حالتها .
- ليس وظيفتى
- كثير من لوحاتك تتسم بالغموض .. فهل تغضب عندما يطلب البعض منك تفسيرها لهم ؟
- تفسير اللوحة ليس وظيفتى، لأن دورى ينتهى حتى عرض اللوحة .. ولو سألنى الناس عن معنى لوحة ما فهذا يعنى أننى فشلت فى مهمتى فى توصيل المعنى للناس .
- إلى أى مدى أفادتك سفرياتك الكثيرة فى الخارج كفنان وصحفى ؟
- طبعاً السفر جزء من وسيلة زيادة المخزون الفكرى والثقافى والصحفى .. وأنا أعتبر نفسى ولدت مرتين، مرة بالأقصر عام 1932، ومرة ثانية فى باريس عام 1969 وهى التجربة التى جعلتنى فناناً شاملاً .. فالسفر عموماً يوسع المدارك، ويجعلنا نفترب من العوالم الأخرى ونرى أحداثنا من منظور مختلف وواضح .. كما أننى سعدت من خلال السفر بالالتقاء بأشخاص عديدة وفنانين من مختلف أنحاء العالم .
- هل أنت راض عن مشوارك الفنى؟
- الحمد لله أنا راض بنسبة كبيرة لأننى أبحث عن الأفضل وأتمنى أن أكون الأفضل .
- بحكم خبرتك الطويل فى الفن .. ما رأيك فى المناخ الفنى التشكيلى الآن ؟
- المناخ غير جيد.. والأمور تحتاج لمزيد من التركيز ومزيد من الاهتمام بتعليم الأطفال التذوق والحس الفنى وتدريبهم على الرؤية والاستماع لآرائهم وأنفسهم وهذه قمة التعليم والتعلم .

جريدة السياسة 11-5- 2005
البهجورى : الواقع يثبت أننا ظلمنا السادات
- تجاوز الرابعة والسبعين من العمر ولكنه مازال طفلاً ، بروح الأطفال يغضب، وبروح الأطفال يفرح، كل ما حوله يثير فضول الدهشة، كأن ما يجرى من حوله خارج اطار الواقع، الشئ هو ذاته نفس الشئ، المكان هو ذاته نفس المكان، الوجوه هى ذات نفس الوجوه ، لكن كل شئ بالنسبة له فراغ متجدد، كيان جديد يولد من رحم اللحظة، حتى الذكريات يقرأها بلغة اللون، والخط ، والصوت، والظل، والنور، والموسيقى، لغة تخرج من لوحاته فلا تخطئها عيناك وتنصت لها أذناك ، فتنطق شفتاك بعفوية : الله يا بهجورى !!
- بهجورى ، اسم الشهرة الذى عرفناه به ، اسمه الحقيقى` فلتس` ، جاء إلى الدنيا فى بداية الثلاثينيات، اطلق صرخته الأولى على تراب قرية` بهجورة ` بمركز جرجا ، استمد منها لقبه الفنى فأصبحت لها شهرة عالمية مستمدة من شهرته، احتضن لأول مرة تمثال ` افروديت ` بمدخل كلية الفنون الجميلة التى تخرج منها ليبدأ مشوار الشهرة والتألق على صفحات الصحف والمجلات ، ويصبح من أهم مؤسسى حركة فن الكاريكاتير الحديث فى مدرسة روز اليوسف ، قال لى أنه يؤمن بأن كل الأوطان وطنه ، وكل الأديان هى دين له ، اعترف لى البهجورى أنه أحس بالصدمة لأول مرة فى حياته عقب نكسة 67 ، رأى أمامه صلاح جاهين وهو يحتضر من الاكتئاب ، أحس أنه سوف يصل لنفس المرحلة كلما تأمل ما جرى ، حمل فرشاته وألوانه واوراقه ليحط الرحال فى باريس التى عانى فيها سنوات من شظف العيش واغتراب المجتمع، اتخذ من باريس منفاه الاختيارى مما دعا منفياً آخر هو الشاعر العراقى` عبد الوهاب البياتى` إلى وصفه بـ` قمر المنافى`، لا ينسى بهجورى العبارة التى قالها له البياتى:` يا صديقى إذا اخترت منفاك فسوف تكون سعيداً` ، كان البياتى يقصد أن المرء عندما يختار منفاه بارادته فذاك أفضل جداً من أن يفرض عليه النفى الاجبارى !! عندما بدأ رحلت الرسم داخل مقاهى باريس ومنتدياتها العامة ، امتلأت الأوراق وازدحمت الدفاتر بالرسومات التى أصبحت فيما بعد أحد ابداعاته النادرة، لما تضمه من تشكيلات لما بعد
` لوتريك ، ورينوار`، لكن المفجع فى الأمر أن الكثير من هذه الدفاتر تم سرقتها منه ، وقام جورج ببيع أغلبها بأسعار زهيدة من أجل سد احتياجاته المعيشية الصعبة ، أصبح جورج فريسة لمافيا الفنون المنتشرة فى باريس لمدة لا تقل عن عشر سنوات عانى خلالها المر بهرته اللغة الفرنسية التى تدرب عليها دون التخلى عن لهجته المصرية فى النطق على غرار الفنان الاسبانى الشهير` سلفادور دالى ` الذى كان يتحدث الفرنسية فى بلادها بلهجة إقليم ` كاتولونيا ` الاسبانى ، أصبح جورج كذلك معروفا باسم ` المصرى الكتالونى` . فى باريس تورط جورج فى الخلاف الساخن مع الرئيس أنور السادات ، كان بهجورى يهاجم السادات فى مجلة ` 23 يوليو` التى أسسها محمود السعدنى ، روى لى أن الرئيس السادات أرسل لهم نقيب الصحفيين ` صلاح جلال ` برسالة يعرض ترحيبه بعودة من يريد منهم إلى مصر، وإعطائهم الضمانات لممارسة الكتابة فى مصر دون رقابة ، قرر بهجورى العودة، طرح قراره على بقية المجموعة فأخافوه بأنه فور وصوله لمطار القاهرة سوف يتم إلقاء القبض عليه والزج به فى السجن، صدق ما قيل، فتراجع فيما بعد تيقن أن اصدقاءه غرروا به فأحس بالندم!!.
- قال بهجورى : ` كنت أتمنى العودة لمصر لكى أتعرف على السادات عن قرب ، كنت أتمنى أن أرسمه وجهاً لوجه ، أتلمس روحه عن قرب ، كنت أحس أنه يحمل فى داخله روح فنان ، سلم وجهه للكثير من الرسامين والنحاتين ، اعترف بأننى قد خسرت بعدم قربى منه أو التعرف عليه ` !! .
وكنت على اقتناع بصحة ما فعلته ، لكنى عندما أسترجع تلك الفترة وأقارنها بما وصلنا إليه فى الواقع العربى، اتيقن بأن السادات كان أكثر وعياً منا .
- فى مرسمه الذى يشبه الصومعة بوسط القاهرة ترقرقت عيناه بالدموع عندما قلت له ` هل بهجورى الذى تربينا على رسوماته الكاريكاتورية قد مات ؟`، يبدو أن السؤال كان موجعاً، سرح بعيداً وهو يقول:` يبدو ذلك بالفعل، ولكن أين هو المنبر الذى أرسم من خلاله، فنان الكاريكاتير إذا وضعت له محظورات لن يبدع ، لا اخفى استيائى من تدنى مستوى الكاريكاتير فى عالمنا العربى، الجيل الجديد عندى تحفظات عليه، المتبقى من أبناء الجيل القديم أكلتهم الحياه سعياً وراء لقمة العيش هنا وهناك !! . يرتشف من كوب الشاى الصعيدى وهو يقول ` قبل عودتى لمصر من باريس اتصل بى رئيس تحرير مجلة سياسية قومية عارضاً على أن أرسم أول صفحة من المجلة بشرط الا اقترب من الرئيس مبارك، تعمدت أن تكون أول لوحة أرسلها له عن الرئيس ، اتصل بى مذكراً فقلت له إذا نشرت ما أرسلت فسوف أواصل وإذا لم تنشر فاعتبر الاتفاق قد انتهى، فوجئت بعدها باللوحة منشورة ، عرفت أنه قد أرسل بها لرئاسة الجمهورية فوافق الرئيس على نشرها، تيقنت أن الرئيس كان أكثر ديمقراطية من رئيس التحرير، هذه هى الديمقراطية التى أريدها كفنان .
بقلم : عاطف النمر
جريدة الأخبار 17-8-2005
` الرسوم الممنوعة ` سيرة شاهدة على الزمن العربى
- كتاب للرسام الكاريكاتورى المصرى جورج البهجورى
- بعد ` بهجر فى المهجر` و ` تيتى الباريسى` ، صدر للرسام الكاريكاتورى المصرى جورج البهجورى، كتاب يحمل عنوان` الرسوم الممنوعة ` يقع فى 168 صفحة من الحجم الوسط (عن دار العالم الثالث - القاهرة ) يروى فيه نصاً ورسماً محطات متنوعة من انتاجه المديد، فى نوع من البوح يشبه السيرة الذاتية ولكن تحت غطاء عنوان لافت ، والبهجورى يهوى هذا النوع من العناوين المغرية بظرفها وفخاخها ، عملاً بالمثل الشعبى ` كل ممنوع مرغوب` .
- الجرأة وخفة الظل والسخرية اللاذعة، هى سمات هذا الفنان الصعيدى الذى عاش حياته بين القاهرة وباريس، شاهداً بريشته على أبرز التحولات السياسية والاجتماعية فى عصره ، وناقداً ساخراً ومثقفاً يحلم بالحرية. وهو أعتراضى لا تنجو من نظرته التهكمية تقاطيع وجه رئيس أو زعيم ولا يخفى عيباً مهما ضؤل، أو يساير موجه مهما وقع فى الخسران والاحباط يكاد يكون احترافه الأول والأخير رسم الوجوه بسخرية متميزة بتحريفاتها والأصح القول بتشويهاتها . إلى ذلك فهو مولع بالتراث الفرعونى الذى يفاخر به إلى درجة أنه قرن اسمه باسم فرعون مصر القديم ` تيتى` . له طريقته فى رؤية العالم والأشياء ، كأنه دائماً على مسافة من ذاته وذاكرته . بل هو فى قلب استرجاعاته يظهر مغرقاً فى الذاتية إلى حدود النرجسية . إذ يرسم شخصه بإسراف فى التحوير والتشويه والتقليل والتصغير، حين يروى عن محطات بارزة من حياته المهنية، وكذلك فى انتقاله من الشخصى إلى العام ، ليقول إنه كان أيضاً شاهداً على تحولات الزمن العربى فى آن واحد.
- فى مقدمة عن فن الكاريكاتور، كتب جورج البهجورى نبذة تاريخية استنسابية عن نشأة هذا الفن، فى الحضارات الفرعونية والأشورية والبابلية ، التى عرفت رسومها الجدارية هذا النوع من المبالغة والسخرية والإضحاك، كما يجد أن الروح الكاريكاتورية حاضرة فى مخطوطات كليلة ودمنة لابن المقفع، ورسوم الواسطى. وفى الغرب ، فإن الرسوم الضاحكة كانت موجودة فى كراسات دافنشى وكوربيه وغويا وغوغان. غير أن الفنان الفرنسى أونوريه دومييه (1808 - 1897) يعتبر الأب الروحى لفن الكاريكاتور المعاصر بكل مراحله التى وصل إليها الفنانون فى الصحافة العالمية.
- أما فى مصر فقد عرفت بداية الثلاثينات من القرن العشرين ، ظهور فن ` خيال الظل` الذى أبدعه يعقوب صنّوع ، كنواة للمسرح الحديث ، وأصبح لغة كاريكاتورية اعتُبرت استمراراً للأرجوز الشعبى المصرى.
- وفى الوقت نفسه ظهر رسام تركى اسمه رفقى ليرسم فى ` أخر ساعة ` المصرية الأسبوعية ، وكذلك رسام أسبانى أسمه سانتس ليرسم فى ` روز اليوسف ` اليومية ، تلاهما الرسام الأرمنى صاروخان والمصرى رخا .
- ثم ظهر فنانان مصريان أحدهما نحات والثانى رسام هما : محمد حسن وراغب عياد ، وانضم برنى وكيراز إلى صاروخان ورخا ، ليطلقوا من دار` الهلال ` عبر رسومهم نكتاً اجتماعية وليحلق بهم زهدى وعبد السميع وطوغان ورمزى .
- بعد هذه اللمحة عن بدايات هذا الفن فى القاهرة ، يتحدث جورج البهجورى عن ولعه المبكر فى الرسم منذ طفولته فى البهجورة - القرية الصغيرة المحاذية للكرنك - ومن ثم انتقاله إلى كلية الفنون الجميلة ، حيث التقى أساتذة فن الرسم والتصوير ، ليحترف بعدها الرسم الكاريكاتورى، فيقول :` اخذنى بيكار إلى صاروخان وأخذنى أبو العينين إلى روز اليوسف . وهكذا استمتعت بحريتى ، فرسمت كل شئ عارياً كالطبيعة ورسمت رؤساء الدول عراة وبالغت فى عيوب وجوههم وأجسادهم وتصرفاتهم ، وعلى رغم أننى خلال ربع قرن مارست قراءة الوجه ، على وزن قراءة الكف ، تحملت الكثير من المتاعب ، كما تعب معى رؤساء التحرير الذين عملت معهم ، وآخرهم هنا فى باريس الذى طردنى من المجلة التى زاولت فيها حريتى فى الرسم وبخاصة الوجوه ، وحرمنى من لقمة العيش لأننى رسمته، ولم يضع الرسم مع مقاله الإفتتاحى بل فى سلة المهملات . ولم يكتفى باهانتى عند هذا الحد ، بل بل ذهب إلى رسام فرنسى من الدرجة العاشرة ، ليرسم وجهه على طريقة رسامى المونمارتر، علماً أنه عربى مثلى! `.
- هذه الحادثة كانت مدعاة لاسترجاع البهجورى رحلة بداياته مع بعض رؤساء التحرير فى الصحف المصرية . فكان إحسان عبد القدوس من أبرز المدافعين عن رسومه لأغلفة روز اليوسف، فى مرحلة صعود الثورة ، على رغم أنها أثارت استهجان بعض السياسيين ، وهو الذى نصحه بأن يتعلم ليس الرسم بل السياسة. ويتوقف عند طريقة رسمه لعبد الناصر فيقول: ` بدأت المبالغة بالأنف ثم بانحناءة الذقن وكأنها تلتقى به ، ويختفى بينهما الفم المبتسم والشارب ، أما العينان فظلتا تحتفظان بسحر معين . فالكاريكاتور لايبالغ فقط فى العيوب ولكنه يبالغ أيضاً فى الجمال ، وقد رسمت خصلات شعر عبد الناصر كتجعيدة نهر النيل أو جدائل الأشجار، متذكراً وجوه الأقدمين أخناتون وتحتمس` .
- وفى تلك الحقبة الذهبية من الانتاج الفكرى والثقافى ، تعرف البهجورى إلى أبناء جيله : أحمد بهاء الدين وحسنين هيكل وكامل زهيرى وصلاح حافظ والحمامصى وصلاح جاهين وعلى أمين وفتحى غانم ولويس جريس ومفيد فوزى وسواهم من الذين عمل معهم كرسام فكانت لكل منهم قصة شجاعة من قصص الديموقراطية . ويسهب البهجورى فى استذكاره لصلاح جاهين عبقرى الأغنية الشعبية وعبد الحليم حافظ والصداقة التى جمعتهم فى سهرات انطلقت منها أغانى : ` والله زمن يا سلاحى وإحنا الشعب وقلنا حنبنى وأدينا بنينا السد العالى`. وإثر تجارب متواضعة فى الرسم أصبح جاهين نجماً مرموقاً فى عالم الكاريكاتور فى مجلة ` صباح الخير` .
- يلقى جورج بهجورى الضوء على تجربته فى دار اليوسف التى يصفها بأنها قلعة كبار الأقلام، فى تاريخ صعودها وهبوطها، ثم يستذكر لقاءاته ببعض فنانى الكاريكاتور الفرنسيين والعرب الموهوبين . أما الرسوم التى يتضمنها الكتاب ، فهى تشير إلى صولاته وجولاته فى النقد السياسى والفنى والغنائى والاجتماعى ، متطرقاً إلى كل الموضوعات بلا استثناء ، فى نوع من الاحاطة بمختلف مظاهر الحياة اليومية .
- جورج البهجورى صاحب القلم السيال والخطوطية المجعدة فى تلافيفها وتشابكاتها ، هو من الأسماء الكبيرة فى فن الكاريكاتور ، ولكنه فى آن متصعلك باختياره على ما وصفه محيى الدين اللباد ، الذى تحدث عن صعلكته فى المقاهى والشوارع ، متشبهاً بتولوز لوتريك ومولعاً بعمالقة الفن أمثال بيكاسو وفان غوخ . وفى فضاء باريس التى قصدها من أجل الحرية كتب البهجورى أكثر من مرة سيرته بطرافة وسخرية معهودتين تخبان الكثير من الوجع والمرارة ، مستخلصاً تجربته فى عبارة يقول فيها :`ولدت مرتين: الأولى فى الأقصر والثانية فى باريس`.
بقلم : مهى سلطان
جريدة الحياة 8-7-2005
جورج البهجورى : كرمتنى بلدان عديدة إلا بلدى
- الرسام المصرى لـ الشرق الأوسط : فنى هدايا يومية أقدمها للناس
- جورج البهجورى فنان رحال ، فهو يرسم فى كل بلد تطأه قدماه فى الشارع أو على مقهى أو فى الطائرة ، يقدم صورة للناس ، شارة محبة وصداقة ، عشق الرسم وهو طفل صغير ، وبعد رحلة طويلة ما بين القاهرة وباريس والمغرب ، لا يزال يرسم ويفكر بحدس طفل .. هنا حوار معه حول فنه ورحلته معه ومع الحياة .
- كيف ترى تجربتك الفنية على اتساعها وتنوع مرافئها . وبماذا تحلم الأن ؟
- تجربتى طويلة ومستمرة ولن أتوقف فمازال عندى المزيد ، وظللت بين القاهرة وباريس أرسم وأرسم ولن يوقفنى شئ الا اذا تعذرت صحيا ، وعندى مرسم فى المغرب والأردن غير القاهرة وباريس فهى أوطانى والفنان العالمى يجب أن يكون هكذا ، وأتمنى أن أمتلك مراسم فى نيويورك وطوكيو ومدريد تحديداً فأنا أعشقها .
- كيف بدأت شرارة الرسم فى داخلك ومن دفع بك فى هذا الاتجاه ؟
- بداية حياتى فى فن الرسم لها قصة غربية ، فقد اصطحبنى أهلى إلى الكنيسة وأنا فى سن الرابعة ورأيت طفلا فى حضن أمه حوله ذهب وكانت الصورة تبدو لى كأنها معجزة وكنت شديد الانبهار بها وظللت أسأل وعرفت أنها مرسومة وليست حقيقية ومن هنا بدأت أدخل إلى عالم الرسم ورسمى، فأخذت أرسم ورسمى يعجب الناس وقد كنت آنذاك احيا طفولة فقيرة جدا . ثم قررت أن أقدم كل يوم هدايا للناس ، فكل مقهى جلست فيه وكل جيرانى ومعارفى عندهم رسم لى ، وأنا سعيد بهذا .
- ما مدى تأثير طفولتك على فنك ، وهل تشكل الطفولة لديك نوعا من الملاذ؟
- الطفل هو الفنان الاكبر بفطرته وعينه يقظة ترى وتتأثر ، فأنا أقدم فنى للأطفال والكبار وأسعد عندما أرى الجمال يثير وجدانهم ، لكننى مع ذلك لا أستطيع أن أعلم الأطفال ، لست مربيا ولكنى أعطيهم فنى وتحت عباءة طفولتى عملت بعض الكتب للأطفال وأتمنى أن أعمل المزيد لكن وقتى لا يساعدنى .
- ما هى علاقة التماس الدائمة بين فنك والموسيقى فقد رسمت العديد من اللوحات عن موسيقيين ومغنين وآلات موسيقية تكاد تسمعها الآذان وتحتضنها ؟
- الرسم كله موسيقى وبعد نظرنا إلى عناصر اللوحة ستجد أن التكوين موجود بالموسيقى وكذلك الهارمونى، وعناصر الإضاءة والخط وأنا أتصور أن التذوق الفنى هو احساس بالموسيقى كما أنى عاشق للموسيقى خاصة الشرقية ، فقد قضيت وقتا طويلا من عمرى أذهب كل يوم إلى الأوبرا وأنا ارتدى بدلة سموكن وبابيون وأرسم وخرجت من هذه التجربة بـ 30 كراسة رسم . كذلك عندما كنت طالبا رسمت الفرقة الروسية كلها وكل هذه الأعمال بيعت فى باريس ، لا يقل عن ألف لوحة عن الموسيقى والرقص وبعد كل هذا لا توجد لى لوحة واحدة فى دار الأوبرا ببلدى مصر . أنا على استعداد لإهدائهم لوحة وهم يقتنون لوحات عادية فلماذا لا يقتنون منى لوحة عن الموسيقى، مثلا لوحتى الشهيرة أم كلثوم لماذا لاتذهب إلى بيتها بدلا من أن يشتريها الخواجة .
- أخبرنى عن أم كلثوم وهى بطلة لوحاتك دائما، فقد رسمتها كثيرا وكان رسما يخرج من قلبك إلى الآذان والعيون ؟
- أحب أم كلثوم وأعشق كل تفاصيلها وملامحها التى تعنى بها وخطرت لى فكرة أن أسمع صوتا ثم أقوم بتحويله إلى شكل. وضعت الكاسيت وأخذت أعيش مع صوتها وأحضرت كراسة الاسكتشات القديمة التى رسمتها فيها منذ زمن واستحضرت شكلها وهى تغنى وبدأت أرسم .
- تجربة معرضك الأخير عن فرقة مغربية ترتدى الطرابيش وهل هى احتفاء بالخصوصية أو بجماليات الأشياء المتجسدة فى الآلات الموسيقية ، وعلاقتها بالشعوب ؟
- أنا أرسم موسيقى الأندلس فى المغرب تعزفها فرقة فى فاس تتجول فى أنحاء المغرب وقد تقابلت معها فى أصيلة ، وهى قرية صغيرة على المحيط وتضربها أمواج المحيط كل يوم . تأثرت بالفرقة وبأصيلة ، أحببت آلات الموسيقى القديمة ، شكلها والخامات المصنوعة منها ، وجذبتنى رائحة خشب الورد فى العود والرق والكمان وقد بروزت لوحاتى بالخشب الذى يصنع منه العود والكمان وشدتنى فى هذه الفرقة الطريقة العصرية التى يلعب بها العازف ، فالكمان تجده فى حجم العازف .
- ما هو اللون الذى تحبه وتتأثر بدفقاته كل مسطح اللوحة ؟
- أحب اللون الأحمر لأنه يتحول إلى التمر الذى أعشقه والبلحة الحمراء فى النخلة كانت رفيقة طفولتى فى قريتى بهجورة الذى بها حوالى مليون نخلة ، ولون العسل الأسود الذى أعشقه فى كل لوحاتى .
- ماذا بعد رحلة نجاح عالمى فى الكاريكاتير ثم الرسم على سواحل المتوسط ثم الكتابة وثلاث روايات وكتب أطفال ومعرض نحت ؟
- سنوات الغربة فى باريس كانت جميلة وقاسية ، عاملت نفسى أيضا بقسوة أخذت كراساتى وبها ورق فاخر وأقلامى ودخلت جميع المتاحف ووقفت أمام كل عمل رسمته لأختبر نفسى ، فرسمت كل لوحة عالمية بخطوط البهجورى ، جوجان وبيكاسو وبرجوانى ولكن هذه الكراسات سرقت منى وأرجو من أى فنان أخذ لوحة أن يردها لى فأنا أريد استعادة هذه اللوحات بعد كل هذه السنوات، أما الجزء الأخير الذى لم يتحقق وعليه استفهام هو أننى لم أحصل على أى جائزة داخل مصر رغم تكريمى فى بلدان كثيرة ولم أخذ الفرصة فى مكان أعطى فيه خبراتى مثل دار الأوبرا مثلا.
بقلم :هالة طوبار
جريدة الشرق الأوسط 23-11-2004
الرسوم الممنوعة 0 أحدث إبداعات جورج البهجورى فى 2005
- كتاب جديد صدر أخيرا فى مجال فن الكاريكاتير مع بداية العام الجديد وهو حدث كبير لأن عدد الكتب التى تتناول الفن التشكيلى لاتكاد تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة أما أن يكون الرسام والمؤلف هو الفنان جورج البهجورى فذلك أدعى للاهتمام باعتباره واحدا من تلك المجموعة التى حملت لواء فن الكاريكاتير فى مصر عبر سنوات طويلة تمثل العصر الذهبى لفن الكاريكاتير.
- والحقيقة أن الكتاب عبارة عن كتابين ، الأول دراسة عن فن الكاريكاتير ومشواره عبر التاريخ يؤكد فيه الفنان أن فن الكاريكاتير بدأ مع بداية الإنسان وأن هناك رسومات على جدران الكهوف فى أشكال ضاحكة بل إن رحلة الفن هذه امتدت إلى كليلة ودمنة حيث يكمن جوهر المخطوطات فى أحاديث ابن المقفع بلسان الحيوان والمعروف أنه عاش فى زمن الخليفة أبى جعفر المنصور الذى أشتهر بالبطش والجبروت ومن هنا كان الحديث على ألسنة الحيوان وقد تنوعت الرسوم وتعددت الدلالات ولكن يبقى الأساس فى فن الكاريكاتير هو المبالغة وهى ليست دائما بقصد الضحك فالتصوير الدينى فى الكنائس كان يحمل المبالغة فى نسب أجسام القديسين بحيث تبدو طويلة بالقياس إلى غيرها وأيضا إلى جانب المبالغة نجد التشويه وليس دائما التشويه بمعنى خلط الصورة وإنما قد يكون بغرض التفخيم والتعظيم .ويشير بهجورى إلى أن الفنان الفرنسى أونوريه دومييه (1808-1898) هو الأب الروحى لفن الكاريكاتير المعاصر ثم تطور فن الكاريكاتير فى الأدب الساخر والشعر والمسرح ورسوم الأطفال مع بلزاك وشكسبير وتولستوى وموليير وبودلير وبرناردشو وذلك على سبيل المثال وليس الحصر .
- كما تطور فن الكاريكاتير مع مدارس ومذاهب الفنون التشكيلية مع بدايات الانطباعية جوجان وتكعب مع التكعيبيين على يد بيكاسو وبراك ثم تعقد وأصبح داديا مع الداديين والسرياليين حتى أصبح تجريديا فى بعض الأحيان.
- ومع هذه الدراسة الجادة والمجهدة لرحلة فن الكاريكاتير فإن جورج يحلق بها رحلته الشخصية مع الحياة حتى يكبر ويدخل مدرسة روز اليوسف ليقدم لنا لمسة وفاء بالغة العذوبة والرقى لكل الذين شاركوه مشواره من أساتذة مثل أبو العينين وزملاء مشواره مثل بهجت عثمان وغيرهم ، لم ينسى أحداً ولم ينقد منهم أحدا .. كلمات عذبة ولمسات حب ووفاء لهذه المجموعة التى حملت لواء فن الكاريكاتير خاصة السياسى ويقول جورج إنه قد أصبح له أسرتان أسرة تتكون من أجمل وأكبر رسامى وكتاب مصر وأسرته الشخصية .. ويمضى مع المشوار فيذكر رحلة هذا الفن مع الأيام قبل الثورة وبعدها ويحكى عن رسم كاريكاتير له عن جمال عبد الناصر. وكان ذكاء جورج البهجورى فى أن يقف عند هذه المجموعة ليعطى الفصل التالى من الكتاب اسما مستقلا هو بكل الصدق يستحق أن يكون هو العنوان وهو ناجى العلى ذلك الفنان الفلسطينى الذى أغتيل بسبب رسومه ومع ذلك بقيت رسومه رمزاً لكل نضال وصمود والأذكى من ذلك كله أن جورج البهجورى بعد أن ذكر كل هؤلاء المبدعين لم يكتب عن نفسه تواضعا وحبا لفن الكاريكاتير وإنما ليسجل مقالاً لغيره يشرح فيه المدرسة البهجورية ويأتى الجزء الثانى من الكتاب وهو عبارة عن نحو 300 لوحة فى موضوعات متنوعة أغلبها فى الموضوعات السياسية وهى مجموعة من أروع الأعمال تحمل ذكريات الماضى وكأنها تتحدث عن الحاضر.
بقلم : نجوى العشرى
جريدة الأهرام 9-1-2005
هكذا قال لى البهجورى
- الفن سحر الوجود البورتريه نافذه على النفس البشرية
- ` فى البورتريه المصرى وجوه مليئة بالحب والحنان والأمومة ، فالعينان هما النقطة أو اللحظة والحاجب هو الحارس .. والأنف الطويل الدقيق والفم الرقيق ، فالبورتريه أحياناً يعبر عن الحبيبة وارتباطها بمن تحب ، أو يعبر عن روح القديسين وما تحمله من نقاء إنسانى ، وهكذا نجد أن البورتريه ذا اللون الأبيض مثلا يوحى بلون النقاء نقاء النفس البشرية ، والوردى يعبر عن الفرح الكامن .. والبورتريه الراقص يعبر عن الرقة أما البورتريه المركب فيؤكد أن الأم تضع أبنها فى طيات وجهها ، أو أنها مركب يحميه من الأخطار، والبورتريه النافذة يتخيل فيه الفنان البورترية نافذة إلى النفس البشرية.
- والبورترية بالنسبة للفنان جورج البهجورى هو المرآة التى تعكس واقع الحياة التى يحياها، وأساليبه الفنية المختلفة - ومنها ` الكولاج ` ، وهو خليط من الخيش والصمغ والألوان - هى مركب أو كوبرى يعبر عليه الفنان ليعبر عن النفس البشرية ، التى يرى فيها أرقى المعانى الإنسانية . ذلك ما تعنيه تلك الكلمات التى سمعتها عندما التقيت بالفنان لأول مرة منذ ستة أعوام بقاعة ` زاد الرمال` بالزمالك ، وكم كنت مشوقة إلى لقاء آخر عندما وصلتنى الدعوة لحضور معرضه الأخير بقاعة المشربية ، غير أن زيارتى للمعرض قد تأخرت كثيراً، فلقد سافر فناننا إلى باريس ولن يعود قبل شهر أكتوبر القادم لكننى استطعت الحصول على بعض الصور لأعماله وكتابات قليلة تحكى تاريخه الفنى .
- وأذكر أننى عرفته فناناً مصرياً مهاجراً، يعود إلى الوطن . يعرض أعماله ثم يرحل ثانية ، لم أكن أعرف أن البهجورى يحب أن يشتاق إلى الوطن ، لأنه كلما طال البعد زاد الشوق والحب وفاض الإبداع الفنى أيضاً ، فعندما أتأمل ملامح بورتريهات بهجورى المصرية تلاحقنى ملامح .. ملامح مشاعر الحب الصادق ، واستمع إلى موسيقى صخب الحزن الصامت ، وأبحر فى فكر عميق متأمل.
- قال لى البهجورى ` الفن سحر الوجود ، ولابد أن يخاطبك فى كل لوحة هذا السحر ، ولابد للقارئ عندما يرى اللوحة أن يسأل هل هذه اللوحة تصل إلى قلبه ؟ فإذا كانت الإجابة نعم فهذا هو الصدق الفنى `.
- فمنذ قدم الفنان المهاجر كتاب ` أولاد حارتنا ` وهو عنوان اللوحات المقدمة فى مشروعه للتخرج من قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة عام 1955 - كان شغله الشاغل البحث فى جوهر النفس البشرية وكيفية التعبير عن الإنسان المصرى الذى يحبه بل يعشقه .
- ولأن أعماق النفس البشرية هى أهم ما يشغل البهجورى ، فقد اهتم برسم الكاريكاتير كما اهتم برسم اللوحة ، يقول الفنان :
- ` عندما يتمكن المتلقى من مطالعة ` النكتة ` ، والضحك من خلالها ، يصبح من السهل عليه فهم الرسم الفنى عند مشاهدته ، لأنه سبق أن التقى مع أعمال الفنان فى المجلة .. فالصحافة تقوم بدور الناقد الذى يقرب العمل الفنى للمتلقى ، وبينما يصل الرسم الصحفى لكل الناس فقد لا تصل لوحات المعرض لكل الناس` لقد نال البهجورى عدة جوائز عالمية فى فن الكاريكاتير ، وحصل على منحة التفرغ من الدولة هذا العام ، ويعيش الآن بين القاهرة وباريس ، ونأمل أن يستقر فناننا المهاجر فى وطنه الحبيب .
بقلم: ضحى أحمد منير
مجلة فاكرونى : يوليو 1990
البهجورى لـ ` الرأى العام ` : يشغلنى رأى رجل الشارع العادى وأعانى من الانطباعات القديمة عنى
- يميل إلى التعبير ويرى الأرض بأسرها وطنه
- تغلب على رسومه تقنيات الفن المصرى القديم، فى خطوطها، وألوانها،وزواياها، فهو كما يؤكد مصرى صميم يحمل وطنه معه أينما توجه ، إلا أنه وطن افتراضى، فالبهجورى يؤمن بأن الوطن بشر متى غابوا عنه استحالت الأرض إلى طلل، والانتماء إلى ذكرى وأصبح الفن هو الملاذ الوحيد . تقاطعاته كثيرة مع أكبر فنانى العالم وخصوصا بيكاسو والذى أعلن مراراً إعجابه الإنسانى والفنى به على السواء نافياً سعيه لتقليده . والبهجورى فنان تشكيلى اشتهر بالاتجاه التعبيرى والحشود فى لوحاته التقته ` الرأى العام ` وأجرت معه الحوار التالى :
- الخط الواحد ، تقنية تشكيلية اشتهرت بها ، فكيف نجحت فى مغالبة قلق واضطراب الفنان داخله حتى تبدأ أغلب رسومك من نقطة ولا ينتهى إلا عندها ؟
- القلق والاضطراب مكون رئيسى فى شخصية أى فنان ، ويزدادا وضوحا عندما يتعلق الأمر بإبداعه لأنه لا يرضى دائماً عن مستوى عمله ويريد له مزيدا من التجويد ، فنجده (الفنان) لا ينتهى إلى لون أو إلى خط حتى يمحوه ليتبعه بأحسن منه ، وشخصيا مررت بتلك المرحلة فى بداياتى ، إلا أننى نجحت أخيراً فى تجاوزها ، ودخلت أخرى جديدة وهى الخاصة بـ ` الخط الواحد ` وهذه الأخيرة معروفة عالميا وسبقنى إليها بعض مشاهير الفن التشكيلى كبيكاسو مثلاً ، وقد امتلكت بفضل هذه التقنية مزيدا من الثقة والاستقرار ، وباتت رسومى أقل صنعة وتنقيحا ، كما تكاثف إنتاجى الفنى وأصبحت اللوحة محطة عابرة فى مسيرتى لا أتوقف أمامها كثيراً بل أعبرها سريعا إلى غيرها وهذا لايعنى استخفافى بفنى ، على العكس أنا أمنحه جل جهدى وعاطفتى على السواء .
- على ذكر بيكاسو بم تفسر التقارب الكبير بين فنيكما ؟
- كل فنان مهما بلغت درجة جموحه الفنى وتجديده وثورته على الماضى يعيد إنتاج - لا إراديا - من سبقوه لأنهم على الرغم منه جزء من نسيجه الإبداعى تلقاهم لا شعوريا وإخراجهم كذلك أيضاً ، إلا أن درجة بروز كل سابق فى فن لاحقه تختلف بحسب إعجاب الثانى بالأول ، وعن نفسى طالما جاهزت بإعجابى بـ ` بيكاسو ` ولكنى لم أعمد طائعاً لتقليده كما ألمح اتهاما فى تساؤلك ، قد تكون بيننا مشتركات عديدة ولكنها ظاهرية ، كلانا فعلا تنقل بين أكثر من مدرسة فنية، مارس الكاريكاتور، وتبنى تقنية الخط الواحد ، ولكن ذلك لا يكفى لإعلان تشابهنا لأن جوهر فنينا مختلف، أدواتنا واحدة نعم ، وهى فى الوقت ذاته الادوات نسجها الاجيال تشكيلية متعاقبة مضت وستأتى ، وفى النهاية فإن أبناء المدرسة الفنية الواحدة أو المذهب التشكيلى نفسه إبداعهم ليس نسخا مكررة لبعضهم البعض بل كل مستقل بذاته ويحمل تلاقيات مع الآخرين، وما أسعى إليه بوعى وإدراك فعليين هو محاكاة بيكاسو على الصعيد الإنسانى لا الفنى ، فطالما تمنيت امتلاك إرادته وجرأته وثقته بتميزه ، وكلها عوامل دفعته لطرق أبواب تشكيلية نادرة وشائكة غير عابئ باستجابات وآراء المحيطين به ، والآن وبعد أكثر من عشرين عاما على وفاته ، أعلنت فرنسا اكتشاف عشرات اللوحات الجديدة له والتى لم يسبق عرضها نهائياً من قبل إذ إنها تحوى تقنيات وموضوعات فنية لم تكن مطروقة فى حياته ولم تجد صدى مناسبا لدى النقاد وصالات العرض فحجبت عن الأنظار طوال هذه المدة .
- على الرغم من تنقلك بين مدارس تشكيلية عدة ومزجك فى اللوحة الواحدة بين أكثر من اتجاه فنى فإن المدرسة ` التعبيرية ` هى الغالبة على أعمالك دائماً.. لماذا؟
- صحيح أن مؤرخى الفن فى العالم صنفوا المدرسة التعبيرية كمدرسة قائمة بذاتها ، ولكنى شخصيا أجدها شاملة لكل الاتجاهات والمذاهب التشكيلية المعروفة ، فمتى أتاح الاتجاه التشكيلى، للفنان التعبير عن نفسه ومجتمعه صار تعبيريا بغض النظر عن آلياته التنفيذية، إذن أنا كنت تعبيريا منذ اخترت الفن طريقا وإلى هذه اللحظة وأثناء نزعتى الواقعية فى بداياتى أو التأثيرية فيما بعد والتجريدية والسريالية أيضاً ، فجميعها تنويعات على المذهب التعبيرى .
- وأنا أميل فعلا للتفاصيل الواضحة وواقعية الأشخاص فى لوحاتى ، فإذا أخذنا بالتصنيفات التشكيلية الشائعة فإن هذا الميل لاشك يصب فى قالب التعبيرية وهو يرضينى جدا ويحقق لى التواصل مع المتلقى من جهة ومع العالم من جهة ثانية ، أكره أن تكون أعمالى أحادية الروح فهى وسيلتى للتأثر والتأثير فى أن ، أعبر من خلالها عن وجهة نظر أريد للمشاهد أن يتفحصها ويتفاعل معها فإن كانت مبهمة بعض الشئ سينصرف عنها متلقيها ، ولا أتحدث هنا عن الأكاديميين والنقاد ، بل عن المتذوق البسيط رجل الشارع العادى فهو الذى يشغلنى بالأساس .
- دعنى أتمادى فى منطلق التقسيمات التشكيلية الشهيرة وأسألك عن سر تحولك مما يعرف بمدرسة ` التعبيرية الساذجة ` والتى ظهرت فى مجموعتك ، أولاد الحارة مثلا ، إلى التعبيرية المتطورة أخيراً ؟
- كما سبق وأن أكدت لا أعمد لأى اتجاه تشكيلى وإنما هو يتكون وحده داخل لوحاتى وبلا وعى منى والتعبيرية الساذجة - كما أسميتها - طبعت رسوم مرحلتى الأولى بحكم ظروفى الفنية والإنسانية ، ساعتها حين كنت طالبا أو خريجا حديثا، جديد العهد بالعالم بسيط التجربة والألم ، ` أخضر` المشاعر لم ينل من قلبى هم أو ضغينة ، كنت وقتها مفتوحاً على الدنيا ملتحما بها فقط أتفاعل معها بكل الأشكال ` رسم ، سلوك وأقوال ` دون ترتيب أو تفكير كأنى طفل مندفع برئ ، وكان لابد لرسوم تلك المرحلة أيضاً أن تكون هى الأخرى بريئة ساذجة سهلة التكوين بلا تعقيدات ، وحينما عرجت على التعبيرية المتطورة بعد ذلك فإن النقلة جاءت وليدة ظروفى الإنسانية والفنية أيضا، حيث تحملت رسومى بكم خبرتى ونضجى وأصبحت ناضجة ومركبة بعض الشئ .
- نصف إنتاجك الفنى تقريبا ، فى السنوات الأخيرة أبدعته فى باريس وعلى الرغم من ذلك تحمل لوحاتك كلها سمات الفن المصرى من حيث ملامح أشخاصها وألوانها وخطوطها ، أين تأثيرات باريس فى فنك ؟
- أحمل مصر معى أينما أذهب فحين أرسم لا أخرج إبداعا خياليا - وإنما أعبر عن واقع أعايشه كل ثانية ، لأن أهلى وأصدقائى وأماكنى المفضلة فى مصر مستقرة معى فى باريس ، وبطبعى أنزع إلى الألوان الزاهية المتفاوتة بين الأحمر والبرتقالى والبنى أى ألوان الشمس، والنيل ، كما أحب التشكيلات الفرعونية جدا ، وعكفت على تحويرها وتحديثها مراراً من خلال لوحاتى.
- وما سر الحشود فى لوحاتك ؟
- الحياة حشد كبير ، يضم حشود تفصيلية فرعية، فى الشارع ، والأتوبيس ، القطار والريف ، المدينة ، واللوحة ما هى إلا حياة مصغرة تحمل سمات تلك الكبيرة خارجها .
- طالما أن مصر عزيزة هكذا فلما تغادرها لباريس فى شبه إقامة دائمة ؟
- باريس تتيح لى التواصل مع الفن العالمى، فيها أطالع أعمال كبار الفنانين وأراقب تحولات الحركة التشكيلية العالمية ، كما أن المناخ العام فى باريس مشجع على الإنتاج والإبداع عموما .
- ما مفهوم الوطن لديك ومتى تنتفى صفحة الوطن عن أرض ما - خصوصا وأنك صرحت أكثر من مرة بأن فرنسا ، مصر ، العراق ، والمغرب ، أوطانك ؟
- الفنان الحقيقى يود لو أن العالم بأسره وطنه ، لو يمتلك مرسما فى كل بقعة من بقاع المعمورة ، وفى ما يتعلق بفرنسا فهى وطن كل التشكيليين المعاصرين والقدامى ، أما المغرب ومنذ دشنت احتفاليتها الثقافية السنوية ` مهرجان أصيلة ` أضحت برا للمبدعين العرب كافة يرسون عليه فى كل عام ، والعراق كان وطنا وهو الأن مجرد ذكرى ، والوطن الفعلى بشر ومشاعر ، لا أرض وبنايات ، وعلى العكس المتخيل ، من المبهج أن يمتلك الفرد أكثر من وطن ، أحيانا ما يضيق الإنسان بناسه ومن ثم وطنه ، وجميل حينها أن يجد بديلا يفتح له أحضانه ، والأوطان قد تضيع من الإنسان، وهى ليست أبدية ، ساعتها يمضى الوطن وتظل ذكراه فقط ، حين فقدت أعزائى - وهى تجربة مؤلمة جداً - كأحمد بهاء الدين، صلاح عبد الصبور وإحسان عبد القدوس، كان من الممكن أن تصبح مصر مجرد ذكرى وأطلال خالية من الروح ، لولا وجود أعزاء آخرين أبقوا على معنى الوطن داخلياً، والإنسان الذكى من يجيد ممارسة فن الاستعاضة، وأن يجعل من الأجيال اللاحقة امتدادا لسابقيها ساغتها تبقى للوطن جاذبية ووهجة .
- مارست العديد من الأجناس التشكيلية : ` لوحة ، نحت وكاريكاتير ` إلا أن ذلك الأخير ظل لصيقا بك حتى صنفت كفنان كاريكاتير، هل يؤلمك هذا التوصيف؟
- الكاريكاتير له مكانة مميزة فى وجدانى وكذلك مسيرتى ، وهو فن صعب ويشى بتميز ممارسه غالبا ، إلا أن حبسى فى قالب فنان الكاريكاتير ، يبخسنى حقى كثيرا وكأن هناك مؤامرة على محو تاريخى الفنى بعد ` مرحلة ` الكاريكاتير أو كأننى تقاعدت بعدها مثلا وتوقفت عن الإبداع ، ويحزننى أن يتذكر الجمهور إبداعى منذ 30 عاما ويغضون الطرف عن حديث إنتاجى ، والخلل فى أن الجمهور دائماًما يحافظ على انطباعه الأول ولا يغيره حتى وإن تنوعت أدوات واتجاهات الفنان فى مرحلة لاحقة ، وهى مشكلة تواجه أغلب المبدعين حتى إن المخرجين العالمين فللينى وأسكولا عرفا بين جمهورهما كفنانى كاريكاتير على الرغم من إنتاجهما السينمائى المتميز .
- ولكن كيف مهد الكاريكاتير لاكتشاف مواطن خفية فى شخصيتك الإبداعية كالكتابة مثلاً ؟ خصوصا وأن أحدث إبداعك كتاب حول فن الكاريكاتير ؟
- رحلتى مع الكتابة سابقة على إصدار كتابى الأخير ، بدأت منذ قررت الانتقال إلى باريس، وعانيت من الوحدة وافتقدت أصدقائى المصريين، فعكفت على محادثة الورق أبثه كل مشاعرى ، الفرحة والحزينة ، واكتشفت أن لدى قدرة على الكتابة على الرغم من صعوبات ممارستها حيث تجبرنى على طرق أدوات جديدة لم ألجأ لها أبدا ، وقد بات الأمر أكثر سهولة شيئاً فشيئا ، حيث وجدت أن الإبداع واحد وإن اختلفت وسائل التعبير عنه بين الموسيقى والتشكيل والكتابة والحركة.

جريدة الرأى العام : 9-2-2005
` مدد 00 مدد ` رؤية شاعرية لشهر الصيام
- صلاة ودعاء
- ..والفنان الكبير جورج البهجورى له مكانته وخبرته وتجربته الثرية نراه حين أمسك فرشاته وغمسها فى ألوانه لم يغمسها فى ألوان الظاهر ومظاهره بل غمسها فيما وراء المظهر .. مثلما كانت تجريداته مبسطة .. ولنراه وقد اهتم بمفردات الاحتفالية الرمضانية الشعبية فرسم مشاهد لصلاة الجماعة والتراويح .. ورسم مشاهد التضرع إلى الله عز وجل بالدعاء .. ورسم مؤذن صلاة المغرب فوق مئذنة .. كما رسم موائد الرحمن بروادها فى أحضان المساجد . وأرى أن البهجورى أخلص فى لوحاته الرؤية وأخلص التعبير عما رأى فى مشاهد تفيد الاستمرارية فقد جعل كادرات لوحاته مفتوحة من الجهات الأربع كاستمرارية للمشهد ولآخرين لم تلتقطهم فرشاته لكنهم موجودون خارج الكادر يمارسون شعائرهم الدينية والظاهر منهم فى اللوحة هو رمز لهذه الشعائر لذلك فغير المرئيين فى اللوحة هم موجودون ضمنياً داخل الكادر واللوحة ، لأن المعنى الذى يسود شخوص اللوحة أيضاً يسودهم والحالة التى تسيطر على شخوصها المرئيين تسيطر أيضا على غير المرئيين لنا ..
- فكان قطع الكادر هو استمرار لامتداده مثلما كانت مباشرة المشهد فى مشاهدة الصلاة لها امتداد زمنى داخل اللوحة مثلما هو خارجها لأن للصلاة زمنا ممتدا وليست مجرد لقطة أدائية فى لحظة للتسجيل وتنتهى بل هى شعائر ممتدة عبر زمنه الخاص ثم هى ممتدة عبر اليوم ثم عبر الايام والعمر كله بين القيام والركوع والسجود فهى لوحة تخفى وراءها روحانية ومعنى والامتداد داخل الانسان والمكان والروح معانى أكثر عمقاً من أنها أداء حركى رسمه الفنان .
- كذلك فى لوحاتة التضرع بالدعاء لله عز وجل نرى الفنان وقد ركز على العيون المتوسلة والأكف المرفوعة فى تداخل بينهما .. فى لوحات هى مجرد أوجه وأكف لكن الحالة الوجدانية المتوسلة لم تجعلها مجرد لوحة لاوجه وأكف بل هناك حالة من تداخل اللون والشخوص كأنهم سابحون فى تداخل تضرعى أملاً فى إجابة الدعاء.
- وحين رسم الفنان الكبير البهجورى مشهد موائد الرحمن جعل فى اللوحة أكثر من مستوى ففى المقدمة مشهد للموائد ثم فى الخلفية جدران عالية لمسجد تعلوه مئذنة أمام سماء يتوسطها هلال فضى والمشهد كله فى حضن لفظ الجلالة ` الله ` أعلى اللوحة..
- وفى لوحة أخرى استخدم الفنان ايضا عدة مستويات ففى المقدمة رسم مشهدا لحامل الخبز فوق دراجته يحملها إلى حيث موائد الرحمن بجانبه ثم المستوى الثانى مشهد لصفين من الموائد ثم مستوى ثان لمصلين يؤدون صلاة المغرب قبل تناول الأفطار ثم مستوى أخير لجدران مسجد يرتكن إليه المصلون والموائد .. وفى هاتين اللوحتين لموائد الرحمن جعلها مرتبطة تماما بالمسجد .. مقامة أمام المسجد كاستمرار لمعنى التضامن والتكافل الذى أمرنا به ديننا ولم يجعلها الفنان موائد داخل خيام فى معزل عن الجامع بل جعل العمق الروحى لمعنى إقامة مأدبة للصائمين مرتكناً فى رمزية جميلة روحية فى ارتباطها بالمسجد .. فكانت لوحاته تكشف ماوراءه المشهد أو ترسم ماوراءه دون أن تقدم فى صورة تقريرية مباشرة فى ذاتها لمظهر أدائى بل عبر عن مغزاها الدينى وقيمتها الأعمق .
بقلم : فاطمة على
مجلة أخبار النجوم 13-11-2004
` أولجا ` بيكاسو 00 و ` بنات بحرى ` 00 وزهور عباد الشمس لفان جوخ !
- ظل بيكاسو طوال حياته يقلب العالم رأسا على عقب .. يزوده بعينين جديدتين .. فكان يثور على المسطح التصويرى فتنساب الخطوط والألوان وتخرج مرحلة جديدة من أخرى ذاعت واستقرت فى الأذهان بدءا من المرحلة الزرقاء والوردية .. إلى استلهام النحت الأفريقى والأسبانى القديم ومرحلة الصورة المزدوجة وإعادة الصور الكلاسيكسة .
- والفنان البهجورى والذى يعد الفرع المصرى من شجرة بيكاسو (فهو يرسم بطريقته ولكن بأسلوبه الخاص) تتنوع مراحله الفنية بدءا من تلك الوجوه التى صورها فى الستينات من القرن الماضى والتى تحمل نظرات بعيون مفتوحة تتشابه مع وجوه الفيوم بنظرتها الكونية الغارقة فى الدهشة .. إلى مراحله التى تنوعت بعد سفره لباريس .. وقد مزج فيها الخيامية بالتصوير وقصاقيص القماش بالألوان والخطوط مع الاختزال والتلخيص .. فنطالع أحيانا وجوها تتحرك عيونها من مكانها وأحيانا بلا عيون أو بعين واحدة .. فى عالم مسكون بحركة الحياة فى الشارع المصرى .
- رسم على رسم
- فى قاعة مشربية بشامبليون جاء معرض بهجورى `رسم على رسم` والمقام حاليا .. مغامرة جديدة فى الشكل والمعنى .. فهو يستمد قوته التعبيرية من تأمل بعض لوحات كبار الفنانين العالميين والمصريين .. وإعادة تشكيلها بنظرة جديدة .. بمعنى آخر الدخول إليها والخروج منها إلى آفاق تجعلنا نتحاور معها .. ونتساءل .. ما الذى يريد أن يقوله لنا بهجورى ؟!
- وهو يقول : هل أستطيع أن أقترب من آلهة فن الرسم .. فيصبح رسمى هو ` رسم على رسم ` كما فى الأدب ` نص على نص ` تبعتهم فى كل مكان .. سافرت عواصمهم وزرت مواقع ولادتهم وأماكن استلهامهم دخلت مراسمهم التى تحولت إلى متاحف ، كما عند ` ديلاكروا` و` مونية ` .. أما متحف اللوفر فى باريس فكان صلاتى صباح أيام الآحاد من كل أسبوع .
- لقد أعاد بهجورى تصوير `موناليزا` دافنشى .. و` أولجا` أولى زوجات بيكاسو .. وبنات بحرى لمحمود سعيد .. ولوحة لاعبا الورق لسيزان .. وزهرة عباد الشمس لفان جوخ وحجرته فى آرل وصورته الشخصية بالضمادات بعد قطع أذنه .. كما صور لوحة العازف للرائد أحمد صبرى التى شخص فيها تلميذه بيكار وهو يعزف على العود .. وأعاد تصوير بيكار أيضا من إحدى صوره الشخصية وجاءت لوحته بنات من تاهيتى لجوجان مع لوحة المجنون الأخضر لعبد الهادى الجزار وذات الرداء الأخضر للفنان حسن سليمان بالإضافة إلى تصويره لصديق عمره الفنان مصطفى أحمد من صوره له بمتحف الفن الحديث وغيرها من أعمال.
- الموناليزا تتحرك .
وجورج هنا فى هذه اللوحات يعيد تشكيل الأصل فى حرية وبساطة وتلقائية حيث يستدعى بثقافته المتسعة وقدرته التعبيرية هذا التاريخ التشكيلى أو هذا النسق المعمارى للوجه .. ويبدأ فى الهدم وإعادة البناء .. يضيف ويختزل ويبسط ويحلل .. ويتحرر من النظرة المسبقة .. فيطل وجه الموناليزا وقد تخلصت من هذا الوضع الكلاسيكى للجلسة الوقورة .. وتباعدت يداها الحانيتان المتشابكتان .. يد على الرأس وأخرى تحت الخد الأيسر .. وأيادى كثيرة تتلاقى وتتقابل !!
- ومثلما تحركت الموناليزا ذات الابتسامة الغامضة الشهيرة .. تحركت أولجا .. أول زوجات بيكاسو .. بطلة باليه ` باراد ` الذى أعده الشاعر جان كركتو ووضع موسيقاه `سايتية` وقام بيكاسو برسمه للستارة والمشاهد الداخلية بأسلوب مرح جذاب. - فى لوحته تلك صورها بيكاسو بالمروحة فى جلسة أنيقة غارقة فى الحلم بملامحها الدقيقة البريئة فى رداء أسود شفاف بلون شعرها ..
- أما جورج فقد تحلل من الجلسة وبالغ فى استطالة الرقبة بمروحتين وخمسة أذرع وشعر مصبوغ بالأحمر الدافئ .. مع الاحتفاظ بنفس النظرة .. وقد أخرجها من الحلم إلى حالة شبه سيريالية .. حلة تتجاوز الواقع . كما صور جورج بيكاسو من لوحة تعكس بداية تألقه وقد بالغ فى تضخيم يده اليمنى التى تقبض على الفرشاة تأكيداعلى قوة ومكمن عبقريته .
- وأعاد جورج لوحة ` القارئة ` لفان جوخ والتى تأثر فيها بالفن اليابانى وكان يرسم زوجى الأحذية بشعور ورقة حتى ليبدوا وكأنهما زوج من الصديقين العزيزين .. تلك بعض ملامح صغيرة من كثير أعيد تشكيله .. ولا شك أن بهجورى فى معرضه الحالى والذى جاء رسما على رسم قد قدم مغامرة جديدة .. توحدت فيها روحه الشاعرة .. مع تلك الآيات من الابداع الإنسانى .. تمثل فى النهاية إضافة تعبيرية وتشكيلية للإبداع المصرى الحديث .. فقد غير الزمان والمكان .. والمناخ والإيقاع وطقس الأشياء فى كل لوحة .. كما غير الظلال والأضواء والافاق .
بقلم : صلاح بيصار
مجلة المصور 3 مارس 2006
جورج بهجورى يرسم الثورة المصرية بالضوء واللون ودفء الحياة
- افتتح معرضه فى القاهرة سفراء وفنانون وعدد من عشاق الفن.
- بمناسبة الذكرى الأولى لثورة ` 25 يناير ` شهد غاليرى المسار للفن المعاصر بحى الزمالك بالقاهرة مساء الأحد الماضى افتتاح معرض جديد للفنان جورج بهجورى تحت عنوان ` المسار الحقيقى .. بهجورى عن الثورة ` كأول معارض الغاليرى لعام 2012. - يضم المعرض مجموعة جديدة من إبداعات البهجورى فى التصوير الزيتى ، يصور فيها مشاعره وانفعالاته بالثورة المصرية ، وفى سياق رؤيته للحياة المصرية التى يحرص دائما على مواكبة أفراحها وأتراحها ، ومعايشتها فى لوحاته .
- شارك فى افتتاح المعرض سفير إنجلترا فى القاهرة وحرمه ، وسفير المجموعة الأوروبية وحرمه ، والكثير من الجاليات الأجنبية ، ومقننو ومحبو الفن التشكيلى ، إلى جانب حشد من فنانى الكاريكاتير والصحفيين والنقاد والفنانين التشكيليين.
- تعرض اللوحات لقطات من الثورة المصرية السلمية ورمزها ميدان التحرير ومن ضمنها الأحداث التى جرت فى 9 فبراير` شباط ` 2011 والتى يشار إليها إعلاميا بـ` موقعة الجمل ` حيث قامت مجموعة على خيل وجمال من المنطقة السياحية المحيطة بالجيزة بمهاجمة ثوار التحرير بالعنف لإجبارهم على الانسحاب .
- وسلط الفنان الضوء فى لوحات أخرى على حياة وشخصية المصرى بكل زخمها وجمال ودفء الحياة الاجتماعية المصرية ويعبر عن مشاعره تجاه بلده وأهلها .
- وفى لوحات أخرى مزج بين تقنيات التصوير والكولاج لإبراز حيوية المشاهد اليومية المألوفة فى شوارع القاهرة . وتطل فى بعض اللوحات مصادر أخرى للإلهام مثل سحر وجمال الموسيقى المصرية وحبه لأغانى المطربة المصرية الأسطورية أم كلثوم .
- يفاجئ بهجورى فى معرضه عشاق فن البورتريه بعدد من المتميزة فى هذا النوع تحديدا ، والذى يعتبر من رواده والمصنف فيه رقم 1 فى كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، حيث يضم المعرض وإيطاليا وإسبانيا ، حيث يضم المعرض لوحات بورتريه لشخصيات مصرية بارزة يرسم فيها ملامحهم الشخصية بمبالغات كاريكاتيرية شيقة. وسوف ينتهى المعرض فى 15 فبراير المقبل.
بقلم : داليا عاصم
جريدة الشرق الأوسط : 3-2-2012
أيقونة جورج البهجورى1-2
- طول عمرى أنظر إلى رسومات الفنان الكبير جورج البهجورى وأتوقف حائرا ، لقد تعودنا على الكاريكاتير مثلا واضحا يشكل الرسم فيه مع التعليق رأيا صريحا بالتناقض حينا وبالتأكيد حينا آخر، وكما تجذبنى قوة الخطوط يجذبنى التعليق الذى يستكمل الصورة فيكون مثلها فى سخريتة ويضحكنا حيث يجب البكاء ويلخص لنا الرأى دون إطالة وإسهاب وفى ذلك برع معظم فنانى مصر من كل الأجيال وصاروا علامات فى الصحافة .
- وتجاوز الكاريكاتير مجرد البسمة التى تهون على القارئ ما يقرأه فى الصحيفة من موضوعات ثقيلة ، طول عمرى أشعر أمام جورج البهجورى أنه لايمارس الكاريكاتير بهذا المعنى فقط لكنه لا يغلق الطريق أمام نفسه كفنان تشكيلى بالأساس لذلك لا يكتفى أبدا بالخطوط القوية لكنه يتنقل بين المدارس الفنية بروح مصرية ، خطوطه السوداء القوية اختيار تشكيلى والمساحات التى يشغلها الظل والنور اختيار تشكيلى وتعدد الوجوه أو الايدى أو غيرها اختيار تشكيلى وتنويعات على التكعيبية أحيانا أو بروح جورج الذى لا يشكل الكاريكاتير كما تعودنا مجرد خطوط وأشكال فيها مبالغة ما ، ولكن لوحات فنية حقيقية لا يختلف فيها جورج وهو يرسم لوحة عنه وهو يقدم الكاريكاتير، جورج وهو يرسم أو يصور شخصية يجسد أفكارها فى تعدد الوجوه واختلاطها للشخصية الواحدة أو تعدد الاذرع والعيون أو ما تشاء ليعبر ذلك كله عن حالة الشخصية الذهنية والروحية التى تتجسد فى الحركة أو الظلال وكذلك وهو يرسم الجماعات والأماكن والناس .
- قابلت جورج البهجورى أول مرة من سنوات وجلست مبهورا أمامه هو الفنان الكبير الذى كان سعيدا ايضا بلقائى وأهدانى روايته الأولى على استحياء يمشى معه فهو شأن كل الفنانين الكبار لهم روح الاطفال الذين يرون العالم أبسط مما يصرخ به السياسيون لأنهم فى النهاية يسيطرون عليه فى أعمالهم التى بقدر ما يكون وراءها ألم تخلف فى صاحبها المتعة وهو يتخيل أنه بعد الانتهاء من عمله الفنى صار العالم أجمل بينما الجميل هو اللوحة أو الكتاب الأدبى ، تباعدت اللقاءات وكانت دائما عشوائية خاصة أن جورج موزع بين مصر وباريس وأحيانا المغرب التى قابلته فيها مرة فى بلده اصيلا التى صارت مزارا لفنانين وأدباء من كل الدنيا . وقابلته أخيرا فى الاحتفال الجميل الذى أقامته ` روز اليوسف ` للكاتب الكبير الراحل إحسان عبد القدوس وأسعدنى الحظ أن أقابله بعد ذلك بأيام فى مقهى ريش صباح الجمعة الماضية حيث يجتمع دائما عدد من الكتاب والفنانين والصحفيين والمثقفين على إفطار شعبى مصرى يحرص عليه منذ سنوات الصديق مجدى وأخوه الأصغر ميشيل صاحبا المقهى الذى هو على طول تاريخها المكان للمثقفين والفنانين الأثير فى مصر والذى هو تاريخ وحده .
- انتهينا من الإفطار وذهبنا مع بعض الأصدقاء إلى مرسم جورج القريب فى منطقة معروف وكانت هذه أول مرة أذهب معه إلى هناك وكما توقعت دخلنا إلى الزقاق الذى به المرسم مع تحايا جورج للجيران وبسماتهم وسعادتهم به وتعليقاتهم الجميلة التى انعكست علينا جلسنا أكثر من ساعة نتحدث ورأيت اللوحة الفاتنة التى يعكف جورج عليها منذ أكثر من عام عن ملوك مصر والتى على وشك الانتهاء وأهدانى جورج كتابين لم أنتبه لصدورهما من قبل الأول بعنوان ` أيقونة شعب ` ويضم عددا مختارا بعناية من رسوماته لشخصيات صنعت حياته أو صنع معها الحياة أو حاول أن يصنع معها حياة أجمل للوطن والكتاب الثانى هو ` أيقونة باريس ` الذى سأتحدث عنه فى المقال القادم .
- ظللت ليومين أتصفح وأتأمل أيقونة شعب الذى تحتل صفحاته الأولى مقدمة رائعة ودقيقة للدكتور ثروت عكاشة ثم مقدمة بقلم جورج نفسه عن ذكرياته الفنية ورسوه على الرسم بالابرة والحبر الاسود ويشرح هذا الولع بالريشة والحبر الاسود فيقول : ` تسقط نقطة الحبر الأسود على الورقة البيضاء تحدث دويا وانفجارا ثم تشققات وسط تضاريس كأنها سطح الكرة الأرضية .. تتخربش الريشة فى كل اتجاه حول الحبر الاسود وتصبح لها منعطفات جغرافية . تدب الحياة رويدا رويدا حولها، صوت الانفجار ممتع لانه داخل المبدع الذى يحاول أن يعطى أكثر ما يستطيع مستفيدا بخبرته القديمة وسنوات التحصيل فى الفنون الجميلة وكلمة الحسين فوزى رائد الحفر
` العب يابنى بالحبر الاسود العب يابنى بالقلم ` وكثير جميل رائع وفاتن قاله جورج فى المقدمة التى اسلمتنى إلى رسومه التى وقفت أمامها حائرا مستمتعا بالحيرة وفى كل لوحة أرى تجسيدا للحركة أو الفكر أو العلاقة بين من يرسمهم جماعة.
- بدأ الكتاب الكبير الرائع برسوم العائلة التى تحقق فيها ما أشعر به دائما فيزداد عدد الأيادى فى لوحة العمة والابن القادم من الخارج فتنقل إليك الود الذى لا تكف اليد عن الحركة به فرحة بالقادم الغائب وجلسات العائلة بعد الظهر التى تتجاوز فيها السيقان ويكاد يختفى بعضها حميمية تشكيلية من نوع آخر أو وجه الأخت إيفيلين وهى تتذكر طفولتها وتحلم بمستقبلها كعروس وام حيث نرى الوجه الطفولى وجواره العروس الحامل التى تفكر فيها.
- ومن أجمل اللوحات جودة والد الزوجة وهو يريح رأسه داخل كتفيه ويدفئ قلبه بكوب من الشاى الساخن يفصل جورج بين النصف العلوى للجسد ويبدو الوجه شديد التأمل والذراع وحدها بعيدة تحمل كوب الشاى وكأن مايدفئ القلب لايصل إلى العقل.
- ونمضى مع لوحات البهجورى التى يزداد فيها الأسود مع التأمل والآلم أو حضور الشخصية الكبير والأبيض مع البهجة والود فى القاهرة ونواديها وطرقاتها وباعتها ومثقفيها ومقاهيها وأحداثها الكبرى مثل حريق القاهرة قبل الثورة وحريق قطار الصعيد بعد الثورة والباعة الجائلين والبوابين والكناسين والمكوجية والميكانيكية وصبيانهم يالها من لوحة تلمع فيها عيون الميكانيكية الصبيان وهم يجتمعون فى انتظار الغداء والاطباق فارغة شديدة البياض بين وجوههم السمراء التى تتحد فيها نظراتهم جميعا بالانتظار، وباعة الخبز والسيارة المحطمة والقطة الصغيرة جدا شاهدة الحادث التى تكاد تدخل فى بعضها والأفران وعمال البناء وماسحى الأحذية واعتصام الطلاب فى ميدان التحرير حول الكعكة الحجرية ومشجعى الكرة فى المدرجات وحرب 1967 التى تبعثرت فيها الوجوه بلا سلاح وحرب 1973 التى تقاربت فيها الوجوه مع السلاح والرقص والراقصات فى شارع الهرم وشم النسيم وعازفة الكمان التى يكاد جسدها يتشكل مثل الكمان والجرنة والأقصر وشاطئ النيل فى أسيوط .
- وهكذا حتى وكأنه الساحر الذى أمسك بروح البلاد فى أحزانها وأفراحها ثم ينتهى الكتاب ببورتريهات لمثقفين وكتاب وفنانين صنعوا ويصنعون هذا الوطن وجنازة أم كلثوم وخطوط البشر تحيط بجسدها الحى من كل ناحية وهى نائمة لاتتوقف عن الغناء وينتهى الكتاب الكبير الرائع الذى هو أيقونة للشعب حقا بلوحة فوتوغرافية للبهجورى جالسا على رصيف قريته بهجورة فى جلباب أبيض وفى يديه قطعة يمصها من القصب وفى الخلف فراغ رمادى يلتحم بالأفق وأعلى رأسه لوحة المحطة عليها اسم البلدة ` بهجورة ` هل تعرفونها ؟ . أن أسمها يتردد كثيرا هذه الأيام لكن فى محنة لا يستحقها الوطن الذى عشقه جورج البهجورى .
بقلم : إبراهيم عبد المجيد
جريدة روز اليوسف :27-1-2010
أيقونة جورج البهجورى (2 - 2)
- هذه أيقونة ثالثة أبدعتها أيقونة البهجورى التى يحملها فى كفه بما للأيقونة من قداسة وطاقة روحية تبعثها فى الناظر إليها فما بالك بالذى يحملها فى يده منذ أن اشتعلت فيه جذوة الفن ولعلها أيضا قبل ذلك . من قبل أصدر الفنان الكبير روايته الاولى ` أيقونة فلتس ` - حبيب الله - وكتبت عنها فى حينها كما أشرت فى المقال السابق إلى كتابيه الأخيرين ` أيقونة شعب ` الذى جمع فيه شيئا من رسومه عن الأمة المصرية وهذه المرة أتحدث عن كتابه المتفرد ` أيقونة باريس`
- وفرادة هذا الكتاب تأتى ليس من كونه سيرة عن حياته الباريسية فقط فما أكثر كتب السيرة ولكن تأتى من كون هذه السيرة تمسك بروح الفنان الذى يريد أن يمسك بروح العالم كما رآه حوله من تراث فنى عظيم لفنانى فرنسا وأوروبا ومن إبداعهم المعاصر وتريد أن تمسك بالمكان والبشر والأشياء وتجسدها كأنها صور أو أيقونات.
- الحديث عن أى كتاب سيرة يعنى عادة بقصة كفاح صاحبها والدروس المستفادة من هذا الكفاح وهذا كله يمكن قوله واستخراجه من هذا الكتاب فلم تكن الحياة الباريسية سهلة أبدا لهذا الفنان الكبير خاصة فى بدايتها لكن ما أخذنى فى هذا الكتاب هو هذه اللغة التى كتبه بها جورج وهى لغة ليست غريبة عليه هو الفنان التتشكيلى فلقد سبق وكتب بها روايته لكنها هنا تصل إلى أعلى مراحلها المشهدية لأنه هو الذى يكتب وليس مضطرا أن ينحنى أمام لغة الشخصيات وحالاتها . هو يكتب سيرة وتكتشف أنه يرسمها ومن هنا جاء العنوان الذى يحبه جورج `أيقونة` وتراه مرة على رواية ومرة على كتاب يضم لوحات ومرة على سيرة وهو لايدعى هذا الحب فعلى طول قراءتى للكتاب أشعر وأدرك أننى أرى أكثر مما أقرأ ومن ثم تتحرك مشاعرى بالقدر الذى يتحرك فيه عقلى وغالبا أكثر والمدهش أن البهجورى لم يبدأ أبدا قانطا ولا مستاًء من أى صعوبات أو بشر بل يجعلنا نشعر كأنه أمر عادى يعرفه مسبقا .
- فى هذا الكتاب باريس والحياة الفرنسية والرجال والنساء والفنانون وغير الفنانين والاصدقاء والمأكل والمشرب والمكان الذى يتحرك بهؤلاء جميعا ونتحرك معه بدءا من الغرف الصغيرة إلى الباحات والميادين ومحطات المترو ونهر السين واللوفر وغيره من متاحف باريس العظيمة . ولأنه سبق لى أن زرت باريس مرات كثيرة كنت أشعر بالفتنة وهو يعيد تجسيد الأماكن التى رأيتها وأحببتها مثل السان ميشيل والحى اللاتينى ومونمارتر واللوفر وجسور باريس والكتب واللوحات على نهر السين والحدائق والمسلة المصرية والبشر من البرجوازية الأنيقة حتى الكلوشار أوالعاطلين وغير ذى المأوى والعازفين على محطات المترو وهكذا وهكذا وبين هذا كله فنان مصرى لا يملك من الدنيا غير موهبته وأيقونة الفن فى يده يروى لنا كيف نجح فى عرض أولى لوحاته وكيف حصل على أول مبلغ ثمنا للوحة وأول مرسم عاش فيه وأول شقة وأول من أعجب بلوحاته وكيف كان أخوه فى كندا يرسل له المال القليل ليستطيع الاستمرار فى غربته بلا يأس وكل ذلك وأكثر كما قلت بحالة صفاء روحى نادر كصفاء الأيقونات الروحى ولقد رحت وأنا أقرأ أثنى أطراف الصفحات التى أخذتنى بشدة فيها القدرة المشهدية عند جورج وهو يجسد فى اللغة العربية المكان والزمان والبشر ذلك أنى لم أشأ أعلم بقلمى على صفحات بهذا النور وما انتهيت من الكتاب إلا ووجدت أننى تقريبا ثنيت أطراف جميع الصفحات وتأكد لى أننى لم أكن أقرأ ولكن أرى انظر` تلمع الأرض تحت المطر ويتحول الأسفلت إلى مرايا تعكس أضواء فوانيس السيارات المسرعة إلا أن العاطفة تشتعل مع المطر وكأنها نار دافئة فتزيد الرغبة إلى طبق ساخن وجسد دافئ ` انظر`ما أمتع الحياة دون مفتاح . إنه لايحتاج بالفعل إلى مفتاح لإغلاق المكان الذى يعيش فيه فهو يفتح عينيه طوال حياته ، يرى كل شئ ، خلف البشرة ، تحت الجلد ، داخل العظام ، يرى القلب ينبض خلف القفص الصدرى ، وعندما ينام ترى عيناه المغمضتان صورا ووجوها ولوحات .لايمتلك أى شئ يخاف عليه سوى أيقونته ، ينام قرير العين لأن كنزه فى يده ، لا يمكن لأحد أن يسرقه منه ، لا مفتاح فى يده ولا ثقب فى باب مرسمه .
- من يراه يدخل ومن لايراه يدخل أيضا . يغط فى نومه مستمتعا بأزيز الباب الذى تلعب به الريح كيفما شاءت ` انظر` على كورنيش السين تجرى السيارات عائدة بأصحابها بعد العمل حتى تهدأ ولا يبقى فوق السور سوى كلوشار صعلوك ، مثقف أحيانا ، فيلسوف ربما ، وموسيقار أيضا يعزف بفمه فى صفارة نحاسية ، يعثر فى أشلاء حقيبة يده على قطعة خبز تشبه الساندوتش ، يشرب بواقى زجاجات الكحول التى كانت معه ، يرفعها إلى جوفه فتكركع فيفرح ويهلل إلى أن يسقط بجسده على أرض الرصيف بمحاذاة النهر ثم يخرج من أطراف ملابسه سرسوب مائى ضعيف . يسير بحسب تضاريس الرصيف، يتجمع فى المناطق المنخفضة . فيطمئن الكلوشار العجوز السكير وينام ` انظر` أيضا وهو يصف أحد المثقفين ،`مثقف أخر ذو عوينات غليظة ، رأسه مستطيل .له اطار من الشعر الغزير الأنيق ، يتحدث كثيرا ويضحك أكثر وحديثه يدل على معرفة فياضة مكدسة عندما تتفرط لاتعود ` .
- الكتاب كله مثال على اللغة المشهدية وفى الكتاب للعقل قضايا كثيرة يناقشها على رأسها الفن بين الشرق والغرب الذى يلخصه فى المنبع الإلهى المقدس لاستلهامات الفراعنة ورسومهم وفى الحياة اليومية التى ينهل منها رسامو الغرب أومن قصص التوراه دون هذا النبع الكونى الذى يمتزج فيه الانسان بروح الآلهة القديمة فى الشرق . وعشرات القضايا الأخرى التى يحفل بها الكتاب إلا أننى أحببت أن أتوقف عند هذه اللغة التى تقرأ العالم كلوحات فريدة تحرك كل المشاعر من الضحك إلى الأسى .
بقلم: إبراهيم عبد المجيد
جريدة روز اليوسف 3-2-2010
` أحلام الماضى`00 فى معرض بهجورى
- أقيم بجاليرى المسار المعرض السنوى الخاص للفنان الكبير جورج بهجورى والذى يحمل عنوان ` أحلام الماضى` ويقدم فيه باقة من أحدث إبداعاته التى استوحاها من ذكرياته وانطباعه عن الحاضر ويغمر أعماله التفاؤل الذى اشتهر به وحبه للوطن وسحره وشخصياته البسيطة أو المتواضعة ورموزه الوطنية .
- يقول الفنان جورج بهجورى عن هذا المعرض: ` أجلس على أرصفة المقاهى بوسط المدينة بالقاهرة لأرسم الحياة كما أرسم هذه المرحلة البائسة أحيانا والمتفائلة بوطن جديد . أرسم رب العائلة الذى يمر أمامى وخلفه زوجته وأطفاله ، وأرسم البائع والعامل ، وتعبيرات وجه لاعبى الدومينو والكوتشينة بالمقهى ، كما أرسم مأساة المرحلة الصعبة التى يمر بها الوطن والمواطن الذى بالرغم من ذلك لم يفقد ابتسامته .`
- أن الطاقة المفعمة بالعاطفة، لذاكرة وطن ولعبد الناصر الذى كنت أرسمه على غلاف مجلة روز اليوسف وأنا فى العشرين من العمر، فقد كان عملاقا مبشرا بمستقبل زاهر لبلدنا . ومرت الأحداث وعانت مصر سنوات طويلة بعده وأنا كرسام ومواطن لا أنساه ولذلك أقوم بعرض بورترية لناصر بهذا المعرض ، وأقدم أيضا بورتريه لبطل جديد وهو عبد الفتاح السيسى . ويبقى بائع الخبز هو رمز الذاكرة الشعبية لدى ، ذاكرة تقرأها فى خطوطى كمرآة للعصر.
- وقد درس جورج البهجورى الفن فى كلية الفنون الجميلة فى الزمالك بالقاهرة عام 1955 وفى أكاديمية الفنون الجميلة فى باريس عام 1970، كانت إقامته فى باريس لمدة 30عاما لها تأثير فى صقل موهبته فى الرسم والنحت وفن العرائس وكذلك كتابة الروايات والسينما والنقد . بناًء على دعوة خاصة من جمعية محبى الفنون الجميلة فى باريس، تم اختيار أعماله لتمثيل الجناح المصرى فى متحف اللوفر فى عام 1999 لتمثيل الجناح المصرى بدعوة خاصة من جمعية محبى الفنون الجميلة بباريس ونالت لوحته `وجه من مصر` الميدالية الفضية ووضع اسمه فى قائمة كبار المشاهير مع جان كوكتو وازنافور ودى بيفيه ، كما عرضت منحوتاته الخشبية والبورنزية التى تأثر فيها بأعمال بابلو بيكاسو فى فرنسا وكندا كما قدم عملين من الجرانيت فى سبموزيوم أسوان ، وأثارت رسومه على الحجر اهتمام جمهور الفن الفرنسى فى ليموج بعد أن اختاره الحفار آلان جرسوه ليحفر فن الليتوجراف، أما الكاريكاتير فقد بدأت رسومه الأولى فى روز اليوسف وصباح الخير فى عصرها الذهبى متأثرا بحجازى وصلاح جاهين ورجائى واللباد كما أصبح المصنف رقم `1` فى العالم من إيطاليا وفرنسا وأسبانيا فى مسابقات البورتريه، ومع أنه بدأ رسالة الدكتوراه فى السوربون لكنها لم تكتمل لأنها تأملات مستمرة أثناء الإبداع حول الخط المصرى فى أعمال بيكاسو، ثم اتجه إلى الرواية ` ثلاثية الأيقونة ` وباركها ثلاثة من كبار النقاد هم د. على الراعى واداورد الخراط ود. صلاح فضل ، ويوجد متحف لأعماله فى الأردن وآخر فى الشونة بالاسكندرية .
بقلم : نجوى العشرى
جريدة القاهرة 18-3-2014
البهجورى... ووجوه الفيوم
- عندما زار المفكر `سارتر`: مصر أبدى إعجابه بالوجوه التى رسمها الفنان `جورج البهجورى` لتشابهها مع وجوه الفيوم التاريخية، وكانت تمثل اللوحات أطفالاً بعيون شديدة الاتساع وهى نفس العيون والوجوه التى صاحبته فى مهجره: `باريس`، وإن تبددت براءتها، كما تبددت إيحاءاتها الطبقية، وصارت وجوها متحفية.
- كان طفله، فى مرحلة القاهرة، فقيراً، كادحاً، يكسب لقمته بانجاز مهام هامشية تستغرق معظم نهاره. يوجد، غالباً فى خضم الزحام: الموالد، والمواصلات، مسرآته متقشفه تبدأ بتدخين أعقاب السجائر، وتنتهي بلعبة الطوق الحديدى.
- يندر أن تجد فى لوحات البهجورى وجهاً جانبياً، فوجوهه تواجهنا مواجهة مباشرة كوجوه الفيوم القبطية, تحمل نفس اتساع العيون، والبراءة، والتساؤل المندهش. أخرجها من المتحف لكى يغرقها فى زحام القاهرة، التى عاش فيها الفنان فترة دراسته فى كلية الفنون الجميلة، وفترة عمله بمؤسسة `روز اليوسف` ‎قبل أن يغادرها إلى ‎`باريس` بصورة نهائية, فيما أظن.
‏- على الرغم من براءة وجوه الأطفال، ووجوه السيدات الشبيهات بالقديسة `مريم` فإنها كانت تتسم بطابع احتجاجى، شحذته المرحلة التى قضاها رساماً للكاريكاتير بمؤسسة روز اليوسف، أو `مدرسة روز اليوسف` التى ضمت رسامين من أهم رسامى الكاريكاتير فى العالم العربى، وقدمت انتفادات ذكية فى مجال السياسة والمجتمع ترجح كفة الكتّاب فى هذين المجالين، وكان `جورج` أحد الفرسان اللامعين فى تلك المدرسة, لا تقع عيناه إلا على مفارقة لاذعة، تمس تنافضات الواقع الاجتماعى والسياسى, وكان من الطبيعى أن يختار من الأساليب الفنية ما يتسق مع طبيعته، فاختار الأسلوب التعبيرى, كما اختار فى نفس الوقت ملامح من الموروث المصرى، والقبطى. اختار من الموروث المصرى وضوح العناصر، وصراحة الكتل, واستلهم من الموروث القبطى ملامح الوجوه وأخذ من الأساليب المعاصرة ` بالإضافة إلى التعبيرية، الأسلوب التكعيى البنائى.
كانت لوحاته القاهرية احتجاجية، كما أشرت، إلا أنها توجهت وجهة أخرى فى مرحلته الباريسية تكشف عنها رسالته الطويلة لى قبل أن أشاهد الأعمال فى مرسمه بمدينة الفنون بباريس، وغرفته الصغيرة المكدسة باللوحات والأشياء. دارت رسالته حول تجربته الإبداعية. قرأتها فى البداية كمادة علمية أستعين بها فى البحث الذى كنت أسعى لإنجازه، ملتزماً برصد مراحل تطوره، وربط إنتاجه بالملابسات الثقاقية والاجتماعية للواقع المصرى، إلا أننى بعد قراءتها اقتنعت بأننى كنت سأفسد على القارىء الطريق لمعرفة الفنان معرفة دقيقة، وحّية، لو حُلت دون التلاقى المباشر بينه وبين القارىء. ‏
‏- إذن، لأترك الفنان يتحدث عن تجربته أولاً، ثم أقدم ما أرى أنه إضافة بالتأييد أو الاختلاف من خلال تحليل بعض نماذج من لوحاته، وتقديم تعليق ختامى.
‏- خطوات إلى عالم اللوحة
- يقول البهجورى: (تبدأ عملية الخلق عندى أولاً بالبحث عن ملمس. يتحول ملمس الورقة إلى بشرة إنسان، أو تفاحة, أو وردة!
- إن حاسة اللمس عندى تسبق حاسة النظر!
- اخترت لنفسى ملمس الورق الملئ بالتضاريس: كقلب الأشجار النابضة بالحياة، أو القماش الخارج لتوه من النباتات، كالكتان مثلاً. ربما أشبه هنا الفنان المصري القديم فى تعلقه بخامة الكتان أول الأمر. أكره الملمس الصناعى كالصلب، والحديد، والألمونيوم، والفورمايكا، والزجاج.. لهذا اخترت الماء بدلاً من الزيت لأننى كنت أحب المطر فى طفولتى(!) ـ كما تعلقت باللون الاييض ؛ وأنفقت عشر سنوات من عمرى فى البحث عن معنى معنى هذا اللون (!) إننى أبدأ بالملمس، كما قلت، لهذا أختار نوعاً معيناً من الورق يتميز بملمس يشبه ورق البرى أو ورق الآلوان المائية المضغوط: ` النشاف` كما عثرت عل نوع من الورق اليابانى مصنوع بطريقة: `البردى` فى محلات الفنون الجميلة فى باريس وهو مصنوع من فروع وسيقان الآرز حيث تبدو فى خلاياه خيوط دقيقة جدًا تشبه بشرة الإنسان، فعندما أسكب لوناً مائياً يجرى فى هذه الخيوط.. عندئذ تتجلى أمامى بشرة الإنسان. تجرى فى شرايينها الدماء، وكثيرًا ما أضيف على سطح الورقة مساحيق بيضاء من الزنك الأبيض الترابى،‏ وأشعر وقتها أننى ‏`ماكيير` أقوم بصنع الممثل قبل أن يدخل إلى حلبة السيرك أو خشبة المسرح، ‏إلا أننى لا أكتفى بهذا بل إننى أحول اللوحة إلى `خرقة` مبللة، ‏أمزقها، وأختار من يين المزق الجزء الذى ا‏نفعلت به أكثر من الآخر وأهمل الباقى(!).
- قد يروق لى أحيانًا أن أبدأ بالتمزيق، فأقطع الورقة وهى ما تزال جافة. تحدث الورقة صوتًا. اسمعه صراخًا. ذلك الصراخ يستفزنى، ويدفعنى إلى اكتشاف البعد الدرامى فى اللوحة (!).
- ألمح أحياناً بقعة ملونة. أقول لنفسى: هذا وجه ييضاوى أو دائرى أو مستطيل أو بلا حدود.
- أليس جميلاً أن أترك خيوط الأرز تخر‏ج من كل طرف من البقعة الضالة فيبدو الوجه شجرة فارعة أو نباتاً شيطانياً أو شرارة لهب!؟
‏- الحدود والفواصل
‏- لا أحب الحدود الهندسية لأى مساحة، ولا أرحب بالزوايا القائمة، لذلك أتعمد تمزيق ورقة الرسم حتى لا يصبح لها شكل مفروض على، ويحجم حريتى، وعندما أضطر للرسم على ورقة ذات أبعاد جيرية فإن شكلها الهندسى ينعكس على خطوطى التى أراها وقد استسلمت لقهر الهندسة, فتظهر الخطوط الأفقية أو المعمودية كما تظهر المثلثات السخيفة، وللمربعات المملة!.. لا أتعاطف أيضاً مع `المنظور ‏الثابت`. إن بعد الشكل أو قربة يحسبها الشعور، والإحساس، وليس العين الفوتوغرافية المجردة.
‏- .. وهكذا أتبع طريقتى الخاصة التى تسوقنى إلى طريق أحبه من الخطوط الملتوية. المعرجة. الفوضوية.. حتى أحصل على الشكل النهائى الذى هو لا شكل أو ضد الشكل.
إن هذا `اللاشكل. الذى أحبه هو الذى يقودنى إلى الحالة المفاجئة لى وللمتفرج.
‏- الرسم بالإبرة
- .. أعود إلى الفرشاة بالغة الدقة كالإبرة. أرسم بها كما لو كنت أرسم وشماً على سطح البشرة. أتدرب يومياً منذ ثلاثين عاماً على الرسم بالقلم الذى يستعمله المعماريون فى التخطيطات الهندسية. أرسم فى كراريس وصل عددها الآن إلى مائة كراسة. الكراسة بها مائة صفحة. ترافقنى كراسة الرسم أينما ذهبت: المقهى. المترو. المطعم. الطريق. الرصيف. الحدائق.
‏- أفضل التدرج فى الدرجات الضوئية بلون واحد. فاتحه هو الأبيض وغامقه يتدرج حتى يصل إلى اللون الأسود، وعتد تناولى لموضرع `دراسة` أعنى بالكتلة حيث ترتفع الأشكال من سطح الورقة المجرد، وتتحول إلى ما يشبه النحت البارز. أهتم باستدارة خد، أو صدر، وبروز أنف, وارتفاع جبهة، واستطالة رقبة، واسطوانية فخذ، وثقل ساق.. وهكذا. تتعدد لدى الأجسام الصغيرة والكبيرة. الممزقة بفعل الصدفة مع تحكم وتصرف ووعى، أى أننى أبدأ فى تحوير شكل ما إلى وجه إنسانى, وأعثر عل شكل آخر أقرب إلى الذراع، أو الساق, أو القدم، وهكذا.. تتعدد عندى تلك الأشلاء: `الغنيمة` (!). أضعها أمامى متسائلاً: أى رأس تصلح لأى ساق أو قدم؟!.
- قد يروق لى، أحياناً، التراكيب المتناقضة، فألصق رأس طفل بجسد أنثى يثيرنى الإنسان ذو الجسد الدنيا صورى والرأس الصغير،‏ كما تثيرنى المرأة البدينة ذات البطن العالية والثديين الحلويين, والرأس الدقيق, والوجه الطفولى، إلا أننى غالبا أنتهى إلى اختيار عناصر متجانسة فى اللون والشكل والتعبير.
‏- فن الكولاج
- كل شىء،‏ كما يقال, يرتبط بالطفولة، وقد اندهشت وأنا فى الخامسة عندما وجدت الصمغ العربى المعروف يكسو سيقان أشجار السنط فى قريتى. كنت أخرج مع أخى الأكبر فى جولة على محاذاة الترعة لنجمع بالمطواة قطع الصمغ الهائلة التى كانت تسكبها سيقان الأشجار وهو يبرق فى ضوء أشعة الشمس.. كأنها الذهب, ونعود فى نهاية الرحلة بحصاد وفير من الصمغ فنذوبه فى زجاجات بها ماء، وقد جعلتنى تلك المغامرة البريئة أحب فن `الكولاج`. ألصق العناصر على مساحات كبيرة من القماش الذى صنعت له ملمساً جديداً يشبه ملامس العناصر الآدمية الملقاة حولى فى المرسم. أختار ساقاً مع قدم، وثدياً مع رأس.. وهكذا.. ومع عملية `الكولاج` تدب الحياة فى اللوحة فى `هارمونى` صمغى معين، ويجعلنى أعود إلى أصابعى أحسس بها، وأربّت عل الأشخاص فى اللوحة كأنى أعرفهم.
- اللوحات
- لنتأمل الآن بعض نماذج من لوحات الفنان `جورج البهجورى` التى لم تتح لها فرصة العرض فى مصر، كما لم تتح لها شروط الذيوع فى المجتمع الباريسى، ولقد أطلقت على اللوحات عناوين وصفية حتى لا يلتبس الأمر على القارئ.
- لوحة `سيدتان وطفل`
- وهى لوحة من مرحلة القاهرة.. حيت ` كان` الحرص على التكتيل المدروس والمستفيد من `التكعيبية التركيبية`. إن لتكوين ييدو عفوباً ‎،‏ متمرداً على أسس التصميم، وتبدو ا‎للوحة فى مجملها أشبه بمقطع من لوحة ركز فيها الفنان على كل ما هو عابر, وكأنه يدعونا إلى تأمل العابر وغير اللافت للاهتمام ‎،‏ واستخراج الحكمة منها
- إن السيدتين والطفل الضئيل بالقياس إليهما، والمبعد فى ركن،‏ يتوجهون بالوجوه والأيدى إلى شىء ما خارج إطار اللوحة، وينصرفون عن المشاهد. نلمح فى اللوحة أصداء لموضوعه الحميم: `الزحام`‎، فمساحة اللوحة تضيق عن شخوصها، فالمرآتان ممتلئتان، محشورتان حشراً فى حيز اللوحة، وتنوه التفصيلات التشريحية بدمج ملابس السيدتين وغطاءى رأسيهما، فيظهر ككائن خرافى برأسين، وإن كان ذلك الدمج قد أعطاه فرصة لاستعراض تجاعيد الثياب، وحركتها المجردة. أما الطفل أحد ألحانه الأساسية القديمة ـ فيظهر مقهوراً بالإهمال فى ركن اللوحة يبدو مطروداً بذراع السيدة القريبة منه فى الوقت الذى يظهر فيه الطفل لائذاً بنفس الذراع! ألوان اللوحة متقشفة تتجه جميعاً إلى منطقة الحياد الرمادى.
- أما ألوانه الزيتية فإنه يستخدمها مخففة كعادته لتقترب من المائيات التى يعشقها ويمارسها بصورة يومية بحكم عمله الصحفى, وربما ـ على حد قوله ـ بسبب حبه للمطر! الطريف أن وجهى السيدتين يشبهان إلى حد كبير وجه الفنان نفسه!
- ربما لمست هذه اللوحة بالذات وتراً فى سيرته الذاتية فقد كتب يقول: `أنذكر جدتى الطيبة فأشعر بروحها أمامى، وأتذكرها وهى تخاطبنى, وهى تستند عل كتفى الصغير بذراعها فى صباح كل يوم أحد ونحن فى الطريق إلى الكنيسة القبطية فى منشية الصدر`.
- لوحة `طفلان ورجل`
- تتتمى للمرحلة القاهرية. نفس الثلاثية الإنسانية وإنا استبدل الرجل بالمرأتين، كما أخرج، كعادته، الوجوه من المتحف المصرى ليقوم أصحابها بمهام حيوية فى المجتمع المصرى المعاصر!. يهيمن `الرجل` بوقفته المتحفية، واحتلال بؤرة اللوحة على بقية العناصر، إلا أن حركة يد أحد الطفلين إلى معرفة قدرة الفول المدمس نوحى بأنه البائع لا المشترى، بينما يقف الطفل الآخر متطلعاً بعينين شديدتى الاتساع.
- استخدم `البهجورى` الخطوط الهندسية، والزوايا القائمة التى أعلن فى رسالته نفوره منها، كذلك الخط الطولى المفاجىء، والصادم الذى يحدد جانباً من وجه الرجل وجسده, وينصف به اللوحة نصفين، ويشكل مع قاعدة اللوحة زاوية قائمة، إلا أنه يحاول تلطيف هذا بالمنحنيات، وخاصة المنحنى الممتد أسفل ذقن أحد الطفلين ممتداً إلى ما فوق رأس الطفل الآخر، وشكل بهذين الخطين المتقاطعين مراكز جذب رباعية تتفاوت فى الأهمية: الوجوه الثلاثة, وقدرة الفول المحتضنة بفوهات زجاجات مستلزمات الفول!.
- لوحة : `رجل وامرأة`
وهى من مرحلته الباريسية: وتعكس اللوحة موقفاً انقلابياً من موضوع `المرأة` مع احتفاظه بموقفه الأسلوبى، بل حافظ على العديد من عناصره التعبيرية السابقة. فلا يزال محتفظاً بجو `الزحام` وكذلك الوجوه الكنسية وإن اقتربت أكثر من وجوه العرائس المصنوعة. إن امرأته `القاهرية` التى كانت أما أو قديسة صارت الآن مادة للهو والعبث.
- يقول جورج: (أميل أكثر إلى نجمة أفلام البورنو، والسكس شرب!) والواقع أن هذه النجمة التى يمكن مشاهدتها بوفرة فى قاعات عرض شوارع البغاء فى باريس: شارع `بيجال` وشارع `سان دونى` لا يحفل بها غير القادمين من العالم الثالث !
- يظهر فى اللوحة رجل وامرأة بالإضافة إلى عديد من أشباح شخوص تشكل خلفية لبطلى اللوحة, وتشترك مع سيادة اللون البنى المحروق فى تشكيل المناخ التعبيرى للوحة. أما بطلا اللوحة فيواجهاننا بوجهين متحدين, وإن انفردت السيدة بإضافة تحدٍ آخر هو سيقانها الممتلئة!
- لوحة: وجه
يذكّر هذا الوجه بنسجيات الفن القبطى, يحمل الوجه المرهف نفس خصائص وجوه الفيوم. إن المساحة البيضاء المؤطرة للوجه تتبادل مع الوجه جذباً وعطاءً، تارة يكون الأبيض خلفية لوجه حددته الصدفة، وتارة يكون نافذة لا تسمح إلا هذه المساحة الكافية لمصافحة هذا الوجه المتحفى.
- لقد نفذ البهجورى عديداً من تلك الوجوه، قال عنها: [ظللت لفترة طويلة أرسم وجوهاً وشخوصاً إنسانية بلغت أكثر من الألف. كنت كأنى أحضر أرواح أهلى وأقاربى وأجدادى على الورق.].
- فى المرحلة القاهرية كان البهجورى يتجول بتلك الوجوه فى الأحياء الشعبية، والأعمال الطفيلية، والملابسات, الإنسانية القاسية لتكون شاهداً على العصر!. أما الآن فهى `مجرد` وجوه أو مقاطع من وجوه تتناقض, أحياناً: مع خلفيتها، وتذوب غالباً.. لشحوبها.. فى مساحة الورق الأبيض!.
- صورة شخصية للفنان
- على النقيض من الوجه المتحفى السابق. الشاحب. بطالعنا وجه الفنان نفسه بأكبر قدر من الصراخ: الخطوط الحادة الصادمة. التحريف اللاذع للملامح. الأصباغ الحمراء. تحريف المنظور. صار الوجه قرصانياً. شريراً ولكى لا نشاهد غيره فقد احتل أغلب مسطح اللوحة، فلا مفر عندئذ من مواجهته أو إزاحته. إلا أن هذا الوجه يجسّد خبرة الفنان الطويلة فى استخدام أدوات الرسم. يتمثل ذلك فى الخطوط البلغية البارعة. فلا ثرثرة على الإطلاق بل وصول إلى الأهداف بأقصر الطرق الممكنة: الخطوط المستقيمة.
- تجريد
- نفد البهجورى عديداً من اللوحات التجريدية التعبيرية. اختلفت مع بقية لوحاته التشخيصية فى العناصر، واتفقت معها فى جوهر منطقه الفنى، فما تزال ركائز لوحاته قائمة: الزحام، عفوية التكوين، الحيل الفنية البريئة، الاستعانة بالأسلوب التكعيبى. الجديد هو خروج اللون من منطقة الحياد, والتلميح إلى منطقة الصراحة الزاعقة أحياناً، واختفاء التدرج الضوئى, إلا أن لوحاته التجريدية تشف عن أصولها الواقعية... غير أنها ما تزال فى تقديرى, فى طور التجريب ولم ترتفع إلى قامة أعماله الأخرى.
- لوحة: حصان
- ترتفع قامة `البهجورى` عندما يتعامل مع أدوات الرسم: السنون المدببة والأحبار، ومن أجمل لوحاته بها لوحة بعنوان: `حصان`. تتجسد فيها البراعة، والحساسية، والخبرة الطويلة، وحيوية الحوار بين الخطوط المؤطرة للحصان والخطوط الرشيقة. الدقيقة. الداخلية، والقدرة على تجاوز الوصف الخارجى إلى الإيحاء بالحالة، والحالة هنا هى اندفاع الحصان إلى الأمام حاملا ما يشبه الفارس.
- الختام
- ما إن احتوانا المكّان حتى صفعتنى الفوضى الشاملة: النفايات الخشبية. الحديد الخردة، الأسلاك، الأحجار، الأوراق، مقاعد قديمة ملقاة حيثما اتفق. هل دخل المكان، قبلنا, مجموعة من الفتوات؟!.
- كان علينا أن نسير فى حذر نتخطى الحواجز إلى أن وصلنا إلى جناح جورج البهجورى! تلك إذن مراسم الفنانين فى مدينة الفنون بباريس!!.
- مراسم بلا أبواب، أو أعمال فنية، إلا أن `جورج` نبهنى إلى أن أصحاب المراسم فنانون من جنسيات مختلفة‎، يتمتع بعضهم بقدر لا بأس به من الشهرة, وأن ما أشاهده الآن من فوضى عابثة ليس أكثر من أعمال فنية جريئة!. وحزنت لفناننا المحاصّر.. حيث يظهر كل إنتاجه الفنى: تشخيصه، وتجريده، وتشويهه.. منتمياً إلى عصور انقرضت. أدركت انزعاجه فلم أخفف عنه بل أبديت إعجابى صراحة بمرحلته القاهرية وفضلتها على مرحلته الباريسية. هنا تذكرت المثال العظيم `مختار` والرعيل الأول من المصورين، الذين سافروا إلى باريس فى فترة من أخطر مراحل التحول فى الفن الحديث ومع ذلك لم يقلدوا بل لاذوا بالمنابع القومية. أتصور أن `مختار` كان بمقدوره ركوب الموجة، فقد كان يمتلك من البراعة ما يمكنه من إنجاز أعمال نحتية تحاكى السائد من الأساليب، إلا أنه أدرك أن إضافته الحقيقية لن تكون إلا فى كانت وطنه، أولاً لأن وطنه يحتاج إلى عبقريته، ثانياً لأن أوروبا الغربية لن تسمح لفنان تشكيلي عربى بالانتشار العالمى مهما عبقريته.
بقلم : محمود بقشيش
مجلة إبداع العدد (7) شهر يوليو 1985
جورج البهجوري.. عينٌ أخرى جديدةٌ في الفن التشكيلي
- بهجورى إنسانٌ لا يستطيعُ - أبدًا - أن يتوقَّفَ عن الرَّسم. ربَّما يتوقفُ فقط إذا كان نائمًا، وأعتقدُ أنه نائمٌ يسبحُ فى بحرٍ من الألوان والأقلام والأوراقق والدفاترِ والكرَّاساتِ المُخصَّصةِ للرسم.
- كريمٌ، وسخيٌّ، ومعلِّمٌ، ومانحٌ، لا يبخلُ على أحدٍ برسم بورتريه له، سواء أكان صديقًا، أم شخصًا عابرًا لن يراهُ مرَّةً ثانيةً، أم كانت مضيفة في طائرة تُقلُّه إلى بلدٍ ما.
- كما يُرشِد، المُبتدئون، وابتداء، ورجاله، وعلامه، وهى كثيرةٌ، على غرار ما، حيث تجربته، وطريقتُه وشخصيتُه يمتازُ بها عن سواه.
- بهجورى خُلِقَ ليرسمَ، ووُلِد ليمنحَ من دونِ حساب.. ورَقُهُ حاضرٌ دومًا، لا يطويه. مقصود. فهو `يرسم على روحه` بحسب تعبير الصديق الراحل الكاتب الروائى إبراهيم أصلان (3 من مارس 1935/ 7 من يناير 2012 ميلادية).
- هو فنَّانٌ متدفقٌ، غزيرُ الإنتاج، حكَّاءٌ، وضحُوكٌ. فيه طفولة نادرة قلَّما نجدُها عند سواه، دومًا، مدهُوشٌ، كأنهُ ولِدَ للتو، وليس لديه خبرةٌ عميقةٌ بالحياة، على الرغم من أنه عاش طويلا فى باريس ما يقترب من ثلاثة عقود، حيث سافر إلى باريس في عام 1975 ميلادى، بعد سنوات من عمله رسَّاما منذ عام 1953 ميلادى.
- وقد لا يعجبُ البعض بمنحى البهجُوري في رسم الوجه، حيث لا يرسمُ البورتريه التقليدي الجمالي المُعتاد الذى نراه عند صبري راغب وصلاح طاهر هما ممَّن تخصَّصُوا في رسم الوجُوه؛ لأنَّ جورج يعتمد اتجاهَ التحريفِ والانحرافِ والمُبالغةِ، أو ربَّما لأنه من منطقة السخرية والفكاهة، أو ربَّما لأنه لا يؤمن، أيًّا من تامًّا كاملاً، وهذا اتجاهٌ موجودٌ ومُنتشرٌ عالميًّا؛ وقد تأثَّره جورج خُصوصًا عند بابلو بيكاسو (25 من أكتوبر 1881- 8 أبريل 1973 ميلادية)، وهو من أكثر الفنَّانين الذين تأثر بهم البهجُورى, بلزاك مصر `أو تشارلز ديكنز المقاهي المصرية`، وهذا أمر - للأسف - مُنتشرٌ في عالم كرة القدم بمصر، برنامجنا فقط أن نكون أنفسنا أو نرسمُ أو نلعبُ، كما تأثَّر بعبد الهادي الجزَّار (14 من مارس 1925 - 8 من مارس 1966 ميلادية)، والذي يُطلَقُ عليه رسَّام الفقراء والمُهمَّشين، وبول كلي (18 من ديسمبر 1879 - 29 من يونيو 1940 ميلادية)، الرَّافض جنبًا إلى واحد في الفن التشكيلى، تراوحت أعمالهُ بين التعبيريةِ والتجريدية والسورياليةِ؛ حسنًا، وضع الألوان المناسبة في المكان المناسب للصغير، كما أفاد منه، تصميم البساطة. التنوُّع، الوقت، التجمعات، تُغنيان الفنانَ التشكيليَّ، ومُلهَمًا، وتثريان تجاربه.
- كما أفاد جُورج البهجورى من بورتريهات `وجُوه الفيوم` المصرية، مشاهدة يعُودُ تاريخُ رسمها إلى القرن الأول الميلادي خلال مشاهدة امتدَّت حتى القرنين الثالث والرابع الميلاديين؛ حيث انصرف الناس عن عمليات التحنيط ائتلافات صارت مصر مسيحية.
- في القديم، كتب فؤاد قديمًا في علامات قديمة يحب جورج أن يقول، وبيته في شارع عبد الحميد سعيد)، ويرسمُ الجالسين في المقهى، والعابرين أمامه، أو من يصادفهم، ويجلسُ صامتًا، وإنْ تكلَّم فتطلُّ سخريةُ والضحكة منه، وهو يلخِّصُ الوجُوه ويختزلُها في سرعةٍ قلما نجدها عند فنانٍ سواه، ربما يكون أسرع فنانٍ رأيته في حياتي، دائما حاضرٌ وجيَّاشٌ ومُحتشدٌ ومتَّقدُ الذهن. والبهجُوري إنْ لم يجد ورقًا؛ يرسم على الحوائط والأبواب والنوافذ، وحتى الزلط، فنًّا يتفرَّدُ فيه.
- وقد رأيت ذلك في بيته القاهري، وبيت أخي وصديقي الفنان الأردني خلدون الداوود، وهو أكثر شخصٍ في هذه الدُّنيا، يمتلك يمتلكون اللوحات لبهجوري، منذ أن تعود إلى الستينيات والسبعينيات القرن الماضي، وقد كان رأيًا في رؤية جميعًا، وأن نرى رؤية جورج في `رواق. البلقاء` بالفحيص (الأردن)، حيث تحمل صورة معرضة للصورة التي تم تصويرها في معرضة جورج ووثَّقَها في أكثر من كتابٍ فنيٍّ راقٍ في طباعته التي تمَّت في ميلانو (إيطاليا)، حيث دأبتْ مُؤسَّسته على الاحتفاء خلال السنوات العشرين الأخيرة.
- يناير عام 1913/ 16 من نوفمبر 2002 ميلادية) عندما كتب رسومَه الأولى مُعلَّقة على جدران الفنون الجميلة في الزمالك، حيث كان طالبًا بها، وكان حسين بيكار هو ساعده لأن ينطلقَ إلى عالم الشهرة والسُّطوع، ويجالس الأسماء الكبيرة في الكتابة، والصحافة، والفن التشكيلي، والسينما، والموسيقى، ويتعامل معهم ويعمل معهم.
- وإذا كان قد حقَّقَ الشهرة مبكِّرًا - وهو طالبٌ جامعيٌّ - فقد حمل ليكتبَ وهو في سن الستين حيث كتب عددًا من الأعمال التي تنتمي إلى فنيْ الرواية، والسيرة الذاتية، (أيقونة فلتس، أيقونة باريس، بهجر في المهجر، من بهجورة إلى باريس، أيقونة شعبٌ، الرسوم الممنوعة،...)، إذْ جورج - يرسمُ بعين جديدةٍ - شخصٌ شديد الإيمان بموهبته، لا يهتم بالزمن، بل يطويه، يطويه كل صباح ويضعه في جيبه، ويسعى ليمارس طقس الرسم وهو الأحب لديه، وليس لديه سواه، خصوصًا إذا قام بالرسم المباشر أمام الجميع وهي عادة معروفة عنه، وقد رايته كثيرًا يفعل ذلك، خصوصًا أن أغلب الفنانين يحبون العزلة، ولا يفضلون البدء في ارسم أمام أحد.
- إن جورج يعيد صوغ العالم عبر عينيْ روحه التائقتين للحياة التي لا تحتوي على الكثير من ذاكرته البصرية.
بقلم : أحمد الشهاوى
مجلة : نصف الدنيا ( 10-9-2021 )
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث