`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
عبد الهادى محمد عبد الله الجزار

- ساهم الفنان عبد الهادى الجزار مع زملائه أعضاء جماعة الفن المصرى المعاصر فى تحويل الاتجاهات الأكاديمية للفنانين الى الاتجاهات الحديثة وقد بدأ انتاجه الفنى بمرحلة اهتم فيها بتصوير تخيلاته عن عالم الإنسان الأول عند بدء الخليقة مستخدما القواقع كرمز للحماية ثم انتقل الى المرحلة الوسطى فى فترة انشغل بالتعبير عن الحياة الشعبية فى مدن مصر وكان من أهدافه وأهداف الفن المصرى المعاصر فى تلك المرحلة الابتعاد عن الشكل الأكاديمى الغربى ، تحقق نوع من التفسير عندما عبر عن الأساطير والأفكار المتوازنة و الأحلام التى يعيش فيها أبناء الطبقات الشعبية أما المرحلة الثالثة والأخير فكانت تصور خيالاته عن عالم الفضاء بأسلوب سيريالى وتعبيرات المرحلة الوسطى هى أخصب مرحلة فى الشكل و الأصالة عند الفنان .

صبحى الشارونى


- فى المرحلة الهامة من تاريخ الجزار بدأها من سنة 38 الى سنة 46 ظهر مميزات شخصيته كفنان وسجل فيها أروع الأحاسيس الفنية وكانت عن الكون والإنسان كيف نشأ وكيف عاش فى هذا الوجود على مر العصور مع الطبيعة المجردة فاخرج أعمالاً فنية نادرة كانت موضوع الدهشة فى الاوساط الفنية فى مصر والخارج بل ومحل اعجاب وانبهار وتقدير النقاد العالميين فى الفن أمثال فيليب دارشكوت بلجيكا ودلهم فيولا بالنمسا ومربيل فى فرنسا وراسل وريد فى انجلترا وأخيراً سارتر الذى ابدى اعجابه وانبهاره بأعمال الجزار عندما زار معرض الفن الحديث واجتمع فيه بالفنانين العرب اثناء زيارته لمصر مع سيمون دى بفوار .
- بانتهاء المرحلة الاولى كان الجزار يبلغ من العمر 21 عاماً انتقل الى مرحلة اخرى فى ظرف قاسية وقد نضج فيها فكره وعقله وتفتح على مأساة بلده وهى مقسمة نهباً بين الاستعمار والاقطاع وكانت تتمثل أمامه فصول هذه المأساة وهو يعيش فى حى السيدة زينب يرى طوائف الناس فى سذاجة بريئة وتتجمع الحشود وهى تمشى فى بحر من الغموض تلفها ثياب من التقاليد البالية والمتناقضات ويعود الجزار الى منزله لا ينام يستعرض ما رآه وكانت مرحلة حاسمة لمواجهة الموقف وكان لابد ان يحدث شىء فلم يقبل الفنان الثائر الشاب أن يكون مهادنناً فى فنه مع هذه الاوضاع السائدة فى مجتمع ذلك العهد ـ قدم الجزار مادته الفنية للدفاع عن القضية من نفس صور هذه الحياة وعرضها فى بلاغه فنية معبراً عنها ومستعرضاً ومفسراً العوامل والبواعث المسببة لها مستنداً فى ذلك الى اسلوب تحليل نفسى عميق يذكرنا بأسلوب بوش ، بروجل وجريفالد بل ربما كان فى ذلك ابلغ .
- واشتغل بكل أحاسيسه لحل رموز التناقض وعالم الروح والمجهول واهم لوحاته ( القدر والمقسوم ، فرح زليخة ، أبو أحمد الجبار ، المجازيب ، قارىء البخت ، العائلة المجنون الاخضر ، العروسة ، السيرك ، الكرسى الشعبى ، الرفاق على مسرح الحياة ) .
- الى ان رأى مرحلة تحقيق الحلم ورأى مواكب لرحلته الثالثة مرحلة احداث ثورة يوليو سنة 1952 فرأى مواكب النصر ومواكب العلم وهى تسير فى عهد الفضاء فى الجامعة ومواكب العمال تسير نحو المصنع وفى السد العالى رأى الفلاحين وهم يخرجون من وراء أسوار الاقطاع ويدخلون الأرض الخضراء فأخرج انتاجاً خالداً كريماً رزيناً رائعاً يمثل انفعلاته بهذه الاحداث من هذه اللوحات الخالدة (النصر ، الحلم ، بورسعيد ، العدالة ، الميثاق، السد العالى، عهد الفضاء واخيراً السلام) بل وقف قبله بقليل فى اشرف مكان وهو يتسلم جائزة الدولة التشجيعية يقول كلمته الخالدة لوحته الاخيرة السلام .
حسين يوسف أمين


- يظل عامل الزمن هو المصفاة الحقيقية للإبداع الفنى ، والمعيار الدقيق فى الحكم على قيمة الفنان .، وبعد أن أصبح لمصر تاريخ فنى حديث، أخذت تتضح العلامات المميزة فيه للأجيال الجديدة .
- ولقد تبوأ فن عبد الهادى الجزار موقعاً فريداً بين فنانى جيله ، فمنذ وفاته فى مارس عام 1966 شغل إنتاجه الفنى دوائر المهتمين من الفنانين والمثقفين والنقاد سواء كانوا مصريين أو أجانب ، وتتابعت الدراسات الجادة والرسائل الجامعية التى تتعرض بالبحث والتحليل والتقيم واستكشاف جوانب جديدة لهذا الإنتاج الذى أنجزه الجزار خلال حياة فنية قصيرة لم تتعد عشرين عاما .
- ورغم أن الجزار قد لقى أثناء حياته نجاحاً فنيا سريعاً ، وتقديراً أدبياً متصلاً تمثل فى العديد من الجوائز التى كان آخرها جائزة الدولة التشجيعية ، الا أن القيمة الحقيقية لفنه لم تتضح إلا خلال السنوات الأخيرة ، من خلال تأثيره على الأجيال التى تلته واتخذت منه أبا روحياً.
- ولقد تهيأت عوامل عديدة أتاحت لموهبة الجزار أن تتقد وأن تؤتى ثمارها ، ويأتى لقاؤه بالمفكر الفنان حسين أمين فى مقدمة تلك العوامل ، فالموهبة لا تنمو إلا بالرعاية وحسن التوجيه ، وحسين يوسف أمين كان يملك القدرة والثقافة التى أهلته لأن يقوم بتجربته الرائدة فى تنمية مواهب من انتقاهم من بين تلاميذ مدرسته وكان لشمولية نظرته وعمق فهمه لدوره التربوى أثر كبير على إنضاج موهبة الجزار ودفعة للأمام منذ مرحلة مبكرة من حياته حين اختاره لعضوية جماعة الفن المعاصر التى كونها عام 1946، تلك الجماعة التى كانت أفكارها من أهم المؤثرات فى تشكيل أسلوب الجزار ورؤيته الفنية . فجاء عمله الفنى تجسيداً لمثالياتها فى التعبير بعمق عن الشخصية المصرية الصميمة وما تطويه داخلها من أصالة ، وتأكيد الصلة الوثيقة بين الفكر والفن ، واعتبار العمل الفنى كالأدب وسيلة لنقل فلسفة ما ، والانحياز للاتجاه السيريالى الذى يهدف إلى الكشف عن سر الحياة وسر علاقاتنا فيها . وبالإضافة إلى تلك الحدود التى رسمها فكر الجماعة فى بيانها الأول كان هناك ذلك الإيحاء القوى بالمجهول ، وذلك العبق السحرى الذى ظل يبثه الجزار فى أعماله مهما اختلفت مواضيعها والذى يوقظ فى النفس الإنسانية أعمق الأحاسيس والمشاعر.
- وكان المناخ الفكرى والثقافى الذى عايشه الجزار وتفتح وعيه الفكرى عليه فى بداية حياته الفنية ذا أثر هام على تكوين شخصيته الفنية، فلقد كان الوسط الفنى حينئذ يموج بالأفكار الجديدة ، وكانت هناك جماعات فنية متتالية تطرح أساليب ورؤى جديدة . فمصر بعد فترة سبات حضارى استمر قرونا كانت عطشى للفن والثقافة والإبداع، فلم تكد تبدأ الحركة الفنية الحديثة فى العشرينات من هذا القرن حتى توالت على مساحة الإبداع جماعات فنية عديدة وتصارعت تيارات بعضها كان آتيا من ناحية الغرب ـ الذى كان هو نفسه يشهد توالياً مثيراً للأساليب الفنية ـ وكان البعض الآخر يدعو إلى العودة لتأمل الطبيعة والإخلاص لها بغية اكتشاف أسرار تركيبها والنسج على منوالها ، كما كان البعض يوجه الأنظار نحو أهمية التراث المصرى والفن الشعبى ، ولقد تفتحت موهبة الجزار فى أتون الصراع بين الأفكار والأساليب فى مناخ يتصف بالجدية والحيوية .
- كما كان متمثلاً أمام الجزار ما قدمه جيل الرواد من إنتاج فنى يشكل بداية حلقات التصوير المصرى المعاصر ، ولاشك أنه استوعب هذا الإنتاج واستفاد منه فى صياغة أسلوبه ، مما أهله لأن يكون حلقة جديدة وجزءا لا ينفصل من تاريخ الفن المصرى المعاصر . فقد كان هناك راغب عياد أول من وجه الأنظار إلى جماليات الفنون الشعبية، كما كان سباقا فى التعبير عن شتى مظاهر حياة المصريين البسطاء، وكان هناك محمد ناجى الذى أكد على أهمية الإتصال بالتراث الفنى المصرى ، وأخيراً كان هناك محمود سعيد الذى أشاع فى أعماله روحاً مصرية خالصة ، واهتدى إلى صيغة تتسم بالاستقلالية ، وللدارس المدقق أن يلحظ ذلك التقارب الشديد بين فن محمود سعيد وفن الجزار ، ولم يكن غريباً أن يعجب محمود سعيد وهو فى قمه إبداعه بأعمال الجزار فيقتنى منه لوحة ` أدهم ` عام 1951 فلقد جمعت بين الفنانين نزعة استقلالية ، وروح شرقية ترنو نحو الغموض ، وتعبر عن السحر الكامن وراء عناصر المجتمع المصرى الصميم .
- وكان إحساس الجزار بخطورة مرضه ، فى رأينا سببا فى ذلك الطابع المأساوى لإنتاجه ، فلقد أدرك منذ وقت مبكر أنه قريب من الموت ، فجعله ذلك أكثر شفافية ، وأرهف حاسته الفنية وصبغها بصبغة حزينة، وجذبه نحو العالم المجهول الذى لا يدرى كنهه أحد . لقد التقت فى نفسه عناصر استمدها من نشأته فى أحضان الطبقات الشعبية المستغرقة فى عالم الروحانيات والتى تستمد قوتها من عناصر ميتافيزيقية ودينية ، وإحساسه الشخصى بنهاية قريبة ، كل ذلك دفعة نحو عالم غامض فأصبح أسيراً له ، محاولا الغوص فيه والتعبير عنه ، فلقد كان يستهويه ولم يكن ناقداً له أو محاولاً تغييره كما تصور العديد من الدارسين لفنه . فنحن نزعم أنه كان يهفو إلى هذا العالم ، يؤكد زعمنا كتاباته الغامضة المنشورة فى هذا الكتاب ، والتى تقدم لنا روحاً هائمة فى عوالم عجيبة ، وعلى الرغم من أن مرحلة الجزار الأخيرة جاءت محاولة للثورة على فكرة الموت ، وتبدت فى لوحات الماكينات وعصر العلم ، إلا أن الفنان لم يستطع التخلص من هويته، فعلامات الموت واضحة على الأشكال والعناصر ن والغموض ما زال يفرض نفسه على الجو العام للوحات . لهذا تظل أعماله الأولى فى الأربعينات والخمسينات أصدق تعبيراً ، وأكثر دلالة على شخصيته الفنية الفريدة ، وتظل لوحات مثل ( دنيا المحبة - فرح زليخة - المجنون الأخضر - شواف الطالع - رسم تحضير الأرواح ) علامات مميزة على الإنجاز الحقيقى الذى أضافه الجزار للتصوير المصرى المعاصر . ذلك الإنجاز الذى يقدم نموذجا لفن مصرى تضافرت عناصر عديدة فى تكوينه ، لكنه يظل فى النهاية ذا طابع يعبر عن روح البلاد ، ويلقى الضوء على جوانب خافية من وجدانها العام . كما يبرهن فى الوقت نفسه على قدرة المصريين - لو تهيأت السبل وتوفرت الامكانيات - على تقديم رؤى فنية جديدة تتصف بالعمق والأصالة تؤهلها لأن تكون إضافة حقيقية لتاريخ فن الإنسان .
د / صبرى منصور
القاهرة أغسطس 1989
الجزار والضوء الساحر ..
عندما نتأمل أعمال الفنان الراحل `عبد الهادى الجزار 1925-1966` نكتشف تفرده بين الفنانين من أبناء جيله وإستمرار تفرد إبداعاته حتى الآن، لقيمته الفنية العالية وتوهجه الفكرى الذى استلهم عناصره أو جذوره من البناء التشكيلى للوحة فى الفن المصرى القديم ، وغوصه فى العادات والتقاليد الاجتماعية وخاصة حياة الطبقات الفقيرة التى اعتادت على إقامة طقوس السحر والشعوذة وما لذلك من معالم وأدوات وعناصر تضفى على البيئة مناخاً غامضاً سحرياً بالإضافة إلى الأزياء والأبخرة التى تزيد من عمق الغموض فى المكان والزمان وفى النفس ، وعلى امتداد المسيرة الإبداعية كان الجزار وطنياً من الدرجة الأولى وأفرز انتماؤه إبداعات فنية رائعة وغير مسبوقة نذكر منها (السد العالى 1964-حفر قناة السويس 1965-السلام 1965) ، وقد تعاظمت قدرات الجزار الفكرية والفنية فى تكامل وترابط، وأثرى الحركة الفنية بإبداعات أثرت فى تحريك الإبداع الفنى -فكراً- قبل الممارسة .. وكان رساماً ماهراً .. حوَّل الخامات التقليدية كأقلام الرصاص والفحم والحبر الشينى إلى قيمة نابضة بقوة التعبير والتوهج الرمزى الممتد لكل أعماله الفنية ، والضوء عند الجزار آتٍ من ثقافته الحية النابعة من الموروث الشعبى والحس الوطنى الصادق دون افتعال ، وعندما نقترب من لوحة السد العالى التى شكلها على هيئة وجه إنسان ممتد إلى السماء .. وبصره شاخص فى الأفق المفتوح .. وقابض على شفتيه، كاشفاً عن إرادة غير مسبوقة الكوامن والطاقة، نسج الجسم بأجزاء من الشرائح المعدنية المتراصة والمترابطة والمتكاملة والمتنامية كأنها لباس جلدى معدنى متصل بأسلاك رفيعة كقنوات للتوصيل الكهرومغناطيسى صادرة من توهجه وتفاعله وإصراره على تحقيق الحلم وتحويله إلى نبض مضىء ملموس يتسرب إلى حياتنا حاملاً معه النور إلى القرى والنجوع والمدن والطرق والمصانع، إنها إرادة الإنسان.. استطاع الجزار أن يعيش حلماً قومياً للوطن .. واستطاع أن يعيش الشبكة المذهلة للمشاعر والأحاسيس التى تدفقت فى عروق وشرايين سواعد الآلاف من المصريين الوطنيين الذين خاضوا ملحمة البناء والفخار والعزة المتمثلة فى هذا المشروع العملاق والذى أنشئ فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فضوء الجزار ضوء حى يسرى فى دماء الوطن ، استطاع الجزار أن يبدع للتاريخ أعمالاً فنية عبقرية كونها فريدة ومتميزة وكونها تحمل فكراً صادقاً .. ولد الجزار أستاذاً وفناناً مبدعاً واختطفه القدر فى ربيعه الواحد والأربعين ليترك لنا إبداعاً حياً ممتداً عبر السنين والأزمنة .
أ.د./ أحمد نوار
جريدة الحياة - 2004
عبد الهادى الجزار ... أنشودة المشروع القومى
قد شهد عام 1964 احتشادا ضخما لعدد كبير من الفنانين حول ` المشروع القومى ` متمثلاً فى تسجيل مراحل العمل فى السد العالى ومنطقة قرى النوبة قبل أن تغرقها مياه بحيرة السد ، مستجيبين لدعوة د. ثروت عكاشة الذى كان يحقق بذلك توجه النظام إلى ربط المثقفين والمبدعين بمنجزات واهداف الدولة وشارك فى هذا الاحتشاد فنانون من كافة الاتجاهات والمدارس الفنية ، استطاع المناخ العام للمشروع أن يفجر لدى كل الفنانين كثير من الرؤى الإبداعية كل بأسلوبه الخاص.
وفى لوحة السد العالى للفنان عبد الهادى الجزار نقرأ مثاليات العصر الذهبى للنهضة والمشروع القومى المصرى فى مفردات الفنان التى استخدمها فى تلك اللوحة ، فنرى ذلك التصميم والتحدى والإرادة والتطلع للمستقبل المشرق تتجلى فى رأس إنسان عملاق وجهه يشبه وجه الرئيس جمال عبد الناصر ويغطى تلك الرأس قناع صلب كفرسان العصفور الغابرة ، شفاف كقناع رواد الفضاء الذين اهتم بهم عبد الهادى الجزار فى الكثير من أعماله وشغلت مخيلته تلك الفكرة البديعة عن امتلاك الإنسان السيطرة على العلم وتمجيد العمل ومثالياته فى مفرداته التشكيلية وجزءاته التى شيد بها وجه العملاق الرابض ، نراه ذو رقبة طويلة مغطاة بالعدد والأدوات المستخدمة فى تشييد السد العالى .
نرى كذلك ملامح من نهر النيل على امتداد أفق اللوحة ، رجل وسيدة من أبناء الوادى ، ثم يمتد التكوين الآلى نازلاً من الرقبة العملاقة وهو ملتحم بها فى سريان متسلسل من وشائج آلية : صنعت إيقاعاً بصرياً قوياً ومتماسكاً فى بنيان العمل الفنى ، ذلك الرابض فى شموخ ينظر إلى أعلى وهو ذو ملامح تنطق بالرسوخ فصلابة الأنف الحاد ، والفك البارز تمنحنا إيحاءً قوياً بصلابة وقوة إرادة هذا المخلوق الذى مزج فيه عبد الهادى الجزار بين الطبيعة البشرية والطبيعة الآلية وجعل رأس الكائن الرابض فى مواجهتنا وأما جسده فيمتد بين الآلآت والأبراج والصخور والجسر مع سريان المدى المفتوح المتطلع إلى النجاح والفلاح والبناء ،، فقد كان مشروع بناء السد العالى فى مصر يرسخ مفاهيم الحداثة والتصنيع والتقدم العلمى وتمجيد الطبقة العاملة ، وقدرة الإنسان الجبارة على الثورة وتغيير وجه الحياة على المستويين الفيزيقى والروحى ، وكما مزج الفنان المصرى القديم بين الطبيعة الإنسانية والحيوانية فى إطار عقائدى وروحى نرى الإنسان هنا وقد امتزج بالآلة فى عشق واعتناق ، فهى أيقونته الجديدة ، وسحره المستقبلى ، وتعويذته المتفائلة هذا العناد والتحدى والإحتفالية المقدسة فى تصوير ذلك المشهد الباهر للإنسان المصرى وهو يصارع وجه الأرض ويزيل جبالاً ويفجر صخوراً ويحول مجرى النهر العتيد ، وكأننا نسمع الأنشودة تتردد فى الأفاق العفية ` قلنا حنبنى وأدى إحنا بنينا السد العالى `.
أعطى عبد الهادى الجزار قرنين صغيرين فوق القناع ` كلمسة أسطورية من العهود البدائية `.
فلم يمزج الفنان بين الإنسان والآلة فقط بل ومنح عملاقة سحراً خاصاً وعلامة ذكورية خشنة أيضاً ، يردد مفردات الآلة وتمجيد مفهوم العمل وجعل الطريق يمتد إلى نهاية الأفق عند نقطة الزوال .
كما نلاحظ ألوان الآلآت والصحراء ومجرى النيل جاءت ألواناً طبيعية مشتقة من ألوان التربة والمعادن الخام.
ركز الفنان على معزوفة الحشد فأبناء الشعب المصرى كثفهم فى بناء السد وذلك واضح من مواقع العمل المجاورة للعملاق، وفى المعبر الذى يصل بين عالمى الحلم والواقع ، الفكرة والتحقق ، عالم الما بين ، عالم التشكل الموار بعمليات الفكر والخلق البديع ، هذا بجانب أن بقية الجسم يتكون من كتل متراصة تشبه كيفية بناء الهرم تعبيرا عن أهمية السد وخلوده كالهرم - فالسد هو هرم مصر الحديثة - كما يعزف عبد الهادى الجزار معزوفة النهوض والتقدم ودور البنية النحتية فى تدعيم التنمية .
وفى لوحة الميثاق للفنان عبد الهادى الجزار : نرى امرأة ترتدى رداء أسود وغطاء رأس أسود مثل نساء صعيد مصر ، غليظة القدمين واليدين خضراء اللون لها فروع مثل الشجرة ، لها تاج على صورة النسر ورمز الجمهورية فى مصر فى ذلك الحين ، ترتدى قلادة تمسك فى يدها اليمنى الميثاق ويدها اليسرى فى وضع القسم ، يجثو عند قدميها فلاح وعامل ويقف إلى جوار الفلاح أبو قردان وإلى جوار العامل ما يشبه الآلة أو السلاح الآلى وتمتد خلفه التروس والأشكال الصناعية ، فى الخلفية دبابة ورجلى دين - مسلم ومسيحى - تمثال ، ثم مجرى مائى به سفن ، والمدن على ضفتيه ، ونرى شكل شبكى إلى جوار الفلاح الذى يعلق الفأس على كتفه.
الأرضية فى مقدمة اللوحة السمراء كلون الأرض الزراعية وفى الخلفية صفراء كالرمال يوجد فى كفى الفلاح زهرة وقوقعة ..يوجد فى يد العامل مفتاح معدنى والخصائص التعبيرية للخطوط ،قوية مكثفة تتجه فى الغالب إلى المحور الرأسى للوحه وهو المرأة الواقفة ، تلك الخطوط تتخذ شكلاً منحنياً فى أغلب اللوحة.
ترديدها يصنع موسيقى الخطوط فى ملابس المرأة الواقفة مع المنحنيات فى ملابس الفلاح مع ملابس العامل ، حيث التقاء الخطوط عند المحور الرأسى فى وضع يشبه وضع العبادة ووضع السيدة يشبه الكاهن الذى يقيم الصلاة ويمسك الكتاب المقدس فى يد ويمنح البركات بالأخرى .` فالقاعدة الذهبية المتحققة هنا هى أنه : كلما كان الخط المحيط مميزا وحادا ووتريا ( نحيلا ومرنا وقويا ) ، كان العمل الفنى أكثر اكتمالاً ..
تثبت الخطوط هنا وترسخ فتوحى بالسكينة والهدوء والقداسة ، وامتداد جسم السيدة من أعلى اللوحة وحتى الأرضية ومثلة المحور الرأسى للوحة ككتلة محورية تتزن بكتلتين يمنى ويسرى متساويتين تقريباً، والإيقاع الكامن فى تردد الخطوط الرأسية الصاعدة إلى أعلى والممتدة فى خلفية اللوحة إلى ما لانهاية يؤكد الجو الأسطورى والنظرة الشديدة التمسك بالميثاق والإيمان به إلى حد العبادة .
تتعدد الخطوط وتتحرك فى اللوحة فى استمرارية من أسفل إلى أعلى عن طريق امتداد الفروع من رأس السيدة دونما انقطاع إحاطة الخطوط بالعناصر واشتمال الخطوط على محتوى هو الشخصية الرئيسية فى اللوحة مع العامل والفلاح ورجل الدين ، تربط الخطوط بين مفردات اللوحة بروابط مثلثه الشكل صارمة الاتصال ، و الأشكال فى هذه اللوحة طبيعية ( بشر - حيوان - مجرى مائى ) ، وتساعد التماثلات فى القيمة واللون والمواضع المكانية بين ملابس الشخوص فى اللوحه على خلق علاقات تكوينية تشكل النمط المهيمن على العمل الفنى وهو تلك السيدة : فى جسم السيدة مسطحات مائية مثلثة : مثلث متساوى الساقين ثم ينشأ عند رأسها مثلث متساوى الأضلاع هو فروع الشجرة على جانبها مثلثين آخرين هما العامل والفلاح وهى تقف على أرضية شبه مثلثة تذكرنا بالتل الأزلى حيث بدأ الخلق.
والحيز أو الفضاء : يتشكل الحيز أو المكان فى ضوء الموضوع الذى تشغله السطوح البسيطة المستوية للعناصر الأساسية للوحه والتى تتباين فى حجمها وتميل بفعل اللون والظل إلى السكون والرسوخ للونها الداكن فى تقابل مع الخلفية الفاتحة الباردة مما يؤكد قوة وحضور الشخصيات الرئيسية وتوحى العلاقة المكانية بين موقع الثلاث أشخاص فوق التل والخلفية فى أسفل ، ويطالعنا المنظور الذى استخدمه عبد الهادى الجزار حيث تميل خطوط النهاية إلى التلاشى عند الأفق بينما نرى عناصر التعبير بارزة متقدمة إلى الأمام .
الإضاءة مركزة فوق جبين السيدة وفى يدها حيث الميثاق وفى الخلفية حيث الامتداد اللانهائى لمجرى المياه ( قناة السويس) وتمثال يشبه الرئيس جمال عبد الناصر.
الألوان فى اللوحة هى الأسود والرمادى للملابس والأرض والأخضر لوجه ويدى وقدمى السيدة ، مجرى المياه درجة فاتحة من الأزرق ، ضفتى مجرى المياه درجة أصفر فاتح يحتوى على أبيض بنسبة عالية ، الألوان الباردة والداكنة فى اللوحة تؤكد الجو الأسطورى الساكن المهيب ، لون بشرة السيدة تعبير وجهها يعطى إحساساً بالبرودة والتجهم والحزن كالكهان والسحرة فى الأساطير القديمة .لا تمثل العناصر السابقة التى عرضناها والخاصة بالخط والشكل والحيز ، أو الفضاء ، واللون ، وغيرها كل العناصر الخاصة باللوحة ، أو العمل الفنى فى فن التصوير فهناك ،أيضا الملمس والتكوين ، والأسلوب والحركة وعناصر أخرى عدة وينظم ذلك كله.
التصميم الكلى ، والذى هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى التأليف ، أو التركيب الأوركسترا لى بين العناصر داخل العمل وكيفية صناعة عبد الهادى الجزار للنمط التشكيلى ، فالنمط يمتلك الشكل ويجسد تناقضاته داخل ذلك التماثل البالغ الخاص به ، والمتعلق بالقيمة أو اللون .ويحدث ذلك أيضا باعتباره ?
هذا النمط - يتعارض أو يتناقض مع أنماط أخرى ولا يمكن أن يوجد نمط بمفرده ، فالأنماط يقابل بعضها بعضاً ويتحرك النمط فى اتجاهات خاصة محدثاً حركات، واضحة ظاهرة ، أو ضمنية مستترة إنه ينشط باعتباره سلسلة من الأسطح التى تتقدم متحركة ومحدثة تناقضات مكانية، وإدراكية فى هذه اللوحة التى كرست هذه السيدة الكاهنة التى تحمل الميثاق وكأنه كتاب مقدس وكل عناصر العمل التى ذكرناها تضافرت وأخرجتها فى تلك الصورة الأسطورية وهذه الإشارة التى تعتبر الميثاق اعتناقاً وعقيدة وكتاب مقدس تعطينا صورة واضحة لهذا الجيل من التشكيليين الذى تأثر بإنجازات الثورة واعتنقها.
هبه الهوارى
نهضة مصر - 8 /12 / 2011
ودن من طين.. وودن من عجين )عبد الهادى الجزار- زيت- 1951)
لم يكن ولاء المصور `عبد الهادى الجزار` للروح الشعبية يمنعه من الثورة على سلبية الجوعى والتعساء، واستسلامهم للوهم واليأس والمصير المجهول..، حتى أن هذه الشحنة النفسية (الساخطة) فجرت طاقاته الإبداعية الضارية؛ التى دغدغت الواقع- المتصدع- أصلا- لكى تعيد بناء المرئيات برؤية متأججة بالعضب.
وقد استمد مفرداته الفنية الغريبة- آنذاك- مما ترسب فى `قعر الدنيا` من الكائنات المنسية على هامش التاريخ والجغرافيا.. التى كانت لم تزل تتسلق ببطء شديد كاليرقات على جدران الزمن المفاجئ.. الذى لامكان فيه لأنصاف الأحياء؛ حتى سقطت من حسابات الحاضر والمستقبل معا...
ودن من طين.. وودن من عجين
ولما كانت البيئة هكذا.. والبشر مثل هؤلاء.. لذا فقد كان ضروريا أن يختلف المنطق باختلاف الرسالة، وكان ضروريا- أيضا- أن يبحث الفنان عن حلول مختلفة فى التشكيل، ولهذا.. فإنه لم يعد يكتف بالوقوف طويلا عند حدود التعبير بالرمز أو الإسقاط.. وإنما قرر أن يتجاوز النظريات السائدة فى الجمال والفلسفة.. واختصر حدود المضامين؛ واصلا- فى بعض الأحيان- لدرجة الترجمة الحرفية ( أو التجسيد الحرفى) للمآثر والأمثال الشعبية الساخرة، أو الساخطة.. (التى أصبحت- بعناصر التشكيل- أقوالا حية، أو أمثالا مصورة) عندما وصل إلى ذروة اليأس من أن يفيق هؤولاء التعساء من غيبوبة العجز والخنوع.. الذى أوصلهم إلى حافة الموت، ولم تنفعهم تعاويذهم (المثبتة على حواف الأرائك- التى تشبه التوابيت) فى دفع الأذى، أو جلب الخير، أو الحظ...، والوحيد الذى تمرد على سكونية انتظار الموت، أو الفرج من عند الله.. تقرفص كالكسيح على طاولة صغيرة من الخشب؛ بأربع بكرات؛ يزحف بها فى حيز ضيق لايتجاوز الأمتار القليلة؛ هو كل عالمه، مستندا على كفيه اللذين تفلطحا وتشققا كالأرض البور؛ التى انقطعت عنها موارد الحياة منذ زمن بعيد، وقد فردهما على ركبتيه؛ فى انتظار من يضع فيهما كسرة خبز، أو قطعة من نقود..، وقد تكوم على نفسه لا يسمع بأذنه- الحية- صياح الديك، والدعوة إلى النهوض والعمل..، مما جعل الفنان يلصق له `فردة` ثانية على صدغه؛ ليعلن أنه- والذين تمددوا خلفه- من نوع الكسالى والأغبياء الذين ينطبق عليهم المثل الشعبى الساخر: `ودن من طين.. وودن من عجين`.
أما `الديك` الذى أصابه اليأس- أيضا- من جدوى الصياح.. فقد طوى جناحيه، ووقف حائرا، متفقدا.. يحاول أن يعرف ما إذا كانوا من نوع البشر (الأحياء) أم أنهم مجرد تماثيل من `الطين` أو `العجين`. وأسهم الشكل المخروطى المنتهى بالهلال (الذى يشبه قمم المآذن) فى التأكيد على أن هؤلاء الكسالى من نوعية `المقاطيع` الذين يتكومون كالنفايات على أرصفة المساجد والأضرحة وعتبات `آل البيت`.. فى أنتظار ما سوف يتصدق به المارة أو الزوار.
وهكذا..، فإن المصور لم يلجأ إلى التورية أو الإيحاء، وإنما قصد مباشرة إلى المعنى الصريح. وكأنه- فى نهاية المحاولة- أغلق نافذة الأمل، وختم على قفلها بالطين؛ حتى يوفر على الآخرين عناء التجربة مع الذين لا جدوى من المحاولة معهم.
هذا..، وقد توافقت الرؤية الفنية، وأسلوب معالجة الأشكال مع المحتوى النفسى والفكرى للتكوين؛ الذى اعتمد على المبالغة فى ضخامة أطراف الشحاذين، واختصار الكثير من التفاصيل الجزئية، والاهتمام بالبعد الثالث (التجسيم)؛ الذى ساعد على تأكيد الإحساس بسكونية هذه الأجسام المتيبسة؛ التى لا تقوى على الحركة. وأسهمت غيومية اللمسات اللونية المتداخلة فى إضافة المزيد من العمق إلى جو اللوحة المغلف بحس `ميتافيزيقى` مبهم؛ يجعلنا نشعر أن هذه الكتل `البشرية`- الجافة- توشك أن تتشقق وتنهار.
صفوت قاسم

عبد الهادي الجزار و استشراف المستقبل
- في لوحته الماضي والحاضر والمستقبل ، التي أنتجها في عام 1951 ، من الألوان الزيتية على سطح من مادة السيلوتكس ، وأبعادها 95 سم × 62 سم يصور عبد الهادي الجزار رحمه الله محيطاً كثيفاً من الدلالات والقراءات ينطق به كل عنصر من عناصر اللوحة بسطوع ، هو يضعنا على الحافة الجليلة الفارقة ، أن نكون أو لا نكون ، أن نختار ، ألا نقف في عالم الما بين ، ألا نظل قابعين في برزخ المراوحات البغيض ، أن نستمسك بالوجود ولحظة الوعي و الوميض ، أن نثور وننهض ونحلق نحو النور ، يسقط لعنته على تلك المخلوقات المنسحقة وأولئك البشر المساكين ، فهم معلقون بين السماء والأرض ، مساقون نحو المجهول بخوف من وهم وغيام ، مشدوهون يحملون أولادهم وأشياءهم ، معلقة أبصارهم بجدران السجن المحيط ، سكنت الريح وخيم الظلام وانغلقت العقول ، يربض فوق الصدور هواء ثقيل سممته عطانة الفساد ، يحجب النور دخان كثيف ، عمت الشكوى وساد الوجل وانهمرت الدموع ، موكب يسعى نحو القبور .. كل من بالقلعة واقع تحت وطأة الخوف ، من يخرج فهو محمول إلى التراب ، امرأة تلتصق بالجدران وتخفي وجهها قابعة في رعب ، بلغت القلوب مبلغ الزيغ ، نعق طائر الليل بنذر اليأس ، شقق العطش قلوب الشجر فانذوى و ذبل و استكان للوجوم ، و غيض الماء ، و بات كلُ في سؤال ، استغاثات ونداءات وتشبث وهزيم ، يا من تملك سر الأرض ، يا من تحوي معنى الخلق ، يا محزون ، يا مهموم ، يااااااا مكبل ... أفق ... استيقظ بالله ... أين قوتك وجسدك الخالد فينا عبر السنين ؟ أين ذلك العهد الذي قطعناه ؟ أين سر الوادي الخصيب ؟ أين وهج الصحراء فيك ؟ أين قطرة حابي المقدسة تسري في الأصلاب و تحيي المروءة ؟ ما بالك يا زينة الأرض يا سند الضعفاء وشفاء المكلومين مالك معصوب الرأس مغيب الوعي ؟ ما أصاب عروقك التي سقتها أنوار طيبة ؟ أين طير الحق يرفرف إلى جوار عينيك يزدان به صدغك العفي ؟ أين أبا زيد و قد كنت تحفره فلا يفارق ؟ أين العلامة ؟ أين البشارة ؟ أين بهية ؟
- يربض ذلك الفتى المعصوب الرأس في وجوم ، يرسمه عبد الهادي الجزار وقد تملكت رأسه الظنون وطافت بها المخاوف وكبلها فزع قديم ، اعتنقته ثلاث أحجبة وكبلته وخنقت صوته الصداح ، تربطها سلسلة غليظة كرسها الجزار للناظرين ، يطل من داخل بناية كالقلاع القديمة ، هي سجن ، هي تيه من كتل صماء كئيبة ، صورها الجزار في بناء حلزوني وإيقاع رتيب مقبض ، يدق هادراً في خطوات المساقين نحو المجهول ، في أولئك الخارجين من الناحية الخلفية المظلمة ، في امتداد طابور المقهورين ، واكتمال ضربات الولوج في الظلمات المهيمنة على الكتلة الكبرى للقلعة والفتى المنتظر ، هو ساكن غير قادر على الحركة ونصفه الأسفل لا يظهر لنا ، على الرغم من ضخامة بنيته وصحتها ، يحملق مشدوهاً إلى مفتاح الفرج .. الخروج .. ولا يمد له قبضتيه العفيتين وأصابعه الغليظة المترددة ، تشده صفوف البشر المغيبين المنسحقين تحت وطأة الغيوم ، تلاحقه اللعنات والخرافات والقيود ، يضع له الجزار ذلك المفتاح في طبق قريب ، يهزه وينكأ جرحه ويوقظه ويدفعه دفعاً نحو امتلاك ناصية الخلاص ، يفتح به المغاليق ويفك أغلال الفتى المسجون ، يقدم له الجزار ما يفض به أسر الماضي البغيض ، ما تنفرج به مزاليج الجهل والخوف والعماء ، ما تنجلي به غيامات العقل وتنكشف به أثقال رازحة تقبض الروح وتمرض الجسد ، يظهر فى ما وراء الرابض أناس غير محددي الملامح مساقون نحو شئ ما كالمريدين يلتمسون البركة من الولي ويتعلقون بالشفاء ، يدخلون أفواجاً يبتلعهم الظلام ، فيأتي غيرهم والإيقاعات المشئومة تترى وتصاعد في جنبات الغيب الرهيب ، امرأة وطفل ينتظران ، أناس آخرون يحاولون ويلهثون يتسلقون السور بمشقة ويتهافتون نحو المصير المحتوم ، نحو الانضمام لذلك القطيع الملعون ، يتدافعون من الهاوية مستجيرين بالبنية الصماء ، وجه الفتى فى اللوحة ينضح بالتأمل والنظر إلى البعيد المجهول ، يقدم الجزار استشرافاً لمستقبل يلوح في الأفق ، خلف تلك القلعة البائسة ، يرسم فتاه و قد ولى ظهره للماضي ويمم نحو الحرية نحو الخلاص نحو النور ، المفتاح قريب ، الخروج وشيك ، الإرادة تنبض في الكيان الناهض ، الشروق يلوح في الآفاق ، فقط يمد الفتى العملاق يده ويمتلك مفتاح الغد المنير ، حين أشاح بوجهه عن البناء القديم وكل ما يحويه من بشر و كائنات وظلمات و آلام ، ثم سمى الفنان لوحته بالماضي والحاضر والمستقبل أي أننا نتلقى ثلاثية ما .. عنصران أحدهما حاضر ماثل أمامنا فى صورة الفتى المفتول العضلات ، المغيب الرأس ، والآخر يقع خلفه يحمل علامة الماضي المفارق في جسم السجن والحصار الأليم ، وأما ثالث الأيقونات التي أوجدها الجزار لفظاً وأخفاها تشكيلاً وكثفها في رمز المفتاح وهو جوهر مضمر يهم البطل أن يمد إليه يد النهوض والتحقق والتوثب في تكثيف بليغ لمعنى المستقبل ، وقد تحرر من الجهل والخوف والإرث المعتم . قبض الجزار على لحظة في الزمن ، موقف قدري مصيري ، ومضة من الوعي الحاد والوقوف على نصل الاختيار ، إن الجزار يترك لنا الخيار في تلك اللحظة المكثفة ، إما العودة والاستسلام أو المضي قدماً نحو كسر القيود والوثوب نحو الأفق المفتوح ترك لنا القرار مع ذلك الفتى المسحور ، في ذا المفتاح العلامة .. تتفتح به سبيل النور.
د.هبة الهوارى


إن الدراسة الفنية المنظمة التى تلقاها (الجزار) قبل وأثناء وبعد تخرجه فى الكلية ثم التحاقه بالعمل بها معلما، فضلا عن انتمائه لجماعة - الفن المعاصر - بقيادة مفكرها حسين أمين وعشقة للتراث المصرى القديم وللبيئة الشعبية.. هذه العوامل أفادته كثيرا فى مراحل إبداعه المتنوعة. فهو كان يدرس دائما الأشياء من الطبيعة بإتقان ودقة، يتجلى فيها صبره واخلاصه لعمله.. حتى أن بعض اللوحات كانت تسبقها دراسات تفصيلية بالقلم الرصاص، أو الحبر الصينى عن الطبيعة قد تستغرق وقتا طويلا قبل الإعداد لها. لم يكن (الجزار) عبدا للطبيعة ولم يحاكيها، بل كان متحررا من سيطرتها، ممسكا بدقائقها فى نفسه، كان يعمل بإرادة حرة واعية، ولم يترك شيئا للمصادفة.. كما لم يلجأ إلى التأثيرات المبهمة دون قصد، وإنما كان يتعمق فى تفصيلات عمله إلى الحد الذى أتاح له مرونة كافية فى التعبير، وقدرة على تفسيره الظواهر من خلال رسومه - كان داعيا إلى ضرورة توفر الوحدة والتجانس فى العمل الفنى.
هذا النمط من التفكير الذهنى التأملى يفسر طبيعة اتجاه الفنانين المتزاملين فى (جماعة الفن المعاصر) حامد ندا، والجزار، رغم تناولها الموضوع الشعبي فى الفترة من 1948 - 1959.
وقد شكلت نتاجات (الجزار) فى نهاية الأربعينات أهم ملامح رؤاه الفنية وأميزها وهى المرحلة التى تعرف بـ (ميثولوجيا الحياة الشعبية)، كانت مدخلا نحو عالم جديد … هو فى - حقيقة الأمر - واقع لمجتمع تعس ومريض ومتواكل يعتقد فى القدرية والغيبيات، يرتمى الإنسان فيه بين أحضان السحر والشعوذة والخرافة.. يتخذ من التعاويذ والاحجبة مبررا للدفاع عن النفس ضد أى مكروه، ومن قراءة الغيب وسيلة لكشف المجهول، من واقع هذا العالم استلهم الفنان صوره وعناصره ورموزه وشكل منه مادته الفنية فى قالب كوميدرامى مأساوي أحيانا ولوحات مثل (فرح زليخة 1948) و (محاسيب السيدة 1953) و (شواف الطالع 1953) و (النذر 1958) و (الليل والنهار 1958) ولوحات أخرى كثيرة ذات صبغة اجتماعية يوضح منها الفنان موقفه بلهجة فنية شديدة الاستنكار عالية النبرة.
(الواقع أن الجزار لم يكن أول من تناول المواضيع الشعبية فقد سبقه غليها كل من (ناجى) و (محمود سعيد) و (راغب عياد) إلا أنه يختلف عنهم فى الصياغة شكلا ومضمونا استنادا إلى حساسية رد الفعل الذى عنده تجاه الواقع الإجتماعى ووجهه نظر سيكولوجية، مما كان يتطلب من الفنان فهم الرموز التى تعكس العلاقات والقوى الخفية التى تحكم المجتمع المصرى، واستخدام هذه الرموز نفسها فى كشف تلك العلاقات والقوى والهزء بها فى نبرة تشكيلية خشنة عنيفة تخلو من المحسنات البديعية، تصدم الشعور البرجوازى المرهف وتحاول إيقاظ وعى الناس وقيادته نحو امتلاك مصيرهم(1).
وهذا ما فعله حامد ندا والجزار على وجه الخصوص ابتداء من 1947 حتى 1959 حيث تفرقت بهما السبل بعد ذلك، حيث اختار الجزار فى مرحلة أخرى فى سبيل الفن الذى يعبر عن منجزات الثورة مثل تأميم قناة السويس، والميثاق، والسد العالى، والسلام، باحثا عن شكل ناجح للتواصل بين الفنان والجماهير، ورغم أن هذه المرحلة مختلفة عن طبيعة المرحلة السابقة فإن الحكم عليها من حيث القيمة يصبح ضربا من (التهويل) لأننا أمام فنان ملتزم بقضايا مجتمعه يعبرعن وجهيه الشعبي والإيجابي بحرية تامة وبأسلوب خاص. وهو حين يعالج موضوعات مرحلته لم يعالجها بمفهوم دعائي أو تسجيلي، بل بمفهوم درامى أسطوري - إن صح التعبير - يسمح للرمز والسحر بمكان بارز(2)..
انظر لوحتي (السد العالى 1964) و (السلام 1965).
الرسم عند الجزار:
كان الجزار يبدأ رسومه من أرضية واقعية، فكل عناصر لوحاته موجودة فى البيئة المحيطة به ربما بكل صورها، ثم يحيل هذه العناصر من مشخصات إنسانية وتيمات شعبية عن طريق تحويرها وتجميعها وصياغتها باستخدام الخط واللون المخفف إلى واقع جديد ذى سحر خاص هو الواقع الفنى. وتشهد على ذلك رسومه التى أنجزها خلال عمره الفنى مراحله الفنية المختلفة وخاصة مرحلتي (ميثولوجيا الحياة الشعبية والإنسان والآلة)، أنظر إلى اللوحات المرسومة (تحضير الأرواح 1953).. (عالم الأرواح 1953).. (وجسم هابط من السماء) و (الإنسان والميكانيكا 1964) و... هذه الرسوم تعد على درجة عالية من المهارة ليس فى طريقة أدائها واتقانها وحسب، وإنما لجاذبية هذا الحشد الرائع من العناصر والكتل والخطوط التى يصعب حصرها لتداخلها وامتزاجها مكونة تشكيلا أسطوريا عملاقا.. وهو الأمر الذى يجعل بعض الرسوم (التخيلية) تعادل فى قيمتها أى عمل تصويرى، وإن كانت المقارنة غير وارده.
لقد أمضى الجزار من وقته الكثير فى إعداد الرسوم التى كان يوليها أهمية خاصة لا بوصفها تحضيرا تقليديا للوحاته، وإنما باعتبارها قيمة فى حد ذاتها، لأنه من خلالها وعن طريقها يمكن تنمية القدرات التخيلية وتنظيم الطاقات الإبداعية، وتوضح الرسوم التى أشرنا إليها هذا المفهوم حيث استنفدت غرضها باكتمال نضجها.وتأكيدا على ذلك، إذا ما طابقنا بين الرسوم التى سجلها الفنان أثناء زيارته للسد العالى عام 1963، ودراساته التخيلية الدقيقة التى فجرتها لديه رؤية الآلات العملاقة والماكينات الضخمة، وهيمنة المكان وبين لوحته الشهيرة المسماة (السد العالى 1964) سوف نجد تشابها كبيرا ليس فى التكوين، ولكن فى المفردات والعناصر الواقعية التى استوحاها من طبيعة المكان والمشروع الضخم و أفادته منها فى إنجاز تلك اللوحة التى تعبر عن النهضة الصناعية وأفادته منها فى هيئة وجه لعملاق يتطلع فى شموخ، مرتديا خوذة رجل فضاء، وقد تشكل عنقه وصدره من مئات التفاصيل الدقيقة للآلات فى جو معقد التركيب يبدو كما لو كان غابة صناعية.
د. رضا عبد السلام
من الرسم المصرى المعاصر
قراءة فى لوحة (سيرك الجزار) .. والنُّصُب الخرافى للدنيا
خلال النصف الثانى من خمسينيات القرن العشرين.. كان `الجزار` قد وصل إلى نهاية مشوار البحث المتواصل فى قاع المجتمع الشعبى، عندما أحس أن دوره الاجتماعى- كمصلح- قد انتهى.. بعد أن تبنّت شعارات الثورة (1952) وجهات نظر المفكرين والمثقفين والفنانين الثوريين.. فتحرّر الفنان من مسئوليته- النفسية- عن إيقاظ الوعى، وكان لابد أن يبحث عن روافد أخرى لإلهام مرحلة فنية جديدة، صاعدا فى رحلة البحث من قاع المجتمع الشعبى إلى قمة التأمّل الفلسفى للمتناقضات.. فى لوحات رمزية اختلط فيها الواقع بالخيال، والمنطق باللامعقول.. مُغلّفة بحس ميتافيزيقى تشاؤمى، رغم ما انطوت عليه من بهرجة لونية وحركة (مثل ما نرى فى لوحة `السيرك`- 1956) التى استلهم فيها تشبيه الحياة بصراعاتها وتناقضاتها بالسيرك. أما الموت الذى ظل هاجسه ملازما له على مدار عمره القصير (بسبب ما كان يعانى من علّة فى قلبه تهدد حياته) فقد جعله مدخلا للمشهد، متمثّلا فى ذلك القط الأسود الرابض متربّصا بجوار شجرة جرداء نبتت فى صخرة طوطمية (بما عليها من رسوم لتعاويذ وتمائم)، فى مواجهة تابوت حجرى انتصب على قاعدة سوداء، بجوار رجلين.. وقف أحدهما يقدم عرضا خطرا، ممسكا أفعى خضراء داكنة (كمن يقبض على الموت راجيا العيش- او الحياة) وقد نقش على صدره وشما لأسد مستوحى من التراث الشعبى، دلالة على قوته الهرقلية.. التى ربما تنتهى بِسُمّ الحية المتلونة، ووشما آخر لنخلة مبسطة تشير إلى ما يريد- أو يحتاج- من زاد، يحلم أن يستمد منه قوة الأسد، علّه يقدر على حسم الصراع المرير مع الموت (الثعبان). ووقف خلف ظهره رجل آخر عارٍ، ينظر ذاهلا إلى رمز الموت (القط الأسود) [وربما يكون الفنان قصد أن يشير إلى نفسه؛ حيث وضع أمامه حاملا للرسم ذو قوائم سوداء عليه لوحة ورقية بها رسم تجريدى مبهم، وعلى الأرض رسم خطى بالأسود لشكل إنسانى مُبالغ فى تحريف ملامح وجهه، يبدو كأنه خرج من حطام أشكال لوحة الجرنيكا]. أما المستوى الثانى- فى العمق- فقد اشتمل على رسوم وصور لأشكال تعكس علاقاتها أبعادا ودلالاتا رمزية، حيث انتصب قرب اليسار بناء مركّب من ثلاث طوابق لجذوع إنسانية تنتهى برأس `جِنّيّة`، شعرها الأحمر الطويل تدلّى حتى وصل إلى جذعها السفلى، ربما أراد أن يرمز بها للدنيا بتقلباتها (التى ربما تشبه- من وجهة نظره- طبيعة المرأة)، وقد أمسكت بكفّى ذراعى جذعها السفلى سيفا- للترهيب، وأمسكت بكفىّى ذراعى جذعها الأوسط فونوغرافا عتيقا- للترغيب (أو الغواية)- أما ذراعا جذعها العلوى بلونهما الأسود.. فيشيران- رمزيا- إلى قبضتى ملاك الموت. وتحت قدمى ذلك المركّب البشرى العجيب بَرَك رجل عار البدن على أربع كالحيوان، وقد اشرأبّت رقبته الاسطوانية الطويلة، ورفع وجهه الجانبى المحوّر الذى ارتسمت عليه علامات الذعر والاستجداء تحت السيف المحمول على كفّى ذراعى الجذع السفلى للمراة الخرافية، بينما وقف خلف البناء الآدمى صبى يرتدى جلبابا أسودا قصيرا، ممسكا ساقيها؛ ليوحى أن الفنان لا يتوسّم فى المستقبل أية بارقة [وبدت علاقات الأشكال الثلاثة اشبه بلعبة أكروباتية فى سيرك الحياة، الرجل اللاهث اسفل جدار الزمن، ينتظره الموت المحقق.. إن لم يكن بالسيف ككان بغيره (ذراعى ملاك الموت- الأسودين)، أما الصبى- رمز المستقبل- بجلبابه الأسود.. فقد أوشك على اليأس وهو يجاهد لكى يحول دون انهيار جدار الزمن المفكك الهش]. وفى مواجهة لعبة الحياة- والموت- قفز الأكروباتى (ببزّته القاتمة، وملامح وجهه التى تشبه `سلفادور دالى`) من فوق الدراجة السوداء التى وقفت ساكنة فى- نهاية السباق- ليركب رسما خطيا لحيوان أقرن بوجه آدمى، مستسلما للوهم، شاخصا ببصره إلى المجهول. ومثلما بدأ المشهد بالموت.. انتهت به رقعة اللوحة، حيث يرقد طابور من التعساء بأردية بيضاء كالأكفان، وكأنهم فى نهاية فناء سيرك الحياة وقعوا ضحايا لعبة القدر، وقد ارتصّت جثامينهم المتكررة الرتيبة فى مسار نصف دائرى، ليصيروا جزءا من الدورة الأبدية التى لم تكتمل ضحاياها بعد (وربما لن تكتمل- لأنها أبدية). وأطل من فوقهم طابور المتفرجين خلف منصة نصف دائرية- أيضا- بثياب الحداد، يودعون ضحاياهم. وفى أقصى العمق أُغلق المشهد بصف من البنايات كالمقابر، بينما امرأتنان متشحتان بالسواد وقفتا أمام أحداها رافعتين أذرعهما كالنائحات .
بقلم :صفوت قاسم


- ولد عبد الهادى الجزار فى حى القبارى بالاسكندرية فى مارس عام 1925 وعاش فى حى السيدة زينب حيث التقى استاذه الرائد حسين يوسف أمين بمدرسة الحلمية الثانوية ليصبح موجهه وراعيه ومؤسس جماعة الفن المعاصر التى انضم إليها الجزار مع ندا وسمير رافع وأحمد ماهر رائف وإبراهيم مسعوده عام 1946م وتخرج الجزار من مدرسة الفنون الجميلة عام 1950 وعين معيدا بقسم التصوير وفى الفترة من 1958 إلى 1961 قضى سنوات البعثة بإيطاليا حيث تخصص فى الترميم وتكنولوجيا التصوير ثم عاد ليواصل تدريسه بكلية الفنون الجميلة وليتألق كمبدع نادر المثال فى الحركة الفنية المصرية وعلامة على البحث فى الهوية الوطنية فى الفن دون افتعال أو تصنع يحصل على الجوائز والتكريم والاعتراف والمحبه من المسئولين ومن زملائه وتلاميذه لدماثة خلقه ورقة طباعة وعمق نظرته وتواضعه.
- وفى 7 مارس عام 1966 فجع المجتمع الفنى بوفاة الجزار إثر عملية جراحية فاشله وهو فى بداية الاربعينيات من عمره وفى ذروة تألفه الابداعى.
- يقف الفنان عبد الهادى الجزار فى موقع شديد الخصوية والأهمية فى حركة التصوير المصرى الحديث والمعاصر ، فهو صاحب رسالة وإنجاز غير مسبوق تميز بالصدق وبالانعكاس الطبيعى والتلقائى للظروف والملابسات التى عاناها طوال حياته من ناحية، ولاحتكاكه الثقافى بالرائد المربى حسين يوسف أمين الذى أحتضن موهبته وزملائه من أعضاء جماعة الفن المعاصر منذ كان فى المدرسة الثانوية من خلال نادى الفنون بمدرسة الحلمية الثانوية حيث ظهر نبوغ الجزار وأمن برسالته وطريقه وكان لاعتقاله مع أستاذه عام 94 بسبب لوحة وجبة الجياع بمثابة منبه لشعوره بمسئولية قومية فى التعبير عن الطبقات المطحونة الكادحة وأهوال ومساخر حياتهم اليومية وكان الجزار رغم هدوءه ورقته البالغه، مشحون بالعواطف الدرامية والتصورات الأخلاقية ذات الطابع الفلسفى، ومن ثم فقد رسم فى منتصف الخمسينات لوحات ورسوم تضمنت صيغ مكتوبة لأشعار عامية كالاهازيج ، والحكم العامية ذات الدلالات المآسوية.
- فى أعمال عبد الهادى الجزار نزعة سيريالية غير خافية، بالرغم من الإختلاف المذهبى فى توجهة نحو التعبير عن المجتمع وليس عن الذات الباطنة، فى أعماله يميل إلى أعلاء قيمة الغيبيات الهذيانية للسلوك الغريزى لأبناء الطبقة الشعبية الذين تحركهم القدريات الميتافيزيقية كبديل للعمل وللمعرفة، وهيمنة المصير الغامض والخوف الدائم على قدر الإنسان من السحر المشعوذ تارة ومن الكائنات الروبوتية المركبة التى ينصبها الإنسان على أرضه الجرداء فى المراحل الأولى من أعماله أو تلك التى تأتى من السماء ومعها شرور غير منظوره والتى هيمنت على أعماله الأخيرة كما أنه على المستوى التقنى البنائى للصورة قد تأثر بالسيرياليين من حيث لجوئه إلى فكرة تداخل العناصر وتخليقها بعضها من البعض وجمودها وتحجرها تارة ونبضها بالحياة تارة أخرى. وفى فكرة الربط فى لوحاته بين كائنات من أجناس متباينة تتعايش فى عالم مفرغ الهواء، لا حوار ولا تواصل بينهما ، فضلا عن الجمع بين أمكنة وأزمنة متباينة فى نفس رقعة اللوحة الحياة والموت والبعث والتاريخ والحاضر عالم السماوات وعالم البحار والعالم الأرض الملموس والاثيرى. كلها أطباق سيريالية هيمنت على أعماله بصورة مختلفة.
- استثمر الجزار تأثير` المونوتيب` لتحقيق بقع لونية وتأثيرات ملمسية غير متوقعة، ثم ينسج عليها شبكات خطوطه بعد أختيار الوضع الأمثل لموضوع تعبيره الذى تحدده احياناً تداعيات تلك العلاقات التبقيعية والتمويهات اللونية ، حيث يتصيد منها ما يؤكده ليصبح وجهاً أو رأساً أو أطراف أو صخرة هائلة. وقد كان لهذه التجربة دوراً محورياً فى طريقة تحريك خيال الفنان اعتباراً من 1964 ، فإن مجموع التفصيلات الميكانيكية والمعمارية، كتراكيب الماكينات والصناديق المتراكمة والأسوار والمعابر والعناصر العضوية التى تتغلغل بينها كالأمواج أو كالامعاء ، وفقرات عظم الحيتان والفقاعات ، ومساحات الأسلاك والتروس التى تزحف على جبهة وحول أذن البطل الرمزى للسد العالى ، وتتشابك مع الكتل الإنشائية من الزوايا والأذرع، كلها نتائج للتمويهات اللونية التمهيدية، التى تضع الأساس لخياله، فيؤكد بعضها ويضيف إلى بعضها الآخر إضاءة وظلال ومسامير وروابط ، ثم يستخدم خبراته الكلاسيكية فى الرسم ليعمل حيل المنظور الشاسع فى الخلفية الذى يؤكد صرحية الرمز البطولى، ويصور موجات السحب المتسارعة ليوحى بالدراما الديناميكية فى الجو المحيط، ويستخدم الشفافيات فى إظهار القناع الزجاجى الذى يكسى معظم الرأس والرقبة الطويلة (البايونية) Paionic كما فى لوحة إنسان السد هنا وهناك شخوصا تجرجر ظلالها الطويلة، ثم يعمل شبكات الخطوط التى توثق الكتل بعضها بالبعض، وتكثف مناطق التزاحم، الوجه الكبير الذى يتجلى فى قلب اللوجة إلى أقصاها، مع ركام العناصر الميكانيكية والعضوية التى تحدد الأضلاع الثلاثة لإطار اللوحة ، من أسفل ليؤطر الفراغ الشاسع على الجانبين فى النصف الأعلى، لتصبح اللوحة وكأنها تفصيل مكبر بذكاء وحنكة من عوالم` هيرونيموس بوش`.
- إن التمكن والحنكة عند عبد الهادى الجزار فى لغة التصوير وتقنياته التى كان يمارسها يوميا ويدرسها لطلابه ، مع تطلعه الثقافى ونزوعه التأملى مكنته من اقتحام عوالم الإبداع وتوظيف التحضير العشوائى كمثير تحضيرى لاستدعاء الأفكار والعلاقات البنائية وعزل الملامح والتراكيب ، وهنا يتضح أن الفنان قد استعار من طريقة العمل التأليفية التى اشرنا إليها سلفا فى الرسم حتى وأن لم يبداً بالتبقيعية الممهدة للعمل فقد أصبحت عيناً عقله تتبع بقعأ وهمية أو متخيلة ويغزل عليها ركام العناصر المتزاحمة.
- وفى الأعمال التى ترجع إلى بداية الستينات ظهرت ملامح النزعة الكولاجية فى طبيعة تكوينات لوحاته الصرحية- الميثاق 62 ثم ظهرت فى لوحة السلام 1965 وفى إنسان السد ومن الفضاء 1964 ففى لوحة الميثاق المعروضة بالمتحف على سبيل المثال تقف مصر الخضراء تحمل الميثاق وعلى رأسها شعار الدولة، وكأنها كتلة من المخمل الأسود رصعت بأكف ووجه لأزورديين اللون ، والشعار نحاسى لماع لون بالميناء، وأمامها ينحنى الفلاح يضع فى كف لوزة قطن وفى الكف الآخر حفنه قمح، وعلى كتفه فأس معلق، يظهر الفلاح وكأنه قد قطع فى الخشب ولون وثبت أمام رمز مصر، وفى مواجهتة عامل يحمل مفتاح ربط الصواميل فى زيه الأزرق الرمزى، وهو منفصل ومضاف كأنه ملصق على اللوحة، وفوقه محرك سيارة محدد تماما ومنفصل عن جو اللوحة بتفاصيله الخلو من الألوان، وتحديده الأبيض الذى يؤكد علاقته الكولاجية.
- وخلف هذه الكتلة الصرحية الرمزية المركبة والملصقة مشهد ميناء الإسكندرية، وخطوط الانابيب والسفن، وتمثال جندى رخامى على قاعدة تذكارية ، ورجلى دين مسيحى وإسلامى يحتضن كل منهم الآخر، وأمام الفلاح رسم أبو قردان يقف على صك ملكية كتب بعناية، وعلى عباءة الفلاح كتب الفنان بعناية فقرات من آية الكرسى مطرزة بالقصب على شريط زخرفى، ومن فوق رأس الرمز الدال على مصر ، تتفرع شجرة جافة كثيفة الأفرع يؤكد النزعة الكولاجية الإيهامية - بدون تلصيق فعلى- وقد استخدم الفنان مناظير مختلفة فى رسم العناصر ووضعيتها على اللوحة ليؤكد تعدد زوايا الرؤية.
- أما عندما اتجه الجزار إلى تصوير لوحاته الاخيرة عن الميكنة والفضاء، فقد صور أجسام هابطة من السماء 1964 فى قضاء شاسع بلا هوية أو ملامح جغرافية فقد اختفت موانىء الاسكندرية التى لعبت دور الخلفية فى مشاهدة السابقة، كما اختفت الجدران المطلسمة بالرموز السحرية، وأصبح الفراغ كونى تعربد فيه آلات وأطباق وجبارة تطيح بالبشرية الضائعة، وأبراج عملاقة تتداعى أمام تلك القوى القاهرة الآتية من السماء، استغرق الجزار فى تلك المجموعة من اللوحات فى التعبير عن المجهول الميكانيكى الجديد الذى احتلت شروره موقع الجهالة الميتافيزيقية فى لوحات الحياة الشعبية.
بقلم : د. مصطفى الرزاز
من كتاب الفن المصرى الحديث
رحلة عمر قصير
- كان أحد عناصر المستقبل الفنى لهذا البلد يتمثل فيه تطلعه إلى التعبير عن آفاقه ، وسعيه الدائب إلى الكشف عن صيغ جديدة لتجاربه
- وعندما منح جائزة الدولة التشجيعية للفنون هذا العام عن لوحته ` السد العالى .. والإنسان الجديد ` رأى فيه النقاد إشارة إلى رؤية جديدة تعمق أبعاد هذا الفنان الذى تحول بأدواته للتعبير عن العصر الجديد ..
وما كان أحد يدرك وهو يتقلد الجائزة والوسام ، أنه مع المنبة على موعد قريب عبد الهادى الجزار فنان من جيل ` الثورة الثانية ` فى حياتنا الفنية ، تلك الثورة التى انطلقت شرارتها بعد ثورة جيل الرواد فى العشرينات ، ويكاد بدؤها يتحدد مع ميلاد جماعة الفن والحرية وجماعة الفنانين الشرقيين الجدد ، ثار الأولون على ما فعلته النازية بالفن فكونوا جماعتهم قبيل الحرب للدفاع عن حرية الثقافة ووجدوا فى النزهة السيريالية منطلقاً تخيالاتهم ، وشاركهم من فنانى الجيل الأول محمود سعيد ، لقد وجدوا عند ` ذات الجدائل ` ذلك الأنوثة الوحشية السافرة التى طالعوا ملامح منها فى لوحات بول ديلفو فجعلوا منها مركز اشعاع وسط أعمالهم .
- أما الفنانون الشرقيون الجدد فقد أرادو أن يبعدوا بالفن المصرى عن مؤتمرات الفنون الغربية فمنهم من اتجه إلى الأساطير الشعبية ومنهم من عمد إلى ملامح الفن الفرعونى وفيهم من ذهب نحو الفن الفارسى الاسلامى .
- تجارب لم تكتمل ولكنها من نتاج هذا القلق الخلاق الذى حرك وجدان المثقفين نحو البحث عن مدلول وصياغة جديدة للفن والأدب كان التشكيليون خلالها أسرع خطأ من الأدباء .
- فى هذا الجو المشحون بشراءات أفكار لا عداد لها ظهر اسم عبد الهادى الجزار فى حياتنا الفنية مع مجموعة من الشباب قدم معظمهم من أحياء القاهرة الشعبية وخرجوا من الطبقة الوسطى الجديدة ليتلقوا التعليم بالمدارس تجمعوا على غير اتفاق حول استاذ عاد بعد اقامته فى أوروبا وفى البرازيل مأخوذ بأحداث ثورة فى فن التصوير وتحطيم الاكاديمية التعليمية من أجل حرية التعبير ، ونفاذ الرؤية إلى باطن الحياة الشعبية .
- جمع الأستاذ حسين يوسف أمين مريديه من تلامذة المدارس الثانوية التى كان يسلم بها فن الرسم ، ووجه مواهبهم إلى الفن وفتح آفاقهم ، ولعهدهم فى كلية الفنون الجميلة .
- كان من هؤلاء مجموعة من خير عناصر الجيل الثالث من فنانى مصر المعاصرة .. حامد ندا ، سمير رافع ، كمال يوسف ، إبراهيم مسعودة ، محمود خليل ، عبد الهادى الجزار .
- جاء عبد الهادى الجزار محملا بالرؤى التى ملأت نفسه من سنى نشأته بحى القبارى فى الاسكندرية وبحى السيدة زينب بالقاهرة ومعه أحلام طفولة غامضة ورواسب من جو السحر وأخلاط من الأحجبة والتعاويذ . من هذا التفاعل ولدت الصورة الفنية عند عبد الهادى الجزار وظهرت رؤياه منذ أخذ يعرض أعماله الأولى فى القاهرة ، وعنما عرض مع مجموعة زملائه تلامذة حسين أمين فى معارض جماعتهم ` الفن المعاصر ` .
- وفى باريس كان اللقاء الخارجى الأول مع هذا الاتجاه الجارف فى فننا المعاصر حين عرضت أعمال الجماعة فى معرض ` مصر - فرنسا ` سنة 1946 وصوبت انظار النقاد إلى ما وراء أعمالهم من معنى عميق وبدأ الناقد البلجيكى الكونت دار سكوت مراجعة قصة الفنون الحديثة فى مصر والتركيز على أعمال هذه الطليعة النووية الجديدة.
- كانت أعمال عبد الهادى الجزار تدور حول المحور الشعبى وتنقب فى رواسب النفس البشرية وتقدم تغيرات مبهمة مثقلة بالرموز لما وراء السحر والشعوذة والبطولات الشعبية من دلالات تحولت على يديه إلى لغة التشكيل.
- قد تقبض هذه اللوحات النفس بما تحمله من إبهام السحر وغموضه ، وما تضح به الألوان من قتامة داخلية تقترب من الفواجع ، غير أنها تأخذنا بما فيها من ذكاء النفاذ إلى الباطن وبقدرتها رغم مضامينها الأدبية وعنايتها بالسرد الداخلى على أن تجمع كل الأشكال والرموز فى صبغ تشكيلية تدين بألوانها إلى مصادرها الشعبية ويفديها روح الاقدام الجرئ ورغبة الخروج على المألوف والاستحواذ على الرؤى الجامحة .
- بهذا عاشت لوحات الجزار من ` المجنون الاخضر ` و ` أدهم ` و ` زليخة ` و ` القدر ` و ` الماضى والحاضر والمستقبل ` وأثارت ضجة بما أحدثته من هزة فى الرؤى .
- وسافر عبد الهادى الجزار لاستكمال دراسة الفنون الجميلة بإيطاليا ثم بفرنسا وهجر لفترة عالم الرموز الشعبية ليتكلم بلغة التجريد وبعمق تجارب الاداء الفنى فى اختيار اللون ومعالجة المسطحات وتوازن التكوين .
- وبتوالى تمثيله لمصر وف معارض دولية وخارجية.
ويعود الجزار من رحلته فى متاهات عالم السحر والشعوذة والتنقيب فى باطن الحياة الشعبية ، وبهجر أساليب التجريد لأنه يجد فى الفن المشخص لغته التى يستطيع العبير بها عن روح مصر ... ولكنه دائما لا يغادر الرمز الذى يؤكد عمق رؤاه الفنية .. وهو يجنح إلى الرمز فى لوحته ` الميثاق ` التى أعدها بمناسبة انقضاء عشر سنوات على الثورة .. وهو لا يستطيع أن يدعه فى لوحاته التى استوحاها من عصر الصناعة وحولت شعاراته من الوشم والأحجبة والسحالف الى التروس والاسلاك والآلآت المتحركة .. وعلى الرغم من أن الجزار يحاول أن يقول فى لوحاته كل شئ ولا يقنع بالموجز الا أن لمساته الرمزية تحيل هذا السرد التشكيلى الى اشرات تحدد مرامى العمل الفنى وابعاده ، وطريقة تأليفه لاسلوبه واختياره لعناصره من مختلف الصيغ التشكيلية التى استوعبتها ثقافته .. كل ذلك يضفى على فنه قيمة ويعين على تأكيد جوانبه التعبيرية .
- ويحرص الجزار على أن يكون صادقا لثقافة عصر معبرا عن آفاقه فينطلق بتأملاته وتطلعه الى عالم الفضاء والصواريخ يستخلص منه تعبيراته التشكيلية فى صيغ راسخة يغلفها الرمل بغلالة من الشعر الرقيق . ويسعى الفنان الى استكمال ابعاد تجربته ولكن الحياة لا تتمهل به وتختتم قصته قبل أن تكتمل مدارها .
بين مولد عبد الهادى الجزار سنة 1926 ووفاته سنة 1966 رحلة عمر قصير ولكنه استطاع خلاله أن يعيش فى لوحاته - الماضى والحاضر والمستقبل .
بقلم : بدر الدين أبو غازى
مجلة الهلال : يناير 1966
الرؤيا الخاصة والتعبير عن الجماعة
- تجد فى حياة الشعوب فترات تشتد فيها الحاجة إلى تذكر الإبداع الفنى المتميز لأبنائها الراحلين، كما يظل هذا الإبداع بتجدد الأجيال قابلا لإعادة اكتشافه وإدراك زوايا جديدة منه، وإلقاء الضوء على ما خفى من جوانبه، وتلك عملية ضرورية لسلامة المسيرة حضارية، وإتاحة الفرصة للتواصل اللازم بين الأجيال المتعاقبة من أجل استمرارية ونمو الكيان الفني والثقافي للبلاد.
- ومن بين فناني مصر الراحلين الذين يجدر بنا إعادة تأمل أعمالهم - وخاصة في هذه الأيام - يلمع أسم عبد الهادي الجزار براقاً متألقاً، ومشيراً إلي نوعية من الرؤية الفنية النابعة من صميم البيئة الشعبية المصرية، بل إن مجرد ذكر اسم الجزار - عند المتابعين للحركة الفنية المصرية الحديثة - فإنه يستدعي إلي الذاكرة مئات الصور والخيالات والرموز التى استطاعت أن تجسد روح الشعب المصري وتقاليده وأفكاره، كما أنه يستدعي إلي الذهن ذلك الصدق الفني الذي كان يشع من لوحاته ورسومه في فينتقل مباشرة إلي قلب المشاهد، مقدماً الدليل على أن بلاغة الفن وقوة تأثيره لا تكمن فقط في قوالبه الجمالية التقليدية، وإنما في شحنته التعبيرية وما تحدثه من هزة للرائي.
- بين مارس عام 1925 ومارس عام 1966 عاش الجزار حياة كانت - على قصرها - عامرة بالفكر والتأمل والإنتاج الفني الغزير، وكان نموذجاً يحتذى في دماثة الخلق واتساع الأفق، وحين اختطفه الموت - لعلة في قلبه لازمته منذ شبابه المبكر - كان في قمة نشاطه وعطائه الفني، ولم يكد يهنأ على تكريم الدولة لفنه بمنحه جائزتها التشجيعية في فن التصوير عام 1965. وكان لوفاته المفاجئة وقعاً هائلاً في الوسط الفني التشكيلي، فقد كانت خسارة لواحد من أهم فرسان التصوير المصري الحديث وركناً من أقوى أركانه ، ولقد عبر عن مدي هذه الخسارة الناقد والفنان حسين بيكار حين كتب عن الجزار بعد وفاته (كنت أعتبره من أنضج الفنانين المحدثين، وأحدي دعائم الحركة الفنية المعاصرة، ومن أعمق من أمسك الريشة من المصورين فناً وفكراً وإنتاجاً).
- بدأ عبد الهادي الجزار رحلته مع الفن منذ أن كان تلميذاً بمدرسة الحلمية الثانوية بالقاهرة، حيث التقى فيها بالمربي والمفكر الكبير حسين يوسف أمين، الذي كان يتولي تدريس الرسم مركزاً اهتمامه على اكتشاف ذوي المواهب الفنية المبشرة، ولقد أحدث ذلك اللقاء تحولاً أساسياً في حياة الجزار، فقد أصبح الفن هو شاغله ومبتغاه. وحين توسم فيه أستاذه الفطرة الفنية السليمة، وبدأ في الاهتمام به وتشجيعه منذ عام 1938، وعندما يبدأ في تنفيذ تجربته الرائدة والفريدة في تاريخ الحركة الفنية المصرية الحديثة بتكوين جماعة الفن المعاصر، فإنه يختار الجزار ضمن نخبة من تلاميذه الموهوبين: حامدا ندا - ماهر رائف - سمير رافع - كمال يوسف - إبراهيم مسعود - سالم الحبشي - محمود خليل، بالإضافة إلى حسين أمين نفسه الذي غلب عليه طابع الريادة والتوجيه، وتوفير المناخ الثقافي السليم لتنمية قدرات أعضاء الجماعة الفنية والفكرية، وكانت ثقافته العالية، وتفتحه الذهني عاملاً أساسياً في إنضاج شخصياتهم الفنية في عمر مبكر، مما هيأ لهم الفرصة - وبخاصة الجزار وندا - لأن يؤدوا دوراً هاماً ومؤثراً في تطور الحركة الفنية في مصر وإثرائها منذ الأربعينيات وحتي اليوم.
- ومن المفيد هنا أن نوضح أفكار جماعة الفن المعاصر، والمبادئ التي اعتمدت عليها، وكانت بالتالي من أهم المكونات والمؤثرات في أسلوب الجزار وفكره الفني. لقد آمنت الجماعة التي اتخذت شعاراً لها (الفن والمجتمع) بأن الفن الذي كان سائداً حين إنشائها هو فن ناعم ومهادن، وغرضه البهجة والزينة، إذا كان يتلاءم مع عواطف ومشاعر الطبقة المترفة، فكان لهذا فناً ليناً سهلاً لا يعبر عن حقيقة الواقع والتراث، وبعيداً عن الجماهير لا يتفاعل مع أحاسيسها، وهو في النهاية فن خال من هدف بناء، أو مثالية رفيعة تتفق مع جوهر الحياة وتطورها أو تعبر عن رأي. كما تيقنت الجماعة أن هذا الفن قد فقد أهم مقوماته - الحرية والخلق والإبداع - فعجز عن التعبير بعمق عن طابع الشخصية المصرية الصميمة وما تطويه داخلها من أصالة.
- وقد أصدرت جماعة الفن المعاصر بيانين، صدر الأول منهما - وأكثرهما أهمية - بمناسبة إقامة أول معرض لفناني الجماعة عام 1946، وجاء موضحاً للدعامة التي بنيت عليها مثاليتها، وهي الصلة الوثيقة بين الفكر والفن، واعتبار كل من التصوير والنحت والموسيقى كالأدب وسيلة لنقل فلسفة ما، وأن الدافع وراء أعمالهم الفنية هو خلق قيم جديدة تحل محل النسيج الفكرى الكامن وراء فهم الناس للطبيعة وعلاقاتهم فيها على أساس غير صحيح . ولقد أكد البيان على أن الفنان بعيد عن كل القمم التي يأمل الوصول إليها ما لم يطو في نفسه الفيلسوف، وبأن الفكر هو الذي يغذي الإحساس الفني ليطبعه بطابع العصر، فالإحساس المجرد يتصف بالثبات في كل العصور المتتابعة، أما المستوى الفكرى فهو دائماً المتغير، ولذا نجد تغييراً في فنون تلك العصور، فمن سحر الغموض في الفن المصري أو البدائي، إلى روحانية الفن المصرى أو الصيني، إلى مادية الفكر الإغريقي، ثم اختلاط الفلسفة المسيحية والنزعة المادية في الفن الكلاسيكي، وأخيراً غزو الطبيعة وسيطرة العلم، والوعي بالأوضاع الاجتماعية وبمدى ارتباط الفن بالحياة. وتنحاز الجماعة في بيانها إلى الاتجاه السيريالي الذي يأبى في تكامله إلا أن يقف جنباً إلى جنب مع الفكر الحديث، فهو يهدف في نظرهم إلى عكس ما ترمي إليه الفنون السطحية التى تتجاهل سر الحياة وسر علاقاتنا فيها.
-وفي عام 1948 أقامت جماعة الفن المعاصر معرضها الجماعي وأصدرت بيانها الثاني الذي لم يأت بجديد على ما تضمنه البيان الأول، وإنما زاد أفكاره شرحاً وتحليلاً، وأعاد التأكيد على أن الفنان هو المكتشف أو القائد الذي يفتح أمام الإنسان إدراكه ويرهف حساسيته ويعمق نظرته كخطوة للسيطرة. كما عاود البيان كرة الهجوم على الاتجاهات المسايرة للفنون التقليدية التي لا يمكنها أن تواجه روح العصر بتعقيداته ونزعاته العلمية المركبة، وخاصة الفن الكلاسيكي الذي لا تعتبر النظرة العامية غيره فناً، بنزعته نحو تجميل الطبيعة وستر آلام الإنسان وتغطيتها بالمظاهر الزائفة. ودعا البيان جمهور المتذوقين - من أجل فهم سليم للإنتاج الفني المعاصر إلى الإلمام بأنواع الثقافات المختلفة التى تخرج منها المثاليات المتعددة للمدارس المعاصرة التى تتجه وجهة أدبية وفلسفية، فإن هذا الفهم العام هو الذي يؤدى إلي قبول واستيعاب إنتاج كل فنان في مجموعة، وعدم الإحساس بإبهام المعروضات أو غموضها.
- ونحن إذا ألقينا نظرة شاملة على إنتاج الجزار طيلة عمره الفني، سنجد أنه قد التزم بتلك الحدود التى رسمها فكر الجماعة في بيانها الأول، فهناك المضمون الفلسفي والإيحاء السيريالي، ونبذ المفاهيم الفنية التقليدية، والوعي بالأوضاع الاجتماعية، وارتباط الفن بالحياة ، ثم غزو الطبيعة وعصر العلم. كل هذه كانت محاور تجربة الجزار الفنية، مضافاً إليها ذلك الإيحاء القوي بالمجهول، والغموض الذي يسيطر علي الأشكال والعناصر، وذلك العبق السحري الذي ظل يبثه في أعماله مهما اختلفت مواضيعها، والذي يوقظ في النفس الإنسانية أعمق الأحاسيس والمشاعر.
- وهكذا بدأ الجزار تجربته عام 1938 - ومازال طالباً بالمدرسة الثانوية - بأعمال تدور حول فكرة نشأة الحياة، والإنسان وعلاقته بالكون، وعالم البحر والقواقع - وربما كان ذلك صدي لقضائه سنوات الطفولة بمدينة الإسكندرية - وقد أطلق حسين أمين على هذه الأعمال (المرحلة التحضيرية) وضمت لوحات مثل: الإنسان والقواقع 1942، ورجل في قوقعة 1942 والمرأة في القوقعة 1942 وآدم وحواء 1942، وكانت تشى بشحنة تعبيرية متفجرة، وتنم عن شخصية فنية ذات مذاق خاص، وإن جاءت الصياغة والتحويرات التشكيلية للعناصر بسيطة الأداء لم يتم صقلها بعد.
- وفي نهاية الأربعينات بدأ الجزار مرحلة جديدة، استمد صورها وعناصرها من البيئة الشعبية المصرية الصميمة، وتجدر الإشارة إلى أنه عاش صباه في حي السيدة زينب، حيث تتجمع المواكب في مولدها حاملة البيارق والأعلام، أو تتمايل في حلقات الذكر في نشوة مع دقات الدفوف، أو تهيم في عالم سحري، وحيث عالم السيرك والعجائب والخوارق، والنماذج البشرية المستكينة لقدرها، المحتمية بالأحجبة والطلاسم والرموز. من كل هذه العناصر شكل الجزار مادته الفنية وصاغ منها أعمالاً ذات قيمة فنية رفيعة، وكانت قمة إنتاجه الفني وذروة عطائه، والإضافة الحقيقية التي قدمها للتصوير المصري الحديث، وتمثلت في لوحات مثل: الطعام 1948، وفرح زليخا 1948، وعربة السيرك 1951، والمجنون الأخضر 1951، والماضي والحاضر والمستقبل 1951، ودنيا المحبة 1952، وشواف الطالع 1953، ورسم تحضير الأرواح 1953.
- ويبدو أن أعمال الجزار كانت مفاجئة لجمهور المتذوقين بشدة تأثيرها وعمق التعبير فيها، ولعل أصدق مثال على تلك المفاجأة ما كتبه أحد النقاد بجريدة النداء عام 1951 يصف أعمال الجزار بأنها (لوحات تعبر في صدق عن أحاسيس الشعب، ومتاعب الشعب، ولوعة الشعب، وظل المجتمع يتفرج على لوحات الجزار وهو مذهول، كان المعرض أشبه بفيلم سينمائي يعرض صوراً معبرة لا أثر للكلفة فيها، ولا أثر للادعاء والتقليد، ولأول مرة يصفق المجتمع لفنان مصري يفهم الفن على أنه من وحي الشعب).
- والواقع أن الجزار لم يكن أول من دارت أعماله حول مواضيع شعبية، فقد سبقه إلى هذا الميدان من جيل الرواد كل من محمود سعيد ومحمد ناجي في بعض أعمالهما، وراغب عياد في معظم إنتاجه، كما لم يكن الموضوع الشعبي في حد ذاته هو منبع القيمة الفنية في أعمال الجزار، وإنما كان تميزه في طريقة تناوله لذلك الموضوع وفي أدائه الفني له. فقد كان ذا خيال فني خصب، وثقافة فنية عالية أتاحتها مناقشات وندوات جماعة الفن المعاصر، بالإضافة إلى مهارة في طرق الأداء اكتسبها من خلال دراسته الفنية الأكاديمية المنظمة بالفنون الجميلة في مصر وإيطاليا. كل هذه العوامل أدت إلى تمكن الجزار، وامتلاكه ناصية التحوير الجمالي للعناصر والأشخاص، ومزجه في انسجام فني متكامل بين مفردات الواقع وشطحات الخيال.
-ونعتقد أن الصواب قد جانب النقاد الذين نظروا إلى الجزار على أنه فنان سيريالي، تلك الصفة التى كانت تطلق على أى فنان يحمل عمله قدراً من التشويه أو تحريف الشكل الطبيعي، والجزار نفسه ينفي هذا الوصف عنه، إذ كان يعتقد بأنه يختلف عن فناني السيريالية اختلافاً واضحاً، فبينما هم يعبرون باللاشعور، ويعالجون موضوعاتهم بما يقع خلف العقل الواعي، فأنه يتقدم إلى الأمام، ويدرس ظواهر الطبيعة نفسها لتكون رموزاً حسية أقرب إلى الأذهان. وذلك لا ينفى بالطبع أن أعمال الجزار قد حملت في ثناياها إيحاءات سيريالية بل ورمزية وتعبيرية أيضا، لكن فنه يظل بمنأى عن قولبته داخل إحدى المدارس أو حصره في إطار تعاليمها. وهو في رأينا اقرب إلى الإنتماء لاتجاه مصري أرسى قواعده جيل الرواد، وبخاصة محمود سعيد، ونستطيع أن نلتقط بعض ملامحه - رغم أنه ما زال في طور التشكل والتكوين - وأهم هذه الملامح هو التعبير عن المواضيع المتصلة بالبيئة المحلية في صياغة تشكيلية ذات ارتباط وثيق بالتراث الفني المصري، والحوار مع الفكر الفني العالمي دون الوقوع في براثن محاكاته وتقليده.
-وإذا كان البعض قد اعتبر أعمال الجزار أعمالاً سيرالية الطابع والاتجاه، فإن هناك من اعتبرها رسالة إصلاح اجتماعي، مهمتها تصوير سلبيات المجتمع ومساوئ عاداته بغية تطويره وتغييره.
- ورغم اعتقادنا بأن الجزار كان صاحب رسالة فنية في المقام الأول، إلا أنه كان شديد الذكاء حين أدرك أنه في وسط ثقافي قاصر عن أن يتقبل فكرة تقديم الفنان لرؤيته الفنية الخاصة، مهما كانت درجة غرابتها، وشدة قسوتها، دون ارتباط برسالة اجتماعية مباشرة وصريحة، كذلك ربما كان لظهور بعض المقالات التي تهاجم فنه وتتهمه بتكريس الشعوذة والسحر وتمجيد النماذج البشرية الغارقة في الأوهام أثر كبير في اقتناع الجزار بضرورة تغليف أعماله بطابع النقد والإصلاح.
-وربما يفسر لنا ذلك تأرجح أعماله بين التعبير الفني الخالص، وبين التعبير عن مواضيع ذات صبغة اجتماعية ونقدية مباشرة، مثل لوحة الطعام التي سجن من أجلها عام 1948، ولوحة الماضي والحاضر والمستقبل التى أنجزها عام 1951، وقدمها بقلمه في مجلة قصص للجميع فيما بعد قائلاً: (أما الماضي فهو واضح من الجو الخلفي للوحة وهو بين أسوار السجن، وقد أطل سجين على جنازة تسير، كما أطلت امرأة تمسك بيدها طفلاً، والسجين والمرأة والطفل يمثلون جميعاً الحياة الحبيسة المضطربة التي تلتصق بالحاضر، أما الحاضر فهو الوجه الكبير الواضح فى اللوحة، وتبدو فيه عناصر القوة والعزم والإصرار وشرود الذهن في ماض كريه، والتفكير في غد باسم جميل، وبدت شعبية الحاضر من الأحجبة والأقراط المدلاة من أذن الحاضر المعلقة على صدره، بقي المستقبل وهو واضح من المفتاح الموضوع أمام الحاضر، ولعل المفتاح يعطي فكرة عن المستقبل، وما فيه من أسرار وخبايا وخفايا).
- ثم يسترسل الجزار في وصف الفترة الحالكة من تاريخ مصر، حيث كانت الأنفاس فيها مكتومة، والحريات مقيدة، وكل شئ حبيس حكام لا يرعون الله، ولا يحسون بما تعانيه الجماعة، وهو يرجو في نهاية تقديمه أن تكون لوحته قد نابت في التعبير عن إحساس الناس وقتها.
-وهكذا يبدو الجزار وقد آمن بأن الفن يجب أن يتجاوز مجرد التعبير عن الرؤى الفنية الخاصة، ليكتسب بعداً اجتماعياً، فينوب في التعبير عن إحساس الجماعة بالقضايا والأحداث الراهنة. والواقع أن لوحة الماضي والحاضر والمستقبل لو كانت قد اقتصرت على تلك المعاني والدلالات التي أوضحها الجزار في تقديمه لها، ولم تشر إلى أشياء أبعد وأكثر عمقاً، لأمكن الاستغناء عنها بمقال سياسي حماسي ينتهي تأثيره بانتهاء الحدث والوقائع، لكن الجزار صعد بمعانيها درجات أكثر بقاء ودواماً، بتحويلها إلى رؤيا إنسانية شاملة، متصلة بأعمق المشاعر والأحاسيس. وعموماً فقد كانت تلك سمة من سمات أسلوب الجزار، إذ نجده حتى في أعماله المغرقة في المباشرة وتصوير الحدث العابر - كلوحته المعروفة الميثاق عام 1962 - قد أضفى من روحه وذاتيته ورؤيته الخاصة على الموضوع ما أكسبه بعداً جديداً جعله يتعدي التعبير عن الحدث الوقتي. والأمر الذي يستدعى دراسته وتأمله، هو أن الجزار يبدو لنا - حين يتناول الأجواء الشعبية - متعاطفاً مع الشخصيات الغارقة في ذلك الجو الأسطوري الغامض، ويستخدمها كوسيلة لتجسد أحساسيه الذاتية، ويشير بواسطتها إلى المجهول الذي يؤرقه. فقد كانت علة قلبه فيما نعتقد سبباً في إحساسه المبكر بقسوة هذا المجهول. وشبح الموت الذي نجده - ربما رغما عنه - مخيماً على العناصر والأشكال، بل إنه في عديد من لوحاته ورسومه يتناول موضوع الموت بشكل مباشر وصريح، بعد أن كان يومئ إليه من بعيد، كما في رسمه عالم الأرواح أو اللانهاية ورسمه المعروف تحضير الأرواح اللذين أنجزهما عام 1953. ويؤكد لنا هذا الاعتقاد أن الجزار كانت له تهويماته الخيالية، وأفكاره الفلسفية حول موضوع الموت والمجهول والقدر، وفي عديد من رسومه وفي بعض لوحاته نجد كتابات شعرية قريبة من شكل المواويل والأزجال الشعبية وتدور أفكارها حول الموت والمقدر والمقسوم، كما أنها ذات طابع خيالي مأساوي، وربما افتقدت تلك الأشكال الشعرية إلى النضج الأدبي أو المقدرة الشعرية، لكنها تحمل أفكاراً لا تقل في غرابتها عما تحمله رسومه وعناصره التشكيلية، وتلتقي الضوء على رؤيته وحلمه الخاص، فهو يقول مثلاً في نشيد طويل وغريب أسماه نشيد الخنافس:
- ورا الحيطان السود ويا محاسبهم
- ممدودة رمتهم
- أشكال حناجرهم جوه الودان مصدية
- سامع تراتيلهم
- نشيد الخنافس مع دبان الهوى الأخضر.
- وقد بلغ الجزار قمة إنتاجه الفني في تلك الأعمال التي امتزجت فيها رؤيته الخاصة بذلك الإلهام الفني الذي استوحاه من الحياة الشعبية ومعتقداها التي توارثها العامة في مصر وأشربتها روح الجماعات الشعبية على مر الزمن. فمعتقدات الطبقة الشعبية في التوسل ودفع البلاء واستجلاب الخير، وعادات الفرح والممات هي عادات مصر الفرعونية مع تغيير طفيف، ذلك التغيير الذي لم يتناول سوى الطلاء الظاهرى، ولم ينفذ إلى ما وراء الجوهر أو هذه القوة الخفية التي تتحكم في سلوك العامة ومصيرهم، فأصبحت فلسفة حياتهم العملية ومنبع إيمانهم الفطرى. ولقد استنبط الجزار أسرار تلك القوة الخفية ومظاهرها، بل كما أسلفنا كان جزءاً منها، فجاء تعبيره الفني معبراً عنها مشيراً إليها حتي في أكثر مواضيعه التصاقاً بالتعبير المباشر.
-وعلى الرغم من صعوبة المفاضلة بين لوحات الجزار التي أنتجها في الفترة من عام 1948 وحتي منتصف الخمسينيات - ذروة عطائه وخياله الفني - إلا أنه يمكن تناول ثلاث لوحات تمثلت فيها السمات الأساسية لاتجاهه وأسلوبه. ففي لوحة دنيا المحبة نجد التصميم البسيط المتميز بالرصانة والاستقرار، والعناصر الموزعة باتزان ودقة، ولا مجال هنا لاستعراض علاقات تشكيلية ممعنة في الغرابة والتحديث، وإنما المساحات تملؤها الشخصيات والأشكال بطريقة روعى فيها التماثل. فيحيط بالشخصيتين الرئيسيتين اللتين تتوسطان اللوحة ثلاثة عناصر من اليمين - المرأة الواقفة والأريكة والحية - ومن الناحية اليسرى ثلاثة عناصر أيضا - المرأة العارية والأخرى الساجدة والطير، وجعل الفنان بؤرة اللوحة عند وجهى الشخصيتين الرئيسيتين، تبدأ من عندها عين المتلقي لتتجول في سلاسة ويسر في أرجاء العمل، وتكتشف عناصره الفرعية لتعود فتستقر عند الوجهين اللذين حملهما الجزار - عن طريق النظرة والملامح - أبعاداً درامية وإيحاءات غامضة. كل ذلك في جو خيالي جسدته تلك الرسوم على حائط الغرفة والسيدة العارية والواقفة تواجه المجهول، يتسرب الضوء ليغمر العناصر بنور لا نعرف مصدره. وهنا كما أوضحنا - يبدأ الجزار من أرضية واقعية، فكل عناصر اللوحة موجودة في البيئة المحيطة ربما بكل تفاصيلها، لكن مقدرته تبدت في كيفية تجميعها وصياغتها على نحو أحالها إلى واقع جديد ذي سحر خاص، هو الواقع الفني.
-ومن أكثر أعمال الجزار درامية وقسوة فى تعبيرها لوحته المسماه فرح زليخا، فالتحوير الفني لشخصية زليخا تحوير بالغ في بدائيتها، والجو العام للوحة يعكس إحساساً بالسخرية المرة والقتامة، ونشعر كما لو أن طقوس هذا الفرح هي طقوس لاحتفال خرافي مفجع، ساعد على تأكيده الوجوه القاسية المطلة من الحائط في الخلفية، وتلك الفتاة الصغيرة المشوهة الهيئة ذات النظرة الزائغة، والقط الرابض كشاهد على الحدث. وذلك كله في بناء فني متماسك، وصياغة تشكيلية محكمة، وأداء لوني عميق ومتداخل. والعين تأخذ طريقها في يسر وسهولة بادئة بوجه زليخا ثم يدها الممسكة بالزهرة المتوحشة، ونزولاً بالشمعدان فالقط الأبيض والطفلة، وفي النهاية تعود العين إلى الوجه المعبر لزليخا الذي تعكس عيناه خليطاً من أحاسيس الشكوى والاستسلام.
- ولقد حظيت لوحة المجنون الأخضر بشهرة كبيرة رغم صغر حجمها وبساطة أشكالها، وهي منفذة بحساسية مرهفة وعناصرها المحدودة موزعة بمهارة واقتدار، وقد كشف الجزار فيها فكرة الفني والنظري، فنجد فيها عناصره المفضلة التى استخدمها في مرحلته الشعبية كالنموذج الإنساني الفريد، والوحدات الزخرفية ذات الجذور الشعبية - العيون في الكفوف والخط المتلوي - والتجميع الغريب للعناصر لزيادة قوة الإيحاء - القرط في الأذن والزهرة من خلفها - والاستخدام غير الطبيعي للظل والنور، والشكل المتوسل للكفوف، والنظرة الغامضة والموحية للعين، كل ذلك - بالإضافة إلى اللون الأخضر في الوجه - أضفي سحراً وغموضاً على هذا الوجه الإنساني الذي ينقل الرائي إلى دروب عميقة الغور مبهمة المعالم.
-ومنذ بدايات الستينيات، وبعد عودته من بعثته الفنية في إيطاليا، انشغل الجزار بالبحث عن مجالات جديدة يطرقها بفنه، وبدا وكأن المرحلة الشعبية قد استنفذت لديه أغراضها. وقد عاصرته في تلك الفترة وكنت ما أزال طالباً بالفنون الجميلة، وكان دائم الحديث عن ضرورة مواكبة الفنان لأحداث عصره ومجتمعه لينفعل بها ويأتي تعبيره وإبداعه الفني معبراً عنها. وقاده ذلك إلى تناول موضوع غزو الفضاء الذي كان محور اهتمام الناس في مصر والعالم حينذاك. وأتاح له المجال الجديد فرصة كبيرة في استغلال خياله الفني الخصيب وتخليق أشكال وعوالم غير محددة، وتراكيب خرافية لا تنتمي إلى عالمنا الأرضي. فأنتج في عامي 1962 و1963 لوحات: رجل الفضاء ومن عالم الفضاء والحزام المغناطيسي وميلاد كوكب وشئ يحدث في الفضاء.
- ولكن الجزار يعثر على ضالته ، ويجد فرصته الحقيقية لبدء مرحلة جديدة في فنه، حين يقوم بزيارة موقع السد العالي أثناء العمل في بنائه عام 1963، فلقد فجرت لديه رؤية الآلات العملاقة والماكينات الضخمة إمكانية التعبير عن موضوع الإنسان والآلة، وفي خلال الثلاث سنوات الأخيرة من حياته أبدع الجزار مجموعة ضخمة من اللوحات والرسوم، صور فيها الإنسان وقد ابتلعته الالآت والعدد، وأفقدته إنسانيته وبساطته، فهي تحتويه داخل ثناياها المتعددة وتفاصيلها المتشبعة، وهو يبدو من خلالها منسحقاً ضائعاً. لقد حلت الآلة عند الجزار في هذه المرحلة محل الرسوم الغربية والتعاويذ والأحجبة التي صورها من قبل مرحلته الشعبية، فهي العنصر المسيطر على الإنسان والمستحوذ على كيانه ووجوده، ومصدر خوفه ورهبته، كما ترمز إلى عالم المجهول والقدر الغاشم.
- وعندما يتقدم الجزار بمجموعة من لوحات هذه المرحلة (رجال وحديد - الإنسان والميكانيكا - الإنسان والآلة - من وحي السد - رجل العصر) لنيل جائزة الدولة التشجيعية عام 1965، فإنه يصفها بأنها (تمثل العمال المصريين وقد اكتسبوا خبرات جديدة في ميدان التصنيع، لدرجة أنهم أصبحوا متشابكين بالأقنعة والتراكيب الحديدية في المصانع، وتعكس فلسفة التصنيع في عهد الثورة، وتوضح ما يمر به إنسان العصر الحديث من إدراك علمي ووعي بالتركيب الميكانيكي والمعماري لعمليات التصنيع والكهرباء والديناميكا وعصر العلوم، وعلاقة الإنسان بالآلة وعلوم الفضاء، كما تهدف هذه اللوحات إلى ربط التصنيع في بلدنا بعلوم الذرة وعصر الفضاء لخدمة الإنسانية).
- ومرة أخرى نجد الجزار راغباً في التعبير عن قضايا اجتماعية راهنة - وهي هنا حركة التصنيع والسعي نحو التقدم التكنولوجي - لكن إنتاج هذه المرحلة في حقيقة الأمر لم يكن إلا استمراراً لطبيعة رؤيته الخاصة، وإن اختلفت المظاهر وتجددت العناصر، ومازال الخوف من المجهول والقدر وأحياناً الموت هو الإحساس الأقوى الذي ينتقل إلينا من خلال تلك الأعمال.
- ولعل لوحته المعروفة السد العالي 1964 كانت أكثر لوحات المرحلة الجديدة التزاماً بالتعبير المباشر عن موضوع النهضة الصناعية حديث الساعة إبان بناء السد العالي، وهي تمثل وجهاً لعملاق يتطلع في شموخ، مرتدياً خوذة رجال الفضاء، وقد تشكل عنقه وصدره من مئات التفاصيل الدقيقة للآلات، في جو معقد التركيب يبدو كما لو كان ورشة هائلة. ولم تنج اللوحة مع ذلك من لمحات رؤيا الفنان الخاصة، والتى نلحظها في نظرة العملاق المشوبة بالأسى والترقب، وفي الرجل والمرأة - من عالم الجزار القديم - وقد انزويا أمام هذا العالم المعقد في الركن الأيمن للوحة، وكذلك في امتداد الأفق ولا نهائية المنظر، مما يعكس في آخر الأمر إحساساً عاماً لن يكون جد مختلف عن إحساسنا بلوحة المجنون الأخضر.
- وكانت آخر لوحة نفذها الجزار قبل وفاته تلخيصاً لمراحل حياته الفنية الخصبة، ويبدو وكأنه قد أدرك بشفافية روحه قرب النهاية، فقدم لنا جميع عناصره وشخصياته والعوالم التى ارتادها في لوحته الختامية السلام 1965، التي ضمت عالم البحر والقواقع، والشخوص الشعبية، والمفردات المحببة إليه كالقط والحصان، وإنسان الفضاء، وعناصر التقدم العلمي، كل ذلك قد مزجه في مظاهرة فنية فريدة، يظللها جناحان عملاقان، يبدوان وكأنهما يحتضنان حلم الإنسان الخلد بأن يحيا في حب وسلام. كما ألفت اللوحة بين فكر الفنان النازع للخيال، وبين التعبير عن قضايا الساعة، وقد كانت دول عدم الانحياز حينذاك تسعى إلى خلق عالم ينبذ الحروب ويسوده السلام، ويمارس فيه كل إنسان حقه في الوجود والعمل ، كما يجد فيه الفنان - الذي لم ينسه الجزار في لوحته - فرصته في الخلق والإبداع.
- كما كانت لوحة السلام نموذجاً لتجسيد أفكار الجزار النظرية، فقد جاءت في صياغتها التشكيلية نموذجاً لأسلوبه وللغة الفنية التي اختارها كوسيلة لتجسيد تلك الأفكار، والتي تعتمد على البناء الفني البسيط، والقائم على مبدأ التوازن في التصميم، والاعتماد على المنظور والتجسيم الخفيف للعناصر، مع التوزيع المتعادل للألوان ودرجات الأبيض والأسود.
- وعموماً فإن الجزار لم يكن من محبي الخوض في غمار اللغة التشكيلية الصرفة، أو الاستغراق في إيجاد حلول جمالية مبتكرة ، وكان كل ما يهمه من هذه اللغة أن تكون وسيطاً جيداً يفي بغرض التعبير عن الفكرة وتوصيل مضمونها. ولقد ظل محافظاً على طريقته وأسلوبه طيلة عمره الفني. وذلك باستثناء بعض تجاربه في التصوير المسطح، مثل لوحته - شعر شعبي - تصميم لسقف حجرة - 1952 التي اقتفى في تنفيذها أسلوب الفن العربي، فأكثر فيها من الزخارف، وابتعد عن التجسيم، واستعمل الحروف العربية كجزء أساسي في التصميم. وكذلك لوحة دعاء 1958 التى نلمح في صياغتها أثراً واضحاً من أسلوب فن التصوير الفرعوني، وأيضاً بعض التجارب التجريدية التى أنتجها في الستينيات، وكانت قائمة على استعمال الألوان السميكة، وإضافة مواد غريبة إليها كقطعة من الزجاج مثلاً، والاهتمام بخلق الملامس الخشنة على السطح.
- لقد كان الجزار حريصاً على استقلالية أسلوبه الفني، على الرغم من إيمانه بالاستفادة من كل الثقافات والأساليب الفنية المحلية والأجنبية التي يمكن أن تثري فنه دون أن تطغي علي تفرده وأصالته. نستطيع أن نلمح في أعماله بالإضافة إلى تأثراته بفنون التراث المصري - الفرعوني والقبطي والإسلامي والفن الشعبي - تأثيرات أخرى من الفترة المبكرة لعصر النهضة الإيطالي، وخاصة أسلوب المصور بييرو ديللا فرانشسكا الذي كان الجزار معجباً بهندسيته ونظام بناء لوحاته، وكذلك نلمح تأثيرات من المدارس الأوربية الحديثة كالسيريالية والرمزية.
- ومما ساعد الجزار على المحافظة على أسلوبه وطابعه الخاص من الضياع وسط هذه المدارس والطرز الفنية، إيمانه الواعي بالدور الذي يمكن أن يؤديه في ساحة الفن التشكيلي المصري، فقد كان يرى أنه في الوقت الذي بدأ فيه مؤشر الفن في الغرب يسجل تميع الفن الحديث وجموده، فإن الفن في الشرق عامة، وفي مصر خاصة، يتجه نحو التبلور والاستقلالية، متخذاً من جذوره الأولي، ومن الخبرة الفنية عامة أسساً جديدة في روحه وأسلوبه.
- لقد ظهر الجزار في فترة صعبة من تاريخ الفن المصري الحديث، بدأ صحوته في مطلع العشرينيات وهو منقطع الصلات بالماضي الفني لبلدنا، ومتعمداً على ما قدمه جيل تتلمذ على تعاليم المدارس الأوربية القديمة منها والحديثة، سواء في مدرسة الفنون الجميلة أو في مراسم الفنانين الأجانب، ومن هنا تمثلت مشكلة الاختيار والبحث عن صيغة ملائمة للتعبير الفني المعاصر تتسم بالاستقلالية والطابع المصري الأصيل. تلك الصيغة التى استطاع رائد التصوير المصري المعاصر - محمود سعيد - أن يرسى قواعدها والتى أتي الجزار ليساهم في وضع لبنة هامة من لبنات بنائها. ويهمنا أن نشير هنا إلى صلة نستشفها وتجمع بين أسلوب عبد الهادي الجزار وأسلوب محمود سعيد (الذي كان تقديره لأعمال الجزار دافعاً لاقتنائه لوحته المعروفة باسم أدهم 1951 وكانت واحدة من مجموعة أعمال مستوحاة من السيرك الشعبي) والتى تمثل في ذلك الجو العام الذي يغلف اللوحات ويضيف إلى البعد المادي أبعاداً نفسية مثقلة بالأسى، وفي تلك القوة العارمة الغامضة التى تجعلنا على إيمان بأن محاولة إدراكها والإيحاء بها سمة رئيسية في الفن المصري كانت ومازالت موجودة، ويمكن لها أن تكون أحد ملامحه الهامة التى تميزه عن الأساليب والطرز الفنية العالمية. ولقد كان الجزار مدركاً لتلك القوة، قريباً منها وعاملاً - من خلال عناصره المغرقة في المحلية - على الإيحاء بها وتجسيدها.
-إن الإنجاز الفريد لعبد الهادي الجزار في مضمار فن التصوير المصري سوف يكون دائماً قابلاً للدارسة واستكشاف جوانبه العديدة والموقع الذي تبوأه في تاريخ الحركة الفنية الحديثة في مصر يدعونا إلى المطالبة باقتناء أعماله وعرضها بمتحف الدولة، إذ أنها تمثل حلقة هامة من حلقات تطور فننا المعاصر، وتراثاً يضاف إلى رصيد مصر الثقافي. وهذا المطلب هو أقل ما يستحقه من الشعب المصري إبداع الفنان الذي كان شاغله الأول التعبير الصادق عن روحه الأصيلة.
بقلم : د. / صبرى منصور
مجلة : الإبداع العدد (9) سبتمبر 1984.
الجوع .. والقبض على الجزار
- لن أنشغل بهيبتك التقليدية.. الحصان الذى أمتطيه له أجنحة.. عايشت الحياة والموت، فكان الفن مملكة أراها كما أشاء.. عرفت البؤس والقهر والظلم والحرمان.. أطلقت النساء البخور فى جوفى، فانطلقت من داخلى كل الأمنيات.. التعاويذ، والأساطير.. وكل الحكايات الغريبة داهمتنى، فكان الهرب إلى جسد اللوحة لتكتمل الغواية.
- الحديث عن الفنان الكبير عبدالهادى الجزار (1925- 1966) الذى انجذب إلى حياة البسطاء وتناول قضاياهم البسيطة التى تعالى عليها العديد من الفنانين إما بسبب عدم الكشف عن هويتهم، أو ربما لم يكتشفوا ما بها من كنوز شديدة الخصوصية تبحث فى قضية الوجود من خلال هموم شديدة الذاتية ترتبط بمعتقدات متوارثة. استطاع الجزار أن ينفتح على المضامين والدلالات الواسعة لها، من خلال تخليه عن التبعية الفنية لسابقيه بتناولهم للواقع والطبيعة بشكل تقليدى.
- استجاب الجزار للحالة الحسية لغرائزه ليرى من خلالها عالم هؤلاء البشر الذين تركوا أنفسهم أيضا للنداءات الفطرية الغريزية، وشكلوا حياتهم البسيطة عليها، فكان الصدق وتغلب الغريزة على التاريخ سواء لديهم أو فى رؤية الجزار الذى اعتبر الفن حصانا بريا جامحا، القواعد الفنية الصارمة تدجنه. فرفض تدجين الفن وترك لغريزته العنان دون خوف أو حساب، فكانت أعماله منهجا ومدرسة قائمة على المرونة والتفاعل بعيدا عن النظرة الفوقية، أو تأكيد القدرة التقنية. لقد استوعب التجارب المعاصرة بكل ما فيها من حلول، وحين وقف ليبدع ، وجها لوجه أمام التجربة، وانحاز إلى إحساسه الغريزى والفطرى للأشياء دون لف أو دوران على المهارة والتقنية.
- انتصرت الغريزة التى اعتمدت على البساطة من خلال المعتقدات الدينية والشعبية على التاريخ المزيف للحياة. وجاء انحياز الجزار للشقاء الإنسانى، والبساطة والتلقائية التى يعيشها الفقراء والمهمشون فخاطبت أعماله فطرة الإنسان والجانب الصادق بداخلهم، لأن عزفه اللونى والخطى مزج بين الموسيقى الداخلية والروحية لمفردات العمل التى تميزت فى غالبيتها بالرمزية، والتأمل الفلسفى لحياة الإنسان التى بنيت على أسرار الطبيعة التى تتسم بالتلقائية والنقاء والتفرد.
- ولأن هذه البساطة والتلقائية تصل سريعا إلى قلب المشاهد قبل عقله، ولها تأثير السحر عليه، ولأن أى نظام يعرف هذا الأمر لذلك كانت لوحة `الجوع` التى نفذها عام 1949 سببا فى التحقيق معه بسبب ما بها من صدق يخاطب روح المشاهد حيث إنه رسم مجموعة من الرجال والنساء يقفون فى حالة بؤس، وتعبيرات وجوههم تعبر عن حالة التوهان والعوز، وقد ألبسهم الفنان جميعهم ملابس نسائية. وهذه إشارة رمزية قوية، تضاف إلى تلك المرأة التى رسمها عارية تماما، وأمامهم أطباق فارغة، تؤكد حالة الهوان التى يعيشونها، وتعكس مأساة المهمشين أمام النظام الملكى المرفه. هذا المشهد الصادق والرمزية التى لا يختلف على تأويلها اثنان كان سببا فى أن يكون عبدالهاى الجزار أول معتقل بسبب لوحة.
- تخرج عبدالهادى الجزار فى كلية الفنون الجميلة وكان الأول على دفعته عام 1950، وعين معيدا حتى عمل أستاذا مساعدا بالكلية. حصل على العديد من الجوائز منها الجائزة الأولى فى مسابقة الرسم للمدارس الثانوية عام 1942، والجائزة الأولى فى مسابقة للإنتاج الفنى عن لوحة دنشواى 1954، والجائزة الأولى فى مسابقة الثورة عن لوحة الميثاق 1962، والميدالية الذهبية فى صالون القاهرة عام 1962 و 1964، ومن الجوائز العالمية الجائزة الذهبية بصالون الفنانين بروما 1957، وجائزة التصوير الثانية من بينالى الإسكندرية عام 1966.

د. سامى البلشى
مجلة الإذاعة والتليفزيون:2019/7/13
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث