`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
يوسف فرنسيس يوسف
مصور المرأة رقم 1
- ` يوسف فرنسيس ` فنان بار بإنسانيته وبفنه فنان ناجح ، ينمو تحت أعيننا برفق، ويشمخ مع الأيام .. ويتألق فى أكثر من ميدان ..
- نقرأ له عن السينما وللسينما ، ونقرأ له تحقيقات رائعة عن ضياع الشباب وسير المفكرين والكتاب .. ونقرأ له قصصا صادقة من واقع تجاربه واحتكاكه المبكر بالحياة .. ونشاهد له أفلاما تجريبية رائدة تفتح طريقا لموجهات جديدة فى هذا الفن الكسيح .. ونسمع له برامج شيقة تذاع بنجاح على موجات الأثير .. ونرى له رسوما متميزة فى الصحف والمجلات والكتب، ولوحات فنية فى المعارض العامة والخاصة تعكس ثقافة عريضة وحسا مرهفا .. وتنبع من عقل كبير وقلب أكبر ..
- ونحن إذ نستمتع بكل ما يكتب أو يعد أو يرسم نحتار متى وأين نصفق له .. فهو جدير بالتصفيق عند كل لمسة يضعها فوق الكلمة أو اللوحة أو فوق الشاشة البيضاء .
- وأحدث مؤلفات الفنان الشاب كتاب بعنوان ` الملاك - الفاسد ` (يصادف صدوره المعرض السادس الذى يقيمه للوحاته فى قاعة إخناتون ) وفى هذا الكتاب يعرض يوسف فرنسيس بأسلوب غاية فى الرقة والجاذبية قصة حياة الفنان ` موديليانى ` الذى صرعه الحب والمرض والخمر وهو يخطو أول خطواته نحو مجد واسع وعريض .
- وليس من قبيل المصادفة أن يكون أول من يكتب عنه ` يوسف فرنسيس ` من فنانى الغرب هو ` موديليانى` .. فهناك عنصر مشترك يجمع بين المؤلف وبطل الكتاب فكلاهما كرس فنه للمرأة ، وكلاهما وهب ريشته لمحراب فينوس آلهة الجمال التى خلقت من زبد البحر .. وخارج أبواب المعبد المقدس ينفصل الفنانان ليعبر كل منهما عن ملهمته بأسلوبه الخاص .. ` موديليانى ` ببوهيميته الإيطالية وضروراته الإفريقية ، و`يوسف ` برقته الشاعرية ولمساته الهامسة التى تحلق وراء أسوار الواقع لتجتاز عوالم مليئة بالأسرار والغموض .
- إن المرأة فى لوحات ` يوسف ` رمز .. يرادف دائما الغموض الطلسمى المغلق .. وجمالها فى نظرة جمالان .. ظاهر وباطن .. جمال السمات الذى يطفو فوق السطح وهو الواجهة التى تتستر وراءها المرأة بكل معمياتها واسرارها .. وجمال الغموض الكامن فى أعماقها السحيقة الغور ..
- وهناك دائما عذاب مر وألم مكبوت وصراخ مكتوم ، ينضح من كل لمسة ألم يخفيه الجمال السطحى الذى تغلف به الطبيعة حسناوات ` يوسف ` وتحجب به احتراقا مدمرا يغلى داخل الأتون الرقيق ..
- وهناك دائما وجه جميل ناعم يصاحبك فى رحلة ` يوسف فرنسيس ` نحو المجهول .. وجه جميل جدا .. حزين جدا .. يطل عليك من كل لوحة بعينين متسائلتين .. وغالبا يطالعك هذا الوجه من وراء فجوة قد تكون كسرا فى لوح من الزجاج أو فتحة فى شباك عتيق متداع .. أو انفراجا فى ألياف لوح من الخشب المعرق .. أو شقا فى حجر متصدع يضغط عليها بعنف .. أو نقابا شفيفا ينحسر عن جزء من الوجه الحزين ..
- ويدعونا هذا التلصص من وراء حجاب إلى التساؤل ، ماذا يعنى هذا التحفظ الأنثوى فى قاموس اللاشعور فى أعماق ` يوسف ` وماذا يعنى هذا الموقف المتردد بين الداخل والخارج ؟؟ ماذا يعنى هذا الحاجز الهش الذى لا يسمح لمن وراءه بمجابهة العالم ومعانقة الحقيقة بلا خوف ولا حياء ؟؟ ..
- وسؤال آخر يطارد الفنان مع كل لوحة .. لماذا كانت المرأة فأرة التجارب التى يحقنها الفنان بكل آلام نفسه وقلقه ومخاوفه ، أو قل آلام الإنسان وقلق الإنسان ومخاوف الإنسان ؟؟
- ولماذا يضيف إلى أقدارها أن تكون دائما رمزا لكل ما يستعصى فهمه؟؟ فجعل جسدها البض ووجهها الملائكى علامة استفهام بلا إجابة ؟؟
- إن الفنان نفسه لا يعرف الجواب فهو فى انسياقه اللا إرادى لما يمليه عليه وجدانه يستسلم لهذا الإملاء دون أن يناقشه ، ويضعنا معه موضع الحيرة ..
- ويزداد تحكم الفنان ` يوسف فرنسيس ` مع الأيام فى حرفية التصوير ، ويصبح باستخداماته للخامات المختلفة كلحاء الشجر ، والزجاج وقطع النسيج رغم تمسكه بسيرياليته ، يصبح منتميا إلى مدرسة ` البوب ` التى تستخدم أى شئ يقع تحت اليد يمكن أن يخدم التعبير ، من المسمار إلى بانيو الحمام إلى موتور الطائرة لكى يكون التعبير أقوى وأعمق .
إن ` يوسف فرنسيس ` كما عودنا فى كل معارضه يستصرخ بصوته الهادئ الإنسانية فى أن تترفق بالإنسان .. وهو كرب اسرة وأب يستجدى البشرية أن تطهر أرض المستقبل من الشوك والحسك حتى لا تدمى أرجل أبنائنا من بعدنا .. إنها دعوة سلام من ريشة تؤمن بالمحبة والأخاء .. وتعتنق الجمال .
بقلم : حسين بيكار
من كتاب أفاق الفن التشكيلى
عاشق الجميلات .. يعترف !
- لماذا يوجع يوسف فرنسيس قلبنا وراءه ؟..
- آخر معارضه أسماه ` أوراق ديسمبر` وهى بالطبع أوراق خريفية متساقطة نسمع لوقع أقدامنا عند المرور عليها حفيفا ` وخرفشة ` شجية .. واليوم يقدم معرضا باسم ` ريح وموج ` .. وموجه هذا قد يداعب الشطآن وقد يعصف بها .. ولكلا المعرضين صوت .. صوت حفيف الورق الشجرى الأصفر والمتكسر فوق الأرض .. وصوت ارتطام الموج وتكسره عند حافة الأرض ...
- وستستمر أسماء معارض يوسف فرنسيس هكذا .. فيبدو أنه يستمتع بنبش أحزاننا القديمة .. وقد رأيته فى معرضه الأخير يراقب راصدا شجننا ووجع القلب بينما هو مستمتع برسم الجميلات .. وبإصرار!
- وليسكب كثيراً من الحزن الشفيف على جميلات لوحاته ليزيدهن جمالا .. ويزيدنا وحشة وحزنا لأن ` الجمال الفرنسيسى ` يتسلل إلى الوجدان حادا وقاطعا كحد السكين .. وإن كان الفنان يريد أن يسعد زائريه فما حقق ذلك بل زادهم شجنا وحزنا ونيته هذه تؤكدها لوحة حديثة له رسم فيها وجها جميلا لامرأة على وشك أن تبتسم فسارع وكبل لوحته من الخارج بسلاسل جنزيرية حقيقية أحاطت باللوحة!
- .. ولكن رغم الشجن الذى يغلفنا بين لوحات فرنسيس إلا أنه شجن نبيل نسعى إليه لنعيشه فربما يطهر ذلك الحزن النبيل بعضا مما فى القلوب .
- ونقترب من لوحاته ونلتصق بها فى جاليرى جرانت بحى عابدين القديم لنلتقى مع رياح قديمة مزقت فى طريق مرورها كثيرا من الآمال والأحلام ..
- فى ورقة معرضه كلمات تقول :` لعل يوسف أراد أن يختار هذا التناقض الذى تثير به الريح البحر فيصبح أمواجا`.
- .. لم أفهم هذه الكلمات مجردة .. ولم أفهمها وأنا أرى لوحاته ، لأنه أساسا لا يوجد تناقض بين فعل الريح وفعل البحر وانما هى مقولة بينهما واحدة ومتصلة فإن تحدثت الرياح تجاوب معها بالحديث البحر فى شكل أمواج وهى حروف كلماته.. وكل موجة لها مدها ومداها تبعا لردها على كلمة الريح وهى كلمات تكمل بعضها بعضا بلا تناقض بل على نفس الموجة الانفعالية فإن هبت الرياح وصرخت علا صوت الموج متواكبا ومدعما لها .. كذلك فى اللوحات واضح كم ذلك التفاهم الميتافيزيقى الأسطورى اللامادى بين البحر والريح وأيضا بين المرأة والحياة .. ولا تناقض فى هذا بل هو قمة التفاهم وإنسجام الحياة ..
- .. وفى ورقة المعرض التى قد تساعد على الرؤية جاء : ` لافرار للرجل فى لوحات يوسف فكل الأقنعة التى يرتديها مخلوعة شفافة لا تخفى ملامحه ولا عواطفه ولا عذاباته ` .. وبالفعل الرجل فى لوحات يوسف واضح بلا أقنعة . أما نساؤه وإن كان ينفى الفنان وجود أقنعة على وجوههن فإنى أرى جمالهن وحالة الحلم الأزلى الذى يغلفهن تخفى الوجه .. وتخفى ما تحت الجلد .. كلها أقنعة فرغم جمالهن ونضارتهن لا نعرف لون جلدهن البشرى ولا مشاعرهن .. فدائما هن متخفيات بين حبال أو غلالات شفافة يحجبن ألما وكلما زادت شفافية ورومانسية الغلالة زاد الحزن والشجن. أما وجوههن الحقيقية فلم نراها أبدا .. فلم نر لنساء يوسف وجوها تشبه وجوهنا الحقيقية نحن نساء الأرض ...
- وفى ورقة المعرض جاء :` الفن عند فرنسيس كما يقول شكسبير مرآه الحقيقة ` .. وهنا سألته : والحقيقة نسبية .. والإمساك بها صعب وإن كان بلغة واحدة يمكننا إدراكها كاملة لولم نشغل أنفسنا بالنبش وراءها .. قال: ` الحقيقة لها أكثر من وجه وتصادف أننى كمخرج وصحفى وتشكيلى أن اكتشفت الوجوه المختلفة للحقيقة .. والحقيقة يكتشفها التشكيلى أكثر لأنه يستطيع الوصول إلى الأعماق يعبر عنها ويرسمها ، وإن خرجت فى شكل تعبيرى أو سيريالى لا يهم إنما المهم أن ترسم صورة نسبية كى يراها المشاهد بشكل صريح فالحقيقة متغيرة مثلما ترين شيئا تحت مجهر وترينه هو نفسه بالعين المجردة وترينه وهو متحرك أو ساكن فترين نفس الشئ ولكن متغيرا .. ونحن كذلك نتغير فى إدراكه .. وأنا كتشكيلى أواجه كل هذه الحقائق مجتمعة .
- قلت له : ` الأقنعة ظهرت فى لوحاتك الأخيرة .. وهذا يتناقض مع الحقيقة ` .
- قال :` فى فينيسيا كان الموت يطارد فتاة جميلة فارتدى كل عشاقها أقنعة حتى يحتار الموت فيهم . وحين ذهبت فينيسيا فى مهرجانها من 15 عاما وجدت الناس تنظر إلى لأننى كنت الوحيد المكشوف الوجه .. كنت بالوجه الحقيقى وهكذا فى الحقيقة .. وأنا أؤمن بأنها ليست مطلقة وأن لها أكثر من وجه مثل حواديت وحكايات ألف ليلة وليلة تدخلين من باب وراء باب وراء باب .. وكذلك الإنسان قناع وراء قناع وراء قناع .
- ولماذا يتعثر الوصول إلى الوجه الحقيقى لنساء لوحاتك ؟
- قال يوسف فرنسيس: من يصل للوجه الحقيقى لامرأة هو رجل يحبها .. وفى هذه الحالة يكون مستعدا لنسيان كل الأقنعة السابقة على لقائهما ويحتاج هذا لحب واجتهاد وإدراك أن الماضى والحاضر والمستقبل خط واحد يربطهم معا..
- أقصد أن نساءك بلا أقنعة وجه لكن الوجه نفسه تحول إلى حائط صد يعوقك للوصول إلى ما فى الأعماق ؟
- قال : لا .. نسائى مكشوفات بلا أقنعة والرسم بالنسبة لى مثل الأشعة يكشف ما تحت الجلد بأشعة التشكيلى وما أرسمه أضعه تحت الأشعة كأن المرأة جالسة تجاه طبيب نفسى يسلط عليها نورا يكشف الأعماق والأعماق هى الأدق أما السطح فكل النساء يتشابهن فيه أما الأعماق فلا .
- وكيف رأيت أعماق المرأة أتقترب من كونها متاهه بشرية ؟
- رد يوسف فرنسيس قائلا : لا .. لا أحد يتوه إلا لو أراد ذلك سواء كان يتوه فى شخص أو مكان والإنسان متوغل بطبيعته حتى يقع فى صدق اكتشاف خطير .
- بعد عشرات اللوحات لجميلاتك وكلهن حزينات .. كيف ترى المرأة ؟
- لغز .. لم تحلها عشرات اللوحات ويجب أن تظل لغزا .. ولو حللت اللغز أحله بلغز آخر ولو عرفت أرقامها السرية لاحتفظت بها .
- وخصوصية المرأة عندك ؟
- لو صح التعبير وتحولت إلى فيلم حساس أحب أن تنطبع صورتها عندى .. يبقى شيئا جميلا جدا وأشعر أننى غير مخطئ ولا مخدوع .
بقلم : فاطمة على
مجلة آخر ساعة : 28-3-2001
يوسف فرنسيس 00 ذكـــرى عـــطــــرة
- سريعا .. سريعا مر عامان على رحيل الفنان المتعدد المواهب يوسف فرنسيس . ذهب وأخذ معه بسمتى وبسمة كل من رافقه فى مشوار حياته - لقد كان حقا فارسا للرومانسية وداعيا للحب محلقا فى نسائم ملائكية شفافة.
- عرفته كطبيب يراقب قلبه الكبير، الذى تضخم من كثرة من بداخله من البشر ، وأنين صدره الذى كان يريد استنشاق هواء العالم كله - وكنت بجواره كصديق يقص لى آلامه وآماله وطموحاته الفنية - ولا أنسى اللقاء الأخير الذى دعانى، فيه للإفطار معه فى أحد الأماكن فى مصر الجديدة ، أتذكر ثلاثة موضوعات كانت تشغله ، الأول حول قصة كان يكتبها أثناء حديثى معه حول رجل تتنازعه امرأتان الأولى الزوجة والثانية حبيبة صغيرة السن وتخيل أن التى ستقوم بدور الزوجة المرحومة سناء جميل وأخذ يبحث عن الثانية التى تستطيع أن تجاور سناء جميل فى (ماسترسين) - أما الموضوع الثانى فكان عدم رضائه عما حدث من إطالة فى فيلمه الأخير حبيبتى من تكون التى لم تخدم النص . أما الموضوع الثالث فكان الأهم وكان همه الكبير الذى كان يحلم بأنه يخرجه للنور وهو فيلم عن مثال مصر محمود مختار ولا أنسى فرحته حين ، وافق قطاع الإنتاج فى التليفزيون على إنتاج هذا الفيلم، بعد حصوله على جائزة عن فيلمه حبيبتى من تكون فى مهرجان الإسكندرية .
- وبعد الإفطار تماشينا قليلا وزرنا جاليرى قريبا وحانت لحظة الوداع وكانت المفاجأة هطول أمطار خفيفة .. زخات .. قطرات عرفت بعدها أنها كانت دموع الفراق . وبعد أيام قليلة اتصلت به وسألته أين أنت فأخبرنى قائلا انا فى أوتيل بالغردقة مدلع نفسى وأكتب سيناريو فيلم مختار ، وسأقوم الآن بمحاسبة الفندق وسأعود صباح الغد الأحد ومن المحتمل أن أشارككم الغداء - وكان يوم الأحد وهو عيد القيامة - وإن لم أتمكن فسأحضر مساء الإثنين .. ومر يوم الأحد وأنا أشعر بانقباض وظهر يوم الأثنين اتصلت بصديقى الأستاذ وجدى رياض ليشاركنا جلسة المساء . ولكنه صمت وقال لى يا عادل جو مش حيجيلك لأنه توفى.. لقد كتب لى سيناريو الوداع حتى لا أنساه.
- لقد كان له الفضل بأن عرفنى بالراحل الكبير العظيم حسين بيكار ، ولا يستطيع قلمى المتواضع أن يصف مشاعر وأحزان هذا الفنان الكبير على فراق ابنه يوسف . ولا أنسى دموعه والبكاء الحار عليه فى كل لقاء معه ، ويا صديقى كم تساوى دموع رجل يناهز التسعين من العمر - دموع رجل عظيم والتى لم تنهمر ولم يبكى أبدا من شدة آلامه من ورم خطير داهم عظامه الرقيقة.
وداعا جو وداعا يوسف فرنسيس وبهذه المناسبة أرفع صوتى لقطاع التليفزيون وأدعوه أن يحقق أمنية الراحل الكريم فى إنتاج فيلم محمود مختار وكما أعلم فإن أوراقه كاملة فى درج مكتبه كما كان يقول.
بقلم : د. عادل وديع فلسطين
جريدة الأهالى : 23-4-2003
ميلاد جديد 00 لفارس الفن المصرى يوسف فرنسيس
- حياته قصة حب دائم .. زادها الفن والجمال .. سلاحها ريشة ، كاميرا وقلم . فهو فنان مرهف المشاعر والأحاسيس .. يجيد التعامل بأكثر من لغة ولهجة إبداعية . - - فى عالم الإخراج عرفناه نجم شباك نصفق لأفلامه .. وفى عالم الكلمة يتربع على عرش التأليف ، النقد وكتابة السيناريوهات .. وفى دنيا الخطوط والألوان ملكا متوجا ينتظره عشاق الجمال من العام للعام ليمتعهم برسومه وألوانه التى تعيدهم دائما لزمن الفن الجميل .
- ومنذ أيام احتفل فارس الفن المصرى ` يوسف فرنسيس` مع عشاق ريشته .. بميلاد جديد .. وشمعة جديدة أضافها لعمره الفنى الذى يمتد 12 معرضا خاصا
فى هذا المعرض وجه بكل الرقة والتواضع .. كلمة لزواره .. قال فيها ` إذا كانت سنوات الفنان بعدد معارضه .. فأنا لا زلت فى الثانية عشرة من عمرى .. فترفقوا بى وأنتم تطالعون لوحاتى .. أن كبرت يوما فأكبر فى عيونكم .. وقد يكون من حظى ان اكبر - ايضا- فى قلوبكم`.
- داخل قاعة ` جرانت` اغلق ` يوسف فرنسيس ` ملف مسلسل ` أوراق ديسمبر ` الذى اعتاد كل شتاء فتحه ليستبدله - هذه المرة - بصفحة جديدة من اوراق تحمل عنوان ` البحر والريح ` .. عبر فيها بصراحته ورومانسيته المعهودة عن متناقضات الحياة والصراع اللذين الدائم دائما بين ` آدم وحواء ` .
- فالمرأة عنده .. هى الأم ، والأخت ، الابنة والحبيبة .. هى الحياة بحلوها ومرها .. الريح العاتية القادرة على زلزلة كيان الرجل وتحريك امواج قلبه .. فيسارع أمامها بخلع كل أقنعته .. وتعرية عواطفه ومشاعره دون أن يدرى أنه يغوص فى بحر غامض ملئ بالتناقضات والعجائب .. يصعب الفرار من أحضان حورياته أو الهروب من مخالف جنياته!
- همس الحياة
- لوحات ` يوسف فرنسيس ` كوكتيل رائع .. مزج فيه بين لغة الطبيعة والإنسان والجياد .. حتى نسمع فيه همسات الريح والبحر ، الرجل والمرأة .. كما هو فى لوحة ` ماذا تقول الريح للهجر` ` همس الجياد ` ` رحلة حياة ` ` اسيرة الحب ` وغيرها من الموضوعات والاعمال التى تعزف على وتر المشاعر والأحاسيس الفياضة .. وتتمايل طربا على أنغام ورتوش ألوانه .. التى يستعيرها من ساعات الغروب والشفق أو من الصحراء عندما تتشقق ويشحب لونها ..
- فاللون عنده له قدسية ومفهومه الخاص .. كما أن حالة نفسية نابعة من أعماق الفنان لها دورها فى تعميق رؤيته واضاء لمسة سحرية على نجومه وابطاله .
- جائزة مجلة الكتكوت
- عشق ` يوسف فرنسيس ` الفن وهو فى السادسة طفلا صغيرا فى السادسة من عمره وكان فوزه بجائزة الرسم الأولى فى مسابقة مجلة ` الكتكوت` .. نقطة التحول فى حياته .. حتى أنه يحتفظ للآن بعلبة الألوان الخشبية التى سلمتها له السيدة ` درية شفيق ` لفوزه فى هذه المسابقة .
- ولا زال يتذكر كلمات التشجيع الذى كان استاذ ` تيسير ` إلى مدرس الرسم دائما ، يحفزه بها .. للاستمرار والاجادة .. وتوجيهات شيخ النقاد والتشكيليين الفنان حسين بيكار وهو فى كلية الفنون الجميلة.
وعن سر نجاحه وتألقه .. فى مجال السيناريو والكلمة المكتوبة قال : ` أستاذى عبد الفتاح شلبى ` أول من دفعنى للمشاركة فى إخراج واعداد مجلة حائط مدرسية وانا فى المرحلة الابتدائية .. حتى ان توجيهاته ما زالت تدوى فى اذناى .. مع كل سيناريو أبدأ فى كتابته.
- فارس الكلمة اللون والصورة الناطقة .. تخرج فى كلية الفنون الجميلة وهو صاحب أشهر سيناريوهات الافلام واكثرها حبا أو جمالا منها ` الخيط الرفيع `، ` المستحيل ` ` أبى فوق الشجرة ` ،` اللص والشيطان ` ، وغيرهم وغيرهم .. كما اخرج ست افلام روائية طويلة وستة أخرى قصيرة معظمها حصل على جوائز.
- رغم كل هذه النجاحات الذى حققها ` يوسف فرنسيس ` فى السينما والاخراج والسيناريو .. الا ان انتماءه وعشقه الاول سيبقى دوما الظلال للريشة واللون والخط .
بقلم : ثريا درويش
جريدة الأخبار: 22-3-2001
يوسف فرنسيس تحية ..لا وداعا
- فى قامته زحف وهمس كأن قميصه يحف تراب الأرض وريشته عصا سحرية فى فضاء فسيح ترسم سلويتا لعشرات الملائكة ونوره أزرق مبعثة السماء . لمسات أطراف قدميه على الأرض كراقص باليه على خشبة أوبرا خاصة به ينثر الورود أو حبات الحنطة فتنمو بالحب والخضرة . ويأتى إليه مودليانى بكهنوت الفن وتربت يد بيكار على كتفه فترتفع هامته . وتمتد يده لتلتقى بيدى ونذهب معا إلى الصحف نرسم سويا ومعنا ونيس وجاهين نصف قرن نرسم معا . فرشاته الذهبية تعكس ضوءها على فرشاتى مغموسة فى نبع لديه من الحب والحنين .
- بدأت أرسمه بخطوط أيقونة الرأس كأن لمعتها فى بشرته أهم ملامحه . مظهره النقى يعكس ما بداخله وعندما ألقاه فى باريس يصفو عذاب كفاح الفن فى الغربة عندما رسمت عينيه تذكرت سحر عيون بطلاته إلا أن مذهبه الرومانسى تحول معى إلى عين حزينة منى وكأنى أرفض غيابه .. لا أريد أن أقول له وداعا.

بقلم : جورج البهجورى
جريدة الأهرام 21 -4-2001
المصرى .. عاشق باريس
- يبدو أن عاصمة النور التى أغرقتها أمطار غريبة فى مثل هذا الوقت من العام كانت تشعر أنها قد فقدت عاشقا مصريا أخر هو الفنان الوديع الرقيق يوسف فرنسيس . فبعد شهر واحد من رحيل الأديب الصحفى على الشوباشى الذى وصفه كاتبنا الكبير رجاء النقاش بنهر التفاؤل غادرنا دون أية اشارة أو انذار الفنان الموهوب يوسف فرنسيس . ومثل على الشوباشى لم يكمل يوسف أعوامه الستين ومثل على الشوباشى ظلت باريس تداعب خياله كامرأة جميلة صعبة المنال جسدها فى لوحات معروفة تميزت جميعا بالرومانسية فى عالم يفقد كل يوم شيئا من روحه لتتحول المادة فيه إلى مارد جبار يزحف على كل شئ فى الحياة ليحولها إلى صحراء جرداء وقاحلة . وعندما تولى يوسف فرنسيس منصب مدير المركز الثقافى المصرى فى الحى اللاتينى بباريس كان مدركا كل الادراك معنى أن يكون على رأس الثقافة المصرية فى عاصمة النور لذلك قدم لمصر وللثقافة العربية وثيقة نادرة بفيلم ` عصفور من الشرق `.
- وعندما التقينا مصادفة على متن طائرة عائدة للقاهرة فاتحته فى مشروعى لوضع كتاب عن سحر مصر فى ادب الكاتب والشاعر والرسام والسينمائى الفرنسى الكبير جان كوكتو . ولمعت عينا يوسف فرنسيس الزرقاء وكان المرض قد أصاب منه الجسد ولكن الروح ظلت متقدة حبا للفن والحياة وقال انه كان يحلم بعمل شئ عن كوكتو . وعندما زرته قبل اشهر فى مكتبه بصحبة الصديق ماهر الدهبى استأذنته فى وضع اسمه على كتابى فسعد كل السعادة ولمعت عيناه مرة أخرى هذا اللمعان الجميل الحزين . ولو كان يوسف فرنسيس قد كتب بعضا من الشعر واخرج أو كتب مسرحية هنا أو هناك لا صبح المقابل المصرى العربى لعبقرية جان كوكتو. فالاثنان رسامان أولا ، والاثنان عاشقان للسينما ، والاثنان صحفيان كاتبان وكل منهما رحالة فى عالم العشق وفى بلاد الفن الرفيع ، وكل منهما حائر بين الشرق والغرب . واليوم يصدر كتابى عن كوكتو وعليه اسم يوسف فرنسيس ولعل هذا الكتاب يكون هدية اخيرة لفنان كبير جميل النفس والروح . رحم الله يوسف فرنسيس
بقلم : د. أحمد يوسف
جريدة الأهرام 21 -4-2001
حلم يوسف فرنسيس
- لكل شئ فى هذه الدنيا ميعاد . لعل هذا هو الدرس الذى تريد أن تعلمه لنا الحياة . ويوسف فرنسيس قبل أن يعرف موعده مع الموت .. كان قد أعطى مواعيد كثيرة فمشاريعه الفنية - كما كان يتحدث عنها لأصدقائه - لم تكن لتستوعبها الأوراق المتبقية من أيام نتيجة عام 2001 ، بل كانت تمتد لأعوام .. وأعوام بعدها . كان حلمه، وأكبر مشاريعه، أن يبدأ فى إخراج فيلمه الذى شرع يعد له منذ أعوام ، وقرأ فيه العديد من المراجع والمؤلفات . وأوشك على الانتهاء من كتابة السيناريو والحوار له ، عن مثال مصر العظيم : محمود مختار. كان فيلم مختار هو حلم يوسف الكبير.. ومشروعه الفنى العظيم ، الذى أراد أن يتوج به تجربته مع فن الإخراج السينمائى ، وأسلوبه المتميز فى كتابة السيناريو والحوار وهذا المشروع الكبير، يعتبر فرصة لأصدقاء يوسف فرنسيس ومحبيه - وهم كثيرون - كى يترجموا حبهم له وكإنسان نادر الصفات .. وكفنان أهم ما يميزه صدقه وإخلاصه لفنه (فن تشكيلى - إخراج - تأليف) بأن يستكملوا ما بدأه يوسف من كتابة السيناريو ، وأن يتولى مخرج كبير إخراجه بالتعاون مع جهة إنتاجية تجزل العطاء لقيمة فنية عظيمة مثل مختار ، ليخرج الفيلم الى النور ، ويستمتع به الملايين من المشاهدين ، فنكون قد قدمنا بذلك أجمل هدية ليوسف .. كان الجمال عند يوسف قيمة روحية وفنية عالية ، أما الحب، فقد صوره فى صورة رجل وإمرأة يحتميان بعناقهما من غضب الطبيعة الثائرة التى بطشت بقاربهما على شاطئ مهجور ناء . أما الشاهد الوحيد على حكايات يوسف ، فهو ذلك العصفور الصغير الذى يطل برأسه فى ركن من أركان لوحته ، كأن العصفور يريد أن يقول لنا عند الإدلاء بشهادته لذلك فإنه فنان ينتمى لمدرسة الرومانسية الساذجة ، إنسانا يعيش الواقع ويصوره من خلال غلالة مصنوعة من أوهام خيالة فسلام على روح يوسف فرنسيس الذى أحب الحب .. فأحبته العصافير وسنابل القمح .. وضوء القمر السابح.
بقلم : عائشة عبد النور
جريدة الأهرام 21 -4-2001
فنان العصر الجميل
- ودعنا بالأمس فنان الرومانسية الرقيق ، يوسف فرنسيس ، إلى مثواه الأخير ، فى مشهد درامى ، مؤثر ، لا يختلف كثيرا عن مشاهد أفلامه ، كان الوداع حزينا مؤثرا شهده أقرب أصدقائه ، وفنان واحد هو محمود قابيل ، ، لأن الموت خطفه فجرا ، والمثوى احتضنه عصرا ، كان الفنان جو ، نبعا صافيا ، يحسب لهذا اليوم حسابه ، ورغم الوهن الذى أصاب عضلة القلب ، فقد ضاعف بعناد ، من نشاطه اليومى وتطلع الى معرضه الثالث عشر، وصب فى هذا المعرض كل ما يريد أن يقوله بالألوان . وأثبت أنه مبدع فى الفن الذى عشقه ، منذ نعومة أظافره ، وقال لى بالحرف الواحد ، وهو ينهى آخر لوحاته فى آخر معرض له منذ ثلاثة أسابيع ، أنا عاوز إيدى اليمين تحتفظ بثباتها .. ولا ترتعش حتى لا أتوقف عن الابداع . وقد رسم نفسه فى كل لوحاته بكل المعانى .. أحب كل من حوله ، ولم يبخل بلوحاته على كل من يريدها . كان يرسم على الموسيقى الكلاسيك ويقضى الساعات وحيدا، عشق الرسم مع ساعات الفجر وتؤنس وحدته عصافير الصباح التى يحرص على تقديم الطعام لها بشرفة منزله . وأخيرا سقط القلب الكبير ، الذى عشق الفن بكل ألوانه ، حتى الشعر ، إنه قصة فيلم رومانسى عنوانه ، فنان العصر الجميل.
بقلم : وجدى رياض
جريدة الأهرام 21 -4-2001
صانع الجمال
- مضى يوسف فرنسيس عن هذه الدنيا مضمخا بعطور لوحاته وضياء مراسمه وشفيف أحلامه. كان يعمل بوحى من ولعه بالفن وعشقه للجمال . وظلت أصابعه تصلى فوق أوراقه ترسم تكتب وتفكر وتحلم ، حاول فى إبداعه المتنوع أن يمنح لكل شئ أجنحة ليحلق فى آفاق عالية متجاوزا قبح الواقع ومحدودية الوجود ، لم يكف لحظة عن العمل أو عن التفكير فى العمل وكأنه مكلف بإحياء الوقت لا بقتله . مثله مثل كل فنان . مهمته هى إضاءة القناديل فى ليل الحياة الحالك ، فى مطلع حياته عانقت لوحاته قصائد الشعراء سواء تلك التى كانت تنشر على صفحات الأهرام أو فى دواوين ، حاول أن يسمو بالمرأة ليجعل منها ملاكا وأن يبصر الفردوس فى هذه الحياة الفانية . تحسب حين تراه كأنه يطارد الأشعة قبل أن تغرب يريد أن يمسك بها ليصنع منها لوحة رفافة حافلة بالأنغام . كان جميلا وعكف على صنع الجمال فى الفن والحياة . رأى الفن مرأة لروح الفنان . حين يتحدث يأتى حديثه همسا وابتسامته تملأ وجهه بالحبور وتدخل إلى القلب مباشرة كأنها أغنية سعيدة . تقلب كالطائر الحائر فوق أغصان فنون كثيرة . كان فنانا أصيلا فى مرسمه ولكنه داعب أوتار الكلمات وكأن ألفته لشعر الشعراء قد أصابته بالإلهام الخفى فكان يغازل الطبيعة وهو يترنم بجمال النساء . عرف مبكرا أن الحياة ثمينة وينبغى ألا نهدرها فى المهاترات فحولها إلى معبد لإلهامه يلقاك بالكلمة الجميلة ويتبعها بالفعل الأجمل كيف يموت من صناعته الجمال ولعبته الحب ومرقده السحاب وخفقاته الموسيقى وأحلامه الطيور الحرة المحلقة بين الأغصان ، ولكنه مات وقد أوحى لنا بكثير من المعانى والدلالات . كأنه يقول لنا هكذا تكون الحياة عملا متصلا وانشغالا مطلقا بكل ما فيها من جمال وكأننا نرد عليه ، هكذا يكون الموت ، لقد تركت فى قلوب أحبائك لوعة لا تنطفئ ولكنهم يرونك فى بهاء لوحاتك ويقبسون من نور ابتساماتك شعاعا يواصلون به الحياة.
بقلم : محمد إبراهيم أبو سنة
جريدة الأهرام 21 -4-2001
ورحل عصفور الفن القلق
- يوسف فرنسيس الذى تنقل بين الرسم والكتابة والسينما والنقد الفنى عصفور الفن القلق .. ومخرج اللوحات الجميلة .. عالم مسحور غامض .. كم كان محبا للحياة والطبيعة والناس .. كان عاشقا للجمال فى كل صوره .. كان متأملا لقدرة الله وعظمته .. يبحث عنه فى جذع شجرة .. فى عصفور صغير حائر يلتقط الحب هنا وهناك .. فى قوقعة بحرية مطوية على أسرار الكون فى صدر أم يرضع طفلها الصغير بالحنان والدفء .. كم كان فنانا صادقا دائم التشجيع والمساندة لكل إنسان فى بداية الطريق ويمنحه الوقت والنصيحة والجهد بدون مقابل ..
- لمن نقدم العزاء ؟ لاولادك .. زوجتك .. اصدقائك .. للوحاتك .. فرشاة الألوان .. باليتة الرسم .. اشيائك الصغيرة .. أوراقك .. لعصافير شرفة مرسمك بالزمالك الآن.. من يطعمها بعد رحيلك يا يوسف . لتلاميذك واصحابك هنا وهناك وقد كنت نعم الصديق والأخ والأب وحامل الاسرار والآلام ...

بقلم : زينب عبد الرزاق
جريدة الأهرام 21 -4-2001
القدس آخر لوحاته
- فى احتفالية تكريم رائعة أقامتها جريدة الأهرام فى بهوها الخارجى .. وفى الذكرى السنوية لرحيل الفنان والمخرج السينمائى يوسف فرنسيس .. افتتح فاروق حسنى وزير الثقافة وإبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام معرضاً لأعماله المتبقية ، حيث أن أغلب أعمال الفنان ` فرنسيس ` موجودة عند أصدقائه .. وقامت زوجته الكاتبة الصحفية منى سراج بجمع أهم تلك الأعمال لعرضها فى هذا المعرض تخليداً لذكراه .
- والفنان ` يوسف فرنسيس ` كان يتمتع بحساسية فائقة فى التعبير عن مفرداته مصحوبة برومانسية شديدة رغم قسوة بعض الموضوعات التى يتناولها أحياناً .. وكانت آخر هذه اللوحات (القدس) التى لم يمهله القدر لاستكمالها .. تعبر عن معاناة شعب فلسطين الذى يعانى أشد المعاناة هذه الأيام فى حصارهم ومنع الخدمات الإنسانية عنهم وأطفالهم .
- ولقد عبر الفنان ` يوسف فرنسيس ` فى حياته عن مواقف عديدة فى الحياة من خلال رسومه الناعمة الألوان .. وبعيدة التأثير ، وكان المحور الأساسى للوحاته هى ` المرأة ` .. ومن هذا المنطلق عبّر عن انعكاس نشاطاتها على المجتمع ، فجاءت لوحاته الزيتية صوتاً عالياً مؤازراً لقضاياها ودورها الرئيسى فى التغيير .
- ومن أهم انجازات ` يوسف فرنسيس ` تلك التى دمج فيها بين الفن التشكيلى والسينما فقد أخرج أفلاماً عديدة ضّمن أغلب مشاهدها بالفن بشكل غير مباشر .. وكان يقصد من هذا التداخل طرح قضية رفع التذوق الفنى عند الجماهير
بقلم : عادل ثابت
مجلة الكواكب : 22-4-2002
يوسف فرنسيس .. الحساس
- بعد أن أدى النجم عمرو سعد فيلم المدينة (1999، إخراج يسرى نصر الله) كان يتوقع نجاحا عريضا ، غير ان الدور الذى اداه كان من الحساسية بحيث ان من ينتبه لمهارة سعد من خلاله قليلون ، ومن هؤلاء القليلين يوسف فرنسيس الذى طلب من سعد ان يتعاون معه فورا فى فيلم جديد ، لم يكتب له أن يرى النور ، فقد رحل فرنسيس وشيع جثمانه فى إبريل 2001 ، بعد ان ترك الحياة صغيرا (كان عمر 67 سنة) على أثر أزمة قلبية دهمته بمدينة الغردقة الساحلية ، ودهمت سعد ومحبيه وأصدقاءه بالقاهرة ، وكان فرنسيس وقتها يقضى وقتا للراحة والاستجمام من أجل الاستعداد للفيلم .
- وكان الراحل يستعد للعودة إلى القاهرة ، وحين دهمته الأزمة اتصل بالكاتبة عائشة أبو النور التى استدعت على الفور الدكتور عزيز لطفى اخصائى امراض القلب بالفندق إلى فيلته الخاصة هناك ، لكن باءت محاولاته بالفشل ونفذ قضاء الله فى الفقيد الراحل .
- عاش يوسف فرنسيس حياة ثرية مع الفن الصحفى و التشكيلى والسينمائى ، امتدت إلى أكثر من 40 سنة وبدأت بعد تخرجه فى كلية الفنون الجميلة عام 1956، وحصوله بعد ذلك على دبلوم معهد السيناريو ودبلوم معهد السينما.
- وفى بداية حياته المهنية عمل رساما بمجلة المجانين والمبدعين وفاكهة الصحافة المصرية ` روز اليوسف ` عام 1958 لمدة عام ، ثم اتجه إلى كتابة السيناريو عام 1965 بعد أن التحق بأم الصحف فى مصر جريدة الأهرام فى عام 1964، وظل يعمل بها إلى أن وصل إلى منصب مستشار رئيس التحرير ، وفى عام 1987 تم تعيينه مديرا للمركز الثقافى المصرى بباريس .
- وقدم يوسف فرنسيس عددا من الأفلام اللافتة للتليفزيون والسينما ، ففى عام 1974 قدم أول أفلامه للسينما ` زهور برية ` من تأليفه وإخراجه ، وبعد 10 سنوات قدم فيلمه الوحيد الذى قدم طابعا تجاريا ، كان ذلك الفيلم هو ` المدمن ` من إخراجه وبطولة أحمد زكى ، ونجوى إبراهيم ، ثم ` عصفور من الشرق ` الذى قام ببطولته نور الشريف عن رواية توفيق الحكيم كما شارك فرنسيس فى كتابة عدد من السيناريوهات المهمة لأفلام مصرية مثل ` المستحيل ` و` الخيط الرفيع ` ، ومن أهم أعماله التليفزيونية فيلما ` توت عنخ أمون` و` حبيبتى من تكون `.
- وكان يوسف فرنسيس من ذلك النوع الذى يمكنه الحصول على بطولة العالم فى محبة البشر بسهولة ، وهو الرجل الذى لا يكرهه أحد ، ولذلك فقد فاز بمحبة جميع الفنانين والكتاب وكان مشهورا بالطيبة والحساسية والتواضع ، رغم ثقافته الراقية (ثقافة ولاد الناس)، وبرز ذلك على نحو خاص فى معرضه التشكيلى الأخير الذى أقيم قبل شهر من وفاته ، وكان حدثا ثقافيا بمعنى الكلمة ومن النادر ان يتكرر لمعرض تشكيلى ، كما برزت فى رسومه لعدد من الدواوين التى لم تكن شيئا مذكورا لولا رسوماته .
عاش فرنسيس حياة أسرية هادئة ومستقرة ومتميزة ، فقد تزوج مبكرا منى سراج نائبة رئيس تحرير مجلة ` أخبار الناس ` وأنجب منها ولدين وربنا يرحم الجميع.
بقلم : مؤمن المحمدى
جريدة المسائى : 14-7-2011
يوسف فرنسيس 00 بلا وداع رحل
- اختار يوسف فرنسيس ميلاد الربيع موعدا لرحيله .. ومثل كل الأشياء الجميلة التى عاش من أجلها لم يزعج أحدا .. لم يمرض .. ولم يكلف الناس مشقة زيارته .. وكما عاش محبا للحياة .. فارقها فى أجمل فصولها .. ودعنا يوسف فرنسيس والكون يعزف سيمفونية الألوان التى عاش من أجلها فنانا راهبا فى ساحة الجمال ..
- ومع رحيل يوسف فرنسيس خسر الفن واحدا من أكبر عشاقه .. وخسرنا نحن صديقا جميلا بكل المقاييس .
- كان يوسف فنانا فى كل شئ .. هو رسام من طراز فريد يتعامل مع الألوان والخطوط بمقدرة فائقة واحساس عميق .. وهو كعاشق للسينما أعطاها جزءا عزيزا من عمره .. وكان كاتبا حساسا يتمتع بشفافية الرؤى وصدق المشاعر ..
- ولأن يوسف فرنسيس كان فنانا فى كل شئ فقد ظلم نفسه أحيانا .. بدأ فنانا تشكيليا صاحب أسلوب مميز .. واستطاع أن يترك بصمة واضحة فى هذا المجال وأن يكون صاحب أسلوب تعرفه وسط عشرات الرسامين ، ولكن السينما جذبته فجرب فيها حظه .. ثم اتجه للنقد الفنى والسينمائى وكتب فيه الكثير .. ثم مارس الكتابة للسينما بجانب الاخراج .. كان يوسف توليفة فنية جميلة ورائعة .. وان كنت أعتقد أن حبه للسينما جار على عشقه الأول وهو الرسم ..
- أما يوسف الإنسان فقد كان رقيقا مسالما ولذلك انكسر كثيرا .. وبرغم رقته الشديدة خاض تجارب غاية فى القوة وغير حياته كما أحب وكما أراد .. وكان قادرا فى أى لحظة على أن يشق مسارا جديدا لنفسه .. حتى وان دفع الثمن .. وقد دفع الثمن كثيرا.
- وقد عرفت يوسف فرنسيس سنوات طويلة.. ويكفى أنه رسم معظم قصائدى واختار معى فى أحيان كثيرة عناوينها .. وكانت بيننا ذكريات عمر جميل .. وفى بعض الأحيان عصفت بنا رياح من هنا أوهناك بسبب ظروف الحياة وتقلباتها .. وبقى يوسف فى كل الحالات من أقرب الأصدقاء إلى قلبى .. ومع رحيله تغيب عنا نسمة رقيقة صافية كثيرا ما كانت تصافحنا وتعوضنا عن شراسة زماننا .. ويفقد ` الأهرام ` وجها من وجوهه الجميلة .. وقبل هذا كله تفقد مصر فنانا.
- لم يحصل يوسف على حقه من التقدير وربما يرجع ذلك لأسباب كثيرة ، فلم يكن من هواة الصخب والضجيج والصوت العالى .. كان رقيقا فى كل شئ .. شفافا فى عشقه وحبه وجنونه .. وإذا لم يكن قد حصل على حقه من التقدير الرسمى فقد أحبته الملايين رساما مبدعا وفنانا جميلا .. وهذا هو التقدير الحقيقى لكل فنان أصيل ..
- فاجأنا يوسف وبلا وداع رحل .

جريدة الأهرام : 22-4 -2001
يوسف فرنسيس شاعر اللون والكلمة
- ورحل شاعر اللون والكلمة دون سابق إنذار .. وكأن معرضه الأخير الذى افتتح الشهر الماضى كان بمثابة احتفالية الوداع .. فقد شاركه الافتتاح بقاعة جرانت فاروق حسنى وزير الثقافة ويوسف شعبان ومحمد أبو داوود وليلى فوزى ولبيب معوض المحامى وهشام عبد الحميد ورمسيس مرزوق وكثيرون
- ولقد كان موعدى معه لتسجيل حديث مطول عن تجربته الأخيرة فى معرضه بعد عودته من الغردقة .. ليستجم عقب العناء الكبير من معرضه الأخير .. ولكن القدر لم يمهله .. فبعد أن دفع الفنان الراحل الرقيق يوسف فرنسيس حسابه فى الفندق .. وقع مغشيا عليه .. فاجأته الأزمة القلبية الحادة ففارق الحياة .. دون أن تسمح الدقائق الأخيرة ليقول لأحبابه .. وداعا ..
- كان يوسف فرنسيس فنانا تشكيليا ومخرجا سينمائيا وكاتبا للسيناريو وله العديد من الأفلام التى شارك فيها بجهده الفنى ، فكان من أوائل الذين أصبغوا الريشة على الكادر السينمائى .. فقد سارع منذ أكثر من 25 سنة ، عندما شعر بحاجته إلى المساهمة الفنية فى السينما ، سارع بكتابة السيناريوهات ودراسة الإخراج السينمائى الأمر الذى ظهر جليا على الفيلم فى ذلك الوقت .
- وتجئ أعماله التشكيلية لتعبر عن المرأة فى فرحها .. وحزنها .. وتأملها .. المرأة عندما تتحول عنده إلى ` شجرة الحياة ` .. و` الميلاد الثانى ` وعندما يتعانق الأحمر والأزرق حول المرأة فى لوحة ` عناق الأحمر والأزرق ` .. ولم يفت يوسف فرنسيس أن يمتع مشاهديه بتصوير الخيول العربية أو كما يسميها ` الجياد ` فى لوحة ` همس الجياد ` التى يصور فيها الهمسات الرقيقة غير المسموعة بين المرأة والخيل ..
- إن الرقة المتناهية فى أعمال يوسف فرنسيس فى معرض الوداع ` الريح والموج ` كان بمثابة فنان يتوق الى الحياة بكل أبعادها .. يتمنى أن يطول به العمر ليبدع أكثر وأكثر فى مشواره الفنى .. فلم تهتز فرشاته، ولم تتغير ألوانه التى هى أشبه بالدانتيللا البنفسجية الناعمة التى تورق أوراقا للشجر كأنها رسمت خصيصا من فنان يذوب عشقا فى الطبيعة بكل خيالاتها وجمالها .. فالمرأة عند يوسف فرنسيس .. لا هى حزينة ولا هى مبتسمة لكنها امرأة صامتة .. وحتى إذ تكلمت فهى تهمس كالنسيم الرقيق .
- ولا شك أن يوسف فرنسيس قد تأثر كثيرا بالفنان الايطالى ` زميدو موديلياتى ` الذى رسم المرأة كثيرا ، تارة وهى عارية وتارة أخرى وهى تستحم ومرة ثالثة وهى حزينة صامتة .. ومن فرط إعجابه بهذا الفنان الايطالى أصدر عنه كتابا عام 1970 صدر عن دار المعارف بعنوان ` الملاك الفاسد .. موديلياتى` قدم هذا الكتاب بقوله: ` سمحت لنفسى أن أقتحم حياته .. وأفتش فى الكتب عن أيامه .. وأسافر إلى باريس لأعيش حياته ، أزور المتاحف التى تضم لوحاته ، وفرشه ، وبقايا ألوانه وأجلس على المقاهى ، وفى أركان الحانات التى سمعت همساته ، وضحكاته .. وصرخاته المحمومة .
- وأسير تحت أمطار ديسمبر فى طرقات ` سان جيرمان ` التى شاهدته مريضا ، وعاشقا .. وفنانا ..
- واليوم .. بعد سنوات من معرفة طويلة .. أريد أن أقدمه لكم .. لا أريد أن أحتفظ وحدى بهذه الأوراق.. هذا هو يوسف فرنسيس عاشق الفن والسينما والمرأة .. هذا هو يوسف فرنسيس عاشق الطبيعة واللون .. وعلى الرغم من سقوط جسده النحيل فى غياب أصدقائه وأحبائه إلا أن أعماله ستبقى شاهدا على عظمته ..
بقلم : عادل ثابت
مجلة الكواكب : 2-5-2001
بكاء الحوريات على شط اللوحات
- تتقافز الدموع مسجونة فى قفص العيون الحزينة .. تتهدج الكلمات حين تفر من حولها آهات الأحباب .. تتسابق الحروف هاربة من قلب الورق .. تهيم حمائم لوحاته حيرى .. تنهار عصافيره الملونة وتحط على سطح أوراقه الصامتة الآن .. وتتمدد ثقيلة على عباراته الرقيقة غيمة كئيبة تحمل حروف كلمة كريهة اسمها الرحيل ..
- فى أوائل هذا العام وفى وقت توهجه الفنى لينهى لوحات معرضه الجديد .. والأخير بقاعة فادية جرانت بالقاهرة زاره الألم ، وحط على قلبه الذى كان قد أتعبه فى أمريكا منذ عامين وأجرى جراحة به .. تماسك النبيل ` يوسف فرنسيس ` متشبسا بالحياة وقام مقاوما للوهن هاربا من المستشفى ليكمل اللوحات .. وكانت آخر لوحاته` الميلاد الثانى` و` سقوط القناع`.. وقد قال لى يوسف أن ` الميلاد الثانى` هى لوحة عمره .. ليست عنه ولكنها عن بعضنا .. عن عذابات كثير من البشر أصحاب القيم ففيها تهل سمات إحساسه الرائع بكل هؤلاء من ذوى الوجدان العريض والمشاعر الفياضة .. كانت سنواته الماضية قد شهدت توقفه عن الرسم إلى أن حمسه صديق عمره الطيار ` عاطف زكى ` وزميلته وتلميذته فادية جرانت واللذان من فرط محبتهما له حددا له ميعادا لعرض أعماله الجديدة .. وقد كان .. ففى شهر مارس الماضى تحقق الحلم الرائع الذى اسمه : لوحات .. قدم فيه مجموعته الجديدة والتى قدمناها لكم فى صباح الخير منذ شهر .. كانت الأعمال مليئة بتناقضات شعورية متباينة .. ما بين الأسى والفرح .. والراحة والجرح .. تعانق فيها الآمال الأوهام .. كانت اللوحات تئن بجراحه !! وأيضا تبتسم إبتسامته المتفائلة .. وفى لوحة هذه ` الميلاد الثانى ` يرسم خيالا للمآتة يرتدى رداء ممزقا تطيره الريح يحمل داخله دائرة تبرق بأمل الغد.. وبه إنسان حزين يعلو جسد خيال المآتة .. القائم على جذع شجرة يتقاطع معه جذع آخر أعلاه .. أسفل اللوحة تنام امرأة من الماضى فى سبات مميت .. داكنة اللون والقلب راقدة بين سنابل تنمو وعدة فروع تحمل زهرة عباد الشمس تتفتح .. ومن وسط هذه الخضرة يقف طفل بأجنحة ملائكية يلوح بوردة أمل بيضاء لامرأة جميلة رقيقة باهرة تتلامس برقة وحنان مع خيال المآتة فترتد له روح كانت اقتربت من الرحيل .. وجهها يحمل حزنا من أجله وتمتلئ عيناها بنظرات تسحب شعوره إلى غد مشرق .. حول هذه الحورية هالات من الرقة اللونية وشئ يشبه الأجنحة الملائكية التى تجعلنا نتخيل أنها ستحمله إلى دنيا جديدة !
- تقول لى تلميذته و` هالة فكرى ` عن حواره معها أثناء الاستعانة بها فى رسم اللوحة.
بقلم : إبراهيم عبد الملاك
مجلة صباح الخير : 24 -4 -2018
إلى الفنان الإنسان والصديق يوسف فرنسيس .. يوسف والأحلام المؤجلة
- كان دائما يأتى صوته عبر` الهاتف` عندما كان` بالفاكس` يحمل سطورا ساخنة موجهة لمسئول أو قضية لإنسان بسيط أحاول أن أبحث معه عن حقه وكنت أسعد وأعتز برأيه دائما لأنه ليس رأيا لقارئ فقط أو صديق ولكنه رأى لأستاذ وفنان وناقد وكاتب صحفى وكاتب سيناريو ومخرج .. و.. وصاحب أكثر من موهبة تشهد بها مختلف أعماله.
- ولم أكن أعرف أنه سيأتى يوم لتكون سطور` بالفاكس` عنه وموجهة له ولكنه لن يقرأها فحين يشاء القدر لا نملك إلا التسليم بإرادة الله والصمت والدعاء .
- وتبقى كلمة .. صعب أن تنعى صديقا فقدته والأصعب أن تنعى صديقا فنانا مرهف الأحاسيس يحمل بين ضلوعه عذابات البشر وآلام الحياة وإن لم تفارق الابتسامة شفتيه كان فى عينيه دائما سيناريو لم يكتمل ! وفى يده وبين أصابعه تنام فرشاته التى لم تفارقه وكأنها التحمت به وصارت جزءا منه فبها كان - وما أصعب كلمة كان - .. يضع خطوط لوحاته فتصير كيانا يكاد يتنفس، ويجرى معك حوارا وأنت تتأمله .. فلوحات الفنان القدير المبدع يوسف فرنسيس لم تكن مجرد لوحات جميلة ولكن كانت كل واحدة منها تحمل حكاية ولغة وسيناريو وموقفا من الحياة حتى وإن كانت صامتة بدون حوار فالحوار كان يدور فى نفس المتأمل لها والذى كثيرا ما كان يجد نفسه أو حياته بداخل لوحة ما خطتها يد هذا الفنان الحساس الذى اعتاد أن يبتلع عذاباته ويحولها بداخله إلى فن راق عذب يشد المتأمل له وفيه ويأخذه بعيدا إلى دنيا أخرى لم توجد بعد !
- فى الشهر الماضى وبالتحديد السبت 17 مارس وكأنه كان يودع عشاق فنه كنت هناك فى افتتاح آخر معارضه والذى اختار له اسما حالما يعبر عن مجموعة اللوحات المعروضة به ` الريح والبحر ` والذى جاء بالفعل مختلفا وجديدا تماما عن كل معارضه السابقة فكل لوحة فيه كانت عالما بذاته ودنيا بكل مفرداتها .. كان شديد التألق .. تلمع عيناه ببريق النجاح وهو يرى صداه فى عيون كل من يرى فنه ينير جدران القاعة ، وبقدر ما شدتنى هذه اللوحات .. على الرغم من شدة الزحام بقدر ما لفت نظرى الإقبال الهائل والعدد الضخم الذى حرص على المجئ يوم الافتتاح والذى بلا مبالغة امتد من الشارع وفوق درجات السلم وحتى داخل قاعة ` جرانت ` بشارع الجمهورية التى لم تتسع لهم كأـنهم هم أيضا كانو يودعونه ويودعون فنه فى مظاهرة حب كبيرة.
- وفى يوم السبت 7 أبريل أى قبل وفاته بأسبوع رأيته للمرة الأخيرة فى معرض الفنانة هدى مراد والزميل عصام طه فى القاعة نفسها التى كان فيها معرضه ، وبعد الجولة جلسنا فى مكتب السيدة فادية الملحق بالقاعة وكان بصبحته صديقه الحميم الفنان محمود قابيل وراح يحدثنى بحماس عن أحدث لوحاته ` القدس ` وأخذ يشرح لى تفاصيل اللوحة كأنها سيناريو جديد وكيف كان يتمنى أن ينتهى منها قبل معرضه الأخير وحيرته فى اختيار الشكل النهائى لها فقد كان فى ذهنه أكثر من تصور فى أن يضيف لها فرعين من شجرة حقيقية بشكل معين وهل سينجح فى التوصل إليهما أم لا ؟ أم يضع أسلاكا شائكة حقيقية وليست مرسومة على جزء من اللوحة ؟!.
- أم .. أم .. وطلب أن أراها ووعدته مرحبة ، ولكنى لم أكن أعرف أننى لن استطيع الوفاء بهذا الوعد لسبب خارج عن إرادتى ، بل عن إرادتنا جميعا فصاحب الدعوة قد غاب .
- كما اتفقنا وكل من كان يجلس معنا على السهر يوم الأربعاء 11 أبريل أمام شاشة القناة الأولى لمشاهدة آخر أفلامه ` حبيبتى من تكون` وفى اليوم التالى اتصلت به لتهنئته بالفيلم الذى كان يحمل فكرة جديدة ورقيقة كعادته دائما ولكنى عرفت بسفره إلى الغردقة ولم أكن أعرف أنه السفر الدائم الذى بلا عودة !
- أيضا كان من آماله كتابة وإخراج فيلم عن الفنان المبدع المثال مختار وبدأ بالفعل يعد له و.. و.. كانت أحلامه الفنية كبيرة لم يتحملها قلبه المتعب .
- ومات يوسف دون أن يكمل أحلامه .. مات وهو فى أوج تألقه ونجاحه المتواصل وإبداعاته المستمرة وتحديه لكل صراعات الحياة بتصالحه مع نفسه وتسامحه مع الآخرين.
- مات فى عيد الربيع ليضفى على هذا اليوم مسحة الحزن النبيل.
- من مفارقات القدر أن الراحل العزيز يوسف فرنسيس زار بيته الذى بدأ مشوار فنه وعمله ولمع اسمه فيه ` روز اليوسف ` قبل وفاته بخمسة أيام فقط وذلك منذ سنوات طويلة من الابتعاد وكأنه جاء ليودع المكان والناس! عزاؤنا جميعا أن توقيعه على كل لوحة واسمه فوق كل عمل فنى قام به سوف يبقى خالدا شاهدا على فن الصديق والإنسان الذى رحل .
بقلم : درية الملطاوى
مجلة صباح الخير :24-4-2018
الفنان يوسف فرنسيس تمنى أن يكون نحاتا أوعازف كمان
- فى خضم الحديث عن رموز الأهرام نرى نصب أعيننا الكثيرين من عمالقة الإعلام والأدب والفن والرياضة ولا يمكن أن ننسى الفنان الشامل الرائع يوسف فرنسيس، ومن منا يستطيع أن ينساه ولوحاته تقابلك فى الأهرام يوميا تلتقى بك سواء فى الدور الأرضى أمام المصعد أو فى الدور الخامس الذى قضى فيه كل حياته وفى أماكن أخرى كثيرة ، ولكنه لم يكن فقط رساما بل أيضا مخرجا ومؤلفا وأديبا وكاتب سيناريو والذى لا يعرفه أحد أنه كان أيضا شاعرا .
- لم يكن يوسف فرنسيس فنانا تقليديا على الإطلاق بل كان طوال عمره فنانا شاملا متميزا فلا تدرى إذا كانت لوحاته أفلاما سينمائية تعبر عن مواقف إنسانية أم أفلامه لوحات خالدة تعبر عن رموز وشخصيات .
- فقد كان مثالا للرومانسية فى كل المجالات التى عمل بها ففى لوحاته نرى مرحلة رومانسية لم ينافسه فيها أحد من الفنانين التشكيليين كذلك أفلامه التى أخرجها وكتبها ليست بعيدة عن هذا الخط وكذلك الأفلام التى شارك فى كتابة السيناريو أو الحوار لها مثل فيلم ` بئر الحرمان ` بطولة ` سعاد حسنى ` و ` الخيط الرفيع ` بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين و` أبى فوق الشجرة ` لعبد الحليم حافظ ونادية لطفى و` المستحيل ` أيضا كانت كتاباته فى الأهرام فى صفحة السينما مثل لوحة فنية ترى الواقع ولكنها لا تجرح من منطلق تعاطفه وتقديره لمجهود الآخرين ..
- وقد أسس بالأهرام صفحة السينما وكتب فيها مقالته الأسبوعية كلمات فى الفن التى كان يجمع فيها وبمنتهى الحرفية كل ما تم تقديمه على شاشة السينما العالمية والعربية بمنتهى السلاسة .
- وقد كان صاحب رؤية ويكاد يكون فيلسوفا فعندما نسمعه وهو يفسر لوحته الشهيرة ` شجرة الحياة ` فيقول جذورها ممتدة داخل القاهرة والفراغ يحتوى كالقلب فتاة جميلة مجروحة اليد تحاول أن تدعو للسلام وتحتضن حمامة صغيرة خلفها الشمس والقمر متعانقان داخل هذا القلب الأبيض وتوجد وجوه للرجال والنساء وأيضا الخيول حملت هؤلاء الذين سافروا فى البعيد وهناك أيضا وجوه شريرة تظهر داخل هذا القلب الأبيض وكأنها تتحرك وتتوعد ، إنه عالم متوازن بين الخير والشر والبطلة هنا فتاة جميلة مستشرقة للمستقبل وبداخلها سؤال كبير : ماذا يحمل المستقبل لى؟ وقد كان إنسانا صادقا مع نفسه بالرغم من تعيينه معيدا فى كلية الفنون الجميلة فإنه هجر التدريس بعد عام واحد بسبب تجمد الأكاديميين رغم حبه الشديد لأستاذه حسين بيكار، وقد تأثر الفنان يوسف فرنسيس كثيرا بالفترة التى عاشها فى باريس حيث رأس المركز الثقافى المصرى هناك لمدة أربع سنوات .
- فنجد أن كثيرا من لوحاته ضخمة المساحة مليئة بالتفاصيل تشبه الجداريات مثل لوحات متحف اللوفر الضخمة ودقيقة التفاصيل وقد لجأإلى هذا الاتجاه وقال إن الفنانين فى باريس لا يجلون بالمساحات واللوحة الكبيرة كالفيلم الطويل تضم كثيرا من المشاعر والتفاصيل .
- وقال يوسف فرنسيس عن لوحات الفنان إنها مثل الطبيب النفسى فالرسم بالنسبة له مثل الأشعة يكشف ما تحت الجلد بأشعة التشكيلى وما أرسمه أضعه تحت الأشعة كأن المرأة جالسة تجاه طبيب نفسى يسلط عليها نورا يكشف الأعماق والأعماق هى الأدق أما السطح فكل النساء يتشابهن فيه أما الأعماق فلا.
- ويبدو أن الفنان يوسف فرنسيس كان بعيد النظر وعنده شفافية من نوع ما فتجد أن معظم نساء لوحاته تشبه وجه زوجته ورفيقة عمره الإعلامية منى سراج رغم أنه رسم الكثير منها قبل حتى أن يقابلها وعنه يقول الكاتب منير عامر : لا أعرف متى تعرفت إلى الفنان يوسف فرنسيس ولكننى أعلم يقينا أنه رسم غلاف العدد الرابع من مجلة ` صباح الخير` عام 1956 وكان الغلاف لوحة طفلة صغيرة فى الخامسة أو السادسة من العمر وأعلم أنه أنجب فى أوائل الثمانينيات ابنته نسمة وهى صورة طبق الأصل من طفلة الغلاف التى رسمها على الغلاف وأذكر أننى قلت له هل كنت تحمل فى خلاياك صورة لابنتك قبل أن تنجبها بثمانية وعشرين عاما ويضحك يوسف ليذكرنى بما فعلته أنا فى عام 1966 حين كتبت تقريرا سياسيا مرفوعا للرئيس جمال عبد الناصر أكاد أتنبأ فيه بهزيمة 1967 . وسارت صداقتنا على الكثير من الصدق الخشن وإذا سألتمونى عن معنى الصدق الخشن فسأقول : إن يوسف فنان متعدد المواهب ولكنه يعشق السينما على حساب الفن التشكيلى الذى لا يوجد مثيل أو شبيه له فى مكانته . وأؤكد أن ما يرسمه يوسف فرنسيس صار مدرسة فنية قائمة بذاتها فى باريس بعد أن خرجت مدينة الفن من قوقعة التجريد والتكعيب وغير ذلك من المذاهب الفنية التى انتشرت وسلمها الناس من فرط الضلالات والتزييف ، ولكن المقلدين ليوسف لم ينتبهوا إلى حقيقة أن هذا الفنان يشرح لوحاته عبر أفلامه السينمائية وكل الأفلام التى كتبها وأخرجها يوسف فرنسيس تحكى قصة الافتقاد والبحث عن المرأة المفقودة التى تجعل العالم أكثر حنانا مما هو عليه . وهو دائم الرسم للمرأة المفقودة حتى وهو يرسم البورتريه والسبب فى ذلك هو افتقاد يوسف فرنسيس لوالدته منذ الطفولة وهى السيدة التى لم يرها وكل النساء اللاتى رسمهن يوسف فرنسيس لا توجد فى ملامح واحدة منهن رغبة فى عناق أو تجربة حب جسدى خالص فكل واحدة منهن تملك شفافية الوجود من بعد الخروج من صراع اليوم العادى وهو فى كل ذلك يصنع لنا نعومة لا نعيشها فى الواقع بعد أن يمارس أكثر درجات الصدق مع النفس فمن منا لا يحتاج إلى رفقة ناعمة فى حياته ومن منا لا يخاف من الصراع اليومى الذى يغرقنا فى خشونة الأيام التى نعيشها ؟
ولعل الصداقة المؤثرة فى حياة يوسف فرنسيس كانت صداقته لعبد الحليم حافظ رغم أنهما لم يلتقيا إلا فى فيلم ضرب سوق السينما وارتفع بإيرادات الشباك فوق خيال أى شركة منتجة لأى فيلم وهو فيلم ` أبى فوق الشجرة ` فقد كتب يوسف سيناريو هذا الفيلم وكان أغلب حديث عبد الحليم ويوسف عن الأم المفقودة وكان كلاهما يبحث عن تلك الأم ، ونحن نتحدث عن هذا الفنان الرائع الخالد معنا بأعماله كان لابد أن نتحدث مع عائلته وأقرب المقربين له وهى زوجته الصحفية منى سراج وأولاده نسمة يوسف فرنسيس ورامى يوسف فرنسيس .
- ومنذ وصولى إلى المنزل وحتى قبل أن أدق جرس الباب أحسست بروح يوسف فرنسيس تحيط بى فى كل مكان فعلى الباب لوحة كبيرة له تستقبل كل زائر بمنتهى الترحاب الذى كان أسلوبه هو نفسه وما أن تدخل البيت حتى تجد لوحاته وجدارياته تحيط بك من كل مكان تشعرك بعظمة هذا الرجل وحكمته التى تظهر جلية فى معظم لوحاته كما نجد لوحة شخصية ليوسف فرنسيس نفسه تقول زوجته الكاتبة الصحفية منى : أنه كان يعتز بها كثيرا لأن أستاذه الفنان حسين بيكار هو الذى رسمها له وأهداه إياها .
- وتحدثنا الكاتبة الصحفية منى سراج رفيقة الدرب ولا يزال صوتها يتحشرج حزنا أثناء الكلام عنه حتى بعد مرور تسع سنوات على وفاته : يوسف كان بالفعل فنانا شاملا فقد كان رساما متميزا وكاتبا صادقا وناقدا صحفيا ناجحا ومخرجا رائعا وكاتب سيناريو فريد وقد كانت لديه بعض المواهب الأخرى التى لا يعرفه الناس فقد كان يتمنى أن يكون نحاتا وقد بدأ فعلا يتعلم فن النحت ولكنه اكتشف أن لديه حساسية من الطين والماء منعته من استكمال مشواره فى دنيا النحت وكان أيضا يحب الموسيقى وتمنى أن يكون عازف كمان فقد كان شديد التأثر بهذه الآلة الموسيقية . - لقد كان يوسف شخصية غير عادية متميزا بطبيعته دؤوبا محبا للعمل فقد كان يعلم نفسه كل شئ فى كل مراحله العمرية ، فقد علم نفسه اللغة الفرنسية رغم صعوبتها واللغة الإيطالية واشترى كتبا ليعلم نفسه الإسبانية ولكن العمر لم يمهله ، لقد كان فنانا بكل معانى الكلمة وقد أحببناه كلنا كما هو بتركيبته الفنية فهو فنان حقيقى تصادف وأن تزوج فهو ليس رجلا تقليديا ولم أتوقع يوما أن يكون ولكننى أعترف أنه أبا رائعا كما أعترف وهذا هو الشئ القريب وأعتقد أنه نادر فى حياة أى أمرأة أننى عشت معه كل حياتى فهو رجل لم أشعر معه بلحظة ملل واحدة طوال عمرى كان بالفعل موسوعة أشعر دائما أننى أريد أن أستزيد منها كما أنه كان إنسانا رقيقا ولطيفا ومتحدثا بارعا فما يعلمه الناس أنه كان يحب الكتابة والرسم ولكن ما أؤكده أنا أنه كان يجيد الحديث بلباقة وبراعة.
- وفى النهاية فيوسف فنان حتى النخاع فنان فى كل شئ يرسم ويكتب ويخرج ويكتب السيناريو والشعر ويعزف الموسيقى ويعشق الدراسة .
- وعن يوسف فرنسيس الوالد تقول ابنته نسمة :
أبى لم يكن إنسانا عاديا فقد كان أبا رائعا بكل معنى الكلمة فبالرغم من أنه كان فنانا وشهيرا وعنده الكثير من الالتزامات إلا أنه كان دائما معنا كان موجودا بالمنزل يقضى معى أنا وأخى وأمنا وقتا طويلا يسمع منا مشاكلنا ويأخذ برأينا فى أعماله الفنية والسينمائية فقد كان يحب الحياة الأسرية وقد تعلمت منه الكثير وأول ما تعلمت منه هو الالتزام فأبى لم يكن فنانا بوهيميا ، فقد كان لديه اهتمام مقدس بالعمل والمواعيد وعلمنى حب العمل منذ الصغر فقد عملت وأنا فى الرابعة عشرة من عمرى بمجلة ` فيلم` وهى مجلة متخصصة فى السينما وكنت تقريبا أصغر ناقدة سينمائية وهذا يرجع الفضل فيه لوالدى فقد كان يأخذنى إلى السينما وأنا طفلة صغيرة لأرى أفلامه وأفلام الغير وكان يحرص على أن أشاهد كل الأفلام حتى الأفلام غير الجيدة وكانت له وجهة نظر فقد كان يقول لى عندما تشاهدين الأفلام الرديئة تستطعين تقييم الفيلم الجيد وكان أبى ديمقراطيا يقبل النقد بصدر رحب وبعدها عملت معدة برامج ومذيعة لبرنامج Screer أو الشاشة الفضية من خلال برنامج أهلا بقناة A.R.T أما الآن وبعد دراستى للقانون الدولى فأنا أعمل بهذا المجال بعيدا عن الفن ولكن من يدرى ماذا سيحدث غدا فالفن بدمى من ناحية الأب والأم.
بقلم : هبة سليمان
مجلة نصف الدنيا : 28-2-2010
بالكلمات والألوان يوسف فرنسيس يعترف: هذه زوجتى !
- هى: الحياة معه صعبة ولكنها شيقة ومثيرة ..
- هو: الحياة معها جميلة وأراها كل يوم بشكل جديد
- زوجة الفنان موظفة مستديمة فى محراب إبداع زوجها
- هو .. فنان .. وإن اعترف بعجزه عن فهم معنى الفن الحقيقى ولم يكتشفه إلا بعد تجربة مرض عصيبة .. هو رسام اطلق فرشاته وألوانه فى وجه الشمس فى غربة منحتة حرية إبداعية كاملة إلا أن حنين الوطن ناداه فلبى النداء لأنه ببساطة يحبه بكل همومه .. هو سينمائى هاو .. على حد قوله .. قابل الصدفة الجميلة فى هيئة مسئول ثقافى أعطاه الفرصة فى أن يرى الحياة بشكل أجمل من خلال عدسة سينمائية تعيد تشكيل الواقع كما تمنيته فى أحلامك .. هو صحفى .. يلعب بالكلمة فى مضمار حساس .. تشجينا وتحيرنا وتجعل شراييننا تمتزج بذبذبات الحياة فتتحول إلى موجات أثيرية إيجابية تهزم خلايا التجمد فينا .. هو زوج مصرى يعشق شرقيته ويعترف بلا حرج .. نعم زوجة الفنان موظفة مستديمة فى محراب إبداع زوجها .. هو فى مفترق طريق .. وإعادة النظر فى العمر الذى انساب بعد تجربة اقتراب حميم من العالم الآخر .. خرج منها صارخا .. الفن أجمل ما فى الحياة .. فلماذا تركتهم يلهوننى عنه بتفاهات صغيرة ؟! هو ببساطة .. يوسف فرنسيس ..
- لم أره منذ عشر سنوات وإن تتبعت أعماله الصحفية منها بالذات فى الزميلة ` الأهرام` وكانت هجرته إلى باريس العاصمة فرصة لكى يتجرع الفن حتى الثمالة فى بلد يتنفس إبداعا وتسهر صارخة شوارعها بكل ألوان الفن الرخيص منها والغالى .. كان الميعاد فى الثامنة مساء .. فى منزله الذى يقع بالقرب من قصر الرئاسة بمصر الجديدة .. ندق الجرس يأتينى صوت طفل يجرى ويفتح الباب بنفسه وأهلا وتفضلى.. ودخلت وجدت أحد الأقارب (هكذا تصورت) يسلم علىَّ بحفاوة كمن يعرفنى .. رددت التحية بارتباك طفيف .. وجدت يوسف يجلس فى آخر الحجرة والضيف يسألنى عن صحتى والمجلة ونوعية الحديث الذى أريده ابتسمت وشعرت أن فى الأمر شيئا غريبا .. مازال الضيف يسألنى ومازال يوسف فى مؤخرة الحجرة .. صامتا .. مديرا تقريبا رأسه للخلف كأنه يتفرج على أمر لا يخصه .. زادت دهشتى ثم .. دخلت الصحفية منى سراج وبيدها التليفون وللعلم هى زميلة دراسة وعندما وجدتنى قالت : الله جيتى امتى ؟ ليه محدش قال لى ؟ ونظرت إلى يوسف وقالت : إنت عملتها ، والله انتم أطفال .. وضحكوا جميعا ، قالت : متصور انك لن تعرفيه وقرر أن يقوم الصديق بدوره ويتفرج هو على الموقف .. والتفت إليه .. الحمد لله .. هى لعبة ونكتة لأننى بدأت أتيقن فعلا أن الفنون جنون . أو أننى أخطأت العنوان ووصلت للعباسية ..عامة حمدا لله على السلامة وبالمناسبة أخبار الفن إيه؟
- وجاء الشاى .. وقال : مافيش زعل هزورة بسيطة لقد تصورت أن الزمن ممكن أن يغيرنى بحيث لا تتعرفين علىّ .. قلت .. لا مش بالدرجة .. وتلفت حولى .. البيت عصرى الذوق .. أول ما يلفت نظرك هو اللوحات الكثيرة المتناثرة بذوق فوق جدران بيضاء للزوجة (منى) لوحات بريشة الزوج (يوسف فرنسيس) بطريقته المتكررة لصورة المرأة التى أحبها .. شعر أحمر نارى طويل .. ونظرة حالمة تنظر إلى بعيد .. وجمال واضح زاده إتقانا عيون عاشق .. وفى المنتصف صورتان (برضك) لمنى بريشة الفنان العظيم صبرى راغب وأستاذ يوسف كما ردده كثيرا (بيكار) كأنك ترى صورة لحواء ذات الألف وجه .. من رومانسية صبرى راغب .. لأستاذية بيكار .. وجوه متعددة لامرأة واحدة .. هكذا هو الفن ، يعطيك ألف معنى لشكل واحد .. تركته يتدفق .. كان يصمت من حين لآخر ويسألنى .. هو الموضوع حول الفن بصفة عامة أم رسمى لزوجتى فى لوحات مختلفة ورؤى متعددة : قلت له : هو حول الفن والحب والزواج والالهام والاخراج والصحافة ، هى رحلة حميمة داخل فنان متعدد المواهب .. هى مجرد دردشة .. مواقف ؟ طيب .. اسألى وأنا أجيب !!
- هل يتزوج الفنان ملهمته أم من الأفضل أن يظل تأثيرها طيفيا .. أثيريا .. لا تجمده واقعية الحياة اليومية؟
- قال : حاقولك .. انا رسمت (منى) قبل الزواج وأكملت اللوحة بعد الزواج .. وبعدها لوحات كثيرة فى سنوات من عمرى .. عامة ، قضية الالهام تظل قضية المرأة الملهمة نفسها .. هى وحدها قادرة على استمرار تأثيرها القوى وأن تحتفظ بدرجة السخونة فى مشاعرها ، ألا يتغير شكلها الخارجى والداخلى على حد سواء أن تظل الرقة بعينها وأن يمتد سحر الصوت بامتداد سنين العشرة ، ولا يتغير .. أن يظل إيمانها بفن زوجها متدفقا .. صادقا .. مهما مرت السنين، يجوز أن يمر الفنان بتحولات عريضة ولكن لابد أن يستمر إحساسها به كفنان لا يتغير .. أنا ظللت وفيا لمدرستى التعبيرية الرومانسية ولكن لو استيقظت يوما ووجدتنى مستلقيا على الأرض وبارسم مساحات سوداء وعليها نقط زرقاء مثلا وواضع كل إيمانى فيها فلابد أن يستمر تصديقها لما أفعل .. فليس معنى الالهام أن تستمر هى موديل لوحاتى .. ولكن معناه أن تلهمنى الايمان بصدق فنى !!
- (مازال الكلام يخرج عزيزا من فمه كأنه لا يريد أن يفصح عما بداخله وفى نفس الوقت هناك أسرار يريد البوح بها) .. سألته عن معنى الفن الحقيقى وعن معاناة الفنان فباح بمكنون الأسرار ..
- أخطر لحظة فى حياة الفنان عندما يبدأ فى شد القماش على الحامل ثم يخط بفرشاته عما يجيش به صدره ، ثم يتوقف ويتراجع مترين للحكم على فنه ، هنا يصمت الفنان ويستيقظ الناقد .. كأنك ترى أمامك (بيكار) أو حسن سليمان ينظر بعينيه إلى عملك ثم يحكم عليك سواء بالموت أو الحياة .. حينئذ لابد أن يرى الفنان عملا فنيا متكامل الأركان .. ليس مهما أن يكون الرسم جميلا لفتاه مرسلة شعرها المجنون فى كل إتجاه .. إنما أن ينطق كمالا وحياة .. وهذه الخاصية هى التى تجعله عملا فنيا حقيقيا وليس مجرد صورة ملونة توضع فوق (مدفأة) أو فى بهو فندق ، لابد للوحة ان تتكلم أتذكر الآن مقولة إحدى النساء للفنان الذى رسمها (ولكن يا سيدى .. الوحة لا تشبهنى على الاطلاق) فقال لها : انتظرى قليلا فسوف تشبهك فى القريب العاجل ..
- هذه ليست فلسفة أو عبقرية ولكنها واقع ، واقعه هو .. شوفى ما هى أكمل لوحة فى تاريخ الفن (الموناليزا) ومع ذلك قال دافنشى للملك (فرانسوا الأول) عندما أراد أن يبتاعها .. هى عمل ناقص .. هناك كمال بعد هذه الرؤية المبدئية للعين العادية، كمال لا يراه إلا الفنان نفسه !!
- وصمت ، رغم قلة معلوماتى عن الفن التشكيلى .. إلا أننى أعشق جمال الرسم بالألوان .. عشقا غريزيا ولكننى بعد حديثه وجدتنى أنظر بعين مختلفة وشعرت بكم المتعة التى فاتتنى وأنا أنظر من خلال عيون عادية وليس عيونا فنية وتركته يسترسل .
- سألتنى عن رؤيتى لوجه زوجتى وكيف رسمتها على مر السنين ..(شايفة اللوحة اللى على الحيطة ؟) ألا تشعرين بجلال الأمومة ؟ نعم أمومة رغم ان زوجتى لم تكن أنذاك أما ، ولكننى أحسست فيها بفيض وعطاء الأم .. رأيتها فى خيالى ` شايلة ` طفل بحب لا يعرفه سوى الأمهات .. وتتخيلى طلع بالصدفة أو بالاحساس (سميه زى ما انت عايزة) يشبه ابنى(رامى) الذى جاء للحياة بعد ذلك بسنوات .. هنا الالهام لم يكن بنتا جميلة بشعر طائر فى الهواء فى كل الاتجاهات ( وهى تيمة نجدها فى أعمال يوسف فرنسيس) ولكن الالهام أصبح فى معنى الأمومة .. الشئ الثابت فى الحياة .. الحب الحقيقى الذى لا يموت ولا يشيخ ولا يزيف المعنى الجميل الذى أحبه امرأة تحمل طفلا .. أجدنى أتكور وأدخل جسد الطفل لتحملنى (الأم) بين ذراعيها . أحب هذا الشعور بالدفء .. الرجل يحب هذا الاحساس الجميل الدافئ .. الآمن خاصة من حُرم من الأمومة .. أنا عايز أكون هذا الطفل بالنسبة لأى امرأة عندها عاطفة .. الرجل يتساءل بوجد .. وعشق عن هذا الحب السماوى .. ما معنى يد صغيرة تحتضن كتف أمه .. وما معنى صدر يتهدج وقلب صغير يخبط فى قلب كبير فيذوب فيه ويختفى من الحب !!
- أعترف أن كلامه كان مفاجأة تامة لى ، كان فيه شجن حزين ، كأن هناك ما يؤلمه ولا يريد الافصاح عنه ، ووجدتنى أسأله : ( أيشعر الرجل بالغيرة من قدرة المرأة على ميلاد الحياة وتشكيلها بيديها ، فيعوض هذا بالخلق الفنى .. أعرف أنها مقولة كلاسيكية .. ولكن ألهمنى السؤال الآن) ؟
- قال : فعلا .. كلامك حقيقى ، عملية الميلاد معجزة الهية خص الله بها النساء .. ايثارا وهبة من عنده لهن .. وعوضها الرجل بالعمل والخلق الفنى .. أنا مثلا ، لوحتى الأخيرة ( قد مرَّ فترة طويلة على إقدامه على رسم لوحة جديدة) أخذت منى فترة حمل فنى كامل .. كان معى صديقى هذا الذى ترينه أمامك ومنى زوجتى ، رافقانى فى رحلة التكوين والمخاض الفنى بصبر جميل أشكرهما عليه .. ولم تكتمل أو تولد لوحتى إلا بعد تسعة أشهر استحملتها من عذاب الشك الفنى واستحملته هى من تقلب مزاجى وثوراتى ولكن أخيرا اكتملت اللوحة ، وإجابة على سؤالك .. نعم توجد غيرة فنية ، المرأة تلقت المنحة الالهية (بحب وفخر) النهاردة .. فى ظل الظروف الحاضرة ، لم يعد الفنان يستطيع تكرار عملية الخلق بسهولة .. أصبحت قدرته محدودة من الناحية الزمنية فلا يستطيع أن يمنح فنه ( زمنا طويلا) لأن الحياة تجذبه .. تشاغله بمسئولياتها وأضوائها العابثة..
- وقاطتعته : ولكن الفنان يظل يعطى فى كل الظروف !!
- قال ادينى فرصة أكمل كلامى .. قلت : تفضل .. أكمل..
- لابد من الالهام المستمر ، ولكن السؤال هو كيف أستطيع أن أوفر الظروف التى تجعل ملهمتى فى حالة مزاجية (رايقة) بحيث تعطينى أجمل ابتسامة وواحة أمان .. بحيث تستفز موهبتى فأعطى فنا .. حيا متوهجا ، الواقع يقول .. المرأة الملهمة لم تعد هذا الملاك الذى يشع ضوءا أبديا فينير ما حوله ، إنما أصبحت إنسانة مزاجية تتحكم فيها الحياة بألاعيبها فتحزن اليوم ، وتصرخ غدا وتكتئب بعد الغد وفى هذه الحالة ماذا يفعل الفنان ؟!
- ووقفة من عندى أنا .. حكى لى الفنان يوسف فرنسيس محاولة شرح وجهة نظره فى مسائل (المزاج الفنى) عن مشهد سينمائى كان يجمع الفنانة نادية لطفى فى مشهد حزين فى المقابر .. استعدت له .. ولكن فجأة ، جاءها زوجها زائرا على غير ميعاد ففرحت ولمعت عيناها من المفاجأة واختفى المزاج الحزين ، وأوقف المخرج (يوسف) التصوير ، حتى إشعار آخر !! مجرد تعليق من عندى !!
- سألت يوسف فرنسيس الفنان والرسام والمخرج .. يقال ان الفنان الناجح يحب الأضواء المسلطة عليه .. قاطعنى قبل أن أكمل العبارة (ستوب .. خطأ .. أسخف شئ للفنان أن تسلط عليه الأضواء)، لو قلت لى والله يبدو شكلك لطيفا ومتفائلا اليوم ، .. لكرهتك ولكننى (الله .. لوحتك تشعرنى بالتفاؤل) لظللنا أصدقاء مدى العمر !!
- ابتسمت لاندفاعه وقلت قصدت الأضواء المسلطة على فنك ونجاحك ، فهل تشعر بعدم الاكتمال كون زوجتك امرأة عاملة .. صحفية .. ناجحة ، لها ولو ( ذرة) من روح الفنان المتمردة ، لها حياتها وشهرتها وبالقطع معجبوها ؟
- وقاطعنى للمرة الثانية بعنف ولا النافية تخرج من حنجرته : لا..لا أحب هذا ، الفنان بصفة خاصة يحب التفرغ الكامل من زوجته .. هو أمنية عندى وليس واقعا أعيشه ولكنه إحساس ووجهة نظرى (وما تزعليش يا منى) ده رأيى وأنا صريح وحاقوله .. (للعلم ، زوجته الصحفية منى سراج ، كانت حاضرة المقابلة من الألف إلى الياء) أجابته على كيفك !! هنا كل واحد حر أن يعبر عن رأيه ويحترم رأى الآخر ، وأكمل كلامه قائلا :
- أنا صحفى ورسام وحياتى مليئة بالهموم (مين بقى يا ستى حايطبطب علىَّ؟!) - - وقاطعته باستغراب (طيب ما تطبطبوا على بعض) أجاب.. ازاى ؟ المواعيد مختلفة ؟! ولما نصحى الصبح مين فينا سيطل على شغل الآخر .. أنا ولا هى ؟ همومى ولا همومها .. مشاكلها زائد مشاكلى ..لا .. صعب قوى مع فنان عايز مناخ خاص !!
- توترت غصبا عنى فالقضية تخصنى أيضا كامرأة واندفعت معلقة بحماس :
- يعنى رغم فنك وحريتك وخصوصيتك كمبدع مازلت تريد أن تعيش الزوجة فى الظل ؟ أجاب :
- لا .. بلاش الكلام الكبير ده .. لا تأخذى موقفا دفاعيا دون أن تستمعى للحيثيات .. صمت مرغمة والغيظ ينهشنى .. وأجاب إجابة غريبة:
- أحلى النباتات نبات الظل ويعطى أجمل الثمار .. وقاطعته داخل نفسى وكانت إجاباتى الداخلية سريعة كطلقات المدفع .. تعطى ثمارا لمن ؟ وأين حقها هى أيضا فى الاستمتاع بعطاء نفسها ؟
- أكمل اجابته : ( أنا أقدر شغل ( منى) وأنا تزوجتها وهى امرأة عاملة وأقدر نجاحها ، ولكن ما زلت أرفض كلمة النور والظل وجزئى التفاح يكملان بعضهما .. وحكاية الطبطبة علىَّ (دويتو مزدوج) ده كلام كلاسيكى بتاع المنفلوطى ( ومتهيألى هو شخصيا بطله !!).
- قلت له كاظمة غيظى .. وانت كلامك بيقول إيه ؟
- قال : أنا تركيبة مختلفة .. الفنان شئ خاص ، أحب أشوف ابتسامة جميلة ، وجه مشع ، طفل برئ يجرى على الأرض أمامى ، أريد الراحة فى واحتى .. أحب مدينة فينسيا وأتمنى أن أنهى حياتى فيها ، أحب صداقتى مع (فاروق) أحب اختلافنا . ومناقشاتنا الحامية .. أحب الحياة.
- وأعترضت أنوثتى (يحب الحياة والاختلاف مع الصديق لأنه يجعل للحياة طعما .. ولكنه مازال يحب فى المرأة الوجه الجميل ، الأمومة ، الطيف ، الخيال ، الدور الهامشى غير الحقيقى ، وكتمت اعتراضى حتى يسترسل بلا محاذير)!!.
- أكمل : لو حبيت ارسم منى وهى فى الشغل ماذا أفعل ، هل ممكن أستدعيها وأقول لها ، بسرعة تعالى أصل شيطان الفن قاعد قدامى على الكرسى .. زمان كان الفنان يعيش ويرسم فى الأتيليه وعنده الموديل التى يستأجرها لكى يرسمها فى أى وقت .. أنا باتكلم عن صورة قديمة للفن لم تعد موجودة ، انتى فاكرة انى فنان لا .. انت جاية هنا غلط .. الفنانون الحقيقيون انقرضوا من زمان .. علشان كده الفن التجريدى غزا الدنيا .. لأنه مش محتاج لا لامرأة ، ولا لشجرة ولا لإلهام ولا حاجة خالص ؟!!
- لا أعرف رغم السخرية التى غلقت كثيرا من إجاباته .. إلا أننى مازلت اشعر بالحزن يطل من عينيه و.. عرفت السبب .. (أنا لست فنانا .. أنا أحاول أن أكون فنانا .. عندما كنت فى باريس كنت أمضى طوال يومى فى متحف اللوفر حتى يقفل ويقول لى حارسه مداعبا - أتريد أن تسرق شئيا - وأقول له مزاحا .. يا ريت) . واختفت الابتسامة ثم قال بجدية :
- عارفة بعد العمر ماراح .. اكتشفت ان أحلى حاجة فى الدنيا هى الفن .. ولكن للأسف ضيعت عمرى فى مجاملات .. والنبى ارسم لى صورة ، طيب لو سمحت موتيفة .. عارفة إيه هو الفن الحقيقى اللى اكتشفته بعد مرور العمر؟ هو فن أعرفه تماما وداخل جوه مسام جلدى ولكننى للأسف لا أمارسه لأنه لم يعد عندى الوقت والجهد ، عارفة بعد عملية جراحة القلب اكتشفت كم كانت الصحة غالية وللأسف لم نستثمرها .. النهاردة لما أرسم وأرفع ذراعى ويؤلمنى .. أقول أه .. دلوقتى عرفت قيمة هذه الحركة التى كنت أستخف بها !! زمان كنت لو أردت أن أرسم فتاه معينة فتغضب زوجتى أو تغار .. كان ممكن أهد الدنيا لكى أحقق متعة فنى الخالصة من خلال هذا الوجه بالذات .. اليوم كل ده راح أنا كنت فى باريس أنزل الساعة 12 فى عز البرد ارسم فتيات الليل فى بيجال لأن شيطان الفن كان متحكما .. ولكن ...
- عقبت منى سراج على موضوع الغيرة قائلة : أى حد معجب بيوسف هو إضافة لى وسعادة .. ولكن أى حد متطفل على حياتنا ويريد تعكير صفوفها يصيبنى بالغضب عارفة ، ساعات تقترب إنسانة من يوسف ليس من أجل الاعجاب بفنه أو بشخصيته (لا تزعل يا يوسف) إنما لكى تغيظنى أو تسئ إلىّ .. هذا لا أتقبله وأنا أفهم المرأة أكثر من الرجل وأعرف نواياها ، لهذا أغضب وأحاول إبعادها !!
- يوسف ..ومنى .. والنظر دائما فى نفس الاتجاه!
- عقب هو منفعلا: يعنى أنا مش حاعرف الفرق بين المغرضة والتى تنجذب لفنى!! - أجبت أنا نيابة عن الزوجة : الست تفهم الست اللى زيها !! وكذلك الرجل !! أما الرجل يمنعه غروره الذكرى عن إدراك النية الحقيقية لبعض السيدات ولكن نحن ( نون النسوة) نفهم بعض جيدا .. عامة من القوة الكامنة ، الخفية فى المرأة .. انها لو ` حطت ` عينها على رجل ما وركزت عليه ، غالبا ما تحصل عليه و.. لا تعقيب من الجميع بأمر من الزوجة وصاحبة الحديث !!
- وانتقلنا سريعا لموضوع شمولية الفن .. فيوسف فرنسيس كتب وعمل مخرجا وكان سؤالى الحائر : ما الذى يجمع بين الفنين ؟
- قال : الاحساس العميق بالهم والسعادة معا .. عارفة لما الدكتور يقول لك خذ نفس عميقا ، فتشعر بالراحة والألم معا ، هو ده الاحساس فى حالة الاخراج والرسم !
- ولماذا لم تعد تخرج ؟
- قال : حكاية الاخراج دى حكاية .. أنا كان من حسن حظى أن جاء لنا ضابط مثقف ومدير الوكالة العربية للسينما وكنت فى سنة رابعة فى معهد السينما ، شاف فى مشروع مخرج وفى غيرى مشروع مؤلف وأعطانا فرصة ولو لم نقابل هذا الرجل لظللنا نتفرج على الأفلام دون الدخول فى متعة خلقها ( الفرصة محتاجة لرعاية .. الزهرة محتاجة مياة .. كلامى محتاج جريدة وهكذا..) وتسأليننى لماذا لا اخرج ؟ أقول ولا يهمنى زعل حد ؟ قلت : أه .. قال : إما الممثل يتدلع يا إما الممثلة فى باريس تشترى (هدوم) على حساب غيرها .. لا يوجد فن حقيقى أو صدق .. إلا فيما ندر !!
- لو غنيت لك أمانة يا ليل .. يا ليل طول وهات العمر من الأول . فماذا تقول حتى لا نرددها معا .. ليس لو عملت كيت وكيت ؟
- ماكنتش رجعت من باريس لما (هيكل) بعث لى من عشرين سنة ولكننى عدت لأننى أحب بلدى .. كان حقى قعدت عايش راهب فى محراب الفن لوحدى فى باريس ولكننى انهزمت لأننى إنسان عادى .. أريد أن أحب وأتزوج وأجيب أولاد .. أحب بلدى وأحب أكون وطنى ، بحقيقى ، الفنان مثل رجل الدين .. هل نطلب منه أن يفتح محل بقالة أو يدخل مسابقات فنية ؟ بالطبع لا .. كذلك الفنان يجب أن يعيش لفنه .. أنا كتبت عشر كتب منها خمسة عن عباقرة فن الرسم ، ` فان جوخ ` ، مودبلاينو ، كل هؤلاء كانوا عباقرة .. منهم من ظل خمس سنوات يسأل هل ضوء الشمس أزرق ولا بنفسجى ؟ أرسم داخل الأتيليه ولا خارجه ؟ ظل الانسان الراقد على الأرض أخضر أو أزرق ؟ لماذا أقول كل ده من غير ما يتهمنى أحد بالجنون ، أو أننى فاسق لأنى أرسم أجساد النساء .. ده مش فن ده .. احنا مش فنانين !!
- إذن القضية قضية حرية الفنان عندنا وعندهم ؟
- قال : لا .. حرية الفنان غير مرتبطة بالمكان .. حريته تكمن (جواه) يوم ما يبيع نفسه وفنه وحريته .. يبقى عارف بالضبط هو باعها .. فين ولمين وبكام ؟!!
- ولكنك تفصل بين الفنان والظروف المحيطة به ؟
- انفعل واعتدل فى جلسته وحذرنى قائلا : أوعى تطبقى قوانينك العادية على الفنانين !! الفن الحقيقى .. حرية خالصة لا يجب أن تخضع لأى مقاييس أو اعتبارات ، وبالمناسبة أذكر فنانا حقيقيا ، فنان كما ينبغى أن يكون الفن هو (كنعان) هذا الانسان كان ينزل إلى السوق فيسمع أصوات الناس ويشعر بسخونة أنفاسهم فجأة قرر أن يرسم تجريدى وأصبح أول رائد للفن التجريدى فى مصر .. النهاردة هو فين ؟ هو فنان عظيم ولكن فين ؟!
- إذا سألتك عن الاحساس باكتمال العمل الفنى عند الفنان فماذا تجيب .. انت الذى تقول على نفسك لست فنانا ؟
- أرسم اللوحة عدة مرات ، يراها الآخرون كاملة ، أحزن .. أراها أنا ناقصة ولا يرى هذا النقص إلا قلبى وعيونى .. داخل عيونى العادية أتأملها .. وأسأل الأصدقاء والنقاد فلا يرون النقص مثلى .. علشان كده لازم لكى تشعرى باللوحة أن تأخذى زمنا كافيا .. ترن من خلال عيون الفنان .
- ما الذى ندمت عليه بالنسبة لفنك ؟
- اننى لم أسمع نصيحة إنسان عزيز اسمه (حامد سعيد) قال لى يوما : لابد أن تتفرغ لفنك .. ولكننى لم أستمع إليه وأنا باعتذر له على تمردى لأنه كان عنده حق !! عارفة من عشرين سنة قال لى ونحن فى أتيليه للرسم فى الأقصر ( اقعد ارسم هذه الصخرة) ورسمتها بسرعة فقال لى (لا الفنان الحقيقى يقعد يرسمها فى سنة كاملة) ولم أع هذا الدرس إلا بعد عشرين سنة .. هو كده البنى آدم .. فالحياة تستحق أن نتأملها بصبر ونعطيها حقها !!
- إذن لابد للدولة أو المؤسسات أن ترعى الفنان الحقيقى حتى يتفرغ لفنه ولا يبعده أرق الحياة اليومية ؟
- قال : لا .. حينام ولن ينتج .. قلت له وبعدين إيه الحل بالضبط ؟! وعلقت زوجته قائلة : ( الفنان الحقيقى يظهر فنه بعد معاناة وكفاح ولم يظهر فن مخلص .. حقيقى من إنسان مرفه !!)
- وجاء دورى للتعقيب فقلت :
- لابد للدولة أن ترعى الفنان الحقيقى حتى يتحفنا بفنه ويسعدنا ولن أقول لأنه ثروة قومية إنما لنجعل التاريخ يذكر بعض فنانى مصر الحديثة (بالخير) ولنجعل الحاضر يردد ترنيمة الزمن الحالى ولنصمت من تكرار أمجاد الماضى فنحن الحاضر .. وأحفاده .. فلماذا نجفف نهر الابداع فينا ؟
- ومازال الحوار مستمرا .. ساخنا أحيانا ، مستفزا أحيانا أخرى مثيرا للشجن والحزن فى لحظات كثيرة ، ومثيرا أيضا للاعجاب ورغم ذلك سألته : رأيك شرقى تقليدى جدا بالنسبة للمرأة .. فقال :
- فعلا .. سميه تقليديا ، أنا أسميه خصوصية وضع زوجة الفنان عامة سألتينى منذ لحظات عن مفهوم الزواج عندى سأقول لك : زواج .. يعنى اثنين ماشيين نفس المشوار ، إن تعب أحدهما .. انتظره الثانى حتى يلحق به إذا أحب أحدهما مشاهدة السحب . انتظره الآخر فى صبر وإن كره السحب .. إذا اشتد الحر وضع أحدهما ظله للآخر حتى يحميه من الاحتراق .. هناك هدف بعيد عند خط الأفق ، لا يراه أحدهما أو كلاهما ولكنهما يحلمان به سويا سواء فى صورة بيت ، طفل ، حتى عندما يكتشف الاثنان ان الرحلة انتهت وان خط الأفق لم يأت لا يحسان بالفشل والاحباط هذا هو الزواج .. والحقيقة أنا قرأت هذه العبارة فى كتاب ما .. أو من راهب بوذى ، عامة هو مفهومى للزواج ، ولكن حب زوجتك قبل الأكل وبعده ، وأنت تكمل الآخر فكلها شعارات تنطوى على خدع زوجية اجتماعية غير حقيقية !! - و.. لم أعلق .. فمازالت عباراته المقتبسة من الراهب أو الكتاب ترن فى أذنى .. فما أحلاه من معنى رقيق للزواج ..!!
- وفى اقتراب حذر فى منطقة حساسة كان الكلام عن العملية الجراحية الخطيرة التى أجريت لقلبه ولاح لى سؤال تحرجت أن أسأله ولكنه خرج منى : ما هو إحساسك بعد اقترابك الشديد من العالم الآخر ثم عودتك إلى دنيانا ؟
- قال : مازلت هناك ، ثم ضحك وقال : قبل العملية عمرى ما سألت نفسى عن الموت والحياة ، كأنك تشاهد مباراة كرة مازالت فى البداية والوقت ممتد لاحراز أهداف الفوز ولكن عندما ينتهى الوقت الأصلى وتعطى وقتا إضافيا .. تشعر فجأة بقيمة ما تفعله . تحاول بسرعة إحراز أهداف فى اللحظات القليلة الباقية لك عارفة كانت العملية مجرد تنبيه من الخالق يقول لك فيها .. بلاش غلط .. بلاش تضييع للوقت .. اسقط كل المشاكل والتفاهات التى التهمت حياتك ، اسقطها من حسابك وابدأ فى الاهتمام بالأفضل والأجدى وأحب فنك ..
- وسكت احتراما للحظة التأمل !!
- قبل العملية بسنة اتخضيت وصرخت فى وش مراتى ، أصدقائى ، الحقونى ، عمرى بينتهى، استجديت عمرى من الأطباء لكن فى الأخر ، انت تعزف عزفا منفردا ، عذابك بداخلك وحدك رغم المحيطين بك .. ورغم كل المحاذير فى أول خناقة صرخت ووقعت ..
- مازلت لحظة الصدق تتدفق وكلى أذان صاغية .. لا يقدر الانسان أن يغير ما بداخله .. لن أقول قدره ولكن مكوناته التى تكون روحه ، وأتساءل : أنا إيه اللى وصلنى لكل ده .. منى وقفت معايا ربنا يديها العمر .. ابنى الكبير بعد خلاف سنين عاد إلىَّ .. ولكن بس يا يوسف ماتلمس الأرض برجليك حتى يعود كل شئ إلى ما كان عليه مرة أخرى .. إذن ما حدث كان ناقوس خطر ، يقول لك انتبه ، هناك حريق قادم ، (ستوب كادر) كما نقول فى السينما لكى نعطى فرصة للتأمل ..
- ماذا يعنى مرور العمر لك كإنسان وفنان ؟
- أشعر أحيانا بأن عمرى ألف سنة وأحيانا عشرون ، وأحيانا طفل صغير تحنو عليه امرأة فتحيطه بذراعيها من شرور العالم .. عارفة .. الفنان ده كلمة كبيرة مثل الزعيم السياسى ، كلاهما يحركه الخيال ويحاول أن يجعله واقعا جميلا نعيشه ، السياسيون ليسوا فنانين ولكن جواهم خيال ، رغبة فى التغيير ، عارفة وراء كل مصلح اجتماعى فنان فاشل غير كامل .. والفنان بالمثل عندما يرسم يصبح مصلحا اجتماعيا .. بصى على اللوحة اللى أمامك .. ترى عصاتين تميلان على بعض فى حب وثمرتهما كانت هذا العصفور الأزرق .. لو لم تر اللوحة بهذا المعنى يبقى أنا مش فنان وأبطل ارسم أحسن .. ومازحته قائلة : رغم كل ذلك تريد زوجة متفرغة قال بعناد : آه .. أجابت زوجته : هو أكثر من أى إنسان آخر يعرف أن الزوجة المتفرغة تخنق الفنان .. لازم أسيب له مساحة للتنفس فالفنان بطبيعته يكره أن يلتصق به أحد .. والمطلوب من الذى يعيش مع (فنان) أن يعيش على الحافة خارج دائرة فنه ، والمرأة إن لم تجد ما يملأ حياتها ستتعب وتتعبه معاها .. ونخسر زوجة وفنانا فى نفس الوقت !!
- ومازلت أنظر للفنان وزوجته ومازلت كلماتهما معا تتردد فى أذنى .. هى .. الحياة معه صعبه ولكنها شيقة ومثيرة ، وهو .. الحياة معها جميلة ومازلت أراها كل يوم فى شكل جديد ومازالت اللوحات على الجدران تقول بكل الألوان .. منــ ... ــــى !!
بقلم : وفاء الشيشينى
مجلة آخر ساعة 29-8-1995
فى معرضه الأخير : يوسف فرنسيس يعشق حسناء الألف وجه !
- تعرَّف بها قبل أن يراها .. من خلال كتابات الكاتب الكبير الراحل توفيق الحكيم حيث طار إليها مع ` عصفور من الشرق ` .. وجاء لزيارتها ليرى ` الموناليزا `.. فرمت بشباكها حوله وتربعت على عرش أنامله .. وفرشاته .. بعد أن ظلت لسنوات طويلة منبع إلهامه الوحيد ، إنها باريس ، مدينة الألف وجه .. التى يأتى إليها الناس .. من جميع أنحاء العالم فى كرنفال دائم من الألوان .. والحركة .
- وأسرت فرشاته حتى قدم لها وعنها رؤى عديدة .. فى خطوطه .. التى حاولت أن تمتد لتمسك بجوهر وقلب هذه المدينة الصاخبة والهادئة .. الناعمة .. والمتدللة ، الغانية والمحافظة ، العاقلة والمتهورة ، تلك هى حالات باريس ووجوهها المتعددة التى ظهرت واضحة فى معرض الفنان يوسف فرنسيس الأخير فى المركز الثقافى المصرى .. والذى حضره الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير الأهرام .. وجمهور الفن الفرنسى والعربى .
- ويتذكر يوسف فرنسيس : لقد دعتنى إلى باريس لوحة الموناليزا وقصة الحرب بينها وبين ليوناردو دافنشى ، وعندما قرأت رواية توفيق الحكيم ` عصفور من الشرق ` تمنيت أن أكون هذا العصفور ، فجئت إلى باريس وأنا طالب فى الفنون الجميلة لأرى لوحة الموناليزا .. ومن شدة إعجابى بمتحف اللوفر .. حيث تعرض اللوحة .. لم أر شيئا فى باريس طوال زيارتى سوى هذه اللوحة .. حيث كنت أنتقل من لوحة للوحة .. ومن قسم لقسم ، أما المرة الثانية فأرسلنى ` الأهرام ` لباريس فى مهمة صحفية فتعرفت بنواح أخرى فى باريس غير متحف اللوفر ، وتوطدت علاقتنى بها عندما أقمت فيها لمدة ثلاث سنوات .. كانت بالنسبة لى هى الفن فقط ، إلا أنى فيما بعد وجدت أنها أيضا المسرح والأدب والسينما حتى أنى عندما ألفت كتاب عنها اخترت عنوان ` حسناء الألف وجه ` .
- هل أصاب الفتور علاقتك بها عندما عشت فيها لسنوات ؟
- التعود قاتل .. ويمكن أن يتعود الانسان حتى الجمال ولا يراه بعد فترة .. ولكن باريس حسناء ` شيقة ` تعرف كيف تحافظ على جمالها وجاذبيتها . فهى تغير شكلها وتنوع فى ملابسها .. ودائما نجد فيها مسرحيات جديدة وأفلاما جديدة وظواهر خارجة عن العادة . فحتى عندما كنت أعيش هنا ظلت مشاعرى نحوها متوهجة .
- ما الفترات التى كثر فيها انتاجك فى باريس ؟
- إنتاجى كان دائما غزيرا . وكنت أفضل الرسم من الساعة التاسعة مساء وحتى الفجر حيث كنت أخرج من بيتى ومعى أدوات الرسم وأتجول فى شوارع وميادين ومقاهى باريس إلى أن يشدنى حدث أو تتفجر بداخلى مشاعر معينة فأجد قلمى.. وقد تحرك فوق المساحة البيضاء .
- ما اللوحة التى تعتز بها أكثر من غيرها ؟
- من الصعب تحديد ذلك لأن كل لوحة لها ذكرى خاصة عندى ، ولكن أستطيع أن أقول : إن اللوحة التى تصور فتاة جالسة على الرصيف تعبت جدا فى رسمها لأن ظروف الحدث كانت شائكة .
- لماذا كل اللوحات المعروضة بالأبيض والأسود ؟
- لأنى أردت الاهتمام بالموضوعات أكثر من الألوان.
- وما حصيلتك الفنية فى باريس ؟
- قمت بعمل ثلاث معارض ليس بالضرورة صورا عن باريس ولكن عرضت لوحات مختلفة ، كما قمت بعمل فيلم عن أعمال الفنان التشكيلى المصرى .. آدم حنين ، الذى يقيم فى باريس ، تخيلت فيه لو أن هذه التماثيل يتدفق فيها الدم والروح وأصبحت آدمية ، فتتشاجر التماثيل معا ، ويكسر كل تمثال الآخر ويبقى فى النهاية قواعد التماثيل فقط ، وسافر هذا الفيلم لمهرجان ` شيكاجو` حيث نال جائزة الفيلم القصير ، كما أخرجت فيلم ` عصفور من الشرق ` عن قصة توفيق الحكيم عام 1986 ، وقد شارك توفيق الحكيم بنفسه فى الفيلم ، وكذلك كتبت فى باريس سيناريو وفيلم ` سوق النساء ` الذى أخرجته مؤخرا فى مصر، وهو بطولة شريهان ومحمود حميدة ، كما ألفت ثلاثة كتب : أولها عن باريس ، بعنوان ` حسناء الألف وجه ` وهو عبارة عن قصص قصيرة باللغة العربية ، وآخر باللغة الفرنسية بعنوان ` البحث عن توت عنخ أمون ` وهويحكى قصة اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون الحقيقية ، أما الثالث فهو ` باريس من الباب الخلفى ` وهو عبارة عن مجموعة قصص قصيرة عن الحياة فى باريس يشبه هذا المعرض ولكن فى شكل قصصى .
بقلم : ميرفت ميلاد
مجلة أخبار الدنيا : 24-7-1994
مرسمه قبلة على خد الذكريات يوسف فرنسيس .. نسمة حب تمشى على الأرض
- كانت عيوننا تعانق رسومه فتسكننا الأحلام وأطياف الخيال .. ففتياته الرشيقات الجميلات يمتد شعورهن سابحا فى بحر الورق يسحبنا مع الموجات التى صارت لآلئ تبهرنا .. ثم هى أيضا أغصان يانعة تتكاثر عليها طيور الحب فترق مشاعرنا كانت رسومه الاسبوعية اغنية ورقصة وقصيدة ننتظرها بلهفة .. وحين عرفناه ونحن طلبة فى الفنون الجميلة كان الواقع الرائع .. حينما لمسنا محبته الفياضة للناس وللحياة .. وجدنا فيه أخا ومعلما وصديقا .. هذا هو يوسف فرنسيس .. قاهرة الثلاثينات .. هادئة .. يسكنها مليونان يربطهم الود .. ويظللهم هدف جميل اسمه الاستقلال .. وتتحرك فيها مواهب تواصل الالتحام الذى كان قد انقطع بأوصال الماضى فى الفنون الجميلة .. كان الرواد أحياء وكان الابداع فى أوج سخونته .. مناخ طيب يسمح للخير الانسانى أن يظهر.. وللبراعم أن تتفتح .. ومع كل طلعة شمس تطوف بارجاء مصر آمال وآمال .. وفى ضواحى مدينة الالف مئذنة كان أثرياء مصر يبنون فيلاتهم وسط خير الريف جوا وأرضا ونفسا .. وفى المطرية تلك الضاحية التى تسبح فى بحر من النخيل والخضرة جاء يوسف فرنسيس .. ابنا لاب مثقف يقرأ مثلما يتنفس ولأم تحضن وليدها ومعه بيانو .. وفى الرابعة من عمره زادت قسوة الحياة .. أيام الطفل .. فقد فقد أمه .. احتار الرجل وتحول الطفل إلى آهة صغيرة .. فى صدر الأسرة .. لم تستمر كثيرا التساؤلات المحيرة اذ تحمست عمته لان تضمه فى صدرها مع أبنائها الستة.. وشب يوسف فرنسيس وهو لايعلم بوفاة أمه!
- كانت عمته قد تحولت بأمومتها الفياضة إلى أم حقيقية ليوسف .. وفى هذه السنوات تزوج الأب لكى يضم أبنه لكن الأم العمة رفضت تماما .. اذعن الرجل لحب اخته ورغبتها .. والغريب أن يوسف صار يتعامل مع والده على أنه خاله حتى حتى سن الرابعة عشرة .. كان يعلم أن أبناء عمته هم اخوته .. وعمته هى امه وزوج عمته هو أبيه لأن الواقع الدافئ أكد هذا بشكل رائع ونادر وحتى عندما ادرك الحقيقة لم تهتز كثيرا مشاعره تجاه اسرته البديلة الجميلة .. لكنه انطوى قليلا .. وشابت ملامح عمره هذه الطيبة والهيام الحالم .. ولم يذهب ليعيش مع والده وأخويه من زوجة الأب كل ما حدث لهذا المبدع الطيب ان اخوته زادوا .. وكانت مشاعر حبه الرقيقة لا تزن الحب .. ولعل جمال هذه الأسرة لم يغير اطلاقا فى ملامح حب يوسف للأهل أو للأقارب أو حتى للناس .. هو حب .. لا نسب فيه ولا تحديد .. لا حجم ولا مكاسب هو حب وما أجمل الحياة حين نحب .. وحين نشعر بحب من نحبهم .. وما أجمل ان نتعلم ان نهب لأبنائنا حبا رائعا لكى يشبوا محاطين بدروع الخير ..
- كانت أسرة يوسف تسكن فى بيت كبير محاط بالحدائق وكانت الظروف الاقتصادية معقولة .. وكانت هناك هوايات كثيرة ليوسف واخوته الستة ثم بعد ذلك اخوته الثمانية .
- الطبيعة فى المطرية ساحرة .. والأسرة كانت تهوى الخيول .. وكانت اسرة يوسف تهوى السباقات .. تعلم فناننا قيادة الخيول وكان ينتقل بين اثنى عشر جوادا تملكها الأسرة .. وكانت صهوة كل واحد فيها مقعدا للنجاح .. وفى سن السادسة والسابعة كان قد أتقن الفروسية .. وبدأ الاشتراك فى المسابقات الرسمية التى كانت تقام بمصر الجديدة .. فى مضمار الخيول مكان ` حديقة الميرلاند ` الموجودة الآن .. وبدا ان يوسف فرنسيس قد عرف توجههه .. ولكن القدر له رأى آخر .. فى هذه الأثناء كان الطفل يوسف فى أوقات فراغه من الدراسة ورياضة الفروسية يميل للاختلاء بالورق والالوان .. كانت هناك موهبة أخرى تنمو .. كان الرسم .. ورغم انه فاز بعدة سباقات للخيول إلا أن الموهبة الطاغية بدأت تفرض نفسها عليه .. فعرف فى مدرسته بالفنان حتى اشترك وهو بعد طفل فى التاسعة من عمره فى مسابقة اقامتها اشهر مجلة أطفال وقتها ` الكتكوت ` وكانت المفاجأة وفتح باب مستقبل آخر.. فاز يوسف بالجائزة الاولى على أطفال العاصمة .. وتحول نهر العطاء إلى مجرى جديد .. فاز يوسف بعلبة كبيرة وبالتة ألوان ايضا .. والغريب ان البالتة موجودة لديه حتى الآن تذكارا لأول قبلة منحتها الحياة لموهبته .. كانت الخيول قد علمته تخطى الحواجز .. وها هو الأن فارس للألوان ..
- الموهبة الخلاقة
- أصبحت هدايا الأسرة إلى الموهبة .. ورقا .. ألوانا .. اقلاما .. وقماشا للرسم .. وفى هذه السن الصغيرة قابل شخصية تحمست لموهبته .. وكما قال لى كان المعلم الاول المؤثر .. كان ` تيسير أفندى ` أستاذ الرسم بمدرسة النقراشى النموذجية .. والذى احتضنه وافاده فى كل تفاصيل الرسم .. الظل والنور والتشريح والنسب ودرجات الألوان محافظا ايضا على شخصيته الفنية .
- يقول لى يوسف .. من هذا الرجل عرفت الكثير .. وأحببت الرسم أكثر فقد كان يشجعنى بذكاء رائع .. كان يمنحنى الدرجة قبل النهائية فى الرسم فمثلا يمنحنى 9,5 من عشرة .. ويقول لى النصف درجة لزيادة الاهتمام تنالها اللوحة القادمة .. ولم يمنحنى ابدا الدرجة النهائية .. لكى أسعى دائما للاحسن .. كما أن المدرسة ` النقراشى النموذجية ` كانت احدى قلاع التعليم والوطنية .. تعلمنا فيها السعى للحرية وعرفنا قيمة الاستقلال ولن انسى ما حييت ديمقراطية ناظرها ` المسيرى بيه` وهذا الأسبوع كنت أتذكر مع صديق العمر ` د. رامى أحمد رامى ` هذه السنوات الجميلة فى الصبا وبكارة الشباب ..
- فى سن الثامنة عشرة فقد يوسف فرنسيس والده الحقيقى .. بعد أن عرفه كأب أربع سنوات فقط .. ترك الأب المثقف لابنه كنزا كبيرا فى مكتبة رائعة .. مازال ينهل منها حتى الآن ولعل مقاله الاسبوعى عن السينما فى صحيفة ` الأهرام ` ` أوسكار على الشاشة ` يمتلئ بكلمات مأثورة لعباقرة السينما من هذه المكتبة كما قال لى .
- انهى يوسف فرنسيس مرحلة الثانوية العامة ` التوجيهية فى ذلك الوقت ` ليلتحق بكلية الفنون الجميلة .. امضى الفنان السنة الاولى بقسم العمارة الذى كان يقبل أعلى الدرجات بهذه الكلية وحتى الأن ، لكنه لم يمكث فى دراسة العمارة أكثر من أربعة اشهر وبعد الحاح قبل الفنان بقسم التصوير .. ارتبط يوسف فرنسيس بالرسم وبالألوان .. احب الدراسة والكلية .. وزادت أواصر صداقته بمن قابلهم فى ذلك الوقت زملاء الدراسة من سنوات مختلفة .. مصطفى حسين وناجى كامل وإيهاب شاكر .. كان هناك أيضا حلمى التونى وناجى شاكر وجورج البهجورى ومودى حكيم وهؤلاء الآن هم أشهر وأقدر فنانى مصر .. وبدأت مواهب يوسف تظهر رغم كم المواهب الرائعة التى كانت متمثلة فى أبناء جيله وزملاء الدراسة .. واقترب الوديع الهادئ ممن كانوا يماثلونه من أستاتذته .. يقول يوسف فرنسيس أحببت بيكار وربما يكون هو معلمى الاكبر .. واكثر الناس بالنسبة لى عطاء وحبا .. كان ومازال هو الحانى .. كان ومازال قدوتنا انسانيا وفنيا .. أما استاذى الثانى فهو الفنان الراحل ` كمال أمين ` الذى كان كالنسيم كانسان وكان استاذا باهرا وفنانا ظلمته سنواته القليلة التى عاشها قبل أن يرحل صغيرا فى السن .. أما الثالث فهو العظيم الودود الخلوق الراحل عبد الهادى الجزار .. كان هؤلاء هم أكثر من ساعدنى وأعظم من أعطانى فى دراستى ، بل وأيضا بعد الدراسة بسنوات.
التخرج .. والصحافة
- انهى يوسف فرنسيس دراسته عام 1959 ، وكان ترتيبه الأول فعين معيدا بالكلية .. وكان مشروع تخرجه عن الأمومة .. ويذكر يوسف أن الموديل كانت `دادة جليلة` تلك الشخصية التى أحبها كل الأساتذة والطلبة لأخلاقها وطيبتها وحنانها وبراءتها وقد رسمها يوسف يحيط بها ابناؤها .. كان قد شبهها بالقطة الوديعة وحولها أبناؤها.
- بعد سنوات قليلة اصطدم بأحد الاساتذة الذى كانت القسوة والعنف من سماته .. لم يكن هذا الأستاذ عطوفا أو ودودا مع أحد حتى مع نفسه .. ولأن يوسف فرنسيس كان حالما ورقيقا اتخذ قرارا بالاستقالة .. وقد كان .. استقال يوسف هربا من المناخ الفاسد الذى صنعه هذا الاستاذ .. تدخل اساتذة كبار وعميد الكلية ` عوض كامل ` لكن قرار الفنان كان لا رجعة فيه .. ويوم خروجه من الكلية سائرا هائما لا يعرف إلى أين يذهب .. وأين يعمل .. قابله صدفة فى الطريق زميل له من أيام الثانوى .. كان يسير بسيارته فى شارع الزمالك الرئيسى .. ولاحظ ضيق صديقه يوسف فسأله فقال له اركب معى .. لم يسأل يوسف إلى أين .. لكنه جلس على المقعد بالسيارة ممتلئا بالمرارة وهو يحكى له عن استقالته .. فجأة توقفت السيارة .. ونزل قائدها صديق يوسف وكان هو د. فاروق وصفى سأله يوسف إلى أين ؟ فقال فاروق لنزور والدى .. وكان والده هو عبد العزيز وصفى وكيل أول وزارة الثقافة فى ذلك الوقت .. فى مكتب عبد العزيز وصفى فتح شباك خير أضاء عتمة أيام يوسف فرنسيس التى كان ينتظرها .. كان الفنان وديع المهدى مسؤولا عن ادارة المعارض الخارجية وقد قدم استقالته منذ أيام ليهاجر إلى الخارج .. وكانوا يبحثون عن كفاءة لتقلد هذا المنصب.. و.. كان المكان ينتظر فناننا .. ويتم تعيينه فى نفس اليوم بذلك المكان الشاغر .. وليتسلم الوظيفة .. وليبدأ تحضيرا لسفر أعمال أكثر من اربعين فناناً للمعارض الخارجية وخلال وقت قياسى لا يتعدى أياما قليلة .. واستمر يوسف يعمل بوزارة الثقافة.
- الصحافة
- كانت الصحافة قد فتحت مجالات جديدة للفنانين التشكيليين فقد كان هناك منير كنعان وحسن فؤاد وجمال كامل وجمال قطب ومأمون ثم هبة عنايت .. وقد سبقهم المعلمان عبد السلام الشريف والحسين فوزى .. وانطلقت فى أواخر الخمسينات مجلة ` صباح الخير ` التى تميزت بأنها المجلة الأولى فى الشرق الأوسط التى تسيطر على جمالياتها الفنون الجميلة من اخراج ورسم وكاريكاتير .. فى هذا الوقت التحق بها فنانون كثيرون منهم جمال كامل وناجى كامل وجورج البهجورى .. كان جورج صديقا عزيزا ليوسف فرنسيس ، ويوما ما دعا جورج صديقه ليزوره بالمجلة .. واثناء الزيارة اخرج يوسف كراسة اسكتشات ملونة ليريها لجورج .. كان هناك رجل فارع الطول ضخم الجثة جميل القلب يمر حين شاهد الرسوم وطلب من يوسف أن يوقع على اللوحات .. كانت اللهجة آمرة .. فوقع يوسف مرتبكا .. وأخذ الرجل لوحتين ومضى إلى غرفته .. افاق يوسف ليسأل جورج .. والذى أجابه أنه استاذنا حسن فؤاد` وللحق فإن هذا الرجل يعتبر أعظيم مكتشف للفنانين الصحفيين كما كان أيضا أكبر مشجع لهم .. وأذكر له أننى كنت طالبا بالفنون الجميلة حين ذهبت إلى هناك مع الزملاء رسامى الكاريكاتير محسن جابر وعبد العزيز تاج والصحفى منير مطاوع والرسامين حاكم ورمسيس وجمعة .. كنا طلبة حين احتضننا هذا الرجل ونشر أعمالنا مما هيأنا لأن نعمل بعد تخرجنا فى بلاط صاحبة الجلالة .. ولعل معظم فنانى الصحافى قد لمسوا فضل هذا المعلم عليهم .. وأنا كواحد منهم اعترف بفضله` .. بعد أسبوعين فوجئ يوسف فرنسيس بإحدى لوحاته منشورة على غلاف مجلة صباح الخير .. وكان هناك قدر جديد لهذا الفنان .
- اشترى يوسف فرنسيس بكل ما معه من نقود اعداد المجلة التى عليها لوحته .. حتى جاءه جورج البهجورى ليذهب معه للقاء حسن فؤاد .. وقد عمل يوسف أغلفة كثيرة بريشة جديدة حالمة رقيقة .
- ولم يكن قد ترك بعد الوظيفة الحكومية بوزارة الثقافة .. واستمر يوسف فنانا فى صباح الخير يرسم موضوعات وقصصا وأغلفة.. ويوما ما كان يحكى لزملائه فى المجلة قصة جارة له فى المطرية من جذور نبلاء فرنسا اسمها` فالونتين دى سانت بوا` وكانت تقتنى عددا كبيرا من القطط حين سمعه رجل قصير دقيق الملامح يملأ التركيز والاستيعاب سمات وجهه فقال له اكتب لى هذه القصة واحضرها لى غدا .. كان هذا الرجل هو أحمد بهاء الدين رئيس التحرير الذى أعجب بالقصة التى رواها .. اسقط فى يد يوسف فهو نادراً ما كان يكتب .. وها هو مطالب بأن يكتب.
- قصة قصيرة !!!. .. كان .. فى البيت سأل يوسف إبن عمته كيف يكتبها .. فقال له كما حكيتها .. وقد كان .. وفى اليوم الثالث سلمها يوسف لأحمد بهاء الدين .. وبعد أسبوع كانت منشورة فى مجلة صباح الخير.. وكان ذلك خطا جديدا ليوسف بالقلم والحروف إلى جوار خطوط الرسم والألوان ..
- فى يوم استدعى احسان عبد القدوس الشاب الجديد يوسف فرنسيس لأن لديه شكوى ضده .. دخل يوسف مكتب احسان يرتجف .. كان هناك رجل ثائر لأن صورة خطيبته نشرت غلافاً للمجلة .. لم يكن يوسف الذى رسمها قد رآها إلا مرة واحدة فى لقاء عام .. حين عرف الرجل أن يوسف لا يعرفها شخصيا ولم يتحدث معها استراح .. وطبعا كان لاحسان عبد القدوس أسلوب رقيق فى الاقناع .. فقد قام الرجل بهدؤ معتذراً ومضى .. وهنا شد احسان على يد الموهبة يوسف فرنسيس .. وفى نفس الاسبوع كانت السيدة العظيمة ` روز اليوسف ` قد وقعت عقدا ليوسف فرنسيس ليعمل داخل كتيبة الحب بمجلتها الشابة الجديدة .. صباح الخير .
- واستمر يوسف لسنوات فى هذه المجلة .. إلى أن جاء يوم كان يوسف فى دار المعارف لتسليم لوحات ورسوم لديوان شعر للشاعر عادل الغضبان حين شاهد الرسوم بالصدفة زائر كان مهما جدا فى مصر فى ذلك الوقت .. كان هذا الزائر هو الاستاذ محمد حسنين هيكل الذى التفت للفنان وقال له بكلمات موجزة موحية .. تجئ للقائى بالأهرام غدا صباحا .. وذهب يوسف للقاء الاستاذ هيكل الذى كان ينتظره كل يوم عشرات ولا تجيئهم فرصة لقائه .
- كانت السكرتيرة هى السيدة نوال المحلاوى والتى قابلها يوسف وشرح لها الموقف .. طلبت منه كارتا من الاستاذ .. فقال لها أنه لم يعطه .. وانتظر حتى كاد يمضى حين خرجت السكرتيرة بعد دخولها للاستاذ.. مهرولة وقالت ليوسف الأستاذ منتظرك عاتبه هيكل على تأخره لكن يوسف شرح له الموقف .. فى هذا اللقاء أصدر هيكل أوامره بتعيين يوسف فرنسيس رئيسا للأقسام الفنية .. كان هيكل بعين الخبير يتابع أعمال الفنان ورسومه وكتاباته .. وقرر أن يضمه للأهرام .. وانطلق يوسف ليحاط كإنسان بعظماء وكفنان بجمهور مثقف جديد .. وانطلق يرسم القصص والقصائد والموضوعات .. ونجح يوسف بدماثة خلقه وبأخلاق أعماله .
- والعالم الجديد
- كانت رقة يوسف قد وصلت للناس .. وعرف القراء الفنان صاحب الريشة الحالمة والقلم الناعم ذى الكلمات الناعسة .. وبدأت علاقات الحب تتفرع من شجرت الصدق امتدت لتظلل حياته .. فنياً وانسانيا واجتماعيا .. وكان هناك فنان كبير من المعجبين بيوسف وأعماله هو صلاح أبو سيف المخرج السينمائى الكبير .. كانت بينهما صداقة وود مطلق .. ولم يترك صلاح أبو سيف معرضا ليوسف فرنسيس لم يحضره بل كان من مقتنى أعماله .. وفى إحدى المرات تحدثا عن ميل يوسف للسينما .. فشجعه صلاح على زيادة ثقافته الفنية وبعد ذلك بأيام رشح صلاح أبو سيف صديقه الفنان ليرسم له لوحات فيلم كان قد مثله اذاعيا الفنان الكبير موسيقار الأجيال` محمد عبد الوهاب` . وكانت معه الفنانة ` نيللى ` وحين تقرر تحويل العمل إلى فيلم سينمائى تطلب الأمر أعمالا فنية يبدعها البطل اذ كان يعمل فنانا فى القصة .. وادى يوسف الأعمال الفنية بجمال لافت للنظر حتى أن النقاد تكلموا عن بطولة ثالثة مع المخرج والممثلين قامت بها اللوحات دراميا وجماليا .. واقترب يوسف من عالم السينما السحرى بحضوره الدائم لتصوير الفيلم .. وبعد فترة وجيزة نصح صلاح أبو سيف صديقه الفنان بدخول معهد السيناريو الجديد حتى أن يوسف استطاع اللحاق فى اللحظات الأخيرة لتسجيل اسمه وقد اجتاز بعد ذلك امتحانات القبول .. وكان متفوقا حين أنهى سنوات المعهد .. ولم يكتف بذلك بل التحق بمعهد السينما أوائل السبعينات ولمدة أربع سنوات وانهاها أيضا بتفوق .. ثم جاءته الفرصة للاخراج .. كان ذلك حين اوكلت له هيئة السينما إخراج أول فيلم يناقش قضايا المهاجرين من مصر .. وكان فيلم ` زهور برية` الذى قام ببطولته حسين فهمى ونادية لطفى.
- توالت الأيام والأفلام .. فأخرج فيلم ` يا صديقى كم تساوى` بطولة فاروق الفيشاوى وخلود ثم ` المدمن ` لأحمد زكى ونجوى ابراهيم ثم ` سوق النساء ` بطولة شريهان ثم ` حبيبتى من تكون ` لفاروق الفيشاوى وآثار الحكيم ، ثم `عصفور من الشرق ` بطولة نور الشريف وممثلة فرنسية وكان معهما الأديب الكبير صاحب الرواية الأصلية العظيم توفيق الحكيم ولهذا الفيلم قصة سنحكيها فيما بعد .. ثم آخر فيلم وهو لم يعرض بعد وهو ` البحث عن قوة ` بطولة حسين فهمى وجيهان نصر.
- أما قصة فيلم ` عصفور من الشرق` فهى رواية لتوفيق الحكيم والذى كان ابنه إسماعيل صديق يوسف فرنسيس وزميله بمعهد السينما وقد كان اسماعيل موسيقيا موهوبا وانشأ فرقة موسيقية فى السبعينيات وكانت ناجحة .. وطبعا بحكم زمالة الاهرام كان يوسف فرنسيس من مريدى صالون الحكيم وكانت تربطه به علاقة إعجاب وفى هذه السنوات فقد الحكيم ابنه الوحيد المحبوب اسماعيل .. وحينما ذهب يوسف لأداء واجب الأخوة والصداقة لبيت الحكيم فى هذا المصاب الجلل .. تسمر يوسف حينما شاهد وسمع توفيق الحكيم وهو يتكلم بمرارة وحزن عن اختطاف الموت لابنه من الغرفة ، كانت غرف البيت تضم الحكيم وابنه وابنته .. وبكى الحكيم فأبكى كل من حوله ومنهم يوسف .. وبعد هذا الحدث المؤسف اقترب يوسف من الحكيم اكثر .. وكان حوارا متصلا عن أحلى أيام العمر للحكيم فقال انها فترة الشباب وكانت فكرة الفيلم والتى جاءت ليوسف فرنسيس .. وفاجأ يوسف الحكيم بالسيناريو فسأله الحكيم عن الرجل الكبير السن الذى يستعيد ذكرياته فى رحلته الثانية وهو عجوز لباريس .. فقال يوسف أنت يا أستاذ توفيق .. رفض الحكيم لكن يوسف لم ييأس حتى اقتنع الحكيم كانت الأحداث صادقة جدا .. وكان نجاح الفيلم الباهر.
- وكل أفلام يوسف فرنسيس يضع هو سيناريوهاتها ويستعين دائما بمصورين تربطهم به صداقة فكرية وفنية .. وافلامه كلها تحمل معانى وفى أحداثها ولقطاتها تقفز امكانياته التشكيلية لتصوغ من الكادرات لوحات فنية رائعة.
- المرسم .. والأحلام
- يقع مرسم يوسف فرنسيس فى منطقة الزمالك فى شارع الجزيرة الوسطى الذى تسكنه أيضا الفنانة جاذبية سرى .. وبالقرب منهما بيت الفنان الراحل عز الدين حمودة والراحل جمال السجينى. والفنان عبد الفتاح البيلى والفنانة زينب عبد الحميد. وهو عبارة عن مساحة كبيرة فى المدخل مفتوحة على بعضها بعد أن كانا صالة وغرفة .. ثم بالداخل غرفة نوم وبقية الخدمات .. وفى مرسم يوسف فرنسيس تتحول الجدران إلى خد تنطبع عليه قبلات الذكريات .. وربتات الأحلام وهمسات التجلى والخيال الناعم الذى يلف على الدوام أعمال يوسف التى تميل للسيريالية المحببة والمشحونة بالرموز والإيحاءات العاطفية .
- فى الصالة الأولى وعلى اليمين لوحة كبيرة لفتاة جميلة مثل كل فتيات يوسف وسط ركام واطلال وكأنها الحياة تنبعث من جديد وفى يسار اللوحة فتاة وامامها رجل عجوز يستدير على يديها وكأن التاريخ يستند على حيوية الناس ليسطر صفحاته المليئة بالقيم وهناك فى مقدمة اللوحة مصباح كيروسين كأنه النور الذى يربط طفولة أجيالنا بالليل وبالظلام الذى عبرناه .. والأرض تتراص عليها حجارة صغيرة تبدو وكأنها حبات من لؤلؤ .. ويحمل يوسف هذه الحبات معنى أن كل شئ فى الحياة يحمل داخله قيمة وعلينا العناية به .. الألوان كما يحب يوسف دائما رمادية لأنها من وجهة نظره تعنى حياده كفنان وعلينا نحن أن نحمل اللوحات رأينا وفكرنا ولندخلها مجالات بحثنا عن محتوياتها .. وحول هذه اللوحة عدة لوحات تحمل جوائزة وشهادات التقدير العديدة التى نالها كمخرج أو سيناريست أو فنان، ويوجد طاقم صالون صغير لضيوفه القليلين حيث أن مرسمه نادراً . ما يقابل فيه أحداً لأنه صومعة إبداعه الخاصة بعد هذا الحائط الثرى ننتقل على امتداده لآخر لوحة وهى كبيرة أيضا وتحتمل مقالا وحدها وهى للتاريخ أو الزمن يجلس كأحد الفراعنة بملامحه الفرعونية ممسكا فى يده ملعقة من ورق التسجيل على هيئة رول يمتد لتخرج من ثناياه امرأة باهرة الجمال على رأسها حمامة السلام وامتداد جسدها عند الساقين والاقدام جذور خضراء بمعنى واضح للعطاء والخير وخلفها ويحيطها أطفال من كل الجنسيات ممتلئين بالحب والاشراق وفى خلفيتهم وأمامهم نباتات رقيقة وورود وأضواء منبعثة من أعلى اللوحة لتملأ حياة العمل بالضوء والنور أمام اللوحة جلس الفنان ليضع اللمسات الأخيرة فى ملحمته الجميلة وتضم منضد ألوانه ومجموعة فراشية ولوازمهما بعد هذه اللوحة مجموعة لوحات صغيرة ومكتب أثرى رائع عليه أوراقه وأقلامه وبعض جوائزة التى نالها فى مشواره السينمائى ثم هناك نباتات ظل يحتضنها سبوت لايت للإضاءة وخلفها قناع لوجه امرأة بلون ذهبى يحيطها ثوب احمر!!
- .. على جدران مقابلة لوحة كبيرة لغاندى وامرأة جميلة تعنى الوطن وهى تخليد لكل مخلص لبلاده آمن بقضاياها وسعى لتقدمها ووجه المرأة تنبت حوله خضرة وتحيطه أطياف لنساء جميلات كالأحلام وعلى يسار وجه غاندى حصان يرمز للانطلاق والتقدم وتحت هذه اللوحة مكتبة صغيرة عليها مفردات غريبة من مقتنيات يوسف فرنسيس الغريبة ، قواقع وأصداف وقطع حجارة ولوحات صغيرة من أعماله .
- هذا البيت المتحف والمرسم شهد كل إبداعات يوسف فرنسيس خلال ثلاثين عاما أو أكثر فيه وضع تفاصيل أعماله السينمائية وفيه كتب مقالاته الأسبوعية للأهرام وأيضا ولدت لوحاته الناعمة والبيت والمرسم على بساطته ثرى بروح الفنان وأشيائه الصغيرة والتى تقترب من التحف ..
- ومن تاريخ يوسف فرنسيس سافر عام 1991 ومكث أربع سنوات فى باريس ملحقاً ثقافياً ومديرا للمركز الثقافى المصرى بها ، أحيا يوسف نشاطه مرة أخرى بعد أن تحول إلى مكان مطفأ فى مدينة النور أناره بالمعارض والندوات ثم اصطدم يوسف فرنسيس بأفكار متجبسة فى بشر كانوا معه فآثر انهاء مهمته والعودة لوطنه معلنا بصمته أن التاريخ يسجل للمبدعين كل ما يفعلون ولا يهتم بأعمال الموظفين ، عاد إلى مصر ليرسم لنا أحلاما على لوحات تنقلنا إلى عوالم طاهرة ناعمة تعيننا برقتها على تحمل جفاف الحياة وليبدأ تحضيره لأفلام تلمسنا وتساعدنا على تأمل الأحداث بهدوء وترو عاد يوسف فرنسيس وهو يستعد الآن لاقامة معرضه أوائل عام 2001، فعادت لنا بعض عطور الحياة التى يحملها إلينا أحباء مبدعون .

بقلم : إبراهيم عبد الملاك
جريدة الإتحاد : 6-2-2001
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث