- اتخذت `أمنية عزام` من الحُلم - وتحديدًا من التقاليد الرمزية لتفسير الأحلام - نقطة انطلاقٍ لبدء رحلةٍ من إعادة رسم فضاءاتٍ جمالية يمكن اقتسامُها مع كل مَن أوتِيَ قَبَسًا من نعمة البراءة. ففي هذا السبيل - الحَدسي في المقام الأول، بأكثرَ مما هو استعراضي مهاري - لا تعرض أعمال `أمنية عزام` (تجارب) شكلية فحَسب، بل رؤىً شفيفة، تنفتح على بُعد رمزي يتجاوز مفهوم الرسم كزخرفة إلى كونه فعلًا تأويليًا وإبداعيًا لمكنونات النَفس التي لا تزال تتشبث ببراءتها، وتسعى لاقتسام تلك البراءة مع مستحقيها، من الأطفال، والأنقياء، والوُدَعاء، ومَن أوتوا نعمة استشعار مباهج البساطة. تأتي هذه المجموعة من الأعمال الفنية - برغم ما بينها من فوارق ظاهرية، تقنيًا وتصنيفيًا - في سياق مزدوج: فهي أولاً تجربة بصرية تطمحُ للدمج بين الموروث الثقافيّ العربي/الإسلاميّ المرتبط بتفسير الأحلام - وتحديدًا في القسم المنفذ بوسائط يدوية لتصميم مجموعة من الصفحات والأغلفة، وما ارتبط بها من تنفيذ لقصة التجربة العملية لرسالة الدكتوراه التي أنجزتها الفنانة في ذات التخصص - وثانيًا هي تجربة فردية معاصرة، تتحول في سياقها الخيول، والأشجار، والبحر إلى رموز بصرية مُحَمّلة بتراكمات ثقافية ونفسية، أُعيدت صياغتها بلغة فنية معاصرة تعبّر عن حالة انتقال: من النَص إلى الصورة، ومن الحلم إلى الرمز، ومن الخيال الصامت إلى الحضور البصري المُبين .. والميزة الأبرز في تجربة `أمنية عزام` تكمُن في تنوّع الوسائط، من الجواش والأقلام الخشبية على ورق ملون، إلى أقلام التأشير (الماركر)، والرسم بأقلام الـ`جيل` على الورق الأسود، وصولاً إلى الأعمال المطبوعة المنفذة بوسائط رقمية. وبرغم ذلك، لا يبدو هذا التنوّع عشوائياً أو عَرَضياً، بل يعكس بوعي توجّهاً سردياً - للحلم والذاكرة - بما يقتضي أدوات متعددة للإفصاح عنه، وتلبية مقاصده المتنوعة.
- ثم إن هذه التركيبة من الوسائط اليدوية والرقمية المختلطة، تمنح الأعمال المنفذة بها حِسًّا إنسانيًا دافئاً، بأكثر مما يمكن أن يتيحه الاقتصار على الرقمَنة الصِرفة؛ وهو ما يعززه اختيارات الألوان، التي أسهمت - في معظمها - في الإيحاء بغموض الحلم، وخفاء المعنى، وبزمنٍ يكون يتداخل فيه الواقع والحلم أحدهما في الآخر. ومن حيث السياق الأرحب، فلابد من الانتباه إلى أن أعمال `أمنية عزام` .. تدخل ضمن ما يمكن تسميته بالتيار التجريبي المعاصر في فن الكتاب العربي، وهو تيار يهدف فنانوه لمعالجة الكتاب باعتباره عملًا بصريًا متحررًا من مقتضيات التوظيف العملي البحت المرتبط بفنيات النشر. وهذا السعي يتماهى مع تجارب عربية ودولية سابقة، حاولت دمج التصوير، والخط العربي، والرسم، والتصميم الجرافيكي في قصص للأطفال، والكتب الفنية، وكذا في بعض التجارب الشعرية - التشكيلية.
- لكن ما يميز تجربة عزام هو انطلاقها من مادة (تفسير الأحلام) ذات حضور ثقافي ـ تراثي خاص في الثقافة العربية. أي أنها لا تنطلق من فراغ أو رغبة في تجريب تقني فقط، بل من مضمون يجمع بين النفس، الثقافة، والذاكرة. هذا يمنح العمل قيمة إضافية: ليس فقط كجماليات، بل كتعبير عن امتداد ثقافي، وتجريب في ضفاف الحلم والهوية. وفي تقديري أهم ما يميز هذا المعرض هو استشعارنا لطموح `أمنية عزام` في ردم الفجوة بين التراث والتقاليد الفنية الراسخة، من جانب، وبين براح الفن المعاصر، من جانبٍ آخر؛ وتحديدًا بين الكتاب واللوحة، وبين الالتزام التقني والتجريب. والنجاح الفعلي لأمثال هذا المشروع يعتمد على مدى قدرة كل فنان على الحفاظ على أصالة لغته البصرية، برغم التنويع التقني، وعلى مدى عمق استبصارِه الرمزي، بما لا يتوقف به عند الجماليات السطحية البحتة. وهو طموحٌ نستشعر أن `أمنية عزام` تواصل سعيها المتوالي فيه على محمل الجد والفهم العميق.
د./ ياسر منجي