`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
جاذبية حسن سرى

- البداية الفنية بأسلوب متفرد شعبى إنسانى تعبيرى ممزوج بالفانتازيا، تطور على مدى ما يزيد على أربعين عاماً تدريجيا إلى أسلوب تعبيرى شخصى يكاد يصل إلى حافة التجريد التعبيرى ويعتبر منذ سنوات أسلوباً معاصراً ذا مذاق مصرى خاص .
- جاذبية سرى فنانة مصرية تحلق فرشاتها فى سماء الفن الرفيع الخلاب انها ليست بالنسبة لى اكتشافاً جديداً حيث أتيح لى أن أتابع منذ سنوات عديدة إبداعها فى فن التصوير وأن أزور مرسمها بالقاهرة وأن اقدر قوتها تلك القوة المتدفقة التى لا تقتصر على كيانها كامرأة تتميز بحسم وتصميم فى مواجهة دائمة مع صعاب الحياة والتغلب عليها و لكنها أيضاً قوة يدها التى تنبض حيوية و تغذيها الأحاسيس الباطنية وروح الفنانة الإبداعية إنها قوة فرشاتها و قوة ألوانها .
- وتعتبر جاذبية سرى معلماً من معالم البانوراما المصرية للفن النسائى لأنها تعكس فى تكويناتها المملوءة بالحركة والألوان والانطلاقة الحيوية العصبية التى تتسم بها شخصيتها وإنه لا يكون فناً نسائياً بالمعنى الذى صار من المألوف اضفاؤه على هذا التعريف إن هذا خطأ نظرا لأن التعبير الفنى يجب أن يحكم عليه بمعيار القيمة الذى يتخطى الجنس ولا يضعه فى حسبانه حيث إن فنها لا علاقة له بتلك الخصائص التى تتصف بها النساء الفنانات .
- إن تصويرها تصويرغريزى عنيف مشحون بانفعالات داخلية غير مرتبط بالبحث عن الجمال فقط، على العكس متأهب دائما لقلب القوانين والقواعد، إنه فن تشكيلى لا يخضع للشكل والصورة، إنه فن معاصر ولكن من خلال اللاشعور يعكس دائماً الأصول القديمة، إنه فن يحكى فى باب النوادر والحواديت يحكى مشاكل يومية وأيضاً مشاكل تضرب بجذورها فى أعماق التاريخ .
كارمينى سينسيكالكو
روما - فبراير 1994
` جاذبية سرى والذوبان فى `جلاتيا
ـ تحتل جاذبية سرى مكانه فريدة فى حركة الفن المصرى المعاصر منذ بدأت تستنسخ وعيها الجوانى فى التعبير عن لعبة `الطيران ` بين ` البيت ` الذى هو ` جسدى` وبين الفضاء الذى هو خروج على المادى .
ـ منذ تلك الخمسينات البعيدة التى أطرتها بصكوكها الأولى فى ذلك العالم من المشخصات المليئة بحركيه الشعر حتى استشراف ما فوق الطبيعى METAPHYSICAL كانت جاذبية سرى قد عثرت على موهبة الاندهاش أمام رسومات الأشخاص المتراسلة إلى بعضها وهى تجتاج العاطفى باللون المظلل وتشتاق العكوف الدائم فى بنيات الصور الباطنه مثلما تشتاق الإنفلات إلى مسافات الوعى حتى الصدام مع ` الواقعى `.
ـ آنذاك كانت ` البنت الصغيرة خارج بيتها تطلق طائرتها الورقية ` أو هن ` فتيات صغيرات يجتمعن على لعبة من لعب الحارات ` أو هو ` شهيد تسامقت قامته حتى إستوت من ضوء الشمس .
* لفرط الامتزاج بالصوفى :
ـ انذاك كانت جاذبية سرى تنحت صورتها الذهنية ` محتفظة بتلك المسافة الثقافية التى تحجزها عن استساخ المرئى كانت ` تعبيرية ` بمفهوم `جوجان ` كاشفة عن الوحش `FAUVE ` فى تلك الثنائية المتألقة للروحى والجنسى مثلما كان `ماتيس` مجتاحاً للرمزى `SYMBOLISM` بكل حواجزه مثلما كان `مونش`.
ـ وفى الستينات كانت جاذبية سرى جزءا متحالفاً مع حركة التيار الثقافى جزءاً من ذلك النسيج الذى ` تهراً ` وهو يرتشف من رحيق `الحلم القومى` دون طائل أما جاذبية سرى . فكانت قد كرست نفسها للقلق بمثل ماكرست روحها للفن فكأنها فى الستينات صارت نموذجاً مجسدا لـ ` جلاتيا ` بيجماليون فنزحت فى فعلها وأخذتها رغبة التوحد فى ثنائية الشكل الآدامى حتى كان لها ما أرادت .
ـ فى تلك الستينات كانت رسومها فى أغلبها `بيوتاً ` بيوتاً غارقة فى حمرة الساخن مغسولة ببرودة الأزرق تمسح القماشة مسحاً حتى الثمالة مع أن الخطوط تقاطعت وتراصت فوق بعضها إلا إنها كانت وقد انفلتت وتاقت إلى المجرد صار طيران الخمسينات بيتاً والحارة بيتاً والشهيد بيتاً .
ـ صار حلمها إذ ذاك ` بيتاً ` وكان تحرر `الرمزى` من الموضوعى إلى `الشكلى` وكان تخلص الإستنساخى من الواقعى إلى الفوق مرئى `Super - naturalism ` وفيما بعد فسوف نرى فى السبعينات أن البيت صار `هرماً ` ثم إذا به يبدو فى الضوء الصحراوى المشمس وقد تحرر من الرؤية الوهمية Prospective حتى صار مثلثاً مثبتاً على قماش الرسم كانت جاذبية سرى آنذاك تقترب وتتباعد ـ فى الخفايا المسافة المرسومة من `التوازنى ` MINIMALISM من ناحية والتجريدى ` ABSTRACTIONISN ` من ناحية أخرى بين الجمالية المتخيلة وبين الصورة الذهنية وبإختصار كانت انغرزت بين المفردة ونقيضها فى سبيل توحيد الخيالى.
ـ فى هذا المعرض الذى يمثل زمنها الجديد نجد جاذبية وقد انخرطت فى عالم جسدى ذى قدرة تخيل تنبؤية جمعت الأشياء التى تمثل ذلك العالم فى رسومها وصهرت الدلالات وعرضت حواجز الرموز للمحو. حتى تصل إلى تلك التجليات التى تكتنف المشهد الإنسانى وليس إعادة مراجعة وإنما هو تحول الطاقة المبدعة من التواصل الاحادى الى المشاركة الكلية هذه المشاركة التى تعاود تكييف المجرد للمادى وتكريس المادى وفقاً لإرادة المبدع `المتهور` و الجامح ثم أخيراً تلك الجينة ` الكونية فى الجذور المبكرة .
ـ فى لوحاتها الجديدة تلك نجد جاذبية وقد سارت فنانة ` وهلية ` قريبة إلى الحدث أو المباغت HAPPENING المتوحدة فى ثنائية الإدراك بين الحسى والعقلى قريبة إلى التصور CONCEPTION حين نرى خطوطها المنحدرة العواطف وقد انفصلت عن الارادة الواعية وإتسعت مع التخيلى .
ـ فى رسومها الجديدة تلك لانعثر على ذلك التفريق بين اللونى أو الخطى أو بين الكثيف والأثيرى أو بين المكانى واللحظى أو بين الشخصانى والشكلى .
ـ عبرت جاذبية سرى حتى تجاوزت ما بعد التعبيرية POST - EXPRESSIONISM - عبرت الى ذلك العالم الذى هو عالمها حتى صارت ذاتها المفردة وقد طرحت علاماتها وإشارتها وتشيأت فى الجميل والمبدع .
أحمد فؤاد سليم
القاهرة - يناير 1994
جاذبية .. نجمة النجوم
- الحديث عن الفنانة المبدعة جاذبية سرى يحتاج إلى زمن يطاول زمن حياتها وإبداعاتها .. الفنانة من مواليد العام 1925 - خريجة المعهد العالى للبنات -قسم الفنون الجميلة1948 (كلية التربية الفنية حالياً)، حاصلة على دراسات فى روما ولندن، أقامت 66 معرضاً خاصاً، عملت أستاذة بقسم التصوير بكلية التربية الفنية والجامعة الأمريكية بالقاهرة - كما شاركت فى كثير من المعارض المحلية والدولية ، وإسمها مسجل بموسوعة (روبير للفن) بباريس العام 1976، وموسوعة (لاروس للتصوير) بباريس العام 1976، وواحدة من عشرة فنانين من العالم الإسلامى بموسوعة متحف المتروبوليتان بنيويورك 2004، حصلت على الجائزة الشرفية لبينالى فينيسيا العام 1956، كما حصلت على الجائزة الرابعة الدولية للفن المعاصر موناكو 1968، حصلت على جائزة الدولة التشجيعية ووسام الدولة للعلوم والفنون من الطبقة الأولى العام 1970، وجائزة الدولة التقديرية العام 2000، والجائزة الأولى لبينالى الإسكندرية العام 1963 وغيرها من الأنشطة الواسعة والممتدة فى الحركة الفنية والثقافية بالمجتمع . جاذبية فنانة أصيلة ذابت فى شرايين المجتمع وانصهرت مع تقاليده وعاداته وفنونه الشعبية المتأصلة فى الطبقات الفقيرة، وامتلأت بحياة الناس واعتبرت البيئة الشعبية والطبيعة هما المكنون الحامل للقيم الوطنية والشعبية مؤكدة ملامح المجتمع وهويته، والنيل فى لوحاتها هو الشريان النابض والحى فى وجوه وأجساد ناسها المكتظين فى كونيات وفضائيات لوحاتها، مزجت حياة الناس وحركتهم وآمالهم وحزنهم وفرحهم فى عجائن ألوانها .. وذابت الأجساد واختلطت ببيوتها المتراصة ونوافذها التى أصبحت بمثابة عيون بشرية فلا فرق بين نافذة البيت والعين، كلاهما نوافذ مفتوحة على جمال الطبيعة وعلى جمال شفافية البسطاء من الأطفال والشباب متحدين مع مراجيحهم وألعابهم البدائية فى عشق ممتد منقطع النظير، جموع الناس فى لوحات جاذبية هى جينات تتفاعل وتتنامى وتتنوع وتتأمل.. جسداً واحداً متلاحماً فى بناء تشكيلى تدفعه طاقة شعورية آتية من الداخل، وتحتضنها من الجانب الآخر سماء زرقاء، أتت بلمسات متقطعة كأنها زفير وشهيق لهذه الجموع الإنسانية وكأن الأرض أصبحت فى السماء والسماء بفضائها تبدلت لتحتل مكان الأرض، كأنه حلم تتساقط فيه الآمال فى بحر الحب الممتد عبر فضاء محمل بمكنون لا منتهى، ونحن نتأمل لوحتها هذه بالمعرض المقام حالياً بمركز الجزيرة للفنون الذى يضم أعمال 128 فنانة ضمن أنشطة مهرجان إبداعات المرأة المصرية ، نرى أن البناء اللونى يأتى على مسطح ممدود وتلقائى الأداء ولمسات اللون السريعة والمباشرة تكون نسيجاً متسقاً من التفاعل والتواتر اللاشعورى لهذه الوجوه الصامتة والدالة على نبع تعبيرى بليغ ، وإذا كانت هوية الفنان تأتى أهميتها فى المقام الأول، فجاذبية صاحبة رؤية خاصة ومحددة المعالم ، وصاحبة فكر نابع من مصريتها وارتباطها بالأرض والناس والنيل والسماء ، طاقتها الإبداعية هى طاقة نجمة ساطعة بين نجوم الفن التشكيلى المصرى المعاصر .
أ.د. احمد نوار
مجلة الفن - 2004
حميمة اللوجهات الصغيرة فى عالم جاذبية سرى
- تغنى بفرشاتها وتؤلف ألحانا جديدة.. ترسمنا وتلوننا.. تجيد صنع الوقفات والنهايات.. اللون يحتوى الضوء, والخط يحتوى الشكل, والفرشاة تجرى بعفوية لا حدود لها تستدرجنا للدخول فى عالمها المزدحم بالناس والبيوت .
- بين لون متدفق ولون تعب تصارع الفنانة جاذبية سرى لتحفيف حالة التوتر, إلا أن المساحات الكبيرة ترهقها..فاللون المتدفق يحتاج لمن يوقفه أو يتدفق معه, واللون المتعب يحتاج إلى من يسانده .. وتقف الفنانة بين اللونين تحاول فض الاشتباك باللون الأبيض أو بكتل من الأسود, وأحياناً تستخدم تهشيرات لتحديد صفات كتلة.. ربما يقلل هذا التحديد فى بعض المناطق من قيمتها.. فى المساحات الضغيرة تتمكن الفنانة جاذبية سرى من التعامل مع ألوانها المتدفقة النتوهجة, مثل الأحمر حين يصارع الأزرق فيكون الأبيض اوناً مخاصاً وريما شبه مصالح .
- أما في المساحات المبيرة خاصة الأخيرة فإنها تفقد السيطرة بعض الشئ فتتوقف فرشاتها عن التجديف فى مناطق تحتاج لتجديفها .
- تتميز الفنانة جاذبية بقدرة عالية فى التلوين واستخدام الألوان فى إقامة لغة حوارية تعكس الحركة والدينامية وهذا أسلوب الفنانة منذ زمن فاللون لديها مسكون بطاقتها . تشعر بأن به نبضاً, وأنه لون حى متحرك, أيضا هو مصدر للضوء.. تشعر بأن اللون يشع ضوءاً, ورغم إحساسى بالمعاناة الكبيرة التى واجهتها الفنانة فى تنفيذ اللوحات كبيرة الحجم, ورغم حالة الإرهاق التى انعكست على حين شاهدت هذه الأعمال إلا أن هذا الانعكاس أضاف رؤية جديدة ربما لمعنى اللون المرهق والخط المرهق في مقابل الفكرة المتدفقة .
- هذا الصراع الداخل ربما حقق إيقاعاً من نوع خاص وحركة جديدة .
- ولأن الفنان جاذبية سرى فنانة متمردة منذ صغرها فقد انعكس هذا على أسلوبها الفنى فهى لا تلتزم بالأساليب التقليدية, ولا حتى بطريقة الأداء الواحدة. هى تبحث فى أسلوبها الفنى, وتجدد نفسها باستمرار.. تلخص وتبحث عن رموز الأشياء وايحاءات الألوان لتبدع ألحاناً جديدة فى الشكل واللون والحركة تميزها نابع من قناعتها بأن كل شئ دينامى يتنافس مع الوقت مثل التفاعلات الكيميائية ولكنها تفاعلات إنسانية مرتبط بتطور الحياة والواقع من حولنا .
-الجميل فى كل أعمال الفنانة أنها دائمة التفاعل مع الحياة والناس والأضواء والظلال.. والحركة بداخلها طاقة مفعمة بالتحدى, إنها فنانة متجددة حصلت على جوائز من المهرجانات العالمية مثل فينيسيا وروما والإسكندرية والقاهرة, كما حصلت على جائزة الدولة التشجيعية والتقديرية, ولها مقتنيات فى العديد من المتاحف المصرية والعربية والعالمية .
د . سالى البلشى
الإذاعة والتليفزيون 22 /3 /2008
`طيارة ` جاذبية سرى .. أول لوحة مصرية فى متحف المتروبوليتان
- نجاح فنى كبير حققته الفنانة المصرية الشهيرة ` جاذبية سرى ` بحصولها على بطاقة العضوية البلاتينية بمتحف ` البترو بوليتان ` بنيويورك وهو من أكبر وأهم المتاحف العالمية المخصصة للفن الحديث .. وقد قبل المتحف عرض لوحة الفنانة المرسومة عام 1960 التى قامت بإهدائها للمتحف وهى لوحة الطيارة لتكون ضمن مقتنيات المتحف الكبير .. وهذه اللوحة هى واحدة من مجموعة لوحات ` لعب الأطفال ` التى انشغلت برسمها فى آواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضى وتصور طفلة تطلق طائرة ورقية وتكاد تطير معها .
- لوحة ` الطيارة ` هى أول لوحة مصرية تعرض فى متحف المترو بوليتا بنيويورك .. وقد سبق أن دخلت اعمال من الفن المصرى فى متاحف عالمية لا تزيد على ثلاثة هى : تمثال ` لقية فى وادى الملوك ` لمحمود مختار ` 1891-1934 ` بمتحف التويلرى بباريس ثم لوحة منظر من الحبشة للفنان محمد ناجى ` 1888-1956 ` بمتحف التيت جالارى بلندن ، ولوحة الحرية للمثال جمال السجينى ` 1917-1977 ` متحف الأرميتاج فى روسيا .
- وقد تحقق هذا النجاح للفنانة الكبيرة عندما ادركت الدور الذى لعبته الجامعة الأمريكية بالقاهرة فى تحقيق فوز الأديب الراحل نجيب محفوظ بجائزة نوبل العالمية بعد أن اعطى لهذه الجامعة حق طبع ترجمات رواياته للغات الأوروبية وتوزيعها عالميا .. فأعطت الفنانة كتابها عن فنها المحتوى على مجموعة من المقالات عن حياتها وفنها بقلم عدد من الكتاب مع صور ملونة غير ملونة لعدد كبير من لوحاتها للجامعة الأمريكية بالقاهرة لنشره باللغة الانجليزية عام 1998 بعنوان ` الشغف بالألوان ` وقام بمراجعة الترجمة والاشراف على الكتاب الاستاذ مرسى سعد الدين .. فتحقق التعريف بفنها للمتحدثين بالانجليزية ، وربما تم ترشيحها لجائزة مماثلة لجائزة نوبل أو أكبر منها خلال السنوات القادمة .
- وجاذبية سرى من اكثر الفنانات انتاجا وتطورا فى فنها ، عبرت فى نهاية الخمسينيات عن القضايا الاجتماعية وكفاح المرأة فى مواجهة الضغوط والأوضاع الاجتماعية المتخلفة ، ثم انشغلت بالتعبير من العاب الفتيات ومرحهن ، ثم انتقلت إلى مرحلة انشغلت فيها ببيوت المدن وزخارفها واتخذت من المبانى أشكالا انسانية كما اتخذ الناس فى لوحاتها اشكالا معمارية .. ثم عبرت عن الصحراء وثرواتها .. ثم عادت لتخرج بين مراحلها المختلفة فى تشكيلات تجد يومية مبهجة الألوان .
- وهى قد درست فن التصوير الزيتى بالمعهد العالى لمعلمات الفنون وحصلت على الدبلوم عام 1948 ، وسافرت الى باريس لدراسة الرسم بالألوان عام 1950 ثم انتقلت الى روما عام 1952 ثم إلى كلية سليد بلندن حيث حصلت على دبلوم الدراسات العليا عام 1955 ، وبعد عودتها عملت فى وظائف التدريس حتى استقرت فى المعهد العالى للتربية الفنية ` كلية التربية الفنية حاليا ` استاذة لفن التصوير الزيتى عام 1981 .
- حصلت على العديد من الجوائز اهمها : الجائزة الثانية فى فنون الطباعة اليدوية على القسم المصرى فى بينالى الإسكندرية عام 1959 ، ثم جائزة التصوير الأولى من نفس البينالى عام 1963 ، والجائزة الأولى من صالون القاهرة عام 1960 ، وجائزة الدولة التشجيعية فى فن التصوير الزيتى مع وسام العلوى والفنون من الطبقة الأولي عام 1970 ، وجائزة من مسابقة تجميل دار الأوبرا عام 1990 عن تصميم رباعية نسيج .
- وقد حصلت على منحة التفرغ للابداع الفنى من وزارة الثقافة عام 1966 لمدة 6 سنوات ، وكانت قد حصلت عام 1965 قبلها بعام واحد على منحة للتفرغ للرسم فى لوس أنجلوس لمدة سته أشهر ، ثم حصلت على منحة من ` الهيئة الألمانية لتبادل الاساتذة عام 1975 فى برلين ثم منحة من هيئة ` فولبرايت ` الأمريكية والمتحف الوطنى لفنون المرأة فى واشنطن عام 1993 .
- وقد أقامت الفنانة اكثر من 65 معرضا خاصا للوحاتها منذ عام 1957 فى القاهرة والإسكندرية والعديد من العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية كما اشتركت فى معظم المعارض الجماعية بمصر والخارج منذ عام 1950 .
- خصص الناقد ` إيميه آذار ` فصلا عن فنها فى كتابه عن فن التصوير الحديث فى مصر الصادر بالفرنسية فى القاهرة عام 1969 ، وحددت ترجمته العربية عام 2007 كما احتل فنها فصلا فى كتاب الدكتور نعيم عطيه ` العين العاشقة ` الصادر عن هيئة الكتاب عام 1976 .. وكتبت منها موسوعة روبير عام 1976 الصادرة من باريس .. وموسوعة لاروس عام 1979 ، وقاموس السيرة الذاتية المطبوع فى كامبردج بانجلترا عام 1982 ، كما انتج التليفزيون المصرى فيلما تسجيليا عن فنها عام 1982 ، وانتج المركز القومى للافلام التسجيلية فيلما عنها عام 1992 .. وقد أصدرت هيئة الاستعلامات في مصر عام 1984 كتابا عنها وعن فنها يضم صورا ملونة لأربعين لوحة فى سلسلة الفنون التشكيلية التى أصدرت 9 كتب فقط .
- لكل هذا أصبحت لوحات الفنانة الشهيرة ذات قيمة عالمية واصبح مكانها فى المتاحف الكبرى اضافة حقيقية لمعروضات هذه المتاحف .

المساء - 2009
جاذبية سرى.. ومعزوفة الزمان والمكان
- إن أحد المكونات الأساسية للنشاط الإبداعى في مجال الفن هو العلاقة بين الفنان وبيئته الاجتماعية، وفن التصوير هو عملية مستمرة للتمثيل والانعكاس تتم من خلال الحصول على كمية كبيرة من المعلومات من البيئة، وهذه المعلومات من خلال امتزاجها بالذات المبدعة تتم صياغتها فى أشكال فنية جديدة، والفن هو محاولة لتوصيل نسق القيم الداخلية للرؤية الخاصة بالفنان إلى المشاهدين أو الآخرين أملا في تحقيق نسق لقيم أخرى، وتغيير النسق القيمى لديهم `ونحن إذ نتطلع اليوم إلى تجربة الفنانة جاذبية سري الإبداعية نرى مثالاً ساطعاً لتلك العلاقة النشطة الثرية بين الفنان والمجتمع فقد ارتبطت إبداعات جاذبية سري بروح المجتمع المصري الخلاقة الناهضة منذ بداية تجربتها الفريدة فهى تعتمد على المجتمع، تأخذ طابعه وإيقاعه، تبث إشراقاتها نابضة بفرديتها وخصوصيتها وإرادتها الجسور، وهي تتصف رغم محاولاتها الواضحة للتجاوز والكشف وعبور القوالب الجامدة في السلوك والتفكير والإدراك - بقدر من مقاربة لذوق الجماعة، فى محاولات دائمة لتغيير وتعديل مستوى الذوق والإدراك السائدين ولا تنسى أبدا أن الغاية أو الهدف الذي تتوجه إليه هو قطاعات المجتمع المختلفة المحيطة بها.وتلك القيم النبيلة التي تأسس عليها.وسنحاول بمناسبةإقامة معرضها الحادي والسبعين أن نطوف مع تجربتها التشكيلية الاجتماعية المتميزة من خلال بعض أعمالها في مراحل مختلفة.
-ففى لوحة الإنسان العربي الجديد وهى من مقتنيات متحف الفن الحديث بالقاهرة والتي أنتجتها في عام 1961تحتفل جاذبية سري بالنموذج الثوري الفريد مرددة معزوفة العصر الذهبي لعصر ثورة يوليو فى تمجيد الطبقة العاملة وتكريس روح القومية العربية، والسعى نحو تحقيق المشروع القومي لنهضة مصر الجديدة.
- نرى هنا رجلاً عملاقاً مفتولَ العضلات يرتدي ثياب العمال أو الصيادين ملامحه تشبه ملامح الرئيس جمال عبد الناصر، مستبشر الوجه يتطلع إلي الأمام فى تفاؤل وتصميم حافي القدمين وهما كبيرتا الحجم راسختين على الأرض - و كأن جاذبية سري قد غرستهما في تربة مصر العفية البهية بقوة الميلاد الجديد وعندهما نلقى المراكب الصغيرة فجمعت له الفنانة - باستحقاق كل قيم الخصب والنماء والبهجة وخير البحر والنهر الوفير يمتد ويقبع عند قدميه فى ولاء، وقد ارتكنت في أمان إلى ظل وجوده الراسخ الرابض في حضور العزة والكرامة والتحقق الفريد، تصل جاذبية بقامة الرجل إلى ارتفاع البيوت الموجودة فى الخلفية وتباهى به الدنيا كلها في غناء وسرور وبهجة طاغية، تتضح في المستطيل العلوي من اللوحة سماء في الليل مضاءة بالألعاب النارية والنجوم والهلال فهى احتفالية متلألئة فرحانة بهذا الإنسان الذى وصفته الفنانة فى اسم اللوحة بالعربي الجديد فى إشارة واضحة للمناخ العام المشبع بمفاهيم القومية العربية ووحدة الوطن النابعة من وحدة اللغة والدين والمكان. ولروح الثورة وكفاح التحرير الذي تدفق في مصر والوطن العربي كله فتفجرت تلك الروح الوثابة في المناخ الثقافي المصري،فنجد جاذبية هنا تخلق روحاً طقسية خلابة في تقديس جوهر المعنى العميق لذلك الإنسان المتفجر بكل معان الوجود الكريم، تحتفي بهذا الانتصار للمبادئ التى آمنت بها وتغنت بها فى الكثير من لوحاتها التى أنتجت فى تلك الفترة، ولهذا نرى الجو العام المفرح والألوان الساطعة والمبشرة واستخدام اللون الأخضر لجسد الرجل- فهو قلب الخصوبة وهو نبض النماء - هو الذى يتدفق حيوية وإقداماً وترتفع قامته لتطاول المدينة المبتهجة بأسرها (قد الدنيا)، تطالعنا في تلك الأنشودة البهية صورة الإنسان العربى المثال، مصدر الضوء في اللوحة واحد، وهو هادئ كضوء القمر، ينبع من استخدام اللون الأبيض فى البيت وفى صدرية الرجل.كما نرصد فى اللوحة إيقاعاً ناشئاً من تنوع الارتفاعات وتوزيع اللون الوردي وكذلك من توزيع درجات الإضاءة، وقد خالفت الفنانة قواعد المنظور التقليدى. كما أن استخدام اللون الأزرق والأخضر والأبيض والوردي هى ألوان مبهجة تذكرنا بالخضرة والبحر والأمل والبهجة بسيطة كالزينات الشعبية الجدارية والفطرية المسطحة التى تعكس الاحتفالية الساطعة بالإنسان العربي الجديد. أما في لوحتها المسماة بالنكسة والتي أنتجت عام 1967 نرى اللوحة مقسمة إلي ثلاثة أقسام أفقية: العلوي به سماء ملبدة بالغيوم مظلمة بها بيوت ومساجد وكنائس، والقسم الثاني عبارة عن بيوت متجاورة تشبه بيوت الأحياء الفقيرة عليها صورة لسيدة تنتحب ووجهها لأسفل وتضع يدها على رأسها. والقسم الثالث يحتوى وجوها لنساء ورجال فاغرى الأفواه شاخصى الأبصار تحت تأثير كارثة أذهلتهم. وتتضح عناصر التكوين فى الخطوط العامة الأفقية والرأسية المتشابكة تشابك مستتر وهذا التقسيم الأفقي للوحة يوحي بالتسطيح والحزن والخمول ولا توجد خطوط منحنية أو لينة إلا في جسم المرأة المنتحبة وقبة المسجد والغلبة هنا للخطوط الحادة المتعامدة في تعسف وزحام مقصود يذكرنا بمقولة `رودلف أرنهايم`: إننا نتذكر حركات الرقص الحزين ليس بسبب أننا شاهدنا أغلب الأشخاص الحزانى يتصرفون بطريقة مماثلة، ولكن بسبب أن الملامح الدينامية للحزن تكون موجودة بدنيا أو فيزيقيا في هذه الحركات، والتخطيط هنا كقضبان السجن ينطق بالسكون والحصار في تلك المستطيلات الضيقة. والكتلة موزعة ومعلقة في الهواء مع المرأة المعلقة بين البيوت كفاقد الوزن فاقد الجذور والرسوخ، الحركة التي تؤديها هذه السيدة تشبه حركات النادبات في صعيد مصر عند موت أحد الأشخاص لديهن يقمن بنفس الحركة مع البكاء وترديد النواح. الإيقاع المتولد من الخطوط الأفقية والمستطيلات إيقاع رتيب مقبض حزين، الخطوط المكونة للمستطيلات توحي بالتقسيم التعسفي والحشد للناس في المستطيل السفلي يشيع الزحام والضيق كالجنازة.. كالمظاهرة، كما أن المواضع المكانية والعلاقات التكوينية تساعد على خلق أنماط مهيمنة ثلاث هي البيوت - وهى عنصر شائع في أعمالها - والبشر وتلك المعلقة في الفراغ الأوسط التي تنتحب وهي تخفي وجهها الموصوم. لا يوجد باللوحة إيحاء بالعمق أو المنظور بل يوجد عرض أفقي جليل يسري بأسى يحمل وجود جسم السيدة في الفراغ الأوسط ووجود وجوه البشر في أسفل اللوحـة. وتمضي جاذبية سري في رحلتها التشكيلية وهي تحتفي بالإنسان المصري الثائر الجديد وهي تتفاعل مع متغيرات المجتمع وتبث روحها فيه، ونجدها لا تتخلى أبداً عن شكلها الأثير وهو الجسد البشري و تحيطه ببنية راسخة من بيوت وتكوينات متماسكة تعضد ما تبتغيه من قيم و تنويرات فكرية و تشكيلية بصرية، نرى في معرضها الجديد المقام في قاعة الزمالك للفن ثلاثة عشر لوحة منفذة بألوان الزيت على التوال والذي أطلقته تحت عنوان الزمان والمكان نراها وهي تحتفي بقيمة الإنسان وقدرته الجبارة على الفعل و إرادته الناهضة صوب التغيير ونراها و قد بسطت له مسطح اللوحة الأبيض و أطلقته في كون مشرق بهيج، تحدوه الآمال وتحركه الطاقات و تضع على عاتقه كل خير وكل رجاء، نجده وقد أفردت له كل فضاءاتها وقد اكتمل فيه كل المعنى وهو عامر به كل الوجود، لم تعد جاذبية سري تحيطه بالبيوت والكيانات بل صنعت من الجسد البشري صروحاً شاهقة طرحتها في مساحات لونية باسقة غمستها في الكثير من الضوء ،نراها تحشد الناس الذين جردتهم من ثقل التفاصيل وكرستهم في جلال ورشاقة وصفتهم في جرأة واتزان بديع، لم تعد تتوسل بالأشياء والموجودات، انطلقت جاذبية سري من الشيئية والمعمار والأطر وطفقت تصوغ الوجود من هؤلاء البشر الذين جمعتهم وقدمتهم لنا في تجليات متنوعة تجسد وجهة نظرها عن الإنسان المصري المأمول، عن المجتمع المصري الجديد،عقدت الأمل كله وأخذت تشدو بنبوءتها مرددة يقينها الدائم بالإنسان وطاقته الجبارة وقدرته على الخلق الجديد، تخلت الفنانة جاذبية سري عن بيوتها و صفت البشر بنياناً جميلاً حياً هادراً بإيقاع فريد، عالمها صاخب بكتل من البشر متلاصقون متشبثون ببعضهم البعض تاركين مسطح اللوحة وفيه الفراغ المضيء في بلاغة مدهشة وسيطرة كاملة على الحس البنائي والكتلي للوحة وعلى عنفوان الحركة الموسيقية الناتجة من إيقاع الترديد الرأسي الشاهق الذي نثرته في كل لوحاتها في هذا المعرض، هي تزرع لأعلى وتنمو مع تكويناتها وتحلق في الضياء، قليلاً ما نرى بناءً أفقياً، لقد أظهرتهم في كون طاهر جديد بكر أبيض هو جل براحها المفضل الذي مسته بيديها فصدح بالألق النبيل هي تريد هذا هي ترى هذا هي تأمل هذا المدى الحر الطلق الأبيض وقد انغرست فيه شخوصها العفية تغير وجه مصر وتخلقها من جديد،أنبتتهم في مدى أخضر خصيب، أو غمرتهم في لجة حمراء قانية كالأرحام تنتظر تمام التشكل و الميلاد، شاخصون منادون، منطلقون يشيرون بأيديهم ويتحركون رددت شكل أجسادهم المضيئة تتغنى بالحياة والنماء و النبض والخلق الموار، في ألوانها البرتقالية والصفراء والخضراء والحمراء النقية البهيجة، وكما صنعت احتفاليتها الشجية بالإنسان العربي الجديد في العصر الذهبي بالستينات من القرن العشرين، نراها الآن وهي تحتفي بالبشر وبالمصري الجديد الذي لم تعد تصوره بطلاً فرداً مفتول العضلات، بل باتت تغرسه في بطن الأرض بناءً شاهقاً مكرساً مكوناً من كتل بشرية قوية متماسكة، لم يعد هذا عصر البطل الأوحد، أو الفارس المثال، لقد اكتملت معانى الثورة والتغيير والبناء في ذلك الحشد الذي رددته جاذبية في معزوفتها البديعة، أدعوكم لمشاهدة هذا العالم البهي المنير الذي صنعته الفنانة جاذبية سري و بثته روحها الحرة النبيلة .
د.هبة الهوارى
2012/3/8 جريدة نهضة مصر - صفحة فنون جميلة
بعد ما خرجوا من البيت
-هم شخوصها الذين عرفناهم من خلال معارضها الكثيرة.. وهذه هى ألوانها التى لم تتخل عنها ولكنهم الآن يحملون رسالة أخرى، وأبعاداً ونسباً مختلفة، بعد أن طالتهم الحرية وخرجوا من البيت !!
- ولم يعد هناك مبرر فنى لوجود بيوت جاذبية، لم تعد هى التى تتصدر المشهد، فهذه البيوت التى لطالما رسمتها فنانتنا لسنوات طويلة وحبست داخلها شخوصها لم تكن إلا تجسيدا لواقع مؤلم خاصة أنها لم تكن يوما بيوتا دافئة تحتضن ساكنيها تقول ` لم أكن أنا التى حبستهم فى واقع الأمر، الظروف الموجعة والخوف حبسهم ولذلك لم يكن من الممكن أن تراهم إلا من خلال نوافذ البيوت فى لوحاتى بل تحولوا هم أنفسهم فى بعض الأعمال إلى بيوت صماء، وفى كل الأحوال هناك من أخذ مفتاح الباب المغلق ليظلوا عاجزين عن الخروج، عن التقدم خطوة واحدة للأمام`.
-الآن اختلف الأمر كثيرا، كسر الناس الأبواب كلها، خرجوا من بيوت الخوف والذل التى بقوا داخلها لسنوات طويلة ولذلك لم يعد هناك مكان للبيوت فى لوحاتها فاهتمامها كله ينصب على الخروج الكبير وهو لا يعنى عندها الثورة نفسها التى تمثل وسيلة للتغيير، بابا مفتوحا ينطلق منه المصريون فى خروج كبير نحو التعمير والتقدم، إذن اختارت جاذبية أن تقدم رؤية مستقبلية لمصر، تقول `هكذا يفعل الفنان يرسم المستقبل بخياله ليستلهمه الناس فى حاضرهم`.
- وهو ما يفسر لنا لماذا يشهد المعرض الذى يضمه الآن جاليرى الزمالك نقله فنية كبيرة لجاذبية سرى تلمسها من خلال الاختزال فى الألوان والعناصر وملامح الشخوص على السوداء،فقد جاءت المسطحات واسعة بدت وكأنها خلفيات مضيئة بيضاء تأكيدا للإحساس بالحرية والتحرر كما جاءت الألوان دون مزج أو خلط بينها على العكس مما عودتنا عليه فى أعمالها السابقة، أرادت أن تسهم بها فى متانة تكوين اللوحة وقوتها ولتؤكد على معان مختلفة من خلالها لذلك جاءت بها واضحة صريحة `لن يكون هناك اختلاط للأوراق وتشابك بين المشاكل` تبعث داخلك الإحساس بالتفاؤل والبهجة فالأخضر على سبيل المثال عندها هو الخير تقول` ستشهد مصر ثورة فى الزراعة ` والأحمر هو حب الوطن وحماس المصريين نحو التغيير، أما الشخوص فقد أصبحوا هم أهم عنصر فى اللوحة بعد اختفاء البيوت جعلتهم أكثر استطالة بعد أن استعادوا كرامتهم وعزتهم كما لم يعودوا متداخلين فى الازدحام للفوضى، فقط تضمهم كتلة واحدة `لأنهم فى حالة تلاحم، يتجهون نحو العمل، نحو مستقبل واحد`، ولذلك تلاحظ أن أجسادهم ووجوههم تتخذ اتجاها واحدا رغم اختلاف انتماءاتهم السياسية الفكرية أو الدينية وهو ما تعبر عنه من خلال تعدد الألوان التى استخدمتها فى تجسيدهم، حتى عندما تتأمل النوافذ فى لوحاتها والتى ترمز بها إلى قدرة الشعب على استنشاق هواء الحرية تكتشف أنها متعددة الألوان والأشكال فلم يعد هناك كان للفكر الواحد، تفاجئك بأنها تقدم فى معرضها هذا لوحة رسمتها عام 2009 واحتفظت بها لنفسها لأنها كانت تصور إعصار الغضب الذى يجتاح المصريين وينذر بالثورة حينئذ قالت فى ثقة `اقترب الإعصار`..
- فعلت جاذبية سرى ما عليها كفنانة مصرية عظيمة، سبقت الزمن لتقدم لنا أول رؤية فنية للمستقبل، فهل نستوعبها نحن جيدا ونستلهمها ؟!..
نادية عبد الحليم
مجلة البيت - مارس 2012
رحلة الطائرة الحائرة
- يظل وجه البحيرة ساكناً إلى أن تلقى فيها يد عابثة حجراً يثير سطحها الهادئ ... أو تهب ريح عاصفة فتتحول صفحتها الهادئة إلى وجه عابس تجتاحه الامواج ..
- وحياة الفنان ما هى إلا صفحة رائعة تتميز بحساسيتها الشديدة تجاه المؤثرات الخارجية، تنطبع عليها او تثيرها وتخرجها من سلبيات لتشارك الوجود تقلباته وتغيراته ..
- وقد جعلت طبيعة الفنانة ` جاذبية سرى ` من شخصيتها عنصرا متجاوباً شديد الحساسية ، فواجهت الحياة منذ أن بدأت تقبض على الحياة بقلب متفتح ، وتركته يستجيب للحياة بفطرة طفولية يمتزج فيها الحلم بالواقع ، والحقيقة بالخيال .. والتقت بجموع الناس من مختلف القطاعات ، وتغلغلت فى صميم حياتهم . بل وغاصت فى أعماق مشاعرهم . ونابت عنهم فى بث شكاواهم . واستطاعت أن تعبر المرحلة التعبيرية بقدم واثقة . يصهرها الاحتكاك الدائم بالناس . ويزيد من انصهارها القضايا الكبيرة التى يعانى منها مواطنوها كجزء . والعالم الإنسانى ككل .
- وبعد أن قالت كل ما استطاعت قوله بلسان التشخيصية ، متوجه هذه المرحلة باللوحة العملاقة التى تمثل ` الحياة على النيل ` راحت تبحث حولها عن نوع آخر من المثيرات.
- فوجدته فى زحام العلب والمكعبات التى يأوى إليها الناس ، والتى نسميها مجازاً بالمساكن أو المنازل .. راحت تبحث من خلالها عن مناخ أكثر شمولاً، ومعنى أكثر رمزية من التعبير المباشر واستفادت منها تشكيلاتها المكعبية فى خلق تكوينات أقرب إلى التجريد بعد أن تحررت تدريجيا من الالتصاق بالإنسان .. ولكن الفنانة تضيق بحياة المدينة والناس . وتهرب إلى الصحراء لعلها تجد بين كثبانها شعبا يشبع نهمها وطموحها الذى لا يهدأ .. وتحت عنوان ` الصحراء ` تقدم الفنانة تجربتها الجديدة فى قاعة العرض بالمركز الثقافى الألمانى ..
- إن أول لوحة تستقبلك تحتوى على طائر يخلق فى فضاء أصفر ، ومن تحته تمتد الصحراء كبحر من الرمال تتلاطم كثبانها كأمواج تبحث عن الشاطئ الحلم .. الأمل .. ولا سماء هناك ولا سحب ولا نجوم .. الطائر وحده وسط هذا التيه الشاسع بلا حدود .. وآخر لوحه تودعك فى المعرض نفسه لوحة تضم ثلاثة أهرامات تغمرها زرقة ليلية حالمة .. وبين اللوحتين عشرات اللوحات تحكى قصة مشوار طويل قطعته الفنانة بحثا عن المجهول .
- وتبذل الفنانة ` جاذبية ` جهدا مستميتا للتخلص من ` جاذبية ` الأرض ، والتحرر من ماديتها ، ويبدو ذلك فى أطراف الكثبان الناتئة والمتموجة عشوائيا فى محاولتها اليائسة للانطلاق إلى الفوق .. وما هذا الغليان الداخلى إلا قوة دفع عارمة لتقليب الأرض وتحريك وجدانها لتثور على نفسها ، وتمتزج الألوان وتتشابك طبقاتها بدون توافق مقصود ، محدثة ذلك الصخب المكتوم .. ورغم المقاومة الضارية بين التحت والفوق ، والداخل والخارج .. ينتصر الطموح ، وتتكور ذرات الرمال المائعة لتصنع شيئا أكثر صلابة وتماسكا .. يولد من بطن الصحراء بعد مخاض أليم . تكوينات صخرية تنفصل عن الأرض كما ينفصل الجنين من رحم الأم ناقص التكوين فى أول الأمر، غير محدد القسمات .. وينمو هذا الجسم الوليد تدريجا مقتربا من شكله المتكامل ، ليأخذ شكلاً هرميا سوى البناء والصورة . يقف شامخا راسخا كعنصر معمارى يثبت وجوده كمأوى حصنى تحتمى فيه النفس .. كالعقيدة وسط هذا الضياع الصحراوى المبيد .. وكأنه يقول ` أنا هنا وثيقة اعتراف ببقاء القيم والنواميس البناءة .. شهادة بخضوع كل شئ إلى النظام الهندسى المحكم رغم صرامته .. وإن البقاء دائما لنواميس البناء وليس للعواطف الهوجاء ..
- وعندما يكتمل الهرم ، ويستقر بكل ثقله وشموخه فوق رمال الصحراء ، تهدأ العاصفة ، وتسكن الأرض ، ويتفلطح أديمها ، وينتهى مخاضها .. وكان عنيفا بأناته البنية المكتومة تارة وصرخاته الحمراء كاللهب والحمم تارة أخرى ..
- ولا تنتهى الرحلة عند هذا الحد .. فالرحلة ينقصها شئ لكى تصل القافلة إلى غايتها .. إن الهرم بطرفه المدبب إشارة التطلع إلى الفوق .. وشوق إلى التسامى والترفع والتعالى .. ولكن هذه المكانية المعنوية يعوزها المقابل المحسوس الذى يترجمها كواقع له واللوحة الأولى يمكن أن يستعار مضمونها ليكون عنوانا للمرحلة الجديدة التى تجتازها الفنانة فى رحلة القلق بحثاً عن واحة وسط الصحراء يبنى فيها الطائر عشه ، والجديد فى المعرض ليس الصحراء نفسها ، فقد سبق أن اكتشفتها الفنانة فى العام الماضى ، ولكن الجديد أن الفنانة لم تعثر على ضالتها فى صحراء الصخب والقلق والزمجرة والغليان والصراع والكبت . بل وجدت جميع ما تركته فى المدينة يلاحقها ويطاردها فى الفراغ الموحش ، وإن دل ذلك على شئ فانما يدل على أن كل إنسان فى داخله قدره يحمله معه أينما ذهب ، يحمل البرد والأمن والنعيم ، ويحمل أيضا العذاب والنار والجحيم .
- وصحراء ` جاذبية سرى ` ليست الصحراء ` الطوبرغرافية ` ولا الصحراء ` المساحية ` التى تحدد المواقع وتميز سماتها الجيولوجية ، ولكنها صحراء جوفية تنطوى على التمرد الذى عرفت به الفنانة منذ أول يوم عبثت فيه بالألوان . وقد عثرت الفنانة على الأداة التى تعبر بها عن صحرائها .. إنها سكين المعجون .. ومخيفة هذه السكين ومفزعة .. إنها أداة نافعة عندما يواجه بها الفنان ` حول وجود حسى ملموس .. وهنا تظهر السماء لأول مرة بتنويعاتها اللونية والغمامية مجاورة للشكل الهرمى . ويأتى الحل التشكيلى لهذا المضمون ببساطة تجريدية شديدة عندما تقتطع الفنانة جزءا من زاوية اللوحة وتصنع منه مثلثا تشحنه بالانفعالات اللونية الصاخبة ، وتصنع من بقية اللوحة سماء تطل بصفاءها على هذا العالم الجوفى المغلق على صرخاته وعذاباته . إن هذا الفاصل الهندسى بين المثلث المسدود والفضاء المفتوح هو المرادف الرمزى للحد الذى يفصل بين السماء والأرض ، والغرائز والروح . أو الطبيعة الحيوانية والعقل الأسمى .
- وتسكب الفنانة فى ردعها شيئا من السكينة عندما نعثر على المعادلة الصعبة التى تهيئ لها التوازن النفسى والسلام الداخلى فتشغل إحدى اللواحات بالأهرامات الثلاثة وتتركها غارقة فى سبات ليلى صوفى .. فهل هى العودة إلى أطراف القاهرة دون الانعماس فى زحامها المدمر ؟؟ والبقاء هناك عند هضبتها التى تطل على الأبدية حيث ينطوى الزمن بأبعاده الثلاثة فى هذه المثلثات الهرمية . ويذوب الماضى والحاضر والمستقبل . ولا يبقى غير الوجود المطلق بلا زمان ولا مكان ؟؟
بقلم : حسين بيكار
من كتاب أفاق الفن التشكيلى
مصر والناس والبحر والبيوت
- ما زالت أنامل الفنانة جاذبية سرى متوهجة بسحر الفن .. ومازالت رحلتها فى الإبداع تتدفق بدنيا من الأنغام والألحان بين التجريد والتشخيص .. وهى رحلة تمتد لأكثر من ستين عاما .. كانت بداياتها مع لوحات يمتزج فيها الواقع بالتعبير .. كما فى ` أم عنتر ` و ` أم رتيبة ` و ` أم صابر ` و ` الطيارة ` و ` المراجيح ` .. تؤكد بداية فنانة .. تطل على الشخصية المصرية بكل مكنوناتها الروحية والاجتماعية .. والتى تمتد فى أعمالها بلا انتهاء .. تجعلها لا تحتاج إلى التوقيع على لوحاتها من فرط خصوصيتها وتميزها .. فهى أغنية مصرية طويلة متعددة النغمات.. تنوعت فى مراحل عديدة من الواقعية إلى التعبيرية ، إلى التلخيص الشديد الذى اختزلت فيه الزمان والمكان .. وانطلقت فى قوة تعبيرية ، وفوران شديد ، حتى تحولت أعمالها الحالية إلى أصداء وعلامات على مشوارها الفنى ، بمثابة شفرات تجريدية .. جعل منها رائدة من الجيل الذى تلا الرواد .. رواد التصوير الستة : يوسف كامل ، وراغب عياد ، وأحمد صبرى ، ومحمد حسن ومحمود سعيد ، ومحمد ناجى .
- وتأكيدا لمكانتها الفنية الكبيرة .. تم اقتناء أحد أعمالها لوحة ` الطيارة ` من قبل متحف المتروبوليتان للفن بنيويورك ، وهو أحد أكبر متاحف العالم .
ومن هنا كان لقاء الخيال بالفنانة الكبيرة وذلك بمنزلها بشارع الجزيرة الوسطى بالزمالك .. وكان هذا الحديث .
- الطفولة .. والحلمية
- فى قلب حى الحلمية بالقرب من السيدة زينب والقلعة .. والذى ينتسب إلى عباس حلمى باشا ، بعد أن بنى قصره بها ، وأنشأ ميدانا ، أطلق عليه ميدان الحلمية .. ولدت جاذبية ونشأت ، وقضت طفولتها وبداية الشباب حتى العشرين .. فى بيت عتيق يتكون من ثلاثة طوابق ، تفصله عن العالم الخارجى ، كما قالت لنا : بوابة كبيرة وكأنه حصن أو قلعة من قلاع الزمن الماضى ، الذى يدخل فى عمق التاريخ .. تحيط بالجدران مشربيات من الأرابيسك .. ومن الداخل يتوسطه صحن واسع ، تطل عليه المناور والأجنحة للخدم .. بيت كل ما فيه يحرض على الإبداع ، ويدعو إلى التأمل .
- وتضيف : وفى مدرسة الحلمية بدأ حبى للرسم ، وولعى الشديد بالتكوين .. وقد كلفنى هذا حصولى على 6 درجات من عشرين فى مادة الرسم ، وذلك لأننى أردت التعبير عما بداخل عقلى ووجدانى .. مما يتعارض مع مناهج التربية الفنية التى تعرض أنماطا محفوظة ومكررة ، وتعاليم مدرسية .
- فن البورترية
- وعندما التحقت بالمدرسة الثانوية بدأت علامات التفوق والنبوغ فى الرسم ، خاصة حين بدأتُ أرسمُ صورا شخصية لأساتذتى أثارت إعجابهم ودهشتهم فى ذلك الوقت ، وقد تمرست بفن البورتريه فى هذه السن الصغيرة .
- تضيف جاذبية : بعد حصولى على الثانوية العامة ` البكالوريا ` أرادت العائلة أن أكون ` ست بيت ` .. يعنى أتزوج .. وكان هذا بإجماع العائلة ، أى أخوالى وأعمامى بعد وفاة أبى وأنا فى الرابعة عشر .. وتحت تلك الضغوط اضطررت للبقاء عاما بأكمله بالمنزل .. وبعد ذلك التحقت بالمعهد العالى للفنون الجميلة للمعلمات ، ولم تكن كلية الفنون الجميلة قد فتحت أبوابها بعد للبنات إلا عام 1954 .. تخرجت فى عام 1946 .. ورغم أن أخوالى كانو يمارسون الرسم كهواة .. إلا أنهم اعتبروا أننى اخترت مهنة دون المستوى .. حتى عمى سامى الذى كان له اتيليه ` مرسم ` مع الفنان الرائد أحمد صبرى نظر إلىّ بنفس المفهوم .
- وبداية الفنانة جاذبية فى مجال الفن ؟
- لاشك أن البداية الحقيقية لى عندما عرضت لأول مرة فى صالون القاهرة عام 1950 ، وعندما اشتركت مع جماعة ` شباب الفن ` التى كانت تضم كمال يوسف ، وموريس فريد ، وسيد عبد الرسول وغيرهم .. ولكن تفككت الجماعة بعد عام واحد .. فانضممت إلى جماعة الفن المصرى الحديث التى أقامت أول معارضها عام 1946 ، واستمر نشاطها حتى عام 1955 ، والتى ضمت : جمال السجينى ، وزينب عبد الحميد ، وعز الدين حمودة ، ويوسف سيدة ، وصلاح يسرى .. كما عرضت أعمالى أيضا مع جماعة الفن المعاصر ، وكان من أعضائها حامد ندا ، وعبد الهادى الجزار ، وسمير رافع ، وإبراهيم مسعودة ، وماهر رائف .. وفى ذلك الوقت تأملت كل الفنون المصرية مع تنوعها وثرائها ، من الفن المصرى القديم ، والقبطى ، والإسلامى ، والفن الشعبى .
- ثورة 25 يناير
- وماذا عن ثورة 25 يناير والفن وجاذبية ؟
- أنا مع الثورة منذ أن قامت ، بل ومن مقدماتها الأولى ، وفى كل أعمالى تجدنى منحازة للشعب المصرى ، الذى أُعدُّ واحدة منه ، وموقفى واضح وقد رسمت الثورة فى أوجها قبل عمليات الفوضى والبلطجة .. وما حدث فيها من تضحيات نبيلة .. رسمت هذه الثورة البيضاء فى 6 لوحات ، سوف يضمها معرضى فى مارس من العام القادم إن شاء الله .
- وهل هناك حاليا إبداع عكس ما حدث ؟
- فى تصورى أن على الفنانين أن يهضموا ما حدث ، ويستوعبوا واحدة من أهم الثورات فى العالم وهذا سوف يأخذ وقتاً لحين ظهوره إلى النور ، حتى يكون بقيمة الثورة ، يعنى ليس مجرد اليستريشن ` رسوم صحفية سريعة ` ولا كرتون .. وبالنسبة لى فأنا طوال عمرى أسير فى خط واتجاه فى نطاق وأهداف الثورة ، ولم يتغير شئ ؛ لأن هذه هى أهدافى ، وطيلة حياتى الإبداعية ، ومن بداية الخمسينيات وحتى الآن أرجو الأمل فى إيجاد حلول ديمقراطية علمانية عادلة .. بل ودستورية ومدنية لأن هذا يفتح الآفاق لمصر المستقبل .. آفاق التقدم .
- وما رأيك فيما نعيشه من مركزية الحركة التشكيلية بالقاهرة بعيدا عن أقاليم مصر ؟
- فى الحقيقة هذه مسئولية القائمين على قطاع الفنون التشكيلية ، فمسؤوليتهم نشر الثقافة الفنية والفنانين .. وبالنسبة لى أنا عملت معارض فى مصر بالقاهرة والإسكندرية ، وخارجها فى أوروبا و أمريكا وكندا وأفريقيا .. هذا على الرغم من أنه طيلة فترة ال23 عاما لتولى فاروق حسنى وزارة الثقافة لم أمثل مصر فى أى معرض دولى .. هذا بالإضافة إلى أنه على الرغم من أننى حصلت على الجائزة التقديرية الشرفية من بينالى فينيسيا عام 1956 .. حذفوا هذا الحدث فى الفنون التشكيلية طوال هذه الفترة أيضا ، ولم يأت سوى سيرة الأسد الذهبى لبينالى فينيسيا ، والذى حصلت عليه مصر عام 1995 .
- وقد أهديت وزارة الثقافة فترة الأستاذ فاروق حسنى 20 لوحة من مجموعتى الخاصة ، تمثل مراحلى المختلفة مع عشر لوحات مائية نادرة ، تمثل النوبة قبل إنشاء السد العالى .. هذا على الرغم من معرفتى بفقدان عدد كبير من لوحاتى التى اقتناها المتحف فى الماضى .. فُقدت بشكل غامض يدعو للغضب والأسف والحزن .. ولكن ضميرى المصرى والوطنى والقومى ، ألزمنى أن أهدى أعمالى مرة أخرى لمتحف الفن الحديث .. وانا أقترح أن تعرض هذه الأعمال فى معرض سيار، ويطوف أرجاء المحافظات كنوع من إلغاء المركزية فى الفن .
- ومتابعات الفنانة جاذبية للفن فى مصر والخارج ؟
تبهرنى الأعمال الفنية الصادقة عموما ، فهى تشبه الموسيقى الكلاسيكية العالمية ، خاصة وأنا أسافر كل عام إلى باريس ؛ للاطلاع على أحدث الاتجاهات الفنية هناك .. وفى مصر أتابع المعارض الجماعية فقط ؛ لصعوبة الحركة بالقاهرة .. وفى الحقيقة أنا ذاكرتى ضعيفة تجاه ذكر الأسماء ، ولكن هناك فنان شاب ممتاز : جورج فكرى تطربنى أعماله خاصة ، ولدى جذور من الفن الشعبى القبطى .. وهناك أيضا شادى النشوقاتى وأيضا أيمن السمرى فى اللوحة التقليدية ، والفيديو ارت ، والانستليشن ` العمل الفنى المركب `.
- ومن يصون أعمالك ؟
- العناية الإنسانية والفنية ، واللطافة والذوق والظرف من ناهدة خورى ، ونهى خورى ، وهانى ياسين .. أى شئ أنا فى حاجة إليه يبحثون عنه فى كل مكان ، ويسألون دائما عنى .. ولو مرضت يستدعون الطبيب .. أجد منهم عناية خاصة ، وحب واهتمام .. ولا يمكن أن أجد هذه العناية من أى جاليرى فى العالم .. وهى تقصد هنا القائمين على قاعة الزمالك.
- فى الحجرة التى جلسنا معها فيها ببيتها ، كانت تطل أربع لوحات تجريدية لجاذبية فى تكوين واحد تبدو أقرب إلى الموسيقى .. وتعد بحق موسيقى بصرية سيمفونية .
- قالت عنها : هى مستنسخ من أربع لوحات موجودة حاليا بالصالة الرئيسية بدار الأوبرا ، مساحتها 4 متر × 3 متر ، قال عنها فاروق حسنى : هذا هو التجريد الحقيقى .
- تضيف جاذبية : وربما كان كتابى ` الولع بالالوان ` وهو مجلد كبير فى 230 صفحة من القطع الكبير ، ويضم 130 لوحة بالألوان ، صدر عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية .. أحد أسباب اهتمام قسم القرن التاسع عشر ، والفن الحديث والمعاصر بمتحف المتروبوليتان بلوحتى `الطيارة ` ذلك لأنهم قرروا بمناسبة إنشاء قسم خاص بالفن الإسلامى أن يطلقوا عام 2004 موقعا إلكترونيا للفن الإسلامى المعاصر ، اختاروا له عشرة أعمال فنية ، لفنانين من العالم الإسلامى ، من بينها لوحتى ` الطيارة ` .. وكان هذا تكريما وتشريفا لى ، حفزنى على أن أقترح على المتحف إهداء هذه اللوحة .
- أثناء حوارنا معها كانت جاذبية تشعل السيجارة من السيجارة .. كانت تحترق من فرط الانفعال.
- وقد قال عنها الناقد الإيطالى كارمينى سينيسكالكو : أنظر إليها وهى تذهب وتجئ ، ومعها لوحات ذات حجم أكبر منها شخصيا وأدرك أن هناك أمرين فى هذه الظاهرة الطبيعية من القوة ` التى هى محبوسة داخل جسد أنثوى صغير ، ولكنه قوى .. ولن تستطيع الاستغناء عنهما أبدا ألا وهما الرسم والسيجارة ` .
- رفقا بصحتك .. لماذا هذا الإفراط فى التدخين ؟
- قالت بعصبية بعد كل هذه الفترة الطويلة أتراجع عن التدخين .. لقد كنت أدخن وأنا فى الثانية عشرة من عمرى وعندما كنت أضبط من الأهل ، كان مصيرى دائما علقة ساخنة ، ورغم هذا لم أكف عن التدخين .. أنا حالة خاصة جدا فى الفن ، وفى الحياة !! .
- هى .. وعالمها
- فى فترة الخمسينيات من القرن الماضى ، ظهرت لوحات جاذبية ذات البعد الاجتماعى عندما قدمت ` أم رتيبة ` و ` أم عنتر ` و ` أم صابر ` وتجلت فى ملامحهن القسمات المصرية الأصيلة .. كما تجلى نقدها الاجتماعى فى تصوير وضع المرأة فى لوحتها ` الزوجتان ` .. فقد صرخت اللوحة بملامح الحزن البادية على الزوجة الأولى التى أعطاها الزوج ظهره هى وأولادها وتصدرت اللوحة الزوجة الثانية الدلوعة المقربة مع وليدها .
- ولوحاتها هنا تطالب بتغيير اجتماعى حقيقى . ثم انطلقت فرشاتها مع الثورة .. تصور وضع المرأة الجديد ، ورسمت العازفة التى تعزف لحن الثورة ، والمعلمة تحيط بها الطالبات ، وحررتهن من المنظور والنسب ، وانطلقت تحلق وترسم آمال الوطن ، وآمال المواطن المصرى و آلامة .. وجاءت لوحتها المراجيح 1956 بداية للتغيرات الاجتماعية والسياسية ، فقد رسمتها من زاوية عليا ، مع الإيحاء بأنها ترسمها من المقدمة ، وبعدها بثلاث سنوات عام 1959 رسمت لوحاتها ` الطيارة الورقية ` التى رمزت فيها إلى الانطلاق والتحليق ، والطيران إلى أعلى .. خاصة وقد انطلقت الطائرة بعيدا عن الأرض تشق عنان السماء ، داخل منطقة مختلفة جدا عن الواقع ، وعن الطفلة الممسكة بها بعيدا عن كل قواعد المنظور .. حيث نرى السماء مفتوحة ، وكل شئ لا يخضع للمنطق الأرضى .
- وفى الرحلة التاريخية إلى النوبة سافرت جاذبية مع من سافروا من فنانى مصر ومثقفيها ، عام 1962 : حبيب جورج ، فنان المائيات وصاحب تجربة النحت التلقائى مع الأطفال ، والمعمارى حسن فتحى ، والدكتور لويس عوض ، والمفكر الفنان حامد سعيد رائد مدرسة الفن والحياة ، وتحية حليم ، وآدم حنين ، ورمسيس يونان ، وحامد ندا .. وظهرت النوبة بكل مكنوناتها ، وملامحها البيئية .. مثيرا كبيرا لجاذبية أضاف الكثير إلى تعبيراتها .. وقدمت العديد من الأعمال من وحى إلهامها مثل ` شروق فى النوبة ` و ` استشهاد بلاد النوبة ` وصورتها فى مجموعة لوحات .
- ولوحات الألم والحزن .
- وعندما جاءت النكسة فى يونيو من عام 1967 أصابت الفنانة الكبيرة بإصابة بالغة .. كانت بمثابة صفعة قوية ، جعلتها تعزف عن الحياة لفترة طويلة .
- وما أبلغ تلك اللوحة التى صورت فيها فتاة منكفئة من شدة السقوط ، مع نوافذ مغلقة .
- إلا ان أعمالها فيها بعد تغنى لمصر ، وتتغنى بسحرها فى كل مكان ، حيث تمزج البيوت بالبشر بصخب الحياة ، من الواقع إلى الرمز ، ومن التجريد إلى التعبير ، فى خصوصية الزمان والمكان فى بقاع مصر .
- وتكمن قيمة أعمال جاذبية الحديثة ، ليس فقط من أجل تكثيف مراحلها الفنية بلغة تشكيلية تعتمد على الرمز والإيحاء ، والتلميح ببلاغة شديدة مع التحرر الأكاديمى ، وتعبيرية اللون الذى ينطلق فى قوة ، تجمع بين الوعى وحكمة التشكيل ، والتلقائية وهى تفسر أحداث أعمالها : البيوت عبارة عن رموز لبيوت ، مجرد إشارات تجمع بين الشكل الهندسى المتمثل فى الشرائط ، والشكل العضوى للبيوت ، وما تضم من بشر .. والشرائط هنا موجودة فى كل مكان ، فى الشارع من إشارات وعلامات والتى تعنى التوقف والحركة ، وتحديد الاتجاهات .
- ولقد جاء معرضها ` تجسيد ` والذى ضم أحدث أعمالها فى ثلاثية من البحر والوادى والناس .. وهو مساحة متسعة ، تمثل تراكما لعالمها المتسع بلا حدود ممتدا باللمسة والمشاعر والأحاسيس كما فى لوحتها المرأة والرجل على خلفية تجريدية من الأزرق الصافى الذى يمتزج بالأخضر الزرعى .
- كما يتوحد البشر مع البيوت فى لوحتها التى تضم ثلاثة شخوص ، ما بين الوجوه الجانبية ، والوجه الأمامى ، مع بوابة عتيقة رمزا للبيت .
- لقد اختزلت الفنانة عالمها ولغتها التشكيلية ولكن باحت أيضا بدنيا تشخيصية .. تموج بالناس فى بلادى .. والبحر والوادى .. وتشرق بالبيوت ذات الفتحات ، والتى تطل بعيون شاخصة .
- وفى لوحة جاذبية ` الأم وأطفالها ` تلخص الفنانة بكثافة تعبيرية ، امرأة بطول اللوحة ، وفى أماميتها أربعة أطفال ، مع مساحة من الأحمر النارى ، وتعد تعبيرا رمزيا عن الأم أو الوطن والأبناء.
- وجاذبية سرى حصلت على دراسات عليا مع مارسيل جرومير فى باريس ، ودراسات أخرى بروما وكلية سلين بجامعة لندن .
- كما حصلت على جائزة روما ، والجائزة الشرفية لبينالى فينيسيا ، والجائزة الأولى من بينالى الإسكندرية ، والجائزة الكبرى الرابعة للفن العالمى بموناكو 1998 ، وأخيرا جائزة الدولة التقديرية عام 2000 .
تحية إلى لمسة توهجت بسحر الإبداع ، بعمق ستين عاما من الفن الجميل .
بقلم : صلاح بيصار
مجلة الخيال ( العدد العشرون ) نوفمبر 2011
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث