|
جيهان فايز عبد العزيز محمود
`جيهان فايز` بيئات ميثولوجية تدشن الأثر
- لم ترتكل `جيهان فايز` لتنظيمات شعرية معتادة لحكاءة بصرية، بل ولجت لتخصيب جدر المحلية والهوية بخيال، تدونه حالمة لامتلاك وجدانية المتلقي لأثيرية وميثولوجي عوالم خاصة، وتدشين التجاوب التفاعلي مع العمل ورسائله المفاهيمية، لتدشين الأثر والملمح الخاص فى نفس وروح الفنانة، وينعكس على تكويناتها الفكرية، عبر ذلك البوح الوجدانى والعاطفى لما تثيره الحالات الذهنية للأشياء فى الفنانة، للنحو عن التفكير الأرسطى والمحاكاة الأفلاطونية، لشخذ الإحساس بالتوهج والصيرورة والتعبيرية المصطبغة بشاعرية هامسة عاطفية تدعمها جرأة تدفق اللون ومخططاته الفكرية، وعلاقاته وقيمه الظلية والملمسية، لتتوارى الموجزات الشكلانية والهيئات وتكثيف لغة التباينات والنورانية والضياء اللوني والخيال الأسطوري الجاذب لحواس المتلقي، لتسطير نبض وشاعرية مستقاة من المحيط والاستغراق بهدوء فى مسائل (ماورائية-غامضة).
- لتنبرى عوالم `جيهان فايز` الفنية الساحرة ذات العمق والمستوي الدلالي، التي تنحو عن الظاهر الشكلاني، لصالح معالجات من فنانة تمتلك أدواتها، ونتاج فاعل وحصيلة للتأمل المتعمق للمحيط الزماني والجغرافي والسيسيولوجى، وما تكتنزه من أنساق دفينة من المرئيات، وما تراكم فى مخيلتها عن طبيعتها ومرئياتها، لتعزيز الفعل الإبداعى، وتعضيد فكرة العمل ورمزيته، لتتسم أعمالها ببيئة ميثولوجية تسكن فيها كتل شاعرية نابضة بدرجات لونية حالمة، في دينامية إيقاعية داخل نسيج، يخصب أجواءه طقس يدعم قوى الترابط والتجاذب، لتتحول داخل هذا النسق الإدراكى لمفهوم يتفاعل ويتوحد مع التنظيم الفراغي المستحدث، وتصدير خطابات بصرية كتمثيل فاعل حيوى ومعادل للحقيقة التى تطرحها مخيلة الفنانة، دون الغلاف الظاهرى فى الواقع البصرى المحسوس.
بقلم : د./ حسان صبحى حسان
جريدة : الرياض 26-4- 2024
تجليات الصوفية فى معرض `تكايا`
- `لا تجبروا أحداً على اعتناق أرواحكم، فالحب مثل الدين لا إكراه فيه`.. جلال الدين الرومى
- `لم تكن (التكايا) مليئة برائحة الطعام فقط، ولم تكن تهدف إلى إسكات أصوات البطون وإيواء الأجساد الباردة. بل كانت مليئة بالأحداث والأصوات والصور والروائح والأحاديث والرؤى، وعنواناً للتجليات الصوفية ومركزا لتطوير الفكر والموسيقى والشعر، وأحد مراكز الترقى الروحى والعبادة الخالصة، وإيقاعات الأجساد النحيلة المتمايلة على أصوات حفيف الأقدام وهمهمات العارفين وتضرعات الخائفين الآملين، فالتكايا كالمرايا عكست على صفحاتها الكثير من(متون) تاريخنا فكانت المأوى للعارفين والصالحين`.
- هذا ما سطرته الفنانة الدكتورة جيهان فايز فى افتتاحية كتالوج معرضها، واستطاعت أن تخلق من `التكايا` عالماً معاصراً موازياً للعالم القديم، بمفرداتها وعناصرها الخاصة بها من تركيبات لونية شديدة الثراء، مع تنوع ملامس وزخارف منحت طاقة لا متناهية فى أشكال وعناصر أعمالها الفنية، يستشعرها المتلقى فى رحاب معرضها.
- تقول الدكتورة جيهان فايز للأهرام: `أطلقت على معرضى السابق اسم `متون`، ومن المعروف أن المتون هى النصوص الكتابية الموجودة على الأهرامات، فقلت ولم لا تكون المتون نصوصا تشكيلية وليست كتابية فقط، نص تشكيلى له عناصره من خط ولون وتصميم وتكوين وعلاقة عنصر بآخر، فأصبح لى `متونى` الخاصة أو نصوصى التشكيلية، لتكن المتون أشبه بعنوان ديوان تندرج تحته قصائد بعناوينها، وبدأت بـ(التكايا) جمع التكية`.
- وكانت `التكية` قديما مكانا يسكنه الدراويش من أتباع الطرق الصوفية للتعبد، وأيضا مأوى وملجأ للأغراب والفقراء، وسميت بالتكية، لأن أهلها متكئون أى معتمدون فى أرزاقهم على مرتباتهم فى التكية، وكان سلاطين العثمانيين وأمراء المماليك وكبار المصريين ينفقون على تلك المبانى وعلى سكانها، وتطورت التكايا حتى أصبحت دورا للثقافة فكانت مجلساً للصوفى الأعظم جلال الدين الرومى.
- وتشير دكتور جيهان إلى أنها قررت فى `تكايا.. المتون 2` دمج الطبيعة الصامتة التى تعشقها كموضوع، مع التكايا الخاصة بها، فأصبحت كل لوحة `تكية` بعناصرها، وتتفاعل الطبيعة الصامتة مع العنصر الآدمى (المرأة) الموجودة كعنصر بطل مع طاولة الطعام والمقاعد والفاكهة وأوانى الزهور.
- ولأن تخصصها الفنى فى كلية الفنون الجميلة قسم تصوير جدارى، وتعشق الكهوف برسومها وملامسها، فنستطيع بسهولة الإحساس بوجود الجدران فى اللوحة وتكاد من دقة تجسيد ملمسها، وكأن المرء داخل معبد أو كهف قديم. وذلك رغم قوة وحداثة الألوان الساخنة والباردة التى تميز أعمالها، فأعادت صياغة الواقع واختزاله بأسلوبها التعبيرى التجريدى.
- تهتم الفنانة جيهان فايز بالبحث والتجريب كونها فنانة أكاديمية وأستاذة جامعية، فذلك يتيح الفرصة لابتكار حلول ورؤى فنية جديدة، من ثم إيجاد صياغات تشكيلية مبتكرة. وعلى مدى أعوام، وبعد أن نجحت الفنانة سابقا فى استخدام الخزف والأسمنت فى أعمال فنية، بات هدفها الوصول بخامة تصويرية.
- إلى نفس النتيجة. كما سعت إلى تحويل الورق وتطويعه لخامة جدارية صلبة تتحمل العوامل الداخلية للوحة، حتى وصلت لتقنية تحقق الصلابة المطلوبة، واستخدمت الفنانة فى هذا المعرض وسائط متعددة وخامات مختلفة من خلال حوالى 30 عملا فنيا.
- والفنانة جيهان فايز، أستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا، وعضو نقابة الفنون التشكيلية بالقاهرة، شاركت فى العديد من الملتقيات وورش العمل الفنية داخل مصر وخارجها. ولها مقتنيات لدى العديد من الأفراد والجهات فى مصر والعالم.
- يستمر معرض `تكايا.. متون 2` فى استقبال زواره بقاعة `النيل` فى الزمالك حتى 20 ديسمبر الحالى.
بقلم :أمانى زهران
جريدة : الأهرام 12-12-2022
` لومينـاريـا` انطـولـوجيـا الخـط واللـون فـى تجربـة.... جيهـان فايـز
- فى معرض `لوميناريا` للفنانة التشكيلية `جيهان فايز` بجاليري بيكاسو بالزمالك، يتحول الضوء إلى كيان حى يكشف المادة ويعيد تشكيلها، ليس الضوء هنا مجرد أداة للرؤية، بل قوة تخلق ولادة الأشياء في اللحظة نفسها التى يُنظر إليها، وكأنه وعي ينبثق من داخل اللوحة، من بين خطوطها وألوانها، ليحول الظهور إلى `حدث فلسفى`، الخط الأبيض الذي ينساب على السطح لا يعمل كحدود جامدة، بل كنبض بصري، كأن الضوء نفسه يرسم مسارًا للكائنات، ويفتح الفضاء أمامها لتتنفس الحرية والوجود في آن واحد. التجربة التشكيلية لدى جيهان فايز تتجاوز الرؤية السطحية، الألوان ليست مجرد خلفية، بل طبقات زمنية تتراكب لتكشف عن لحظة عابرة بين `الوجود والوعي`، الأزرق العميق يوسع الفضاء ويضبط النفس، الأحمر يذكّر بثقل الحياة وشرايينها المتدفقة، والخط الأبيض ينير ويقود، كأنه لغة غير منطوقة تحاكى العقل والروح معًا.
- في لوميناريا، الضوء هو `الفعل والمفهوم` معًا، يخلق الكائن، يمنحه موقعه في اللوحة، ويكشف عن حدود المادة، ليحول كل لحظة مشاهدة إلى احتفال بالظهور، كل طائر، كل شكل، كل انكسار في اللون، يذكّرنا بأن الوجود لا يُكتشف إلا حين يُضاء من الداخل، وأن الخط والضوء ليسا مجرد أدوات تشكيلية، بل مفاهيم فلسفية تصنع تجربة `فكرية وعاطفية` متكاملة، تجعل المشاهد شريكاً في ميلاد المعنى.
- في اعمالها، يتحول الخط من أداة تشكيلية تقليدية إلى وسيط ضوئي يخلق المعنى ويشكل الوعي، لم يعد الخط مجرد حد يفصل بين الألوان أو يحدد الأشكال، بل صار قوة تضيء المساحات وتفتحها على الحركة والتفاعل، كأنه لغة غير مرئية تُقرأ بالعين والروح معًا، كل منحنى، كل تقطع في الخط الأبيض، يبدو وكأنه يقود الضوء نفسه ليكشف عن الكائنات المختبئة بين الطبقات اللونية، فتظهر الطيور كرموز للحرية والعبور، وكأنها تحلق في فضاء يتجاوز حدود اللوحة نفسها.
- في كل لوحة، يقدم الخط دعوة للتأمل، كيف يمكن لحركة بسيطة أن تعيد تعريف حدود الشكل؟ كيف يمكن لتقاطع خطوط أن يتحول إلى لحظة رؤية جديدة؟ الطيور العابرة، والانكسارات الخفيفة في اللون، والتوازي بين الخطوط، كلها تخلق حوارًا بين المشاهد والعمل الفني، حيث لا يكون الفهم فوريًا، بل عملية اكتشاف مستمر.
- الميكس ميديا في أعمال فايز لا يضيف تنوعًا بصريًا فحسب، بل يبني `حوارًا` بين المادة والوعي، الطبقات المتراكمة تمنح اللوحة إحساسًا بالعمق الزمني، كأن كل لون هو لحظة متراكمة من الوجود، وكل تقاطع أو انكسار فيها يمثل تصادم أو التقاء بين التجربة الإنسانية المختلفة، هنا، لا يكون اللون مجرد خيار جمالي، بل أداة فلسفية تكشف عن تداخلات الوعي، عن الصراع والانسجام بين ما يُرى وما يُحس، بين الخارج والداخل، بين المشهد والمشاهدة.
- التكوين في اللوحة، بترتيب الخطوط والألوان، يعكس إيقاعًا داخليًا يشبه `التنفس`، توازن بين الفضاءات المفتوحة والمغلقة، بين الحضور والغياب، بين الصلابة والمرونة، كل عنصر يشكل جزءًا من الكل، وكل لون يساهم في إنشاء نسق معرفي وفلسفي، يجعل المشاهد يدرك أن الوجود لا يمكن فهمه من طبقة واحدة، بل من خلال تجميع الطبقات، قراءة الانكسارات، وتفحص التداخلات بين الخط واللون والفراغ.
- تتكشف الأشكال شبه الممحوة أو العابرة كعنصر مركزي يعيد تشكيل تجربة المشاهدة، ويفتح بعدًا فلسفيًا جديدًا عن العلاقة بين الذات والآخر، هذه الكائنات غير المكتملة، التي قد تظهر كظلال أو بصمات ضوئية، ليست مجرد تفاصيل جمالية، بل دعوات للتأمل في وجود الغائب والمغيب، فهي تشير إلى الحضور الذي لا يُرى بالكامل، إلى الكائنات التي تتداخل مع الخط واللون لتخلق إحساسًا بوجود متعدد الطبقات، حيث لا يكتمل أي كائن بمعزل عن الآخر، ولا يصبح المعنى ممكناً خارج الفضاء الذي يربطهم جميعاً.
- الآخر في هذه اللوحات يمثل `الذاكرة والحضور الخفي` في الوقت نفسه، الرموز حالات انتقالية بين الوعي والمشاهدة، هي تشير إلى تلك اللحظات التي يحاول المشاهد الإمساك بها، لكنها تفلت، مما يعكس طبيعة الوجود الذي لا يمكن حصره في شكل واحد أو لون واحد، بهذا المعنى، تصبح اللوحة مساحة للتفاعل بين الكائنات والوعي، حيث يُعاد تشكيل الذات باستمرار عبر التعاطي مع الغائب والمتحرك، مع ما يلمس الحواس دون أن يُثبت بالكامل أمام العين.
- وهنا، يُطرح سؤال فلسفي جوهري... كيف نعرف الآخر؟ وكيف تتشكل الذات في مقابل الغائب؟ تقدم أعمال فايز تفسيرًا بصريًا لهذا السؤال، إذ تجعل الحضور الجزئي والمختفي عنصرًا معرفيًا، يخلق إحساسًا بـ`الانتظار والمراقبة`، حيث يُحس المشاهد بوجود ما يتجاوز حدود اللوحة، لكنه يظل متصلًا بها عبر الضوء والخط واللون، كل تقطع، كل انكسار في الأشكال العابرة، يشير إلى أن وجود الآخر ليس دائمًا مرئيًا بالكامل، لكنه `حاضر` في التجربة البصرية والمعرفية، يشارك في تشكيل معنى العمل وتفاعل المشاهد معه.
- كما يوسع هذا `البعد المفاهيمي` تجربة المعرض بأكملها، حيث تتحول اللوحات إلى فضاءات حوارية بين الوجود والغياب، بين الذات والآخر، لا تقتصر القراءة على رؤية الجسد أو اللون، بل تشمل `استدعاء الإحساس` بالمسافة والوجود الغائب، وتقدير أثر ما لا يُرى على التجربة الكلية للوحة، بذلك، تصبح كل مشاهدة تجربة تواصل حي، تتيح للمشاهد إدراك الترابط بين الكائنات، والإحساس بتأثير الغائب في تكوين المعنى.
- بين حضور الآخر واشتغال الزمن، تفتح أعمال جيهان فايز زاوية قراءة مختلفة تقوم على الحركة بوصفها شرطًا للرؤية، اللوحة هنا لا تُستقبل من نقطة ثابتة، ولا تُقرأ دفعة واحدة، بل تُفرض على المشاهد كمسار بصري متدرّج، يتطلب انتقال العين بين الطبقات والخطوط والفراغات، التكوين لا يمنح مركزًا واحدًا للانتباه، بل يوزّع الرؤية، ويجعل المشاهد في حالة تنقّل دائم داخل سطح العمل.
- فى معرض `لوميناريا`، تظهر `الشقوق والتمزقات` في المادة كعنصر أساسي لفهم `البُعد الوجودي` للوحة، هذه الانكسارات ليست مجرد علامات بصرية، بل طبقات من الزمن والوجود تنقش على سطح العمل بصمت، لتعلن عن مسار التجربة الإنسانية، عن لحظات التغير والتحول التي تشكل كيان الكائنات داخل اللوحة، كل شق وكل فجوة يفتحان نافذة لفهم العلاقة بين الشكل والفراغ.
- هذا الإحساس بالحركة لا ينتج عن الموضوع وحده، بل عن طريقة بناء اللوحة نفسها، الخطوط البيضاء، بتقطّعاتها وتوازيها، تقود العين دون أن تقيّدها، وتخلق إيقاعًا بصريًا يجعل النظر فعلًا زمنيًا، لا لحظة جامدة، اللون، بدوره، لا يُقدَّم كمساحة مغلقة، بل كامتداد يسمح بالمرور، وكأن العين تعبر داخل اللون بدل أن تقف عنده، هنا تتحول اللوحة إلى حيّز عبور، لا إلى صورة مكتملة تُستهلك بسرعة.
- ويمكن مقاربة تجربة لوميناريا من خلال مفهوم `الحدّ` كما طوره الفيلسوف `مارتن هايدغر`، حين رأى أن الحد ليس نهاية الشيء، بل الموضع الذي يبدأ فيه حضوره، بهذا المعنى، لا تعمل الخطوط في أعمال جيهان فايز كفواصل، بل كمناطق بدء، حيث يتكون الشكل في علاقته بما يجاوره، لا في انعزاله عنه، اللوحة لا تُغلق معناها، بل تتركه معلقًا عند العتبة، في مساحة بين الداخل والخارج، بين المرئي وما لم يكتمل ظهوره بعد.
- انطلاقًا من هذا التصور، تصبح تجربة المشاهدة عبورًا بين حالات إدراك متعددة، لا بحثًا عن تفسير واحد، المعنى لا يُمنح، بل يُقارب، ويتشكل عبر الوقوف عند الحد، لا تجاوزه، هكذا يقدّم المعرض تصورًا للفن بوصفه ممارسة تفكير في شروط الظهور نفسها، وفي الكيفية التي يصبح بها العالم قابلًا للرؤية، لا كصورة ثابتة، بل كحالة دائمة التشكل.
- وفى النهاية، تذكّرنا هذه التجربة بأن ما نراه في الفن لا ينفصل عمّا نعيشه في الحياة، فنحن لا نلتقي بالأشياء مكتملة، ولا نفهمها من النظرة الأولى، كل علاقة، كل فكرة، كل لحظة صدق، تحتاج إلى زمن كي تظهر، وإلى انتباه كي تُفهم، هكذا نتعلم أن التمهل ليس ضعفاً، وأن عدم الاكتمال ليس نقصاً، بل شرطًا للفهم والنمو، ربما لا يمنحنا الفن إجابات واضحة، لكنه يعلمنا كيف نطرح الأسئلة بهدوء، وكيف نترك المعنى يتشكل دون استعجال، تماماً كما نفعل حين نحاول أن نفهم أنفسنا والعالم من حولنا.
بقلم: إيستر فادى
جريدة: القاهرة 6-1- 2026
تحية إلى الفنانة الرائعة جيهان فايز
- تستعرض الفنانة جيهان فايز في معرضها الجديد (لوميناريا) في جاليري بيكاسو مجموعة فنية تجمع بين الجمال الملكي والأساطير الشرقية. معرض حمل عنوانًا غامضًا يثير الفضول ويعكس عمق الفكرة التي تتسلل عبر اللوحات كالأسرار القديمة. جيهان، التي تعود بأسلوبها الفريد إلى عالم الضوء والظلال، تنقل الزائر إلى عالم من الحكايات الخيالية التي تأخذك بعيدًا عن الواقع.
- ` نساء جيهان فايز` هن جزء من عالم مختلف، حيث تندمج الأحلام مع الواقع، وتحمل كل لوحة منها قصة تتحدث عن الرغبة في الحياة، عن الحلم، وعن الانتظار في عالم مليء بالعواطف الملكية. تتسم لوحاتها بأسلوب فني فريد يجمع بين الأبعاد المختلفة بين الواضح والمخفي، بين الحلم والواقع.
- تتميز لوحات جيهان بأنها ليست مجرد أعمال فنية، بل هي دعوات للتفكير والتأمل، حيث كل لوحة تحمل رسائل عميقة غير مباشرة. قد تجد نفسك في لحظة تأملية طويلة أمام أحد أعمالها، محاولا فهم تفاصيل اللوحة التي لن تعطيك نفسها في الزيارة الأولى. وهذا ما يجعل المعرض في بيكاسو تجربة فنية لا يمكن أن تُختصر في لحظة واحدة.
- ان المعرض (لوميناريا) يبعث على التفكير العميق والتساؤل عن الرموز التي تختفي بين سطور اللوحات. جيهان فايز، عبر اختياراتها اللونية والتكوينات المبتكرة، تقدم للزوار رحلة إلى عالم من الجمال الملكي الذي يمتزج بالحزن العميق والمحبة الشديدة للحياة.ايضا هناك طائر صغير يعرف كل الاسرار والحكايات سوف يصحبك فى القاعة وداخل اللوحات وسوف يدعوك لتقترب لتعرف وتسمع... وعندما تنتهى من زيارة المعرض سوف يختبأ بقلبك لترى المعرض كلما ضاقت بك الدنيا... سوف تعود للبراح وطاقة الحلم التى صنعتها جيهان الفنانة.
بقلم : سمير عبد الغنى
جريدة : من صفحات التواصل الاجتماعى (الفيسبوك) 30-12-2025
جيهان فايز تعيد تعريف الضوء فى ` لوميناريا`
- الضوء في اللوحة ليس مجرد ما نراه، بل هو روح الأشياء ونبضها، يكشف عن الشكل ويمنحه الحياة، يصنع المزاج ويحوّل المساحات إلى عوالم متحركة تتنفس. إنه العنصر الذى يضىء المسارات الداخلية للون والخط، ويحوّل كل تفاصيل اللوحة إلى اكتشاف جديد، حيث يصبح النظر رحلة بين الظلال والإشراق، بين الملموس والخيال.
- فقد قال الفنان الفرنسى كلود مونيه: `الضوء هو جوهر كل لوحة، هو الذى يعطى الحياة للألوان ويجعل الأشياء تتنفس`، وقال البلجيكى رينيه ماجريت: `الضوء ليس فقط ما نراه، بل ما يمنح الأشياء معنى`.
- فى معرضها `لوميناريا`، المقام حاليًا بجاليرى بيكاسو بالزمالك، تدعو جيهان فايز المتلقى إلى تأمل الضوء وهو يولد من داخل اللوحة، لا من خارجها. هنا لا يكون الخط مجرد حدٍّ للشكل، بل مسارًا للضوء ووسيلة لإظهار الكائنات ومنحها حضورها البصرى، ومن خلال أعمال منفذة بـالوسائط المتعددة- ألوان أكريلك، وورق، وخامات أخرى تنسج الفنانة عالَمًا تشكيليًا يتجاور فيه الوعى الأكاديمى مع حس المغامرة، ليصبح الاكتشاف فعلًا بصريًا متجددًا.
- الواقع والتجريد
- عند تأمل لوحات جيهان فايز، يلفت الانتباه اعتمادها على تأثيرات لونية تقترب فى روحها من شفافية الألوان المائية، رغم تنوع الوسائط المستخدمة، فالألوان تنبض بالإحساس وتتحرك داخل فضاءات حالمة، تسبح بين الواقع والتجريد، بما يمنح العمل طابعًا تأمليًا واضحًا.
- وتأتى الموديلات فى هذه الأعمال غير محددة المعالم رغم وضوحها، كأنها فى حالة تشكّل دائم بين الظهور والاختفاء، وهو ما يعمّق الإحساس بالحلم ويُبعد اللوحات عن المباشرة السردية.. هذا الغموض المقصود يفتح المجال لإعادة القراءة والتأويل، ويؤكد قدرة الفنانة على توظيف الحس الأكاديمى فى خدمة مغامرة تشكيلية واعية، تقوم على الاكتشاف وإعادة الرؤية.
- عالم الأحلام
- فى أعمال جيهان يصبح الضوء والخط لغة تشكيلية متكاملة، لا مجرد أدوات للرسم، بل قوى حية تمنح اللوحة نبضًا، فالخط فى تجربتها لا يكتفى بتحديد الأشكال وحدودها، بل ينبثق منه الضوء الذى يضىء المساحات ويعيد ترتيب الكتل والفراغات، في حين يتحول الضوء نفسه إلى عنصر بنائى ينبض داخل اللوحة، يعانق اللون ويتفاعل معه فى انسجام تام، وبينما تتلاشى الملامح الدقيقة لموديلاتها، ويطفو على السطح إحساس أشبه بعالم الأحلام، يجد المتلقى نفسه فى رحلة تأملية فريدة، حيث يسبح البصر بين تدرجات اللون وحيوية الخط، ويكتشف تفاصيل كانت مخفية، ويعيد النظر فى العلاقة بين الضوء واللون والعنصر البصرى ككل، وهكذا تتحول كل لوحة إلى فضاء ينبض بالحياة والإحساس، تجربة تتجاوز الرؤية السطحية لتصبح حوارًا بصريًا مع المشاهد.
- الحس الأكاديمى
- تعمل جيهان فايز أستاذًا بقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة - جامعة المنيا، التى تخرجت فيها عام 1991. وتمتلك رصيدًا غنيًا من المعارض الفردية والجماعية، التى تعكس قدرتها على نقل الأحاسيس وتجسيدها بصريًا، بما يجعل تجربتها الفنية مزيجًا متفردًا من الحس الأكاديمى والمغامرة التشكيلية.
- فعلى سبيل المثال، تبرز إحدى لوحات جيهان فايز التى تجسد تكوينًا رومانسياً واضحًا، حيث تجلس فتاتان فى تشكيل أقرب إلى الكتل النحتية القوية، مما يعكس شغف الفنانة وتأثرها بالأعمال الجدارية. أمامهما عدة طيور متنوعة الحركة واللون فى مشهد حالم، تنبض فيه اللوحة بالحياة رغم التأثيرات اللونية الساخنة التى تضفى دفئًا وإشراقًا على المشهد. هنا يتجلى دور الخط والضوء، فكل خط يبدو كأنه يولد الضوء من داخله، يكشف عن التفاصيل ويعيد ترتيب المساحات والفراغات، بينما يتحرك اللون بتناغم مع هذه الطاقة الضوئية، ليخلق تجربة بصرية تأخذ المتلقى فى رحلة اكتشاف مستمرة بين الشكل والحركة والضوء، وتجسد رؤية الفنانة التى ترى فى الخط والضوء وسيلتين لإضاءة العالم الداخلى للوحة.
- وللوحات أخرى حكاية مختلفة، مثل لوحة تعكس حوارًا حركيًا بين ثلاثة فتيات، يذكرنا بتكوين العازفات الثلاث الشهيرة فى الفن المصرى القديم، حيث تتجسد الحركة والإيقاع في خطوط متناسقة وألوان متجانسة، تتفاعل فيها الأشكال لتخلق إيقاعًا بصريًا حركيًا، والضوء هنا يعمل كوسيط لإبراز الأجسام وتفاصيلها، بينما يمنح الخط كل شخصية حضورها الخاص، فتبدو اللوحة كأنها تعيد قراءة المشهد القديم بروح حديثة مليئة بالحس والحركة.
بقلم : د./ طارق عبد العزبز
جريدة: الاخبار 5-1-2026
ثنائية الخط واللون فى أعمال الفنانة التشكيلية الدكتورة جيهان فايز
- ثمة مسؤولية تاريخية تقع على عاتق المشتغلين بمختلف الصنوف الابداعية. ومنها الفن تلك التي تتعلق بكون الفنان ذي ارث تاريخي وحضاري عظيم، والمسألة لا تتعلق بمحاكاة ذلك الارث او انتاج ابداع فني يوازيه او بعملية استلهامه فنيا واسقاطه على واقعه المعاش مع ان الاخير ليس خللا بالطبع، بل بمحاولة انتاج فن يقترب ولو بقدر معين من القيم الفنية والتاريخية التي تمتع بها ذلك الارث، وهذا القول يتغلق بالفن المصري بشقيه الحديث والمعاصر وقد تمكن الفنان التشكيلي المصري من القيام بانجازات فنية كبيرة منذ البواكير الاولى لرواد الفن وحتى وقتنا الحالي عبر تجارب فنية اثبتت وجودها وتركت بصمتها في تجارب حداثية عرفت بهذا الفن على المستويات المحلية والعربية والعالمية بمختلف صنوف الفن التشكيلي من رسم ونحت وخزف وعمارة، وليس بمقدورنا ذكر الاسماء التي اسهمت بذلك لانها كثيرة وكثيرة جدا، لان ما نكتبه الان يتعلق بتجربة فنية معاصرة اثبتت وجودها على تلك الاصعدة المذكورة وما كتبناه لا يعدو سوى مدخلا لابد منه للكتابة عن التجربة.
- في رحلة فنية طويلة نسبيا مسلحة بخبرات اكاديمية، وعبر مجموعة كبيرة من المعارض الشخصية، وما يماثلها من المشاركات في المعارض الجماعية، وكذلك في السومبوزيومات والبيناليات والملتقيات الدولية التي اقيمت في اماكن وبلدان مختلفة اكدت الفنانة جيهان فايز حضورها النوعي الفاعل في الاوساط التشكيلية المحلية والعربية والعالمية، نذكر منها معرضا للخزف في العام 2007، ومشروعا لجدارية اسمنت في العام 2008، ومعرضا للجداريات بجماليات الخط الهندسي والعضوي في العام 2010، ومعرض تعويذة مصرية نفذ بمواد مختلفة (Mixed media) في العام 2013، ومعرض متون بجاليري النيل في العام 2020، ومعرض (تكايا - متون 2) بكاليري النيل في العام 2022، وعلى صعيد المعارض الجماعية كانت لها مشاركات كثيرة كما اشرنا من قبل نذكر منها (المعرض التشكيلي لافتتاح مكتبة طلعت حرب في العام 1996 وبينالي القاهرة الدولي الخامس للخزف في العام ،2000 ومعرض (احتفالية المرأة المصرية) في قصر ثقافة 6 أكتوبر في العام 2007، ومعرض افتتاح قاعة فن جوج في العام 2010 ومعرض أكاديمي بقاعة فن جوج في العام 2012 ومعرض صحبة فن بكاليري وورلد أوف أرت في العام 2013 ومعرض جماعي بالجريك كامبس في العام 2014 ومعرض صالون أجيال الدولي الأول في العام 2015. وملتقى البرلس الدولي الثالث للرسم على الحوائط والمراكب في العام 2016 وسيمبوزيوم الأقصر الدولي للتصوير في العامين 2016 و 2017 ومعرض اللقيا بالجنوب في العام 2017 وكذلك معرض المرأة العالمي في ذات العام وملتقى البرلس الدولي الرابع للرسم على الحوائط والمراكب في العام 2017 وسيمبوزيوم مدينتي في العام 2017، ومعرضين جماعيين بكاليري ضي العامين 2017 و2018 وفعالية Atelyhe Scape ضمن فعاليات المهرجان الثاني عشر للزهور والحدائق بمدينة ينبع الصناعية بالمملكة العربية السعودية في العام 2018 وسيمبوزيوم Takhman الدولي للفنون البصرية بالهند في العام 2018 ومعرض مانيفستو Manifesto بكاليري بيكاسو في العام 2019) والكثير من المعارض والملتقيات التي لا يسعنا ذكرها في هذا المقام، ولعل الملاحظة المهمة التي نستقيها من كل ما تقدم ذكره، هو نشاطها الدؤوب واتساع وتنوع رقعة مشاركاتها، من الخزف الى فن الجداريات الى فن الشوارع (graffiti) والرسم بمختلف تقنياته، اضافة لتدريسها لمادة الرسم بحامعة المنيا التي تدرحت فيها وصولها الى كرسي الاستاذية وترؤسها لقسم الرسم في ذات الجامعة عبر اصرارها على العمل من خلال ثنائية التعلم والتعليم.
- ربما يتصور البعض ان عملية التصدي لصناعة الجمال هي من العمليات السهلة نوعا ما وهذا ما يشكل قصورا في تجارهم المبثوثة للتلقي، ولكن قي الجهة الاخرى ثمة من يعمل جاهدا في ما يشبه الحفر في الصخور من اجل تمييز عمله الفني في صناعة جمال حقيقي ينتمي لمرحعياته الفنية التي تتطابق مع مرجعيات الفن الذي ينتمي اليه تاريخيا، والذي صنعته اجيال انتمت لارثها الحضاري العظيم، من هنا فان المحاولات التي اشرنا اليها ضمنا سيكون طابعها التميز كنيجة لجهدها الذي وصفناه بالحفر بالصخر كمثال تقريبي ليس الا، ومع علم الجميع بان الفن التشكيلي هو مشروع فردي/ لكنه يتفاعل مع ما حوله من المشاريع في حركة التشكيل العام التي ينتمي اليها تأريخيا وجغرافيا/ وعليه فان الفنان سيجد من اجل ترك اثره في التاريخ العام للحركة التشكيلية عبر ترك بصمته الاسلوبية من خلال المسار الذي سينتهجه في تلك التجربة، ولعل المسار هنا ستحدده جملة من المعطيات الجمالية وقدراته الادائية وفهمه للجمال قبل كل شيء، ومن ثمة مجموعة الرؤي الفنية والفكرية التي سيستند عليها في صناعة الجمال الفني، وبحسب الفرنسي غوستاف كوربيه فان:
- إن الجمال، مثل الحقيقة ،نسبي للزمن الذي يعيش فيه الإنسان، وللفرد القادر على إدراكه. ويكون التعبير عن الجمال متناسبًا طرديًا مع قوة التصوّر التي اكتسبها الفنان.
- ومن هذا القول فان ادراك الفنان لنسبية الجمال سيجعله يبحث عن الكمال الفني عبر سلسلة لا تنقطع من التجارب الفنية المتواصلة في سبيل ذلك، تلك السلسلة التي اطلقنا عليها مفردة التوافق مع التجارب المحيطة بالفنان والتي تشاركه ذات المسعى، ولعل ما تقدم من القول ينبطق كليا على التحربة الاخيرة للفنانة التشكيلية الدكتورة جيهان فايز عبد العزيز استاذة الفن ورئيس قسم التصوير بجامعة المنيا بجمهورية مصر العربية.
- ثمة مشتركات كثيرة بين الشعر واللون على اعتبار انهما ينبعان من نقطة تنتمي الى اعماق سحيقة في النفس البشرية للمبدع، ومهما حاولنا فهم الدوافع التي تساهم بهما يبقى فهمنا قاصرا لها، غير ان ما يهمنا الان هو الاساس المشترك بينهما هو قدرة الفنان في تحويل اللوني الى شعري وبالعكس، فنحن وفي التجربة سياق التأويل نستطيع تلمس الكثير من الشعري عبر الالوان التي وضعت على السطوح التصويرية بدراية وقدرات ادائية، وذلك لا يمكن ان نحيله باتجاه الصدفة، بل من خلال دربة اتت من خلال تجريب متواصل امتد لسنوات طويلة وتجارب عديدة طرحت للتلقي، وحازت على الكثير من التفاعل والثناء واشارات الاعجاب التي تستحقها كما هو معروف.
- يستطيع المتتبع لتحربة الفنانة جيهان فايز ملاحظة ان تجربتها الاخيرة بما تشير اليه من تطور كبير في تجاربها الفنية هي تجربة تعد امتدادا طبيعيا لتحاربها السابقة، وهي ليست مقطوعة الصلة معها اطلاقا فمن اعمالها الخزفية التي تستلهم روح الفيسفساء في الجداريات والاعمال الاخرى الصغيرة نسبيا، الى الاعمال التي يمكن ادراجها ضمن المسار التجريدي او التجريدي التعبيري، وصولا الى الاعمال التعبيرية ذات التشخيصات الواسعة، حتى الاعمال التي يمكن ادراجها تحت مسمى الواقعية الشيئية كمسار فني والتي استلهمت فيها روح المعمار شكليا، وصولا الى التحربة مدار البحث والتاويل، وهي في جميع التجارب المذكورة ركزت بشكل رئيسي على الانشاء التصويري بشكل دقيق، وعلى الخطوط والالوان، ربما بتاثير تخصصها بالفن الجداري وكذلك فن الخزف الذي جعلها تستعير روحية الخزف في تعاملها مع اللون باعتباره مهيمنا على السطوح ومفسرا لها بذات اللحظة لمشاعرها والروح الشعرية التي تبثها اثناء عملية الخلق الفني وتلك ليست من المهام السهلة بحق.
- جيهان التي عملت على مختلف التقنيات في الفنون التشكيلية، مهد امامها الطريق وجعل تعاملها مع السطوح التصويرية يمتاز بالسهولة، واقول السهولة وليس الاستسهال، وهو مايتضح عبر تعاملها مع السطوح بذات القدرات الادائية، فهي لا تخشي السطوح مهما كانت حجومها، لتتعامل معها سواء اكانت حجومها كبيرة ام صغيرة لان الامر لديها سيان وتلك مسألة تحسب لها، ولعل مرد ذلك نابعا من دراستها لفن الجداريات. الذي زودها بخبرات فنية تنفيذية اضافية، وليس هذا فحسب بل ان عملها في مجال الخزف ترك تاثيره واضحا على اعمال الرسم التي تبثها ومنها معرضها القائم الآن الذي يبدو فيه التاثير واضحا جدا من خلال اللونز الذي يبدو وكانه مصقولا ولامعا بما يحاكي اللون في الاعمال الخزفية.
- وجيهان التي اكدت قدراتها اللونية في التجاورات التي تبرز فيها الالوان الحارة مع الباردة في توليفة انسيابية مدهشة، والتي تترك تاثيرها المباشر بالمتلقي قبل الدخول في التفاصيل الصغيرة والدقيقة التي تكون السطوح التصويرية، بل وتدعوه للتأمل منذ النظرة الاولى عبر عملية شده باتجاهها، كما انها تستخدم الخطوط بطريقة مختلفة ولافتة ، فالخطوط تدخل بشكل واضح ومباشر في بنية السطوح العامة بوضوح لتتحول الى محددات للالوان والمشخصات والتكوينات وبذلك فان الخط يمارس تاثيره المباشر مثله مثل الالوان والتكوينات وتلك ميزة متفردة واضاقية للاعمال، وثمة مفردات عديدة محملة برمزيات قصدية تبثها على السطوح ، تلك الرمزيات التي تحملها هواجسها ورؤاها على الصعيدين الفكري والفني، ومن اهم تلك المفردات هي ثنائية المراة والطائر، وحضور الطائر لا ياتي من باب كونه حضورا شكليا او تزويقيا بل هو حضور يرمز الى الحرية والانعتاق من واقع مأزوم وقد تكون رمزيته تمثل حرية مؤجلة غير انها موجودة وتمثل رغبة عارمة لدى المراة التي تجلس في وحدة وسكون شديدين وهذا الذي يوضح توقها للحرية والطيران من خلال رمزية الطائر الساكن هو الآخر، اما في السطوح التي تدون فيها اكثر من مشخص نجد بان الطائر قد اختفي قصديا بسبب وجود صحبة افتراضية تبدد الوحدة، غير ان التوق للحرية والطيران يبقى قائما ضمنيا، اخيرا فان هذه التجربة تعد تطورا فنيا واسلوبيا عن تجارب الفنانة السابقة التي تمثلت بالانجازات طوال اشتغالاتها الفنية في عالم التشكيل المعاصر.
بقلم : رحيم يوسف
جريدة: صحيفة الحقيقة 5-1-2026
` لوميناريا` جيهان فايز
- وقفت أمام اللوحات كمن يطالع مرايا الروح.. فى معرض جيهان فايز الصمت ليس غيابا للضجيج، بل هو لغة بصرية باذخة تتجاوز حدود الكلمات. الخطوط تختصر مسافات الزمن فى محاولة وإصرار جيهان ترويض الابدية، واقتناص شعور عابر فى إطار لا يموت.
- خرجت من المعرض المقام بقاعة بيكاسو بالزمالك وأنا أحمل في عيني رؤية مغايرة للعالم، وأن الوجود يرى بالبصيرة قبل البصر، وأن الجمال هو الجسر الوحيد الذي يربط فناءنا بخلود المعنى.
- الدكتورة جيهان فايز (أستاذة التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا) من الأسماء البارزة التي تمتلك أسلوبا فنيا يجمع بين الأكاديمية الرصينة والنزعة الوجدانية الصوفية.
- ويتجلى أسلوبها بوضوح في معارضها الأخيرة مثل `متون` و`تكايا`. فهي لا ترسم مجرد شخوص أو أماكن، بل تستحضر `حالة` روحية. كلمة `متون` تشير إلى النصوص القديمة المكثفة، و`تكايا` ترمز للملاذ الروحي للمتصوفة، لذا يظهر في أعمالها نوع من التضرع البصري والبحث عن الجوهر خلف الشكل. وبحكم تخصصها الأكاديمي في التصوير الجداري، يتميز أسلوبها بثراء الملمس حيث تستخدم تقنيات متنوعة تشمل ألوان الزيت، الإكريليك، وعجينة الورق، وحتى الأسمنت والخزف في بعض تجاربها، وتتعامل مع اللوحة كبناء معماري، حيث تظهر الخطوط قوية والمساحات اللونية متداخلة بحرفية تمنح العمل عمقاً بصرياً. كما يميل أسلوبها إلى التلخيص والتبسيط، وتهتم بحياة البسطاء والعشوائيات في الجنوب، لكنها لا تنقل واقعهم بشكل فوتوغرافي، بل تعيد صياغته في قوالب فنية تبرز قيم الجمال في `البيوت الهشة` وتفاصيل الحياة اليومية، محولة إياها إلى `نص بصري وجداني`.
- تستخدم الفنانة درجات الطمي والألوان الأرضية التي تعكس ارتباط الإنسان بأصله وجذوره. ويظهر اللون الذهبى في أعمالها كرمز `للأيقونة` أو `النور` وسط الظلال، مما يمنح اللوحة مسحة قدسية أو تاريخية تذكرنا بالفن المصري القديم، الذى يؤكد أصالة الفنانة التى تمزج بين الروح المصرية المحلية، والتراث الصوفي وبين الحداثة التشكيلية التي تعتمد على البحث والتجريب الدائم في الخامات والرموز.
- يتضح من اختيارات عناوين معارضها أنها لا تقدم لغة تشكيلية مجانية ولكنها تبحث بحث العابد والكاهن عن عمق الاشياء ومدلولاتها. فهي لا تتعامل مع اللوحة كسطح للتزيين أو استعراض المهارة، بل كـمحراب للمكاشفة الروحية.
-عندما تختار أسماء مثل `متون`، فهي تستدعي جوهر اللغة وأصول المعرفة (المتن هو الأصل والشرح هو الهامش). وعندما تختار `تكايا`، فهي تستحضر ملاذات الروح ومقامات الزهد. هذه العناوين ليست `مجانية` لأنها تفرض على المتلقي تهيئة نفسية قبل رؤية العمل، وكأنها تدعوه لخلع نعليه قبل الدخول إلى عالمها الفنى.
- أنها تبحث عن الحقيقة وراء الرمز، تبحث عن `روح المكان` وجوهر الشخوص. هي لا ترسم جدران العشوائيات لأنها متهالكة، بل ترسمها لأنها تحمل `ذاكرة` سكانها وصبرهم، فتحول الشقوق في أعمالها إلى `نصوص` مقروءة، والخطوط البيضاء التي تحركها أعماقها على سطح اللوحة تصبح كأنها خيوط من نور تكشف المستور.
- اللغة التشكيلية عندها ليست عبثية؛ كل ملمس خشن وكل طبقة لونية `أرضية` هي محاولة للالتصاق بالتراب والمنشأ. هذا البحث `الكهنوتي` يتجلى في صبرها على بناء اللوحة طبقة فوق طبقة، تماماً كما تُبنى الأساطير أو تكتب المخطوطات القديمة، مما يمنح أعمالها ثقلا تاريخياً ووجودياً.
- ترفع جيهان فايز من شأن `المهمش` وتمنحه قداسة الأيقونة. البيوت البسيطة، الوجوه المتعبة، والزوايا المنسية تتحول في لغتها إلى `مقامات` فنية تستحق التأمل والتبجيل.
- ومن `المتون` و `التكايا` إلى `لوميناريا`(الضوء/التجلى) الذى يمثل رحلة صوفية مكتملة الأركان.
ولوميناريا (Luminaria) تعني في الأصل `نور` أو `إضاءة` بالإسبانية واللاتينية، وتستخدم للإشارة بشكل خاص إلى الفوانيس الورقية التقليدية المضاءة بالشموع، خاصة في احتفالات عيد الميلاد في جنوب غرب الولايات المتحدة والمكسيك.
- وتصدر معرضها الجديد `لوميناريا` كلمة ثبتتها على مدخل القاعة قالت فيها: `لوميناريا.. هي محاولة لالتقاط اللحظة التي يتشكّل فيها الضوء من داخل الخط، لا كعنصر خارجي بل كقوة تمنح الأشياء حق الظهور. هنا لا يكون الخط حدا، بل ضوءا يكشف ويعيد ترتيب حدود الكائنات، ليصبح الضوء إطارا للمعنى وحالة من الوعي. ومن داخله تظهر الطيور ككائنات عابرة بين طبقات اللون، تترك أثرا خفيفا من الحرية وتفتح أفقا يتجاوز حدود اللوحة. في لوميناريا، الحدود هي البداية`.
- إن استخدام الفنانة جيهان فايز لمصطلح `لوميناريا (Luminaria)` كعنوان لمعرضها الجديد هو اختيار دقيق يعكس انتقالها من مرحلة `التنقيب في المتون` إلى مرحلة `استعادة الضوء`. هذا المصطلح، الذي يشير تاريخياً وفلسفياً إلى `الفوانيس` أو `الأكياس الورقية المضاءة بشمعة` والتي تستخدم لإضاءة المسارات في الاحتفالات الدينية أو الروحية، يحمل أبعادا فلسفية عميقة في سياق تجربتها. فالـ `لوميناريا` ليست مجرد مصدر للضوء، بل هي `منارة صغيرة` ترشد التائهين. في أعمالها، يتحول الفن من كونه `موضوعاً للمشاهدة` إلى `دليل للمسار`. وكأنها بهذا العنوان تواصل دورها `الكهنوتى` الذي ذكرته، حيث تضع للمتلقي علامات ضوئية وسط ضجيج الحياة وعتمتها، لترشده إلى جوهره الداخلى.
- ورغم أن اللوميناريا تقليدياً تتكون من مادة هشة (ورق) لكنها تحمي بداخلها شعلة النار. هذه الثنائية الفلسفية (جسد فاني وهش يحمل روحاً خالدة ومتوقدة) تلخص رؤية جيهان فايز للإنسان والمكان، فهي ترى في البيوت المهمشة والوجوه المتعبة غلافا ورقيا يخفي وراءه نورا إلهيا وجلدا عظيما.
- فبينما يركز العالم المعاصر على `الأضواء الكاشفة` والبهرجة، تنحاز جيهان فايز لـ `اللوميناريا` التي تعطي ضوءا خافتا، دافئا، وحميما. قيمة هذا الضوء تكمن في `التجلي` لا `الظهور`؛ هو ضوء ينبع من قلب اللوحة ومن مسامات اللون - تلك الخطوط البيضاء التي أشرت إليها سابقا - ليخلق حالة من السكينة الروحية والمكاشفة الهادئة.
- اللوميناريا غالبا ما توضع فى صفوف أو مجموعات لتحديد طريق أو تزيين فضاء عام، وهذا يشير إلى `الوحدة الإنسانية`؛ فكل لوحة فى المعرض هى ` لوميناريا` مستقلة، لكنها في مجموعها تشكل مشهدا كونيا واحدا يدعو للدهشة والتأمل، محولة قاعة العرض إلى `فضاء مقدس` يشترك الجميع فى استنارته.
- بهذا الاختيار، تؤكد جيهان فايز أنها لا تقدم فنا مجانيا للمتعة البصرية العابرة، بل تقدم `قناديل` تشكيلية تحاول بها تبديد الوحشة الروحية المعاصرة.
د. سامى البلشى
جريدة : 27-12-2025
|