|
حسام بدر الدين عبد السلام صقر
فى معرض حسام صقر .. علامات الوجه البشرى وانشقاقاته
- من المعارض المهمة مؤخرا معرض الفنان / حسام صقر الذى أقيم بجاليرى مصر بالزمالك بعنوان ` وجه لكل مواطن ` المعرض تعامل مع الوجه الكائن وراء جلدة الوجه البشرى .. قيمة العرض تفرد الرؤية بذاته بعدما كثرت معارض تقدم وجوها وبورتريهات ضخمة مُهيمنة تحتل اللوحة بكاملها وجميعها متشابهة وبذات التردد داخل العرض الواحد وأيضا بذات التردد من عرض لآخر مع اختلاف اسم الفنان ومن إلحاح هذه البورتريهات وكثرتها من عرض لآخر أصبحت تبدو كوجوه بلا كائنية ولا ترسل برسالة ولا تدعو لتأمل كأنها موضة لاقتطاع الوجه من سياقة الإنسانى ..
فى عرض حسام صقر هناك استقلالية فى الرؤية والتقنية المنتمية بالكامل لتلك الوجوه لبشر محددين بعدة تعبيرات بصرية وداخلية .. حتى داخل البورترية الواحد المنقسم على ذاته يعكس انفصاما او ديواليزمية فى الشخصية الواحدة الشاخصة فى الغالب الى زاويتين ببصرها لتؤكد ذلك الانفصام النفسى بعيدا عن عين المشاهد لا تغازله ولا تستدعى إعجابه بل تستدعى تأملة بعيدا عن تأثيرها .. لنجدنا أمام وجوه من الخطوط والعلامات الخطية والمثلثية ونقاط معاناه تصارع وجودها رمزيا فوق وبحدود الوجه البشرى موزايكى الملمس واللون المزدحمة بلغة العلامات .. وبألوان مُهشرة كتهشير شخصياته من الداخل ..
وهذه الوجوه وجودها رمزى فهى ليست وجوها وصفية ولا واقعية وأحيانا بعضها أقرب للالستريشن .. وبها يقدم الفنان مزاجه الفنى متجاوزا اعتبارات الإسلوب بين الوحوشية والتعبيرية كلوحة تصوير بليغة خاصة فى معالجة السطح بأثر حيوية وذبذبات الوجه نتيجة انفصامه داخليا ومظاهر انشقاقه خارجيا وكلاهما يستحق التأمل وتناولهما بجدية .. وأعتقد ان الفنان فى عرضه يضحى بالمشهد البصرى كاملا مقابل إعلاء قيمة التعبير الشخوصى حتى ولو بانشقاقة .. وربما ندرك لمحة من دادية التعامل والوجه الإنسانى .. ففى بعض شخوصه يوزع اللون بفانتازية ثم نراه بوحشية ثم نراه ببنائية او داخل شبكة خطية كأن لدى الفنان أسبابا وأساليب تظهر من الباب الخلفى فوق سطح لوحاته ..
ومن مرونة الوجه نرى فى لوحات حسام صقر ما هو ميتافيزيقى وما هو جروتسكى وما هو فوق السطح فقط وكل منها يعزز وجود الآخر ويؤكده دون أن يتماثلا .. والتى أعتقد أن أراد أن يصف حياة كاملة من خلال الوجه لبشر أسوياء ومنفصمين معا .. ففكرة الفنان أن يجعل سياق إدراك الوجه يجب أن يمر عبر علامات مرئية تمر دون إرادة منا كاشفة ما بالداخل الى سطح الخارج .. إما عن عنوان المعرض ` بورترية لكل مواطن ` فبعد رؤية الأعمال أراه عنوانا شائعا غير محدد وبلا دلالة ولم يكشف أبدا كعنوان عن عمق الأعمال وتجربة الفنان الجادة .
فتبدو لى شخوصية الفنان لا تقليدية تتقدم بخطوات تجاه مفهوم انشقاق إنسان اليوم لا على مُحيطه بل على ذاته وتوجهاته الحادة مع نفسه كأنه ما زال لا يدركها كما المفترض .. بينما يبدو بتقليدية خاماته بأصباغ وأكريليك وباستيل مهتما بعلاقة الخامات معا فوق السطح كما يمزج بين الاحساس الخطى والتجريد المتحرر فى رؤية الاشياء دون أن يُرهق السطح .. واعتقد ان الفنان حسام صقر يختبر المواد الملونة وإمكاناتها التى توفر له مزيدا من التعبير وعينه ربما أكثر على عملية الاستكشاف ذاتها .. استكشاف الخامة والبشر ليقدم علامات فوق السطح تساعده على اصطياد ما بالداخل البشرى مترجما به الفكرة المسيطرة عليه .. لتأتى الفكرة بذلك كعلامة معنوية فى أعلى درجات طاقتها الحيوية التى تعمل عليها الخطوط السريعة كدوامة تطيح بالوجه المألوف ليستحوذ عليه الفنان بخطوطه فيُخرج أفضل ما عند الفنان مهارة وأشد وأعنف مافى الوجه تعبيرا الذى قد يبدو لوهلة كوجه برئ لكنه محمل بعبء وانكسار للعين ولكثير من الانفصام ..
فيما الشخوص الجماعية تبدو وجوهها محملة فى معظمها بعزلة وبدت معذبة دون انفعال خارجى ولم تفصح تمام عن رؤىء ربما هى أشد قساوة قد تظهر أشد تشوها فى معارض مقبلة .. خاصة ولبعض أعماله انطباع مذهل .. وهناك اثنان من الأعمال تحديدا مذهلة لفظاظتها أو لتعقيدها النفسى لكنها ممتعة كعمل فنى ..
المثير ان الفنان ترك لنا أن نتخيل المناخ الخارجى الذى أفرز تلك الوجوه .. فلا جدران تحيطها ولا منظور ندرك منه موقعها من الإفلات من الجداران او إطباقها عليها .. كغرف قد تبدو كغرف مُترفة أو غرف تعذيب وتركنا الفنان بذلك ندرك أن تلك الوجوه معزولة عن المكان والجاذبية والحياة .. فهو قد يضحى بالمشهد ليقدم دلالات غير متوقعة لشخوصه كأنها مستقلة عن الحياة .
وجوه حسام صقر المتردد وجودها بين الوجود واللاوجود بعدما سلب منها اتساقها وعالمها المجهول ستظل ترسل بعلامات ورسائل بصرية ولا مجيب .. فالفنان نفسة أرادها معزولة مبتعدا بها عن المنطق الى الرمزية المجردة .. ومن التوحد الى الانشقاق .. وقد نزع عنها سمتها الاعتبارية .. وأعتقد أن الفنان قام بعملية تأويل وليس رسم لوحة .. فالبعض من لوحاته تحمل استدلالات نفسية بارعة وعميقة ومحكمة .. ومن سعتها النفسية قد ندرك أمام أحدها شخصية محارب طواحين الهواء ` دون كيشوت ` للاسبانى ثيربانتس .. ثم أجدنى أمام شخصية دواليزمية منفصمة على الذات أقرب ل` دكتور جيكل ومستر هايد ` للانجليزى ستيفنسون .. وهناك فى معرض حسام صقر ندرك قدر المسافة بين الوجوه فى الفن والنفس والحقيقة .. وأعتقد ربما يكون لهذا العرض البحثى امتداد حتى يصل الفنان بشخوصه إما الى اليقين أو اللايقين وكلاهما سيكون أكثر اثارة من فكرة المسلمات فى الأداء أو الفن .
فاطمة على
القاهرة : 17-4-2017
تجربه تفاعلية جديدة بين الزائر وفن البورتريه للبحث عن نظائر الذات
الفن الإنتقائى والغمر فى الذات قد تكشف عن نرجسية المشاهد
عنوان المعرض `أنت` فتح لدلالات هامة عن النفس وعن علم نفس البورتريه
فاطمة على
آخر معرضين للفنان `حسام صقر` بينهم ثلاث سنوات.. بديا متصلان ومنفصلان..وبدا حالياً أن الفنان حسام أقام بجرأه عرض تفاعلى عن بُعد بين مشاهدى معرضه ولوحاته داخل جاليرى`ليوان`..وقد عمل الفنان على تأكيد خصوصية عرض بورتريهاته الأول`وجه لكل مواطن`فى عرض بورتريهاته الثانى بعنوان `أنت`..وفيه إعتمد بالكامل على تفاعلية المشاهد وبورتريهات لوحاته..موجها عبرها خطاباً مباشراً للمشاهد بأن هذا العرض يخصه..ويخصك `أنت` ويخصنى `أنا` ويخص كل من دخل المعرض تلبية لضمير المخاطب `أنت`.. ليصبح كل زائر هو صاحب `أنت`.. وبالتالى باحث عن وجوده فى بورتريهات العرض..ليضعه الفنان فى إختبار مباشر مع `الذات`ومع `موضوع التصوير`.. فكان`أنت` إستكمال لعرضه`وجه لكل مواطن`..
وأعتقد أنه لولا `الكورونا`والتباعد لأقيمت لهذه التجربة الهامة ندوه تتعادل وحجم المفهوم وأيضا النتائج التى حولت عرض لوحات ساكنه إلى ساحة من الفن التفاعلى إلى درجة ما..ولكان سابقه رائعه لو كانت سجلتها كاميرا فيديو لإنفعالات الجمهور وتفاعله أمام البورتريهات ولبدت أقرب لعرض أدائى حى من الجمهور على مدى شهر إقامة العرض..
عرض`صقر`يمزج بين الفكر التفاعلى وعلم النفس والثقافة الجماليه على تنوعها..وأيضاً فتح العرض مجال حول علم النفس والبورتريه..وأيضاً بدا لى العرض كمسرح قائم داخل الجاليرى لتجريب الذات للمشاهد..خاصة داخل أصغر صالات الجاليرى بإضاءتها وخصوصيتها التى كانت اكثر الصالات مهيأة لذلك التفاعل وذكرتنى بتقابل وعنوان رواية الرائعة `فيرجينيا وولف `غرفه تخص المرء وحده`..وبدت الصاله بإضاءاتها وصغر حجمها وبورتريهاتها فوق الجدران كعمل فنى مغلق على الزائر والمتماثلة وجلسات التواصل الروحى ..وكنت أتمنى أن يأتى باقى العرض بهذه الإضاءة والسكينه..كتجربة للسيطرة والهشاشة فى نفس الوقت..
مفهوم العرض كلمة واحدة هى`أنت` تصدرت الكتالوج ومدخل قاعته تليها كلمات:`أنت..أنظر فى عمق عينى أينما كنت بالداخل..أكثر..أنت من يهمنا`..ليستكشف هذا العرض بهذا فن البورتريه كأداة لتنشيط إدراك الذات والكشف عن النرجسيه..كما يفتح جمالياً للتوسع فيما يخص علم نفس البورتريه بصرياً..وما لقدرة الصورة على إعادة إنشاء صورتنا وسط هويه جماعيه؟..
حالة `الغمر`
سأدخل مباشره إلى قاعات ليوان بعد أقصر خطاب مباشر تلقيته قبل مشاهدة اللوحات بـ`أنت`.. لأجد بورتريهات تعبر عن الألم أقرب للأيقونية ..فهل قصد الفنان أن الإنسان إن مر بمراحل ألم على مدى حياته يتحول لأيقونة..؟ ليصبح الوجه كأنه من حفريات أرضيه..هذا الغمر المعنوى مررت به داخل طاقة البورتريهات والمكان المحدود وإلحاح ضمير المخاطب `أنت`..لنُصبح داخل العرض متورطين كجزء من العرض ولسنا مجرد مشاهدين مفصولين بل مغمورين داخل ذلك الوسيط النفسى الذى هيئ له الفنان منذ توجيه الدعوة الينا بـ`أنت`..ليغمرنا الموضوع وصورته والبحث عن النظير لـ`أنت`..
عرض ادائى
وليصبح أنا وأنت والآخرين فى معرض`حسام صقر`جزء من عرض أدائى كبيرفورمانس نفسى أكثر من الجسدى.. بطئ الحركه..ولو صورت صور للطاقه التفاعلية التى أرادها الفنان لعمله وتفاعل المشاهد لبدى الأداء متردداً ذهاباً وعودة حتى إستقرار المشاهد على من هو فيمن قيل له انك `أنت` ووجده هنا..
أعتقد هذه الحالة الأدائية الصامتة يناظرها ما كان يتشارك به الفن قديما جداً بنشاط فى الطقوس والسحر والحياة..ربما يفعل هذا حسام صقر فيما يناظره ولا يُماثله ليحدث تفاعل ذهنى ومردود نفسى فى عرض أشبه بالبيرفورمانس الروحى بين المشاهد ووجدانه فى مقابل لوحات ممتلئة بقوة الفن لكنها تظل قناعًا حتى إكتساب الروح بوجود المشاهد وإعادة قصته من خلالها..وقد رأيت البورتريه رغم سكونيته متآمر هو نفسه والفنان فى لعبتنا المعقدة لإعادة إنشاء واقع إرتبط بكينونتك `أنت` كأداء لـ` ذات` فى مقابل `ذات` سابقة التجهيز بفعل الفنان لإعادة صياغة صورة من روح لوحة..وليبدو لى أن تفاعل وجدان الزوار أمام اللوحات لا للإقتناء بل ليصبحوا هم أنفسهم صوره لـ`أنت`..هذه الفكرة التى مع `أنت`أوقف بها `صقر` عرضه على حافة بين الرائى والمرئى..وبما يعنى أن تكون`أنت` موضوع داخل عرض فنى كى تبتعد عن نفسك لترى نفسك أفضل..
الفن الانتقائى
`صقر`جعل المشاهد موضوع وطرف ثالث بينه وبين اللوحة ودمجه ذهنيا فى الأعمال وألا يكون حياديا بل انتقائيا ويختار نفسه لتكون`أنت`البورتريه..هذا الانتقاء الفنى لم يعتمد فيه المشاهد فى البحث عن نظيره على ملامح الوجوه بل على ما وراءها..هذا الفن الإنتقائي هام وصعب لأن بورتريهات`صقر` تتعدد دلالاتها النفسية..حتى الوجوه مراوغه بلا إبتسامة وبلا جذب أولى كى لا ننشغل بها وكأنها فى مهمة..وقد يجد البورتريه الواحد عدد كثر من المشاهدين إنتقوه وجدانياً واتفقوا عليه رغم اختلاف شخصياتهم..فشخوص لوحاته قد تقنعك بأنها منك أو جزء من روحك كما أقنعت غيرك..وهنا يقع المشاهد فى فخ آخر..فخ توالد الهويه الجماعيه..
البحث عن الذات
فى`أنت`دفع `صقر`الجمهور للتفاعل فى رحلة معقدة للبحث عن الذات فأثناء مشاهدة العمل هناك داخل المشاهد مخزون تحركه`انت` ليخوض تقابل تفاعلى فى البحث عن نظيره..وبالتالى يقوم بعمل إنتقاء وإسقاط ومناظره فى تفاعل بين إنسانى حى ولوحة تنتظر..وقد يحدث لدى المشاهد لحظياً مصادره أوليه للذات لأن عليه إدراك ما تملكه الذات الأخرى أمامه ومعايشتها..وقد يؤدى هذا العرض نفسياً لخبرة التلاقى وذواتنا لأن المشاهد ينفتح على عالم مواز ..وهذا جديد فى حركة المعارض التى نشاهدها للوحة التصوير وليس لأعمال مجهزه فى الفراغ أو لفيديو آرت..
فى البداية كزائر ولا إرادياً قد إنجذب جمالياً للوحة معينة.. وضمير`أنت` يُلح علي فأشعر بوعى ذاتى.. وأطرح أسئله أختارها للمفاضله مع التطلع الدائم للوحة التى فى بعضها إنقسم الوجه إلى شخصيتين فى `ديواليزم` بورتريه وبروفيل معاً على نفس المساحة بإختلاف الإحساس والذى كان مسيطر على شخوص معرضه الأول..وربما هذا التطلع هو ما يريده`صقر`وكأنه متواطئ مع لوحاته ليبلغ المشاهد إجابته ولا تُشبعه.. فروح `صقر` هى التى كانت تنظر عبر شخوصه.. وليس البورتريه ولا `أنا` ولا `أنت`..ربما هذه هى الإجابه للمطروح سابقاً..
الكشف عن النرجسيه
إلى درجة ما ولو بنسبه ضئيلة العرض إختبار حى للنرجسيه داخلنا وعن حب الذات..وجميل ان يخيرنا الفنان ومعادل بصرى يروق لنا لنجعله معادل لوجودنا حتى ولو كان بتعبيراته وروحه أفضل منا فنحن نطمح للأفضل دائما..وقد تكون نرجسية الفنان نفسه هى الطاغيه فلوحاته تخصه أكثر من الأشخاص الذين أستدعاهم ليكونوا هم لوحاته أو جزءاً منها.. فهل رسم الفنان بورتريه نفسى له كنرجسى أم للآخر أم فخاً ؟ لمجرد أن من يشاهده يقول بنرجسيه مُقابله هذا أنا من خاطبتنى..
نفسياً هذا العرض قد يخلق لدى المشاهد الذى يختار نفسه من بين المعروض نوع من `الهوس الأحادى` بدرجة ضئيله الذى يظهر لدينا الوهم كى نتخيل أنفسنا ملوكاً..وذلك للسعه النفسيه المتاحه فى العرض لنتلاقى وأفضل لوحاته ونقول `أنا هو` أو` أنا أنا`..رغم أن الفنان لم يقدم صور جميله بل صور بورتريهات عيونها مُرهقه زائغه بخطوط وتهشيرات تخترق داخل الرأس.. فـ`حسام صقر` يدخل بمعرضه هذا إلى المكان السرى من وراء الوجه متعدياً للظاهر..
البورتريه النفسي
بعد عملية إنشاء اللوحة النفسية وبعد عرضها بدأت كل من اللوحة والمشاهد بالعمل وليس المشاهد فقط ..ولأنه لا تكفي جاذبية الجمال الخارجي للوجه فقط تم الدفع لإيجاد تعاطف إنسانى عميقًا لتمثل الحال النفسى لروح البورتريه.. وقد كان كان`جان فان ديك`و`رامبرانت` و`فيلاسكيز`أساتذة في الصورة النفسية التصويرية..
أما بورتريهات `صقر`أتت مضغوطه نفسياً بين الواقعية التعبيريه والخيال لإثارة إرتباط المشاهد بها بما ترمز اليه من تعلق بمشاعر دينية أوحالات مزاجية أو حتى وجوديه.. لذا وجد الزوار ما جذبهم لرؤية نظير لحالاتهم الداخلية وأمزجتهم ومشاعرهم جاهزة الإعداد مع رغبة ان يكونوا ذوى جوده أكثر وأكثر مثاليه..ربما هذه المثاليه التى دفعنا اليها`صقر`أو أوقعنا فيها لتزيد من فوضى الوعى بالذات مهما كان تقبلنا لوجوهنا قبل مشاهدة العرض.. ليوقعنا مره أخرى أثناء الخروج من البورتريه الذى إخترناه بأنفسنا أو الخروج من فخ البورتريه ذاته..؟ ويتجسد هذا الفخ فى عيون بورتريهاته التائهه أو الأقرب لعيون تنظر لما وراء المرئى..وقد بدى لى بعضها كأنها`العين الثالثة`وهى العين الكاشفه للامرئى فى الفلسفات الهندية القديمة.. ولبورتريهاته أيضاً عيون تحلق فى صالات العرض تُخيف لأنها أقرب من اللازم بوجعها وإستجدائها للألفه.. وإلى جانب العيون..ولإحكام القبضه على زائريه عرض الفنان شخوصه فى كادر`ثلاث أرباع`بورتريه وهى النسبة التى تعد نموذج للصور الرسميه وللفخامه..إلا أن العيون ظلت هى المُسيطره على العرض وخلقت منذ البداية إحساس غير مستقر..
صورتى وصورة الذات
عنوان المعرض `أنت` رساله مباشره لأى منا وتلقيت الرساله مع أول خطوة داخل الجاليرى ووقعت في فخ `أنت`وربما وقع فيه من شاهدوه.. ومشكلتى أننى لم أعرف إن كنت رأيت صورتى ام صورتى هى التى التقتنى؟..وقد رأيتنى فى أكثر من وجه أوجعنى وأحببته فقد شاهدت نفسىى الموجوعه فى لوحتين من لوحات `صقر` ولا أتمنى رؤيتهما ثانيه لأنهما فضحا وجعى.. ومن تجربتى فى المعرض وجدت نجاحه الهائل تمثل فى ان الفنان ورطنا بالفعل مع مفهوم صورة الذات أو ما يتلاقى حسيا وصورتنا عن أنفسنا..؟ انه عرض ذكى ومحير ومُرهق للغايه لتبدو اللوحات صوره كاشفه لمتاعبنا وليس لملامحنا.. أحببت عرض`صقر`جداً ولاقيت لوحات تتشابه وروحى ولم أفكر من قبل إطلاقاً ولو للحظة واحدة كى أبحث عن وجهى من بين الوجوه حولى..؟ ولولا خطابى بـ `انت` لخرجت من العرض سالمه كخروجى من أى جاليرى عرض ..
الخروج من المعرض
للخروج من نطاق هذه الحالة إلى خارج القاعة وجدت نفسى مستوعبه تماماً فكره `حسام صقر` المبدعه.. فقد تولت لوحاته جميعاً أمرنا نحن الزائرين بما رسمه لها الفنان بإتقان .. وقد إستغلها فى غيابه لإقامة حوار خفى وزواره.. فبدا كالغائب الحاضر.. وأكثر ما تميز به `أنت` بأنه أتاح إدراك بعض المشاعر المجهولة فينا..من حب الذات أو النرجسية أو الصورة المثلى لأنفسنا البلا مبرر..ودرب قدرتنا على لمس ما ليس له تفسير منطقى ..إلى حد أن ننظر لأنفسنا بعد إنتهاء الزياره بطريقة مختلفة بعض الشئ..تماماً كمن يقرأ كتاب أو يحضر عرضاً مسرحياً وبعد إنتهاءه يظل شئ عالقاً داخله يؤثر فيه.. فقد يكون عرض فنى للوحات يحمل فكراً ورؤيه تغير كثير من حياتنا بفهمها أكثر.. فالعرض - وربما هذا مبالغ فيه من ناحيتى - قد يدفع بنتائج عكسيه أراها مطلوبه.. كتمرين للذات لتؤكد وجودها فى مقابل صورة محتملة لا تزال غير معروفة لها..والتى قد تدفع بالبعض فى ظروف أخرى للتخلى عن ذاته أحياناً ليصبح شيئًا مختلفًا عما هو عليه..ربما هذا العرض يدفع عكسياً أيضاً كى لا يبتلعنا أو يسحقنا المظهر الخارجي..فكل منا يملك منظور معين لما يأمل أن يكون عليه.. ولنعيد النظر إلى أنفسنا بـ`أنظر إلى نفسك أنت`..
هذ العرض الفريد كان من المفترض أن تقام له ندوة فى نفس قاعات عرضه يحضرها كل زواره مره ثانية لنناقش جميعاً كيف مررنا بتجربة البحث عن نظائرنا بكلمة `أنت` وإلى أى حد ظهرت النرجسيه أو المثالية فى الإختيار وبأى درجه من الإقتناع والصدق خضنا التجربه..وكيف رأينا أنفسنا..وذلك حتى لا تنتهى فكرة العرض بإنتهائه..خاصة والعرض حدث فنى هام فى جديته ومفهومه الكاشف من خلال الفن عن دلالات تفاعل المشاهد وعلم نفس البورتريه..
فاطمة على
فاطمة علي
جريدة القاهرة
تفعيل `العين الثالثة`
- الراقده بين عين السمكه والعين البشريه
- ذاكرة الماء.. الحاضنه الأم لذاكرة الأسماك؟
- فى معرض حسام صقر `ذاكرة أسماك المتوسط`
- فى مقدمة معرضه بجاليرى ليوان بالزمالك `ذاكرة أسماك المتوسط` قدم الفنان`حسام صقر` لمعرضه بكلمات تأمليه ليقود بها مشاهد لوحاته إلى حيث يطرح موضوع الذاكره وخصها بـ`ذاكرة أسماك المتوسط` مع أن الذاكره السمكيه هى ذاتها فى أى مياه إلا إذا كان الفنان يختص بالمتوسط كمكان لإسقاطات فكريه أوسياسيه ولكنها لم تتضح.. وبدلا من أن يقود المشاهد إلى علامات الصوره بإلهام كلماته.. ألا أنى وجدتها تفتح للمشاهد ولي مُدخلاً أكثر تعقيدا عبر بوابة لوحاته.. وقادتنى فكرته حول `ذاكرة سمك المتوسط` إلى`ذاكرة الماء` نفسها كمحيط حاوي للوجود السمكى.. وبدت لوحاته بسيمات شخوصها وتداخلها الفانتازى بين كائنين أرضى ومائى محملين بذات الذاكرة المائيه كرابطه حياتيه منذ النشأة الأولى.. فإتسعت أمامي الرؤيه فى هذا العرض الهام.
- ذاكرة الماء
- أعتقد أن لـ`ذاكرة الماء`قدره مثالية للاحتفاظ بذاكرة المواد التي أذيبت أو نبتت أوتوالدت فيها ولما لها من قدرة إعادتها مع تتالى دورات الحياه داخلها.. وعلمياً نشأت فكرة البحث حول`ذاكرة الماء` في مختبر `جاك بنفينيست` أواخر الثمانينات وكانت إحدى فرضيات العمل هي أن الجزيئات يمكنها التواصل مع بعضها البعض وتبادل المعلومات حتى دون أن تكون على اتصال جسدي.. (وقد قرأت قبلأ عن النظريه الكمية الـ`كوانتم فيزيكز` وأنه تم إستنتاج أن أقل من الذرى من ذرة الكربون فى أبعد المجرات يمكنها التواصل مع أقل من الذرى من ذرة الكربون فى جسد أصغرسمكة فى أعمق المحيطات).. وأيضاً مبحث `ذاكرة الماء` إفترض وأكد بأن الإشارات البيولوجية قابلة للانتقال.. وظل تساؤل حول آلية الحفاظ على هذه `الذاكرة المائية` وما هي طبيعة البنية المائية التي تؤثرعلى الوظيفة البيولوجية؟.. أما أدبياً وفنياً بإفتراضية وجود`الذاكرة المائيه`نراها بدت كطرح فكرى بصرى فى بنية لوحات`حسام صقر`بذلك التواصل العضوى كنتاج لذاكره مائية مشتركه ربطت بين كائنى لوحاته من بشر وأسماك.. وكانت حيرة إدراك كيف يحقق `صقر` فى لوحات معرضه أسطوره غير مكتوبه تكشف كيف أن للمحيط المائى الغامر وعياً..؟ وكأنه يرسم فعل عمل لذاكرة قديمه أدت لإستمرار الوجود البشرى والكائن المائي جمعتهما ايكولوجيا عميقه عن حقائق المائى المخفية وأبعاده غير المرئية لوجودنا داخل عالم يتجاوز ما نراه لكنه داخلنا.. فمثل تعاملنا مع المائى فكرياً وعاطفياً يكون تصرفه داخل أجسامنا.. وداخل كوننا الأكبر أيضاً.. فالمائى بسيولته وشكله المتغير بإستمرار هو أعظم راوي قصص خفيه عنا وأميناً على الأسرار كأرشيف حى لما لم يُروى عن حضارات قديمة منسية.. وليبدو من مجموع اللوحات الغامره بمشاهد مائيه غامره لشخوصها وأسماكها وبتداخل أنسجتهما عضوياً معاً من قدرة تعبير لما يعنى مرور الزمن وما يخلفه من تآكل تدريجي وجزئى لكائنات اللوحات.
- العين الثالثه وشخوصه
- فى لوحات المعرض تتلاقى عيون السمك وموضع العيون البشريه تماماً كأسماك راقدة فى مستوى العينين.. ولأنه ثبت بالتجارب قدرة الأسماك على إدراك الحيز والمكان لذلك استقرت فوق جباه بعض شخوص اللوحات حيث موضع الالتقاء `والعين الثالثة` وهو الموضع الذى حددته الفلسفه `الطاويه` الصينية بأن `العين الثالثه` جسم خفى يقع فى منتصف الجبهة بين الحاجبين.. وكالمعتقدات القديمة تُعد `العين الثالثة` قوه مهمة فى التحكم فى كيفية تحرك الطاقة داخل الجسم قد نستشعرها بذلك التلاقى كما بدى فى مجال العرض هذا بين عين السمكه والعين البشريه.. ولأن `العين الثالثة` تُوصف كعين داخلية بمفهوم باطنى يتجاوز الرؤية العادية لذلك وجدت كثيرمن شخوص لوحات`صقر` ذوى عين واحده وكأنه تم تفعيل`العين الثالثه`لندركها قابله للرؤيه مقابل الأخرى المطموسه.. وهذا أربك الرؤيه لدي قليلاً نتيجة التلاقى بين العين المدركه للإنسان والعين اللاواعيه للأسماك.. ولماذا إختار الفنان موقع الإدراك ما بين العينين ليجعله مرقد لعيون اللاوعى السمكي ؟ إلا إذا أدى هذا المرقد لتفعيلهما معاً ذهنياً فحلت فى بعض الوجوه كعين واحد فى اللوحات بدت الشخوص سجينة أماكنها تنساب أمامها رأسياً مسارات اللون فى تماهي وتداخل مع الخلفيه وكأنها جزء من مادة محيط مائى وبدت عضويه ككائنات الماء المحيطة بهم حتى بدت تهشيرات جلود شخوصه والوجوه في حالة تعامل والملوحة المائيه.. وبدى تصوير`صقر` للتواجد البشري في اتصاله العضوى مع محيط مختلف عن محيطه يكشف عن الحاجة الخياليه المستمرة للإنسان في تشكيل أسطورته البشريه المائية بطوباوية المسعى للمثل الأعلى لكنها لا تتصل بالواقع.. وتظل رغبة شخوصه لبلوغ كمال التواصل مع الوجود وكائناته مطلب أسطورى ملح كما فى ميثولوجيات التاريخ التى سبقه اليها خيال الكثيرين عبر العصور بذلك التداخل الجسدى بين الإنسان والأسماك.. فكان `تريتون` فى الاساطير اليونانيه إله البحر وهو إبن بوزيدون نصفه الأسفل ذو ذيل سمكة مزدوجه ونصفه العلوى جسم رجل ينفخ بوقه المصنوع من قوقعة المحارة وفي النحت والفسيفساء اليونانية غالبًا ما كان يصور بـ`قرون` كمخالب الكابوريا.. و`نيريوس`في الديانة اليونانية إله البحر أطلق عليه هوميروس `شيخ البحر`.. و`داجون` المعبود بالقرب من نهر الفرات كان نصفه سمكه ونصفه رجل وفى مناطق ساحليه أخرى تم تصويره كإله السمك.
- وإن عدنا الى اللوحات التى إعتمدت على التداخل بين رأس الإنسان ورأس السمكه ظهرت أكثر مباشره فى لوحة تحتل فيها سمكة كاملة الفك السفلى لوجه بشرى.. وبدت وجوه أخرى تحمل ملامح سمكيه بتداخل عيونهما معاً أو بعين واحده رخوه دون وعى الرؤيه كما فى لوحة `المنسية` التى بدت شخوصها الخمسة كأنها مقتطعة من طحالب بحرية وحيدة العين..كذلك لوحتى`منظر طبيعى غير منتهى` و`جندى حراسه`.. وفى عدة وجوه بشريه لعدد من لوحاته أيضاً مثل `ذاكرة اسماك المتوسط` ولوحتين بعنوان `رجل النيل` و`الرحله` و`ملكة القمر` و`رياح قاع البحر` ولوحته الرائعة `حارس الملكه` حيث بدت بوضوح العينين وقد رقدت فوقهما سمكه يكشف وجودها ذاته العينين البشريتين بينما بدت عينها متماهية للغايه.. هذا التداخل يجعلك حين تنظر في عيون شخوص اللوحات ستنسى ما يتعلق بالرومانسية لأنها تبدو كأنسجه وجزئيات جينيه متراكبه من أنسجه أخرى لكائنات مائيه فيها الرخاوة والسيوله وفى أحدها الإهتراء.. بينما بدت أعلى الرؤوس البشريه تنبت زوائد تتماثل وأجزاء من كائنات مائيه كأنها مهجنة بها.. ففى لوحتى`حارس الملكة` و`ملكة القمر` أنبتت رأسي شخوصهما `مخالب كابوريا` و`قرون` غير مكتمله كجزء متشظي من قوقعة وباقى أعلى الرأس البشرى بدى كبقايا صخريه كالتى تسكنها الطحالب.. ورأس أخرى أحاطته كقوقعه تسكن الدماغ كما فى لوحه بعنوان`بدون عنوان`.. لتكشف هذه الرؤوس البشريه التى هجنت بأجزاء سمكيه أو نبتيه طحلبيه كأنها حفريات سكنت الرأس البشرى متآكله ومترسبه ومهشره كبقايا من زمن حكايا ميثولوجيه متخيله.
- وبدت عيون شخوص`حسام صقر`بلا تعبير ولا طاقه وعى رغم تلاقيها وموقع العين الثالثة من الجبهة (وهذا سبب لي حيره بين دلالاتى الحكمة واللاوعى).. فربما تأثراً بأنه يُنظر إلى الأسماك كرمز لـ `اللاوعي` كما فى التحليلي ليونج فالأسماك تسكن أعماقًا لا يمكن فهمها وتمثل محتويات اللاوعي البعيدة المراوغة التي لا يمكن لمسها بسهولة فالسمكة كائن مطلع على عالم مجهول وفيه تكيفت وجميع البيئات المائية لذلك عاشت لأكثر من 500 مليون سنة عابره العديد من التفسيرات والمعاني الرمزية والثقافات المختلفة من الأساطير القديمة إلى الممارسات الروحية الحديثة.. وربما برغبة حفظ وجودها إختارت فى لوحات `صقر` أن ترقد فوق الجبهة مركز الإدراك ربما لتفعيل وعى لا تملكه..أو ربما هذه الأسماك بما شاع عنها عبر الأزمنه إمتلاكها لروحانيه جعل من تموضعها بين العيون البشريه تفعيل لروحانية `العين الثالثه`.
ونقرأ وصف بطل أرنست هيمنجواى لعيون السمك فى روايته الشهيرة `العجوز والبحر`: `تبدو عين السمكه منفصله مثل مرايا المنظار`.. هذا التعبير وكأن عين السمكه ليست نسيج عضوى حي بل كأنها بلوره زجاجيه بلا حياه تبرز فوق سطح الرأس.. ربما لذلك بدت بعض شخوص صقر ذوى عيون سمكيه بفعل تلاقيها وعيون السمك تنظر بإستياء هامده تفتقر إلى العاطفة..فما الذى جعل مظهر عينى بعض شخوص لوحاته هامده إلى هذا الحد؟..وأيضا وبنفس القياس لماذا لدي ولدى كثير من البشرعيوناً هامده حتى الموت؟.
- سمكتك الداخليه
`- سمكتك الداخلية` كتاب كنت قرأت تلخيصاً له قبلاً للكاتب `نيل شوبين` حول تلك الطبيعة المذهلة لتاريخنا التطوري والذى تداعىت كلماته إلى ذهنى مع أول لوحه شاهدتها فى معرض `صقر` حتى الآخيره.. لتذكرنى بالسمات الأثرية المدفونة في حمضنا النووي التى ذكرها الكاتب فنحن مرتبطون بمخلوقات من الماضي البعيد`.. فمقولة `سمكتك الداخلية` تجسد جوهر وجودنا ومفهوم تطورأجسادنا الذى يحافظ على بقايا ماضينا القديم وما نتشاركه والكائنات الحية..حتى أن أعماق اللاوعى السمكى بدى أقرب للمادة الحيه العميقه المتعلقه داخلنا.. والعلماء يدركون أن الإنسان والأسماك يشتركان في سمات متماثلة ومرتبطان في سلالة الحبليات بتلك السمات التي يتقاسماها وتعود لأقدم الفقاريات بهياكل مماثلة لليدين والزعانف وتطور الأسنان وتنوعها..ليأتى المشترك الفانتازى بالفن نراه فى عدد من لوحات `صقر` بتقابل الوجوه والعينين الى الجانبين والانف والخياشيم والفم فى المنتصف تماما.. ويذكر الكاتب أن الطريقة الرمزيه التي يتطور بها وجهك تشبه بشكل مثير للدهشة وجه السمكة بدءاً من العينين على جانبي الرأس وإحتواء الجمجمة فى كل منهما على مدارات للعينين وممرات لفتحتي الأنف.. ورمزياً سمكتنا الداخلية خضعت بشكل معقد لعدد لا يحصى من التكيفات والتحولات حدثت على مدى ملايين السنين للعلاقة العميقة بين البشر وتاريخ الحياة على الأرض.. ولتذكرنا الأساطير وحالياً عرض `صقر` أحداها بأننا لسنا كيانات معزولة وبأن في أعماق تركيبتنا البيولوجية يكمن النسب القديم للحياة نفسها مع كائناتها الحية على هذا الكوكب.
بقلم : فاطمة على
جريدة : القاهرة 28-5-2024
حسـام صقـر..... وحفـريـات أرض الـروح
- ليست لوحة الفنان التشكيلى حسام صقر - 1967
- بصمة الضوء المتكسر على السطح، بل هي حفرية في أرض الروح، تبحث في الرواسب العميقة للكائن عما تخلّفه الهجرات الداخلية من طبقات الذاكرة المختمة.
- فأسلوبه التلقائى ليس مجرد تقنية، بل هو تجلٍ وجودي، حيث يتحول اللون إلى وسيط بين العالمين... عالم الوعي `المرتجف` وعالم اللاوعى `الأزلى`.
- إنه لا يرسم الشكل الظاهر، بل يرسم الصمت الناطق الذى يسكن المسافة بين نظرةٍ ونظرة، ويرسم الفراغ الرعدي للصرخة التى ولدت ولم تُولَد بعد، المحاصرة بين جدران اللحم والدم.
- يمسك صقر بفرشاته كحاملِ `تميمة داخلية` يستحضر به الوجود الخام المختبئ في غلاف الشخصية، إنه لا يصنع صورة للإنسان، بل يُجري عملية استئصال للقناع، الوجوه في لوحاته ليست سوى بوابات مهتزة تؤدي إلى كهوف الذات المنسية، حيث تُعلِق الأحلام بلوراتها الرطبة على جدران الجمجمة، والشاعرية هنا ليست في الحكاية، بل في اللحظة السائلة التي يتحول فيها الوجد إلى لون، والخفق إلى خط.
- هو لا يستجلي `القصيدة المدفونة في وجنة الإنسان فحسب، بل ينصت إلى الصدى المعدني لـ`صوت الروح` وهي تتصادم بجدران الجسد، فالعمل الفني عنده يصير مكانا لولادة الذات من ذاتها، في مخاض بصري مؤلم وجميل، وهذه هي الفلسفة الحقيقية لفنه.... أن الجمال ليس في الإجابة، بل في عمق السؤال الوجودي الذي يتلوي على السطح القماشي، مخلفاً وراءه بصمة الشك المقدس، وندوب البحث الأبدي عن معنى يفر من كل تشكيل.
- في لوحات صقر، اللون، الخط، الرموز، الحواف، والمساحات الفارغة هي علامات حفريات، صدى الحفر الذي يترك أثره في المشاهد قبل أن يترجمه، يفتش عن الرواسب الداخلية للذات، عن اللحظات المطمورة في الظل، عن الشظايا التي تركتها المغادرات النفسية العميقة، الحفر هنا ليس تدميراً، بل `كشف متأنٍ`، مساحة يلتقي فيها الإحساس بالوجود، وحيث يختبر المشاهد مدى ترنح التوازن بين الوعي واللاوعي.
- لوحات صقر `حقل حيوي` للذكريات المتحركة، يحمل صدى لحظة لم تُعاش بالكامل بعد، هنا، المشاهد لا يلتقي بالشخصيات فقط، بل يلتقي بذاكرته الخاصة، بمخاوفه، بآماله، باللحظات التي تتناثر بين النسيان والحضور.
- اللوحة تحفز الأسئلة... هل يمكن أن نحفظ لحظة كما هي؟ هل يمكن للفن أن يلتقط نبضاً داخلياً لم يجرؤ العقل على تسميته؟ تجربة الفنان `وجودية مزدوجة` وهو ينقب عن ذاته، وتجربة المشاهد وهو يكتشف ذاته من جديد، الفن هنا استكشاف الغياب ولغة فلسفية وشعورية داخل الحفر العاطفية للروح.
- كما أن لوحات صقر ليست مجرد تصوير لموضوع ديني كلاسيكي، بل حفريات للنفس والوجود داخل أرض الروح، العذراء والمسيح هنا ليسا مجرد وجوه أو أشكال، بل كيانان `نفسيان` و`وجوديان`، يحملان صمتاً ضاغطاً ووجودًا ممتدًا في الفراغ حولهما، من اللحظة الأولى، يفرض اللون نفسه كـ`صوت داخلي`، طبقات الأحمر والأزرق والرمادي لا تعمل فقط كجمال بصري، بل كـطبقات زمنية ووجدانية تسجل ارتجافات الروح والمشاعر غير المعلنة.
- الخطوط المتدفقة والارتجافية حول الشخصيات لا تحدد الشكل، بل تخلق `حوارًا` بين الملموس والغياب، بين ما يُرى وما يُشعر به، العيون الممسوكة في `نصف حضور`، تعكس تجربة نفسية مزدوجة... الصمت والصرخة، الحنين والخوف، الثبات والتحوّل... هنا، اللوحة تطرح سؤالًا فلسفيًا جوهريًا... هل الشخصية موجودة بما نراها، أم بما يتركه غيابها الرمزي داخل الفراغ النفسي؟ باختصار، اللوحة عند صقر تتجاوز التمثيل البصري إلى `فعل فلسفي` قائم بذاته.
- وتأسيسا على التحليل النقدي السابق أقدم الاضافة البحثية التالية لزوايا غير مطروقة تتحول فيها اللوحة من موضوع نقدي إلى `مختبر مفاهيمي` يتجاوز التصنيف المألوف.
-هذه الزوايا تدخل العمل في حوار مع `أطر معرفية` جديدة كـ`العبور التخصصي`... التشكيل كتخطيط للعصب البصري، لم يكتب عن صقر كفنان يجري عملية تسجيل سيكولوجية على القماش، فعفويته المحكمة ليست انفعالا عشوائيا، بل هي `توثيق ديناميكي` لمسار التفاعل الذهني داخل وعي الفنان أثناء التأمل، الخط المتقطع واللطخة غير المتوقعة هما، في هذه القراءة، رسم بياني للشحنات الانفعالية البصرية، ووثيقة عن كيفية تحويل الإحساس الداخلي بالقداسة إلى سلسلة من `الدفعات التشكيلية`، اللوحة بهذا المعنى هي تسجيل بصري لخريطة المشاعر المركزة.
- ايضاً `البعد الصوفي اللامفصوح`... نحو لاهوت صامت، حيث يتجاوز صقر في هذه اللوحة التصوف الزخرفي إلى `صوفية مادية`، حيث يكون الجسد الممثل باللون والكتلة هو `المقام الروحي` الوحيد، القداسة هنا لا ترى في الهالات، بل في كثافة المادة اللونية نفسها، في `ثقل الأحمر` كما لو كان `دما روحيا`، وفي شفافية الأزرق كتنفس داخلي. هو يقدم `لاهوتا حسيا`، حيث تكون الألوان هي العناصر الأربعة لتكوين جسد روحي جديد، العذراء والمسيح ليسا في سماوات، بل في داخل مادي مكثف هو أصل كل سماوية.
- كذلك `التكنيك كفلسفة`... العفوية المدارة وتقنيات اللاوعي الموجه قلما حلت تقنية صقر على أنها مناورة مضادة للمنهج الاكاديمي الذي يدرسه، إنها ليست نفيا للمعرفة، بل هي خلق منهجية مضادة... حيث يصبح اللاشكل هو `البذرة`، والصدفة هي `المرشد`، هذه العفوية المقصودة هي استراتيجية لتفجير اللاوعي `الشخصي والجمعي` في آن.
- وفي امتداد لتلك الزوايا، `المقارنة السياقية الجذرية`... خارج ثنائية الشرق والغرب، لم يقارن صقر بسياقه المتوسطي الافريقي الحقيقي، فتوتر الشخصيات بين الحضور والغياب لا يشبه قلق بيكون الاوروبي، بل يشبه وجوه الطقوس القديمة أو تماثيل السواحل الحجرية العتيقة، وجوهه قد تكون حفريات لأقنعة ثقافة البحر الابيض المتوسط الاولية، ما قبل الاديان السماوية، حيث كان المقدس مرتبطا بالانثى العظيمة والطفل الالهي كرموز للخصب والموت، لوحته قد تكون استعادة لتلك التصورات الاثارية المختفية تحت طبقات الوعي الديني اللاحق.
- وفي الضوء نفسة `استعارة المختبر الكيميائي`... اللوحة كـ`وميض آتي`، اللوحة هنا مفاعل كيميائي وجداني، المسطح الابيض هو دورق الاختبار، والالوان هي كواشف، التفاعل الذي يحدث ليس تكوين صورة، بل `تفكيك` مفهوم الصورة المقدسة إلى مكوناتها الاولية... الخوف، الرجاء، الحنان، القلق، الصمت في اللوحة ليس غيابا للصوت، بل هو السكون الذي يعقب الانفجار العاطفي، الهدوء الذي يلي التفاعل الكيميائي العنيف بين فكرة الامومة وفكرة التضحية، المشاهد لا يرى نتيجة، بل يرى تفاعلا متجمدا في ذروته.
- هذه الزوايا لا تفسر اللوحة، بل تفتح مساحات تأويل لا نهائية، جاعلة من عمل صقر منصة لإعادة طرح السؤال الفلسفي الابدي... كيف يمكن للفن أن يكون أداة لاستكشاف المناطق الحدودية بين المادة والروح، بين التاريخي والوجودي، بين الشخصي والجمعي؟ كآلية توليد اسئلة متجددة.
- وتتجلى عبقرية حسام صقر في `التوليفة السينكريتية` التي يصهر فيها مناهج متباينة في بوتقة رؤيته ليكون صوتاً فلسفياً فريداً، فهو لا يتبع مدرسة بل يخلق `مصهراً` تتلاقى عنده فينومينولوجيا الوجود وتفكيكية المعنى وصوفية التلاشي، يأخذ من `هيدجر وميرلوبونتي` مشروع استعادة التجربة الحية في لحظتها السابقة على التسمية، حين يكون الوجود مجرد حضور حسي خام، فيلتقط هذا الاهتزاز الأولي للوعي مما يفسر عفويته الظاهرة التي هي في الحقيقة انضباط عال في الاستبصار الفوري، ويستعير من `دريدا` آلية `التفكيك السائل` ليس بهدم المعنى بل بكشف طبيعته المتعددة والمتقلبة، ففراغاته وخطوطه المفتوحة هي تفكيك بصري لليقين ودعوة دائمة لـ`أجتراح الدلالة`، لكن القلب النابض لفلسفته هو النزعة الصوفية العميقة، فهو يعيد صياغة مفهوم الفناء ليس كغاية روحانية بل كمنهج إبداعى، أن يختفى الفنان ليكون الوعي الخالص للوحة نفسها، وهنا يلتقي مع `مولانا الرومي` في أن الذات يجب أن تمحى لتتلقى، ومن تلاقى هذه المسارات يولد قدسية الفراغات لحسام صقر، نظام جمالي لا يعرف الجوهر بما هو حاضر بل بما يتوارى، ولا يكشف الحقيقة إلا من خلال فراغاتها وإيماءات غيابها، وهذه السينكريتية لا تجعله تابعاً بل تمنحه لغة كونية لفهم الوجود، فن يتحول إلى ممارسة تأملية، حيث يصير الخلق عملية اكتشاف للذات والعالم عبر تواضع الاختفاء، وإعلان أن العمق الحقيقي لا يسكن في الإجابات بل في جودة وصمّة الأسئلة التي نعيش في كنفها.
-اخيراً يظهر حسام صقر ليس كفنان يرسم، بل كـ`جمرة وجودية متوهجة` في صمت الألوان، هو حارس الاهتزاز الداخلي الذي يترجم رعشة الروح إلى خطوط تحمل ثقل الأسرار، في عينيه يصبح الفن تضحية ذاتية، كل لوحة جلد يُسلخ عن كيانه ليظهر العالم `عراة أرواحنا`، إحساسه ليس مشاعرَ تُعبر، بل زلازل صغيرة في قشرة الوعي، يلتقطها ريشته بدمٍ بصري خالص، يصير هو نفسه `اللوحة الأكبر`، كائناً من صمتٍ ناطق، ووجعٍ مضىء، وصرخةٍ تعلن أن الجمال الحقيقي هو ذلك الذي يولد من جرح الحقيقة.
إيستر فادى
القاهرة 13-1-2026
|