Page 3 - Fenoun_Masreya
P. 3
بيننا وبين بدايات كان عليها �أن تتوا�صل‪ ،‬لكن �شاء �أهل �صناعة الترهل �أن يف�سحوا المجال ألهل �صناعة الغياب عن‬
‫الواقع بتمثيلية إ�دعاء المعا�صرة بانفتاح اقت�صادى عر�ضت فيه ر�أ�سمالية المحا�سيب الكثير من مدخرات الم�صريين التى‬
‫بنوها على هيئة قطاع عام فيما قيل �أكتوبر ‪1973‬م‪ ،‬ولم يكن أ�مام ال�شاعر �أو الكاتب أ�و الفنان التذكير؛ فلي�س‬

‫منهم من ي�صنع قرا ًرا‪.‬‬
‫***‬
‫وكثي ًرا ما دارت المناق�شات بينى وبين عبد الرحمن عما جرى منذ لقائنا ا ألول عام ‪1962‬م؛ فالبدايات عند‬
‫عبد الرحمن لم تغب يو ًما عن ذاكرته؛ فقد �شاء له القدر أ�ن يكتب فى كلماته‬
‫تاريخ �أجيال‪ ،‬و�أخذت ر ؤ�يته تبدو ك�سيدة حواراتنا ل�سنوات‪ ،‬كان يرى �أن‬
‫�ضرورات تغيير الحياة ـ كما حلم بها عبد النا�صر ـ لابد �أن توجد لها أ�قدام على‬
‫أ�ر�ض الواقع‪ ،‬وطب ًعا كنا منبهرين بثقتنا فى أ�نف�سنا و إ��صرارنا على تروي�ض نهر‬
‫النيل‪ ،‬ببناء ال�سد العالمى‪ .‬وتحمل الذاكرة العديد من حكايات عبد الرحمن‬
‫عن توح�ش الفي�ضان أ�ثناء طفولته ب أ�بنود‪ ،‬حين كان الفي�ضان ي أ�تى ليكت�سح‬
‫العديد من البيوت ويغرق ا ألر�ض‪ ،‬ويترقب �أهل ال�صعيد مجيئه بالخوف‬
‫والرجاء‪ :‬خوف على ا ألطفال من الغرق �إن �أخذتهم دوامات الإنزلاق‬
‫إ�لى المجرى العام للنهر‪ ،‬ورجاء انح�سار المياه تاركة الخ�صب بما يهيئ زراعة‬
‫ا ألر�ض لمو�سم واحد‪ ،‬ثم انتظار العام القادم لزراعة جديدة‪ .‬وفى تلك الأيام‬
‫كان عبد الرحمن يحترف رعى ا ألغنام ليرقب الم�سافة بين طبيعتها وبين‬
‫طبيعة الب�شر‪ ،‬وتمتلئ �سماوات روحه ب أ�غنيات ا ألم فاطمة قنديل‪ ،‬وليكبر‬
‫تار ًكا “قنا” �إلى القاهرة ليكون مقاتل ًا بحكم التجنيد ا إلجبارى‪ ،‬ولينفجر‬
‫فيه ال�شعر بركا ًنا �أكثر �ضراوة من الفي�ضان �إن كتمه‪ .‬وي�شهد مكتبى بمجلة‬
‫“�صباح الخير” ارت�شافنا القهوة “على الريحة” ليدور الحوار حول العدل‬
‫النابع من كلمات جمال عبد النا�صر؛ فيجد مطلق الت�صديق فى قلبى‪ ،‬وليجد‬
‫فى قلب عبد الرحمن طلب البرهان على قدرة هذا العدل على �أن تكون‬
‫له أ�قدام يم�شى بها فى �شوارع الواقع‪ ،‬و أ�ول خطوات البرهان في قلب عبد‬
‫الرحمن هو خروج إ�مام ال�شعر العامى من المعتقل؛ �أى خروج ف�ؤاد حداد‬

‫هذا المت�صوف المعجز بع�شق هذا الوطن‪.‬‬

‫‪3‬‬
   1   2   3   4   5   6   7   8